Alef Logo
دراسات
              

مدخل إلى نصوص الشرق القديم (أطياف عشيرة، إلهة أوغاريت)

فراس الســواح

2006-04-24

لعل أهم ما يتعلمه الباحث في تاريخ الأديان من دراسته لأديان الثقافات الإنسانية عبر الزمان واختلاف المكان، هو تلك الوحدة التي تجمع أديان الإنسان إلى صورة فسيفسائية مترابطة وبديعة التكوين، لا يمكن حذف قطعة منها دون الإخلال بذلك التكوين الذي تأخذ كل قطعة فيه جماليتها من علائقها ببقية القطع، ومن تلك الترابطات والتبادلات التي تعطيها المعنى والغاية.
في هذه المقالة سوف نمارس معاً تدريباً بسيطاً في علم الأديان المقارن يدور حول تبديات وتناسخات شخصية دينية ومثيولوجية مهمة هي الإلهة عشيرة إلهة مدينة أوغاريت، ورأس الثالوث الإلهي الأنثوي فيها، الذي يتكون من عشيرة (أو أثيرة كما يلفظ بالأوغاريتية) وعناة وأثترة (إستارت). كما سنتابع الكيفية التي تمازجت بها هذه الإلهات الثلاث في ميثيولوجيا الثقافات المجاورة.
يظهر الاسم عشيرة للدلالة على الإلهة الأم، وربة خصب الطبيعة والإنسان لأول مرة مع ظهور الأموريين الساميين في بلاد الشام في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وذلك بصيغة «أشراتو» التي كانت زوجة للإله آمورو، المعادل لإله السماء إيل في البانثيون الكنعاني. وقد رحلت هذه الإلهة مع الشرائح الآمورية التي غزت بلاد الرافدين قادمة من سورية وأسست الإمبراطورية البابلية القديمة، ويظهر اسمها في نصوص ترجع إلى أواسط القرن الثامن عشر قبل الميلاد كزوجة لإله السماء آنو المعادل أيضاً لإيل الكنعاني.
في الأساطير الحثية التي ترجع إلى أواسط الألف الثاني قبل الميلاد تظهر عشيرة تحت اسم «أشيرتو» كزوجة لكبير الآلهة الحثية «إيل كوني ريشا». وهذا الاسم مشتق من الكنعانية وأصله «إيل قوني إيرصي»، أي أيل خالق الأرض. وتروي أسطورة حثية كيف حاولت أشيرتو إغواء إله العاصفة (الذي يعادل بعل الكنعاني) وكيف رفض تقربها وأعرض عنها، فشكته إلى زوجها إيل، ولعلها ادعت أنه هو الذي تقرَّب منها، مثلما ادعت زوجة فوطيفار المصري أن يوسف هو الذي حاول إغواءها.
على أن نصوص مدينة أوغاريت التي ترجع إلى أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد هي التي قدمت لنا أوضح وأكمل صورة عن البانثيون الكنعاني، الذي تربع على قمته كل من إيل كبير الآلهة، وزوجته عشيرة التي تلقبها النصوص بخالقة الآلهة أو أم الآلهة (ق ن ي ت. إ ل م) وتجعلها أماً لسبعين إلهاً يشكلون المجمع الأوغاريتي. هذه الأمومة أسبغت على عشيرة قوى تتصل بخصب الإنسان والطبيعة تشاطرتها مع كل من أثترة وعناة اللتين تبدوان في النصوص الميثيولوجية والطقسية الأوغاريتية وكأنهما اسمان لإلهة واحدة. يرد الاسم عشيرة بالأحرف الأوغاريتية الساكنة بصيغة «أث رت»، ولكن الباحثين الغربيين المحدثين قد حركوه بناءً على اللفظ التوراتي لنفس الاسم فقالوا «أثيرة» أو كما ورد في التوراة «عشيرة». ويرى غالبية هؤلاء الباحثين أن الاسم «أثرت» مستمد من الجذر «أت ر» الذي يفيد معنى المشي أو الخطو، واستنتجوا أن اللقب الرئيسي لعشيرة وهو «أث رت. ي م» يعني التي تخطو على البحر، أو سيدة البحر. وربما جاء هذا اللقب من كونها في المثيولوجيا الكنعانية الأقدم هي التي روضت المياه الأولى «ي م» ممهدة بذلك للإله إيل الشروع في خلق العالم. بعد ذلك عزيت مهمة ترويض المياه الأولى، التي تصورتها الميثولوجيا المشرقية على هيئة تنين مائي هائل، إلى الإلهة عناة أو إلى الإله بعل.
من ألقابها الأخرى إضافةً إلى «أم الآلهة» و «عشيرة البحر»، لدينا في نصوص أوغاريت لقبان آخران الأول «إيلة» أو «إيلات» وهو مؤنث الاسم «إيل» الذي يعني الإلهة بامتياز مثلما، يعني الاسم «إيل» الإله بامتياز إذا لم يكن مضافاً إلى كلمة أخرى. أما اللقب الآخر فهو قُدش أو قدشو ويعني القدوسة.
إلى جانب كونها مرضعة وأماً للآلهة فقد لعبت عشيرة دور مرضعة أمراء السلالة الحاكمة في أوغاريت. وبهذه الصفة يظهرها نحت بارز واقفةً بكل جلالها وأمامها أميران يشرئبان لمص الحليب من ثدييها. ولدينا أعمال تشكيلية من نوع آخر تظهر فيها وهي ترفع بيديها حزمتين من النبات، وعن يمينها ويسارها تيسان لقضم الأوراق. وفي أوغاريت ومينة البيضا تم العثور على عدد من صفائح النحاس المضغوط تمثل الإلهة عشيرة في دورها كسيدة لخصب الأرض والطبيعة، وفيها يظهر رأس الإلهة بتسريحة شعر الإلهة هاتور المصرية، يليه دائرتان تشيران إلى الصدر، ثم مثلث العانة الذي يعلوه غصن شجرة.
هذا وتشهد نصوص أوغاريت، ولا سيما ملحمة كرت، على أن عشيرة كانت الإلهة الرئيسية في مدن الساحل الفينيقي ولا سيما حاضرتيه صور وصيدون. كما نستدل من الأعمال التشكيلية التي اكتشفت في مدينة جبيل على أن عشيرة قد عُبدت تحت اسم بعلة، الذي يعني السيدة أو الربة، وكانت هناك زوجة للإله إيل أيضاً. ثم تأتي الشواهد لتدفع عبادة عشيرة من عصر البرونز الأخير، عصر ازدهار مدينة أوغاريت، إلى عصر الحديد الثاني في القرن التاسع قبل الميلاد. فمن سفر الملوك الأول الأصحاحين 16 و 18، نعرف أن ملك السامرة المدعو آخاب ابن عمري قد تزوج من إيزابيل ابنة ملك الصيدونيين، التي جاءت معها بعبادة الإلهة عشيرة من فينيقيا ونشرتها في المملكة الشمالية على حساب عبادة الإله المحلي يهوه. ولكن عشيرة امتزجت تدريجياً بأثترة. وهذا ما يبدو لنا من الروايات الإغريقية التي جعلت من أثترة (تحت اسم استارت) إلهة للفينيقيين، ومن عدد من نصوص التكريس التي تشهد على بناء العديد من المعابد للإلهة أثترة. وفي العصر الكلاسيكي تبدو أثترة إلهة لمدينة صور أمام الإله ملقارت.
وبنتيجة الاحتكاك مع مصر والتواجد العسكري المصري على الساحل السوري منذ عصر المملكة الحديثة وفراعنة الأسرة الثامنة عشرة، فقد رحل إلى مصر عدد من الآلهة السورية وعلى رأسهم الإلهة عشيرة، وهناك امتزجت بالإلهتين الأخريين في الثالوث المؤنث الأوغاريتي تحت اسم قُدش أو قدشو. تمثلها المنحوتات البارزة المصرية على هيئة امرأة عارية تقف في وضع جبهي، على عكس الشخصيات الميثولوجية المصرية التي تقف دوماً في وضعية جانبية. وقد نراها واقفة على أسد وهي تمسك بإحدى يديها حزمة من اللوتس وبالأخرى حيّتين مرسومتين بشكل نمطي. ونرى عن يمينها الإله المصري مين وعن يسارها الإله الأوغاريتي رشف. وفي إحدى هذه المنحوتات البارزة نقش الفنان أسماء الإلهات الثلاث قدشو وعنات وأثترة. للدلالة على الإلهة المرسومة. ويبدو أن إلهة مصر العظيمة المدعوة هاتور قد جاءت في الأزمان الأولى من سورية لأن اسمها الأصلي في الهيروغليفية المصرية هو «أثير» المشتق على الغالب من أثترة. كانت هاتور تجسد السماء، وكانت أماً للشمس «حورس» الذي كان يأوي إلى حضنها في المساء لكي يشرق في اليوم التالي. ومثل عشيرة مرضعة الملوك كانت هاتور أيضاً مرضعة للفرعون الصغير الذي تصوره بعض الرسوم وهو يمص من ثدييها.
كما ارتحلت عشيرة نحو الغرب بحراً من الموانئ السورية وبراً عبر بلاد الأناضول نحو بلاد اليونان والرومان، فدعاها اليونانيون ليتو كما دعاها الرومان لاتونا، أي السيدة لات. والاسمان مشتقان من لقب إيلات الذي عرفت به الإلهة عشيرة. كانت ليتو لدى الإغريق إلهة خصب ذات علاقة بالأشجار المثمرة بشكل رئيسي. وهي أم الإله الشهير في الميثولوجيا الإغريقية «أبوللو»، ولدته تحت شجرتي زيتون ونخيل. أما أبوه فكان كبير الآلهة زيوس نفسه. بعد ولادته سلطت هيرا زوجة زيوس على أمه ليتو التنين الهائل بيثون لإهلاكه، ولكن أبوللو تصدى للتنين وقتله. وفي هذه الأسطورة بقية باقية من أسطورة قيام عشيرة بالقضاء على التنين البحري «يم» مما سمح لزوجها إيل بمباشرة خلق العالم وتنظيمه. وكما ذكرنا سابقاً فإن مهمة قتل التنين في الميثولوجيا الأوغاريتية قد أوكلت بعد ذلك للإله بعل. وهنا لا يسعنا إلا أن نقارن بين الاسم أبوللو الغامض الأصل في اللغة اليونانية، وبين الاسم بعل الذي يلفظ هَبعل بعد إضافة سابقة التعريف «هـ» في بعض اللهجات السامية الغربية. ولربما جاء الإله أبوللو مع أُمه عشيرة في الأزمان الإغريقية المبكرة تحت اسم هَبعلو الذي تحول إلى أبوللو.
في قرطاجة والعالم البوني (الفينيقي الغربي) تربع على عرش البانثيون الفينيقي الغربي الزوجان الإلهيان بعل همون وتانيت. والاسم بعل همون يعني رب مذبح البخور انطلاقاً من كون البخور يشكل التقدمة الرئيسية على مذبحه. والباحثون المحدثون يقرنونه بالإله إيل لا بالإله بعل، مثلما تقرن زوجته تانيت بالإلهة عشيرة. تتخذ تانيت في قرطاجة وبقية المستوطنات الفينيقية على شواطئ المتوسط دور الإلهة الأم، ويتصل بها عدد من رموز الخصب مثل الحمامة والنخلة والسمكة. تمثلها بعض الأعمال الفنية المتأخرة راكبة على أسد في وضعية مشابهة لوضعية الإلهة قدشو في مصر. رغم أنها في الماضي لم تمثل في أيّ هيئة إنسانية وإنما بشارةٍ تشبه مفتاح الحياة المصري (رمز العنخ) منقوشة على نصب حجري. لم يرد الاسم تانيت في النقوش الكنعانية المشرقية رغم أن وجوده كلقب للإلهة عشيرة مرجح. فقد عثر في قرطاجة على نقش يشير إلى هيكل جرى تكريسه لتانيت لبنان. يضاف إلى ذلك أن بعض القرى والمواقع اللبنانية مازال إلى يومنا هذا يحمل اسم تانيت، مثل كفر تانيت وعين تانيت وعقتانيت. قرن الرومان تانيت البونية بجونو زوجة جوبيتر، وقرنها الإغريق بهيرا زوجة زيوس.
إذا جئنا إلى فلسطين وجدنا شواهد نصية على عبادة عشيرة تحت الاسم إيلات، وذلك منذ القرن الثالث عشر. من هذه الشواهد جرة فخارية نذرية عثر عليها في موقع تل الدوير (مدينة لخيش القديمة في وسط فلسطين). على الجرة هنالك رسم باللون الأحمر منفذ بأسلوب شريط الأشكال المعروف في الأختام الأسطوانية، تتكون وحدته الأساسية من شجرة منفذة بأسلوب نمطي، وعن يمينها ويسارها تيسان في وضعية الوقوف، يليها باتجاه اليسار طائر وثلاثة حيوانات برية هي على التوالي غزالة، وغزال ذو قرون متشابكة، ثم أسد عشيرة الذي يشب على قائمتيه الخلفيتين في وضعية الانقضاض. فوق الرسم كتابة نادرة تعد من أولى نماذج الخط الأبجدي السامي القديم تقول: «من (المدعو) متان تقدمة إلى ربتي إيلات» وهنا، فإن أي مطَّلع على المنظومة الرمزية لثقافات الشرق القديم سوف يعرف أن الشجرة إذا وضعت في بؤرة التكوين التشكيلي وكان عن يمينها ويسارها حيوانان أو إنسانان أو كائنان مجنحان، فإنها ترمز إلى ألوهة الخصب المؤنثة. وقد تحل الإلهة محل شجرتها كما نرى في العديد من الأعمال التشكيلية السورية والرافدينية. مثل هذا التكوين التشكيلي الرمزي شائع في ثقافات الشرق القديم، ولدينا أمثلة عنه تتوزع من إيران في الشرق إلى قبرص في الغرب.
لدينا من الموقع نفسه جرة أخرى تحمل تكويناً تشكيلياً مشابهاً، ولكن الشجرة هنا، أو الإلهة نفسها، قد استبدلت بمثلث الأنوثة وعن يمينه ويساره تيسان يشبان على قوائمهما الخلفية. المثلث مرسوم باللون الأحمر ومنقط بالأسود للإشارة إلى شعر العانة. وهذا ما يعود بنا إلى القطع النحاسية الأوغاريتية حيث رسمت عشيرة في تأكيد على منطقة العانة التي ينبعث منها غصن شجرة مورق.
ومن موقع تعنك بشمال فلسطين وصلنا مجسم طقسي فريد من نوعه، مجوف من الداخل بارتفاع (50 سم)، مزينة سطوحه الخارجية بمشاهد تنتمي إلى المنظومة الرمزية المشرقية نفسها بأسلوب النحت البارز. والمجسم يمثل بنية معمارية هي على الأغلب معبد مؤلف من أربع طبقات، أو جوانب مختلفة من معبد ذي طابق واحد. في الطابق الأعلى لدينا مشهد يمثل عجلاً أو حصاناً يحمل على ظهره قرص الشمس المجنح منفذاً بأسلوب نمطي. وهذا القرص هو رمز للإله الأعلى في معظم الثقافات المشرقية. أما العجل أو الحصان فهو مركبة الإله الخفي الذي يرمز القرص إلى حضوره في العالم، وهو هنا إما يهوه أو بعل، فكلا الإلهين حل في فلسطين محل الإله إيل في سياق الألف الثاني قبل الميلاد وما تلاه.
في الطابق الثاني من الأعلى لدينا شجرة مقدسة يشب عن يمينها ويسارها تيسان يقضمان من أوراقها، وهي تمثل هنا، كما في جرة لخيش، الإلهة عشيرة. في الطابق الثالث لدينا تجويف فارغ يحف به كائنان مجنحان لهما وجه امرأة وجسد أسد. وهذا الفراغ إما أنه يمثل مدخل المعبد، أو يعبر عن الحضور اللامرئي للإله الخفي. في الطابق الأسفل لدينا مشهد يكرر مضمون المشهد الثاني من الأعلى. ولكن الشجرة المقدسة قد استبدلت بالإلهة العارية عشيرة التي تسند كفيها على رأسي أسدين يحفان بها.
فإذا انتقلنا إلى المشهد الديني العام لفلسطين الكبرى، فإن أول ما يلفت نظرنا هو آلاف التماثيل الأنثوية الصغيرة المصنوعة على هيئة جذع ورأس ونهدين عاريين، والتي وجدت في كل موقع أثري تقريباً، سواءً في المعابد والمقامات الدينية أم في بيوت الناس العاديين. ولم تكن أراضي مملكتي إسرائيل ويهوذا، والتي من المفترض أنهما كانتا على الدين التوراتي، خالية من هذه التمثيلات، بل العكس هو الصحيح. فلقد بلغ عدد القطع المكتشفة في منطقة يهوذا حتى الآن ثلاثة آلاف قطعة، وذلك في المستويات الأثرية التي تعود إلى فترة ما بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد، أي منذ نشوء مملكة يهوذا وحتى نهايتها. يدعو علماء الآثار هذا النوع من التمثيلات بالدمى الجذعية ويجمعون على أنها تمثل عشيرة إلهة فلسطين الكبرى، والإلهة الرئيسية التي عبدت في مملكتي إسرائيل ويهوذا.
ورد الاسم «عشيرة» في التوراة نحو 40 مرة، وأكثر من اسم أي إله آخر خلا يهوه. ونفهم من هذه الإشارات المتنوعة أن عشيرة قد عُبدت في المملكتين من خلال ثلاثة تجسيدات كانت ترمز إلى حضورها بينهم وفي معابدهم. في التجسيد الأول كانت الإلهة حاضرة من خلال صورها وتماثيلها الموضوعة في المنازل وفي المعابد على حد سواء. فقد صنعت أم ملك يهوذا المدعو آسا تمثالاً لعشيرة ووضعته في محرابها المنزلي، على ما يورده لنا سفر الملوك الأول 13:15. وقام ملك آخر اسمه منسي بنحت تمثال لعشيرة ونصبه في هيكل أورشليم الذي يُنسب بناؤه للملك سليمان. أما في التجسيد الثاني فكانت الإلهة حاضرة من خلال شجرة خضراء تزرع قرب المذبح، ولا سيما في المقامات الدينية المكشوفة في الهواء الطلق التي يدعوها النص بالمرتفعات، على ما يورده لنا سفر التثنية 1:16، وسفر القضاة 25:6. أما في التجسيد الثالث فكان يرمز للإلهة بجذع شجرة مقتطع يدعى بالسارية وينصب في المعبد أو المرتفعة إلى جانب المذبح. والإشارات في النص التوراتي إلى هذا التجسيد كثيرة، ومنها على سبيل المثال 1م،5:14. 1م،33:16. 2م،8:14. 2م،6:23.
ولكن ما لم يقله لنا محررو الأسفار التوراتية الذين كانوا يؤسسون لعبادة يهوه وحده خلال الفترة المدعوة بفترة ما بعد السبي، هو أن عشيرة لم تعبد وحدها في المملكتين بل مع زوجها الذي هو يهوه بالذات، وذلك قبل أن تتبدل صورته المشرقة كإله فلسطيني للخصب ويغدو أقرب إلى الكائنات الشيطانية الظلامية في النص التوراتي. ومصدرنا عن هذا الثنائي الإلهي هو عدد من النصوص القصيرة التي ترجع بتاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، والتي تم اكتشافها في منطقة يهوذا نفسها، وفي بعض محطات القوافل شمالي سيناء. ففي موقع خربة الكوم، على مسافة قريبة من مدينة الخليل (حبرون القديمة) تم اكتشاف قبر على شكل غرفة مبنية بالحجر نُقشت على جدارها الكتابة التالية: «لتحل عليك بركة الإله يهوه وعشيرته». وفي موقع عجرود في شمالي سيناء تم اكتشاف محطة قوافل تجارية، وبها معبد صغير وُجدت فيه جرار فخارية عليها نقوش تذكر أسماء الآلهة إيل وبعل ويهوه. كما ورد في بعضها ذكر يهوه وزوجته عشيرة حيث نقرأ: «لتحل عليك بركة يهوه إله تيمن وعشيرته». وأيضاً «لتحل عليك بركة يهوه وعشيرته. ليباركك يهوه ويحفظك ويكون إلى جانبك». وأيضاً: «لتحل عليك بركة يهوه إله السامرة وعشيرته». وتحت هذا النص الأخير صورة تمثل يهوه وعشيرة في هيئة ثور وعجلة، وفي خلفية المشهد امرأة جالسة على كرسي تعزف على آلة وترية. في المنطقة الخلفية من الجرة الفخارية التي صور عليها المشهد نجد شجرة الإلهة عشيرة فوق أسد يقصدها تيسان يقضمان من أوراقها.
إذا تركنا شمال سيناء شرقاً نحو بلاد أدوم نواجه هنالك «عشيرة» الأنباط التي عُبدت تحت اسم اللات إلهة العرب الكبرى. والاسم هنا هو تحريك صوتي مختلف للقب عشيرة القديم إيلات. استقر الأنباط القادمون من شبه الجزيرة العربية في المناطق القديمة لمملكة أدوم التي امتدت فيما بين البحر الميت وخليج العقبة، وتبدأ أخبارهم بالظهور منذ الفترة الانتقالية من القرن الرابع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وفي نهاية القرن الأول الميلادي كانت دولتهم تشتمل على النقب وسيناء وشرقي الأردن وسورية الجنوبية والأقسام الشمالية من الجزيرة العربية. عبدت اللات كإلهة شمسية أمام قرينها «ذو الشرى»، واحتل الاثنان المركز الأول في البانثيون النبطي. وقد بلغ من مكانتها وعلو شأنها أن لفظة الربة كانت كافية للإشارة إليها. كما كانت في الوقت نفسه سيدة للخصب والحياة النباتية وأماً للآلهة. لم تُمثل في عصور ما قبل الميلاد في هيئة مشخصة، بل عبدت في صخرة مربعة ترمز إليها. ومن هنا جاء لقبها «كعبو» المستمد من شكل صخرتها. خلال الفترة الرومانية تحول اسم اللات إلى اسم آخر لعشيرة وهو «أترغات» أو «أترعتا»، الذي عبدت تحته في سورية العصر الهيلينستي والروماني، عندما كان معبدها في منبج (هيرابوليس) من أهم المراكز الدينية في مناطق غربي الفرات. والاسم أترغات أو أترعتا هو مزيج من الاسمين أثترة وعناة وفق الرأي السائد لدى أغلب الباحثين.
إذا تابعنا الانتقال شرقاً من أدوم باتجاه الإقليم البركاني الواقع إلى الجنوب الشرقي من دمشق. وجدنا عشيرة تعبد لدى الصفويين تحت اسم اللات أيضاً وبخصائصها نفسها. والصفويون قبيلة عربية سكنت منذ القرن الرابع قبل الميلاد في منطقة الصفاة، وتركت لنا عدداً كبيراً من النقوش الكتابية القصيرة المحفورة على الصخر بكتابة أبجدية يمنية، رغم أن اللغة التي كتبت بها هي لهجة عربية شمالية قريبة من لهجة قريش. تدلنا هذه النقوش على أن الصفويين قد عبدوا عدداً من الآلهة أهمهم الله ورضا وشيع القوم ورحم. إلا أن أكثر الأسماء الإلهية تكراراً في نصوصهم هو اسم اللات، يليه اسم الله إذا أخذنا بالاعتبار أسماء العلم المركبة من لفظ الجلالة مضافاً إليه اسم العلم، وذلك مثل جزاء الله وعطية الله وما إليها. ونحن هنا أمام ثنائي إلهي مؤلف من الله، المنحوت اسمه أصلاً من إيل، ومن اللات المنحوت اسمها أيضاً من إيل بإضافة علامة التأنيث في آخره كما أشرنا سابقاً.
ونحن لا ندري بالفعل هل جاء الأنباط والصفويون معهم بعبادة اللات من جزيرة العرب أم أن عرب الجزيرة قد استمدوا هذه العبادة من الأقوام السامية الشمالية. فلقد عبدت اللات لدى عرب الشمال باعتبارها رأس الثالوث الإلهي المؤنث الذي يتألف من اللات والعزى ومناة. فكانت اللات الإلهة المعظمة لدى جميع القبائل العربية، ولهذا كان اسمها الأكثر تردداً في الشعر الجاهلي. بنت لها قبيلة ثقيف بيتاً في الطائف وتولت سدانته، وكانوا يسترونه بكسوة ويضاهون به كعبة مكة. وفي داخل البيت كانت الإلهة تعبد في صخرة بيضاء مربعة مثلما عبدت اللات لدى الأنباط. وعندما هدم المسلمون بيتها وبنوا عليه مسجداً، رفعوا منارة المسجد فوق بيت اللات مباشرةً. حاول المفسرون واللغويون إرجاع اسم اللات إلى أصوله الأولية، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى. ولكن الطبري بحسه السليم الصائب قد أدرك أن اللات هي مؤنث لفظ الجلالة الله. فكما عبدت اللات لدى جميع قبائل العرب الشمالية، كذلك عُبد الله. والعرب رغم تعدد آلهتهم وإعلاء كل قبيلة لشأن إله أو أكثر تخصه بالزيارة والهدية، فإن عبادة مشتركة واحدة قد جمعت بينهم، وإله مشترك واحد آمنوا به إلى جانب إيمانه بآلهتهم المحلية، هو إله كعبة مكة الذي عُبد في حجر كعبة مكة الأسود مثلما عبدت اللات في حجرها الأبيض بكعبة الطائف.
لدى عرب الجنوب عُبدت اللات تحت اسم «هـ إلات» وذلك بإضافة سابقة التعريف «هـ» المستخدمة في اللهجات الجنوبية بدلاً من «ألـ» التعريف في اللهجات الشمالية. كانت الشمس بمثابة ظهورها المرئي فدعيت أيضاً «ذات حميم» أي ذات الحمم، أي الساخنة المتقدة. كما دعيت باسمها الأوغاريتي «أثرت». وهنا يرى علماء اللغات العربية الجنوبية في جذر هذا الاسم رأياً مخالفاً لرأي علماء اللغات السامية الشمالية الغربية (الكنعانية والآرامية ولهجاتها). ومعظمهم يرجع الاسم إلى الجذر «أُ ث ر» الذي يفيد في بعض اللغات السامية معنى اللمعان ويقول بأن الاسم قد يكون في الأصل «ذات أثر» أي اللامعة.
عند شوطئ اليمن السعيد في أقصى جنوب مساحة الثقافة السامية القديمة تنتهي رحلتنا التي ابتدأناها من أقصى الشمال من أوغاريت، لأريكم اللات التي قال تعالى في كتابه الكريم عنها: «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى»، سورة النجم: 19-20. لقد عاشت عشيرة- اللات في معابدها وصلوات عبادها قرابة 2500 من السنين، وذلك من القرن الثامن عشر قبل الميلاد إلى مطلع القرن السابع الميلادي. ثم بقيت بعد ذلك تعيش في وجود شبحي كلما قرئ القرآن وأُنصت إليه، مذكراً بماضٍ ديني عرف الإنسان خلاله الله بطرق شتى، وجميعها توصل إليه.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل

03-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow