Alef Logo
يوميات
              

عن فاغنر وبارنبوم ودانا أولميرت

وائل السواح

2008-06-23


يروي الكاتب اللبناني الماتع حليم بركات أنه كان ذات مرة يطير عائدا إلى لبنان وقد جلست بجانبه سيدة عجوز لطيفة. ولم يكن هو في مزاج تبادل حديث معها، ولكنها بادرته مازحة :
- " آسفة لخيبة أملك. لا بد أنك تفضل أن تجلس بجانبك صبية جميلة وليس عجوزا قبيحة".
يضحك حليم بركات دون أن يجيب، ويتابع خربشة بضع كلمات على ورق أمامه. تلاحظ العجوز أنه يكتب بأحرف غريبة، فتسأله :
-" هل تكتب بالعبرية؟
- بالعربية"
يجيب باقتضاب، فتتغيّر ملامح السيدة وتنسحب إلى عالمها الداخليّ بعد أن تقول له إنّها قادمة للتوّ من اجتماع في البيت الأبيض لاستلامها وساما بسبب نشاطاتها في جمع تبرعات لإسرائيل.
بركات أيضا ينسحب إلى عالمه الداخليّ واضعا سماعتي الهيدفون على أذنيه لتنساب إليه موسيقى أوبرا "الخاتم" لريتشارد فاغنر. ثم يخطر له خاطر. يرفع السمّاعتين ويسأل جارته :
- "هل تحبّين فاغنر؟
-أكرهه.
-لماذا؟
-لأنّه نازيّ ".
أعتقد أن السيدة لم تسمع فاغنر في حياتها، وهي لا تعرف عنه إلا ما سمعته في وسائل الإعلام الإسرائيلية واليهودية. توفي فاغنر سنة 1883، أي قبل أن يولد هتلر بست سنوات. ومع ذلك ثمّة من يبني حوله نظريّات غريبة، مؤدّاها أنه كان نازيّا وثمّة من يعتقد أنّه عاش وعمل وقاد الأوركسترا في أيام هتلر النازية. والواقع أنّ فاغنر كان يحلم بقيام مجتمع اشتراكيّ، وحين قام أحد الملوك الساكسون بنفيه، أمضى وقته يكتب كرّاسة حول "الفنّ والثورة،" وقصيدة "الخاتم".
وكثيرا ما أبدى فاغنر إعجابه بموسيقيين يهود مثل مندلسون، وكانت له صداقات مع موسيقيين وقادة أوركسترا يهود مثل هيرمان ليفي، حتّى أنه أقام علاقة مع فتاة نصف يهوديّة هي ابنة الكاتب الشهير ثيوفيل غوتييه والمغنّية اليهودية غويليا غريسي.
ذنب فاغنر الوحيد أن هتلر أحب موسيقاه واستلهم منها نظريته الفاسدة المدمرة. ومن هنا جاء اعتراض السيدة العجوز الحاسم والنهائي ودمغها له بأنه نازي. ومن هنا أيضا يأتي الرفض الشديد من معظم اليهود وأنصارهم لفن هذا الموسيقي العظيم.
ثمّة تصورات كثيرة مغلوطة نأخذها دون تدقيق. سألت صديقا لي ذات مرة إن كان سمع بموسيقى دانييل بارنبوم. هزّ رأسه نفيا، ثم سألني عمّن يكون، فأجبته إنه موسيقار وقائد أوركسترا إسرائيلي. كانت ردة الفعل تكويرة تقزّز من فمه، ونظرة إنكار. نحن أعداء ما نجهل، يقول المثل القديم.
دانييل بارنبوم موسيقار عالميّ من طراز فريد. هو يهوديّ، ولكنه معاد لسياسة بلاده في اعتدائها المستمرّ على الفلسطينيين والعرب. سبق له أن أصدر كتاباً مشتركاً مع المفكّر الفلسطينيّ إدوار سعيد، كما كان جمع في السادس عشر من شهر آب/أغسطس سنة 1999 عازفين من اليهود والفلسطينيين والألمان في أمسية واحدة جرت في مدينة فايمر الألمانية. وفي عام 2005 قام، بمرافقة السيدة مريم سعيد، زوجة الفيلسوف الراحل، بزيارة إلى الأراضي الفلسطينية، للإعراب عن تضامنه مع الشعب الفلسطينيّ.
وهو قدّم حفلا موسيقيا في جامعة بير زيت، وحين انتهى من الحفل، أجرى حوارا مع الطلبة، وتحدّث إليهم طويلا. . وسأل شابة فلسطينية عما إذا كانت فرحة بقدومه إلى الجامعة، فجاء الجواب بالإيجاب. وعندما سألها لماذا أجابت بأنّها المرة الأولى في حياتها التي ترى فيها أنّ شيئاً آخر يمكن أن يأتي من إسرائيل غير الدبابات والعسكر، وأنّها لم تفكّر يوماً بأنّها ستشعر بمشاعر الجمال حيال قائد أوركسترا إسرائيليّ.
وسألته جريدة لوموند الفرنسية مرّة عن الحلّ الذي يراه مناسباً من أجل إيقاف الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ أجاب قائد الأوركسترا قائلاً: "مع نشوء دولة إسرائيل، تحققت تطلعات الشعب الإسرائيلي، غير أن تطلعات الشعب الفلسطينيّ المحقّة لم تجد صدى لها حتى اليوم".
بارنيوم ليس وحيدا. في الوقت التي كانت فيه قوّات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تدمر البيوت والأشجار وتقتل النساء والأطفال في الأراضي الفلسطيني عام 2006، كانت ابنته دانا تقود في الأشهر الفائتة أكثر من مظاهرة أمام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس، وهي تنعته بالجزار، وترفع شعارات تعلي من شأن الانتفاضة الفلسطينية. شارك في هذه المظاهرات مئات الأفراد الذين هتفوا: " أيها الجيران اسألوا حالوتس لماذا يقتل الأطفال وكم قد قتل منهم بدون ذنب".
وذكرت الصحف أنّ دانا (33 عاما) وهي محاضرة في الرياضيات وناشطة منذ سنوات عديدة في منظمات اليسار، قد تعرّضت لانتقادات لاذعة إثر مشاركتها في تلك التظاهرة. وشنّ عليها حزب الليكود المتطرف هجوما عنيفا وندّد بمشاركة دانا في المظاهرة.
ودانا ليست وحيدة أيضا. ابن أولميرت الأكبر شاؤول وقّع عريضة تطالب جنود الجيش الإسرائيلي بعدم الانصياع إلى الأوامر العسكرية بقتل الفلسطينيين، أما ابنه الأصغر فقد رفض الخدمة في الجيش الإسرائيليّ.
تسيلي غولدنبيرغ، كاتب إسرائيلي، كتب خطابا مفتوحا إلى قادة إسرائيل، يقول فيه: "أنا، تسيلي غولدنبيرغ، أتهمك يا إيهود أولميرت، رئيس الوزراء ويا عمير بيريتس وزير دفاعه ويا دان حالوتس، رئيس أركانه، بارتكاب هذه المذبحة البربرية الوحشية في لبنان. أتهمكم بارتكاب مجازر ضدّ الإنسانية ضدّ الشعب الفلسطيني. وأتّهمكم بإهدار دم جنودنا في حين كان بالإمكان الحفاظ عليه".
أما شاماي ليبوفيتز المحامي والمدافع عن حقوق الفلسطينيين فيقول إن الاحتلال الإسرائيلي وتحكمّه بحياة ثلاثة ملايين فلسطينيّ يدفع الإسرائيليّين إلى ارتكاب أشياء غير أخلاقية. وهو يتهم الإدارة الأمريكية بأنها "تنفق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين على الاحتلال والتعذيب والأجهزة العسكرية والبلدوزرات التي تهدم البيوت وبناء المستوطنات والآن بناء الجدار العازل".
بين الإسرائيليين قتلة وجزارو أطفال. وبينهم جهلة كالسيدة التي ظنّت فاغنر نازيّا. ولكنّ بينهم دعاة سلام شجعانا. قد يكون عددهم قليلا جدا، ولكنّنا بحاجة لسماع أصواتهم.

عن موقع الأوان

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow