Alef Logo
دراسات
              

الطوفان الكبير وفق رواية ملحمة جلجامش

فراس الســواح

2006-09-16

لقد قدمت لنا ملحمة أتراحاسيس البابلية، التي عرضناها في الحلقة السابقة، من جملة ما قدمت، قصة عن الطوفان الكبير الذي غمر المراكز الحضرية في وادي الرافدين، وعن بطل الطوفان المدعو أتراحاسيس (أي الفائق الحكمة) الذي أنقذ بذرة الحياة على الأرض في مركب عملاق. ولكن هذه القصة مليئة بالفجوات بسبب الحالة السيئة للوح الثالث الذي دّونت عليه، وضياع عدد كبير من سطوره. ولحسن الحظ فإن ملحمة بابلية أخرى هي ملحمة جلجامش، قد حفظت لنا قصة طويلة وكاملة تقريباً عن الطوفان الكبير، وذلك في اللوح الحادي عشر من الملحمة، والذي وصلنا في حالة سليمة نسبياً.
إن الصيغة الأقدم لملحمة جلجامش ترجع بتاريخها إلى العصر البابلي القديم (2000-1600 ق.م)، وهو العصر الذي دونت خلاله ملحمة أتراحاسيس. ولكن النص قد مر عبر سلسلة من التغيرات خلال ما ينوف على ألفية كاملة، عاشت خلالها الملحمة وجرى تداولها واستنساخها وترجمتها في معظم ثقافات الشرق القديم. فبالإضافة إلى الصيغة البابلية القديمة، هنالك صيغة بابلية وسيطة ترجع إلى الفترة مابين 1600 و 1000 ق.م، وصيغة بابلية متأخرة ترجع إلى نهايات العصر الآشوري في القرن السابع قبل الميلاد، تم العثور على نسختها الرئيسية في مكتبة آشور بانيبال بالعاصمة نينوى. وهذه النسخة هي التي نعنيها اليوم عندما نتحدث عن ملحمة جلجامش.
وردت قصة الطوفان الكبير في ملحمة جلجامش على لسان بطل الطوفان نفسه، والمدعو هنا أوتنابشتيم، عندما وصل إليه جلجامش في نهاية رحلته الطويلة التي شرع بها للبحث عن الخلود، وسأله عن سرّ الحياة والممات وكيف استطاع الحصول على الحياة الخالدة من دون بقية البشر. فقال له أوتنابشتيم بأن خلوده كان حدثاً استثنائياً لن يتكرر مرة أخرى، وأنه ناله عقب الطوفان العظيم مكافأة له على إنقاذ بذرة الحياة على الأرض. ثم بدأ يقص عليه القصة من أولها، مما سنقدمه فيما يلي من ترجمة كاملة لمعظم اللوح الحادي عشر من سلسلة جلجامش، ولكن بعد وقفة قصيرة عند الرواية السومرية للطوفان، والتي دخلت معظم عناصرها في كلٍ من رواية أتراحاسيس ورواية جلجامش.
تأتي قصة الطوفان السومرية في سياق نص طويل وصلنا منقوشاً على رقيم واحد مكسور، ضاع ثلثاه وبقي منه ثلث واحد كثير التشوه. ويبدو أن القسم الضائع من الرقيم يتحدث، على غرار ملحمة التكوين البابلية، عن أصول الآلهة وعن خلق العلم، وتوزيع المهمات والصلاحيات بين أعضاء البانثيون السومري. أما القسم الباقي من الرقيم فيبتدئ بسطور مشوهة تتحدث عن خلق الإنسان والحيوان والحياة النباتية، وعن أصل مؤسسة الملوكية التي هبطت من السماء بعد أن أظهر الآلهة إلى الوجود المدن الخمس الأولى، التي شُيدت فيها المعابد ورُفعت الصلوات للآلهة. بعد ذلك نفهم أن مجمع الآلهة، ولسبب غير واضح، قرَّر إفناء الجنس البشري وكل مظاهر الحياة بواسطة طوفان شامل يغمر الأرض. بقية النص غير واضحة تماماً للقراءة، ولكن ما تبقى منه كافٍ لرسم الخطوط العامة للقصة. فالإلهة إنانا تقيم مناحة على البشر على الرغم من عدم خروجها على إجماع الآلهة، وكذلك الإلهة ننتو، الأم الخالقة التي ساهمت في خلق الجيل الأول من البشر، إما الإله إنكي المعروف بقربه من البشر ومحبته لبني الإنسان، فقد قرر على ما يبدو الخروج على إجماع الآلهة سراً، وإنقاذ بذرة الحياة على الأرض، فيظهر في الحلم لملك مدينة شوروباك الصالح المدعو زيوسودرا (والاسم السومري هنا يحمل نفس دلالة الاسم البابلي أتراحاسيس، أي الفائق الحكمة) ويكشف له عن سر الطوفان:
في ذلك الحين بكت ننتو [كامرأة في المخاض]،
وإنانا المقدسة ناحت على شعبها.
إنكي فكر ملياً، وقلَّب الأمر على وجوهه.
أنو وإنليل وننخرساج […….]،
آلهة الأرض وآلهة السماء دعوا باسم أنو وإنليل.
في تلك الأيام. كان زيوسودرا ملكاً وقيماً على المعبد؛
قام بتقديم [قربان] عظيم،
وجعل يسجد بخضوع [ويركع] بخشوع،
ودونما كلل توجه للآلهة [بالدعاء].
فرأى في أحد الأيام حلماً لم ير له مثيلاً؛
الآلهة […..] جدار [……..].
وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتاً:
«قف قرب الجدار من جهة اليسار [واسمع]؛
عند الجدار سأقول لك كلاماً فاتبع كلامي،
واعط أذناً صاغية لوصاياي.
إنَّا مرسلون طوفاناً من المطر […..]،
فيقضي على بني الإنسان […….].
ذلك حكمٌ وقضاءٌ من مجمع الآلهة،
أمر أنو وإنليل.
فنضع حداً لملكوت البشر.
يلي ذلك تشوه في النص، تصف السطور المفقودة منه، ولا شك، تعليمات الإله الذي يخاطب زيوسودرا، وهو الإله إنكي على الغالب، بخصوص بناء السفينة ومواصفاتها ونوعية ركابها من البشر وأصناف الحيوانات، ثم قيام زيوسودرا ببنائها. وعندما يتضح النص للقراءة نجد أنفسنا وسط الطوفان.
هبت العواصف كلها دفعة واحدة،
ومعها انداحت سيول الطوفان فوق [وجه الأرض].
ولسبعة أيام وسبع ليال،
غمرت سيول الأمطار وجه الأرض،
ودفعت العواصف المركب العملاق فوق المياه العظيمة.
ثم ظهر أوتو (إله الشمس) ناشراً ضوءه في السماء والأرض.
فتح زيوسودرا كوة في المركب العملاق،
تاركاً أشعة أوتو البطل تدخل منه.
زيوسودرا الملك، خرَّ ساجداً أمام أوتو،
ونحر ثوراً وقدم ذبيحة من غنم.
عند هذه النقطة يتشوه النص، ومن المرجح أن القسم المفقود يتحدث عن انحسار الطوفان ورسو السفينة على الجبل، ثم حضور الآلهة الذين ندموا على ما فعلوا وسروا بنجاة زيوسودرا ومن معه، لأن الأسطر الأخيرة الباقية تتحدث عن إنعامهم على بطل الطوفان بالخلود مكافأة له عما فعل.
زيوسودرا الملك،
سجد أماما أنو وإنليل.
ومثل إله وهباه حياة أبدية،
ومثل إله وهباه روحاً خالدة.
عند ذلك، زيوسودرا الملك،
دُعي باسم حافظ بذرة الحياة
وفي أرض [……] أرض دلمون
حيث تشرق الشمس، أسكناه.
يلي ذلك كسر حتى نهاية النص يحتوي قرابة 39 سطراً.
النص البابلي:
اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش (نص مكتبة آشور بانيبال).
العمود الأول:
فقال له جلجامش، قال لأوتنابشتيم:
«انظر إليك يا أوتنابشتيم
فأراك عادياً، وشكلك مثلي.
نعم، أراك عادياً، وشكلك مثلي.
لقد صورك لي جناني بطلاً على أهبة القتال.
ولكن ها أنت مضطجع على جنبك أو قفاك.
فقل لي كيف صرت مع الآلهة ونلت الحياة؟»
فقال له أوتنابشتيم، قال لجلجامش:
«جلجامش، سأكشف لك أمراً خبيئاً،
وأطلعك على سر من أسرار الآلهة.
شوريباك، المدينة التي تعرفها،
والتي ترقد على ضفة نهر الفرات؛
لقد شاخت المدينة والآلهة في وسطها،
فحدثتهم نفوسهم، الآلهة الكبار، أن يرسلوا طوفاناً.
كان هنالك آنو أبوهم،
وإنليل المحارب مستشارهم،
وننورتا مساعدهم،
وإينوجي ناظر قنواتهم،
وننجيكو إيَّا كان حاضراً أيضاً
فنقل إيا حديثهم إلى كوخ القصب:
«كوخ القصب، يا كوخ القصب، جدارُ يا جدار؛
أنصت يا كوخ القصب، وتفكَّر يا جدار؛
رجل شوريباك، يا ابن أوبارا- توتو:
قوض بيتك وابن سفينة،
اترك ممتلكاتك وأنقذ حياتك،
اهجر متاعك وأنقذ نفسك،
احمل في السفينة بذور كل مخلوق حي.
والسفينة التي أنت بانيها.
ستأتي وفق مقاييس مضبوطة،
فيتساوى طولها مع عرضها،
ثم غطها كما المياه السفلى».
فلما تمليتُ القول، قلت لربي إيا:
«رويدك سيدي. إن ما أمرتَ به
سيلقى الخضوع والتنفيذ.
ولكن كيف أجيب عن تساؤلات المدينة والناس والأعيان؟»
فتح إيا فمه وقال
متوجهاً بالحديث إليّ، أنا خادمه:
«إليك ما سوف تقوله لهم:
لقد علمت أن إنليل يكرهني،
وعليَّ بعد الآن أن أفارق مدينتكم،
وألا أدير وجهي نحو أرض إنليل.
ولذا فإني سأهبط إلى «الآبسو»، المياه السفلى، فأعيش مع سيدي إيا،
الذي سيمطر عليكم من بعدي خيرات وافرة،
طيوراً (من أفضلها) وأسماكاً (من أطيبها)،
(ولسوف تمتلئ الأرض) بغلال الحصاد.
وعند الغسق، رب العاصفة
سيرسل مطراً من القمح ينزل عليكم».
العمود الثاني:
وما أن لاحت تباشير الصباح،
حتى تجمع الناس حولي.
(أربعة سطور مشوهة)
جلب الأطفال لي القار،
وجلب لي الكبار كل ما يلزم.
في اليوم الخامس أنهيت هيكلها.
كانت مساحة سطحها إيكو واحداً،
ومئة وعشرين ذراعاً ارتفاع الواحد من جدرانها.
أنهيت شكلها الخارجي وأكملته.
ستة طوابق صنعت فيها.
(وبذا) قسمتها إلى سبعة،
وقسمتُ الأرضيات إلى تسعة.
ثبتْثُ على جوانبها مصدات المياه،
وزودتها بالمجاذيف وخزنت فيها المؤن.
سكبتُ في الفرن ست وزنات من القار،
وست وزنات من الإسفلت.
ثلاث وزنات من الزيت أتى بها حملةُ السلال،
واحدة استهلكها نقع مصدات المياه،
واثنتان قام ملاح السفنة بخزنهما.
ذبحتُ للناس عجولاً،
ورحت أنحر الخراف في كل يوم.
عصيراً، وخمراً أحمر، وزيتاً، وخمراً أبيض،
بذلتُ للصُناع فشربوا كما من ماء نهر؛
احتلفوا كما في عيد رأس السنة.
[…..] الدهون غمست يدي.
في اليوم السابع أكملتُ السفينة.
[إنزالها في الماء] كان صعباً.
[…….] من فوق ومن تحت،
[حتى غاص في الماء] ثلثاها.
كل ما أملك حملت إليها،
كل ما أملك من فضة حملت إليها،
كل ما أملك من ذهب حملت إليها،
كل ما استطعت من بذور كل شيء حي حملت إليها.
وبعد أن أدخلت إليها كل أهلي وأقاربي،
وطرائد البرية ووحوشها وأصحاب الحرف،
حدَّد لي الإله شَمَشْ وقتاً معيناً:
«عندما يرسل (أداد) سيد العاصفة مطراً مدمراً في المساء،
أدخُل الفُلك واغلق عليك بابك».
حل الموعد المضروب.
في المساء أرسل سيد العاصفة مطراً مدمراً؛
(قلبتُ وجهي في السماء) أراقب الطقس،
كان الجو مرعباً لناظره.
دخلت الفُلك وأغلقت عليَّ بابي،
أسلمت قياد السفينة للملاح بوزو- آموري،
أسلمته الهيكل العظيم بكل ما فيه.
العمود الثالث:
وما أن لاحت تباشير الصباح،
حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء،
يجلجل في وسطها صوت أداد،
يسبقها (رسولاه) شوللات وخانيش،
نذيران عبر السهول والبطاح.
اقتلع أريجال (= نرجال) دعائم (خزانات المياه السفلية)،
ثم تبعه ننورتا وفتح السدود.
رفع الأنوناكي مشاعلهم عالياً
حتى أضاء وهجها الأرض.
بلغتْ ثورة أداد تخوم السماء،
أحالت كل نور إلى ظلمة،
والأرض [الواسعة] قد تحطمت [كما الجرة].
[ ثارت ] العاصفة يوماً كاملاً
وتزايدت سرعاتها حتى [غمرت الجبال]،
أتت على البشر، حصدتهم كما الحرب،
حتى عمي الأخ عن أخيه،
وبات أهل السماء لا يرون أهل الأرض.
حتى الآلهة ذُعرت من هول الطوفان،
هرب جميعهم صُعداً نحو سماء آنو،
ربضوا عند الجدار الخارجي ككلاب مرتعدة.
صرخت عشتار كامرأة في المخاض،
ناحت سيدة الآلهة ذات الصوت العذب:
«لقد آلت إلى طين تلك الأيام القديمة،
لأني نطقتُ بالشر في مجمع الآلهة؛
فكيف نطقت بالشر في مجمع الآلهة؟
كيف أمرتُ بالحرب تحصد شعبي،
تدمر من أعطيتهم أنا الميلاد؟
وهاهم يملؤون البحر كصغار السمك».
بكى معها آلهة الأنوناكي،
تهالكوا وانحنوا يبكون،
وقد حجبوا أفواهم (بأيديهم).
ستة أيام وست ليال،
والرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض.
ومع حلول اليوم السابع، العاصفة والطوفان،
اللذان داهما كجيش، خفت شدتهما.
هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان.
فتحتُ الكوة فسقط النور على وجهي؛
نظرتُ إلى البحر، كان الهدوء شاملاً،
وقد آل البشر إلى الطين.
كان الـ …. بمحاذاة السقف.
تهالكت، وانحنيت أبكي،
وقد أغرقتْ الدموع وجهي.
ثم تطلعت في كل الاتجاهات مستطلعاً حدود البحر؛
على بُعد اثنتي عشرة ساعة مضاعفة انبثقت قطع من اليابسة.
ثم استقرت السفينة على جبل نصير.
جبل نصير أمسك بالسفينة، منع حركتها.
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً وثانياً.
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً ثالثاً ورابعاً.
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً خامساً وسادساً.
وعندما حلّ اليوم السابع،
العمود الرابع:
أتيت بحمامة فأطلقتها.
طارت الحمامة بعيداً ثم عادت إلي،
لم تجد مستقراً فعادت.
ثم أتيت بسنونو وأطلقته،
فطار السنونو بعيداً ثم عاد إليَّ،
لم يجد مستقراً فعاد.
ثم أتيت بغراب وأطلقته،
فطار الغراب بعيداً، ورأى أن الماء قد انحسر،
حام وحط وأكل ولم يعد.
فأطلقتُ الجميع نحو الجهات الأربع، وقدمتُ أضحية.
سكبت خمر القربان على قمة الجبل.
وضعت سبعة قدور وسبعة أُخر،
جمعت تحتها القصب الحلو وخشب الأرز والآس،
كي تشم الآلهة الرائحة.
شمت الآلهة الرائحة الزكية،
فتجمعت على الأضحية كالذباب.
وعندما وصلت الإلهة الكبرى (عشتار)
رفعت عقدها الكريم الذي صنعه آنو لها وقالت:
«أيها الآلهة الحاضرون، كما لا أنسى هذا العقد اللازوردي في عنقي
كذلك لن أنسى هذه الأيام قط. سأذكرها دوماً.
تقربوا من الذبيحة جميعاً
(ولكن) إنليل وحده لن يقترب
لأنه دونما تروٍ قد سبب الطوفان،
وأسلم شعبي إلى الدمار».
وعندما وصل إنليل
ورأى السفينة، ثارت ثائرته؛
استشاط غضباً من آلهة الإيجيجي:
«هل نجا أحد من الفانين؟ ألم نقرر إهلاك الجميع؟»
ففتح ننورتا فمه وقال، مخاطباً إنليل المحارب:
«من يستطيع تدبير الخطط غير إيا؟
إيا وحده عليم بكل شيء».
ففتح إيا فمه وقال مخاطباً إنليل المحارب:
أيها المحارب، أيها الحكيم بين الآلهة،
كيف، آه كيف دونما تروٍ، جلبت هذا الطوفان؟
حمِّل الآثم إثمه، والمعتدي عدوانه؛
أمهله فلا يهلك ولا تهمله فيشتط.
لو أرسلت بدل الطوفان أسوداً لأنقصت عدد البشر.
لو أرسلت بدل الطوفان ذئاباً لقللت منهم.
لو أرسلت بدل الطوفان المجاعة لأهلكت البلاد.
لو أرسلت بدل الطوفان الإله إرّا لحصد الناس.
(وبعد)، لست الذي أفشى سر الآلهة الكبار،
لقد أريت أتراحاسيس حلماً فاستشف منه الأمر.
والآن، اعتقد أمرك بشأنه».
فصعد إنليل إلى السفينة
ثم أخذني بيدي وأصعدني معه،
وأصعد زوجتي وجعلها تركع إلى جواري،
ثم وقف بيننا، ولمس جبهتينا مباركاً:
«ما كنتَ قبل اليوم إلا بشراً فانياً،
ولكنك منذ الآن ستغدو وزوجتك مثلنا (خالدين)،
وفي القاصي البعيد عند فم الأنهار ستعيشان».
ثم أخذوني وأسكنوني في البعيد عند فم الأنهار.
تاريخ أم أسطورة؟
كان نص الطوفان البابلي هو أول الألواح التي تم اكتشافها من ملحمة جلجامش. ففي عام 1872 أعلن الباحث جورج سميث، من المتحف البريطاني أنه قد توصل إلى حل رموز أحد الألواح المكتشفة في مكتبة آشور بانيبال بنينوى القديمة، ووجد أنه يحتوي على قصة للطوفان مشابهة للقصة الواردة في كتاب التوراة. ومنذ ذلك الوقت قام جدل بين الباحثين حول تاريخية قصة الطوفان، بعد أن تعززت الرواية التوراتية برواية أخرى أقدم منها. وقد شارك في هذا الجدل مؤرخون وآثاريون وجيولوجيون ومناخيون من شتى أنحاء العالم المسيحي. وبينما أكد البعض على حدوث طوفان عام في منطقة وادي الرافدين الجنوبي، وساق الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، فإن البعض الآخر رفض فكرة الطوفان الشامل وقال بحدوث طوفانات محلية في المنطقة، بقي أكبرها في ذاكرة الناس وقاد إلى ظهور قصة الطوفان الشامل. ثم جاءت التنقيبات الأركيولوجية المكثفة في المنطقة لتقف إلى جانب الرأي الثاني. ففي عشرينيات القرن العشرين اكتشف عالم الآثار ليونارد وولي، خلال تنقيباته في موقع مدينة أور السومرية، طبقة سميكة من الرواسب الطينية النقية يتراوح سمكها من متر ونصف إلى مترين. ولما كانت مثل هذه الرواسب لا تتشكل إلا نتيجة للفيضانات، فقد أعلن وولي أنه اكتشف البرهان على حدوث الطوفان الكبير في وادي الرافدين، لاسيما وأن هذه الطبقة الرسوبية تفصل بين مستويين آثاريين منقطعين عن بعضهما. ولكن التنقيبات اللاحقة أثبتت فيما بعد وجود طبقات من هذه الرسوبيات في كل من كيش وأوروك وشوروباك في الجنوب، وفي نينوى الآشورية في الشمال. ولكن هذه الطبقات تختلف في سماكاتها عن طبقة أور، كما أنها ترجع إلى فترات تاريخية متفاوتة في القدم. وهذا يدل على أن المنطقة قد شهدت فعلاً طوفانات كبيرة، ولكنها كانت طوفانات محلية ومتباعدة زمنياً عن بعضها بعضاً. وربما اتخذ سكان وادي الرافدين الجنوبي من أكبر هذه الطوفانات حادثة يؤرخون بها للأحداث، فقسموا تاريخهم إلى فترتين الأولى فترة ما قبل الطوفان والثانية فترة ما بعد الطوفان.
ولكن العالم الروسي الكبير دياكونوف، الباحث في التاريخ السومري والأكادي، لا ينظر إلى تقسيم التاريخ الرافديني إلى ما قبل وما بعد الطوفان من خلال تركيزه على طوفان تاريخي معين، وإنما من خلال رسمه لصورة عامة لحياة السكان في ذلك العصر. فلقد اضطرت القبائل السومرية الوافدة إلى المنطقة تحت ضغط جيرانها إلى عزل نفسها في أسفل وادي الرافدين حيث تكثر المستنقعات. وعلى الرغم من خصوبة هذه المنطقة، إلا أنها لم تقدم عطاءها الوافر إلا بعد أن تعلم الإنسان كيف يصنع شبكة واسعة من قنوات الري، ويسيطر على النهر الجامح الذي كان يغمر الوادي سنوياً. وفي بعض السنين، عندما يتزامن الفيضان مع الرياح الإعصارية القادمة من الخليج، فإن المياه تسبب أضراراً فادحة، وتهدم أكواخ القصب السومرية، وتغرق الحقول المستصلحة وتحولها لفترة طويلة إلى مستنقعات. من هنا، فقد اعتاد السومريون على تقسيم تاريخ بلادهم إلى عهدين، العهد الأسطوري السابق على الطوفان والعهد التاريخي بعد الطوفان. أي إلى ما قبل إنشاء منظومة الري وما بعدها.
وهكذا فإن الحديث، كما يعتقد دياكونوف، يجب ألا يدور حول طوفان محدد. وإنما عن فيضانات دورية اتحدت فيما بعد في تصور أسطوري واحد عن الطوفان الكبير الذي أعقبه انبثاق عهد جديد من بلاد الرافدين.

تعليق



رنا

2016-10-22

حلو

رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

مدخل إلى نصوص الشرق القديم/ ميثولوجيا التكوين الرافدينية

30-أيلول-2017

فراس السواح: الشيطان هو رمز الحرية في الإنسان.

16-أيلول-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow