Alef Logo
دراسات
              

مدخل إلى نصوص الشرق القديم/ أسطورة الخصب الرافدينية

فراس الســواح

2006-04-09

في دراسة سابقة من هذه السلسلة، قلنا عن الأسطورة بأنها قصة رمزية يلعب الآلهة الأدوار الرئيسية فيها، وتتميز موضوعاتها بالجدية والشمولية، وذلك مثل: الخلق والتكوين، والموت والعالم الآخر. ومعنى الحياة وسرّ الوجود. وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام الديني للجماعة، وتعمل على توضيح المعتقدات الدينية من خلال أسلوب القص الميثولوجي الذي يرسم صور الآلهة ويتابع أصولها وشجرة أنسابها، ويشرح مراتبيتها وعلائقها ببعضها وبعالم الإنسان. ولكن المعتقدات الدينية وما يدور حولها من أساطير تعمل على توضيحها وترسيخها، تبقى صوراً وأفكاراً. وهذه الصور والأفكار لا تصنع ديناً بالغاً ما بلغ من وضوحها واتساقها، إلا عندما تدفع إلى سلوك وإلى فعل، وعندما يتم الانتقال من حالة التأمل إلى حالة الحركة، ومن التفكير في العوالم القدسية، إلى اتخاذ مواقف عملية منها، فنتقرب منها ونسترضيها، أو نسخِّر قواها لصالحنا، وما إلى ذلك.فإذا كانت المعتقدات والأساطير المرتبطة بها تضعنا في موقف ذهني من العوالم القدسية، فإن الطقس يضعنا في موقف عملي، في حالة فعل من شأنها إحداث رابطة واتصال. فمن خلال أداء حركات معينة، وتلاوة صلوات وتراتيل، والقيام برقصات إيقاعية، يشعر المتعبدون بحضور القوة الإلهية بينهم، وتزول الحدود بين العوالم الدنيوية والعوالم القدسية.
ولكن هذا التمييز بين الطقس والأسطورة لا يعني إقامة حدّ فاصل بينهما، فالأسطورة تعتمد على الطقس الذي يجعلها حالة معاشة ومختَبَرة، والطقس يعتمد على الأسطورة التي تقدم له مادته الفكرية. وإذا كان بعض الأساطير قد بقي في حيز التأمل المجرد، فإن بعضاً منها قد ارتبط منذ ولادته بالطقس، وهو ذلك النوع من الأساطير الذي ندعوه بالأساطير الطقسية. إن أسطورة التكوين البابلية التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تأمل في كيفية ظهور الكون من لجة العماء على يد الإله الخالق مردوخ، لم تكن في حقيقة الأمر سوى أسطورة طقسية تتم تلاوتها في أعياد رأس السنة الجديدة، وتمثيلها درامياً أمام جموع المتعبدين، وذلك من أجل عون القوى الإلهية الخالقة على تجديد شبابها والوقوف في وجه قوى الفوضى والشَوَاش التي واجهتها عندما ابتدرت الكون المنظم للمرة الأولى. وكذلك الأمر في أسطورة الخصب الرافدينية التي لم تكن سوى مجموعة نصوص معدة للأداء الدرامي في أعياد الربيع التي كانت تتلى فيها دورة حياة الإله دوموزي (= تموز) الذي يمثل روح النبات التي تموت في الصيف وتهبط إلى العالم الأسفل، ثم تعود إلى الحياة مع ابتداء الربيع. فكما كان الإله مردوخ يجدد قواه بمعونة عباده في أعياد رأس السنة ليستطيع القيام بعمل الخلق المستمر عاماً آخر، كذلك كان دوموزي روح النبات يجدد قواه في كل عام، ولكن عن طريق الموت الفعلي والهبوط إلى العالم الأسفل، ثم الانبعاث من جديد. ذلك أن الموت الكلي هو الذي يقود إلى التجديد الكلي، عندما يعطي الإله الميت للموت ما بلي منه وشاخ، ويكسبه البعث قوة شباب فوارة تساعده على دفع دورة الفصول سنة أخرى جديدة.
إن معظم النصوص التي تؤلف أسطورة الخصب البابلية قد جاءتنا من منطقة سومر الجنوبية، وهي تعود في تدوينها إلى أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، وتدور حول دورة حياة الإله دوموزي (الاسم السومري لتموز) الذي يمثل روح النبات المتجددة، وعلاقته بالإلهة إنانا (الاسم السومري للإلهة عشتار) التي تمثل روح الخصوبة الكونية. إن مظاهر الخصب في الطبيعة وفي الإنسان وجميع الكائنات الحية، ما هي إلا انعكاس لعلاقة دوموزي بزوجته إنانا وللحب المستعر بينهما وهما في شرخ الشباب وأوج الحيوية. وليس موت الطبيعة في الصيف إلا علامة على انفصام هذه العلاقة وموت الإله دوموزي.
لا يوجد بين أيدينا نص واحد مطرد يعطينا صورة متكاملة عن أسطورة الخصب الرافدينية هذه، وعن الطقوس المتصلة بها. ولكننا نستطيع إعادة بناء هذه الأسطورة اعتماداً على عدد من النصوص التي تحتوي ضمناً على ما يشير إلى كونها سلسلة في أسطورة طقسية واحدة تتكشف فصولها تدريجياً. وهي ترسم في مجموعها سيرة حياة الإله التي تبدأ بحب مستعر بينه وبين الصبية إنانا ينتهي بزواج سعيد. وهو الحب الذي تصفه لنا مجموعة من الحواريات والقصائد الغزلية، بعضها يصف شوق الطرفين وما يشعران به من عواطف مشبوبة، وبعضها يصف حلاوة اللقاء ومتع الوصال.ولنبدأ بهذه الحوارية التي جرت بين إنانا وأخيها إله لشمس أوتو، والتي تبدو لأول مرة وكأنها تدور حول شؤون منزلية عادية، ولكنها مليئة بالتوريات ذات العلاقة بزواج الفتاة المرتقب:
* شقيقتي، سوف آتيك بالكتان من الحقل،
إنانا، سوف آتيك بالكتان من الحقل.
_ أي شقيقي، بعد أن تأتيني بالكتان من الحقل،
سوف يمشطه لي، من سوف يمشطه لي؟
ذلك الكتان من سوف يمشطه لي؟
* أي شقيقتي، سآتيك به ممشوطاً
إنانا سوف آتيك به ممشوطاً
_ أي شقيقي، بعد أن تأتيني به ممشوطاً
من سوف يغزله لي، من سوف يغزله لي؟
ذلك الكتان من سوف يغزله لي؟
* أي شقيقتي سآتيك به مغزولاً،
إنانا، سوف آتيك به مغزولاً.
- أي شقيقي، بعد أن تأتيني به مغزولاً،
من سوف يجدُلُه لي؟
ذلك الكتان من سوف يجدُلُه لي؟
* أي شقيقتي سآتيك به مجدولاً،
إنانا، سوف آتيك به مجدولاً.
- أي شقيقي، بعد أن تأتيني به مجدولاً،
من سوف ينسجه لي، من سوف ينسجه لي؟
ذلك الكتان من سوف ينسجه لي؟
* أي شقيقتي سآتيك به نسيجاً،
إنانا، سوف آتيك به نسيجاً.
- أي شقيقي، بعد أن تأتيني به نسيجاً،
من سوف يبيضه لي، من سوف يبيضه لي؟
ذلك الكتان من سوف يبيضه لي؟
* أي شقيقتي سآتيك به مبيضاً،
إنانا، سوف آتيك به مبيضاً.
- أي شقيقي، بعد أن تأتيني به مبيضاً،
من سوف ينام في الفراش معي؟
من سوف ينام في الفراش معي؟
* أي شقيقتي، عريسك سينام في الفراش معك؛
من وُلد من الرحم الخصيب سوف ينام في الفراش معك؛
دوموزي الراعي سينام في الفراش معك.
نلاحظ من هذا النص ومن النصوص التي سنوردها لاحقاً، أن الإلهة إنانا، لا تبدو في مطلع الأسطورة كامرأة ناضجة وسيدة مدربة، ولا يعكس سلوكها العام دورها الإلهي كسيدة للسماء والأرض، وهو لقبها المعتاد، وإنما تبدو كفتاة يانعة يخفق قلبها بالحب الأول، وتسلك سلوك البنت الصغرى في العائلة. وهذه الصورة هي في الواقع أمر ضروري من أجل استكمال مشهد الحب الإلهي الذي ترسمه الأسطورة، باعتباره نموذجاً لكل حب أرضي، ولكل خصب ونماء على المستوى الطبيعاني. فالشباب هو عنصر ضروري لرفع أي مشهد غرامي إلى مستوى استاتيكي جمالي مؤثر، والنص هنا يلعب ببراعة حول هذه النقطة عندما يظهر الإلهين في عز الصبا وفي فورة الشباب.
إن اقتراح أوتو على أخته الزواج من دوموزي لم يكن بلا مقدمات، لأن قصة حبهما صارت معروفة رغم مراوغة إنانا وادعائها البراءة، وهما غالباً ما التقيا في خفية عن الأعين، على ما نراه في النص التالي، الذي تظهر فيه إنانا باعتبارها نجمة الزهرة التي كانت تطلع مع غياب الشمس عندما التقى بها دوموزي:
في الليلة الفائتة عندما، أنا الملكة، كنت أشع نوراً.
في الليلة الفائتة عندما، أنا ملكة السماوات، كنت أشع نوراً.
عندما كنت أترنم بأغنية لاقتراب الليل،
هو التقى بي، هو التقى بي.
السيد دوموزي التقى بي.
السيد وضع يده في يدي،
دوموزي عانقني وضمني إلى صدره.
* «هلم أيها الثور البري، أطلقني فأهرع إلى البيت.
دوموزي أطلقني فأهرع إلى البيت.
كيف أحتال بالقول على أمي؟
كيف أحتال بالقول على أمي ننجال»
- «دعيني أخبرك بما تسوقه البنات من معاذير:
قولي لقد صحبتني صديقتي إلى الساحة العامة،
حيث تسلينا بالرقص والموسيقى.
أنشدت لي أحلى وأعذب الألحان؛
وفي بهجة غامرة أمضينا الوقت هناك.
بهذه الأكذوبة تأتين إلى أمك،
بينما نطلق لأنفسنا العنان في ضوء القمر.
سأعد لك سريراً ملكياً هنياً ونقياً،
فنقضي الوقت في لهو ومتعة.
بعد فجوة في النص، نجد إنانا عائدة إلى البيت، تنشد أغنية تدل على قرب خطوبتها من دوموزي:
جئت إلى بوابة أمي، أسير في بهجة وحبور،
جئت إلى بوابة ننجال، أسير في بهجة وحبور.
سوف يقصد أمي، وينطق بالكلمة المنتظرة،
سوف يرش عطر زيت السرو على الأرض.
هو الذي يتضوع عطراً،
وتبعث كلماته في القلب حبوراً.
سيدي، هو الجدير بالحضن المقدس
السيد دوموزي هو الجدير بالحضن المقدس.
هذا اللقاء بين الحبيبين على المستوى الإلهي هو الذي يدفع الطبيعة لأن تهب خيراتها وتفيض بغلالها. وها هي إنانا تلد الزرع والحبوب عندما تلتقي بدوموزي:
لقد جاء بي، لقد جاء بي؛
إلى البستان، دوموزي قد جاء بي.
تمشيت معه بين الأشجار المنتصبة،
وقفت معه عند الأشجار المنحنية.
عند شجرة التفاح قرفصت بالوضع المناسب،
وأمام دوموزي القادم بالنشيد،
أمام السيد دوموزي الذي تقرب مني،
الذي من شجر الطرفاء تقرب مني،
الذي من نخلات عراجين التمر تقرب مني،
دفقت الزرع من رحمي،
وضعت الزرع أمامه، دفقت الزرع أمامه،
وضعت الحبوب أمامه، دفقت الحبوب أمامه.
بعد ذلك، وفي ليلة العرس الموعودة، يأتي دوموزي ووراءه رتل من الحيوانات المحملة بمختلف أنواع الثمار ومنتجات الأرض، وبهدايا زواج نفيسة، بينما تستحم إنانا وتتعطر وتضع زينتها:
الراعي أتى بالزبدة إلى البيت الملكي،
دوموزي أتى بالزبدة إلى البيت الملكي،
وأمام الباب نادى:
«افتحي الباب سيدتي، افتحي الباب».
أم إنانا قالت لابنتها:
«أي بنيتي، الفتى سيكون لك أباً،
أي صغيرتي، الفتى سيكون لك أماً»
إنانا نزولاً عند رغبة أمها،
استحمت وتضمخت بالزيت العطر.
وضعت عليها الرداء الملكي الأبيض،
وضعت عقدها اللازوردي حول عنقها،
بينما دوموزي بالباب فارغ الصبر.
وعندما فتحت له المصراع،
شعت من داخل البيت كضوء القمر:
* «فرجي قرن الهلال، قارب السماء،
ملؤه رغبة كالقمر الجديد.
وأرضي متروكة بلا حرث،
فمن لي بمن يحرث لي فرجي
من لي بمن يفلح لي حقلي
من لي بمن يفلح لي أرضي الرطبة؟»
- «أي سيدتي العظيمة،
أنا دوموزي الملك،
سأحرث لك فرجك».
* «إذن احرث فرجي يا رجل قلبي
احرث لي فرجي».
في حضن الملك ارتفع الأَرْز سامقاً.
من حولهما تدافع القمح عالياً؛
وازدهر كل بستان.
وعند قدوم دوموزي إلى بوابة بيت إنانا لدينا نص جميل آخر مصاغ بطريقة حوارية:
* «إنانا، لماذا أغلقت بابك دوني؟
يا صغيرتي، لماذا أغلقت بابك دوني»؟
- «لقد تحممتُ، اغتسلتُ بالصابون.
لقد اغتسلت في المستحم المقدس.
ارتديت عباءة الملوكية، ملوكية السماء،
ولهذا أغلقت الباب على نفسي.
كحلتُ عيني بالأثمد وصففت شعري؛
ووضعت سوار فضة في معصمي،
وطوقت عنقي بعقد خرز صغير».
* «إنانا لمسرة قلبك جئت بالعسل.
جئت بتقدمات الخبز كلها إليك.
إنانا يا ضوء النجم وعسل الأم التي حملتك،
لقد حققت لك ما طلبت حتى التمام».
* «عندما يأتي دوموزي إلى القصر،
دعوا الموسيقيين يعزفون لأجله.
وأنا سوف أسكب الخمرة من فمي.
بذلك سيفرح ويبتهج قلبه.
دعوه يأتي، دعوه يأتي، ألا ليته يأتي».
وهكذا يتم الزواج المقدس بين القوة الذكرية الخلاقة والقوة الأنثوية الخلاقة، اللتين لا بد من تقاطعهما على المستوى الماورائي لبث الخصب في الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية.إن زواج الإلهين هو الذي يحرض الدافع الجنسي لدى الأحياء ويضمن تكاثرها، ويملأ ضروع الماشية باللبن، ويجعل البذور الصلبة المزروعة في الأرض سويقات وأشجاراً.
غير أن أسلوب صياغة هذه النصوص يدل على أنها كانت تُستخدم في أداء طقسي خلال أعياد الربيع. ولدينا من الشواهد النصية الأخرى ما يدل على أن هذا الزواج المقدس الذي يتم على المستوى الميثولوجي، يقابله على المستوى الواقعي لقاء يتم بين الملك السومري الذي اعتُبر ممثل دوموزي على الأرض، والكاهنة العليا في المعبد، حيث يلعب الملك دور الإله وتلعب الكاهنة دور الإلهة، عندما يلتقيان في غرفة تقع في أعلى برج المعبد المدرج. وهذا اللقاء على المستوى الأرضي هو الذي ينقل الآثار الخصبوية الناجمة عن زواج الإلهين من السماء إلى الأرض.
يظهر الطابع الطقسي للأناشيد التموزية واضحاً كل الوضوح في بعض النصوص التي نجد فيها الإله دوموزي والملك السومري يتبادلان الأدوار في سياق النص، وبطريقة لا نكاد من خلالها تمييز الحدث الأسطوري من الدراما الطقسية. يصف النص التالي، على سبيل المثال، رحلة الملك السومري شولجي إلى معبد إنانا في مدينة أوروك، وهو يحمل الهدايا من كل نوع لكي يدعو الإلهة للزواج منه:
شولجي الراعي المخلص، انطلق بقاربه؛
حط الرجال عند رصيف كولاب في أوروك.
أتى معه بثيران جبلية ضخمة،
أتى بجداء مرقطة وجداء ملتحية.
إلى إنانا أتى بها في حرم معبدها المقدس،
بينما كانت إنانا تنشد في مخدعها:
«بعد أن استحمُّ من أجل السيد، من أجل الثور البري؛
بعد أن أطلي بالعنبر ثغري؛
بعد أن أُكحّل بالإثمد عينيَّ؛
بعد أن يحتوي خصري براحتيه المليحتين؛
بعد أن يضطجع الراعي دوموزي إلى جانبي؛
بعد أن يمسد جسدي باللبن والقشدة؛
بعد أن يضمني إليه في الفراش؛
عندها سأعانق سيدي وأرسم له قدراً طيباً.
وهذا القدر الطيب الذي ترسمه إنانا للملك يتمثل في حكم وطيد وطويل تعم خلاله خيرات الطبيعة، على ما نفهم من نص آخر:
لعل السيد الذي قربْتِه إلى قلبك؛
لعل زوجك الحبيب تطول أيامه في حضنك الإلهي.
امنحيه حكماً وطيداً ومجيداً؛
امنحيه تاجاً دائماً وإكليلاً وضاءً على الرأس.
وفي أيام حكمه ليكن هنالك زرع وحبوب؛
وفي الأنهار فلتعلُ المياه؛
وفي الحقول فلتكثر المحاصيل؛
وفي الغابات لتتناسل الغزلان والماعز البري؛
وفي البساتين ليجر الخمر والعسل.
ولكن الموت هو صنو للحياة ووجهها الآخر، والطبيعة ينبغي أن تجدد نفسها بالموت والانبعاث إلى حياة جديدة. من هنا فإن العريس الإلهي الذي ما ارتوى بعدُ من كؤوس الهوى يجب أن يموت، وها هي عفاريت العالم الأسفل السبعة تطارده من مكان إلى آخر وهو يهرب من وجههم، حتى وجدوه نائماً في حظيرته فدخلوها:
دخل العفريت السابع إلى الحظيرة،
وأيقظ سيد الرعاة النائم،
أَنهضَ زوج إنانا المقدسة، سيد الرعاة النائم:
«مولانا أرسل في طلبك، قم تعال معنا.
أرسلنا في طلبك يا دوموزي، قم تعال معنا.
إِنزع عن رأسك تاج القداسة، قم حاسي الرأس.
ألقِ عن جسمك رداء الملوكية، قم عاري البدن.
إرم من يدك عصا القداسة، قم خاوي اليد.
إخلع عن قدميك نعل القداسة، قم حافي القدمين.
ولكن دوموزي يفلح في الإفلات من أيديهم، ويصل إلى ضفة نهر الفرات، فيخلع ثيابه ويسبح إلى الضفة الأخرى، ولكن قوى العالم الأسفل قد سخَّرت مياه النهر لاقتناص الإله الهارب:
عند شجرة التفاح التي تنمو على الرابية،
عند شجرة التفاح في برية إيموش،
الماء الدافق الذي يحطم القوارب،
حمل الفتى إلى العالم الأسفل.
الماء الدافق الذي يحطم القوارب،
حمل زوج إنانا إلى العالم الأسفل.
هناك يأكل طعاماً ليس بالطعام،
ويشرب شراباً ليس بالشراب.
هناك مرابط للماشية ليست مرابط،
وهناك سقوفاً ليست سقوفاً.
هناك تحف به العفاريت بدل الصحب والخلان.
عند ذلك تقيم أمه وأخته وزوجته طقوس النواح عليه:
على ناي القصب
قلبي يعزف ترنيمة على ناي القصب.
لأجل ذلك الشريد في الصحراء،
قلبي يعزف ترنيمة على ناي القصب.
أنا إنانا التي تُركت وحيدة في القفر،
وأنا ننسونا أم الرب الفتى،
وأنا جشتنانا أخت الرب الفتى،
قلبي يعزف ترنيمة على ناي القصب.
في سهوله، في روابي الرعاة،
قلبي يعزف ترنيمة على ناي القصب.
في سهول من أمسى اليوم حبيساً،
في سهول من أمسى اليوم أسيراً،
قلبي يعزف ترنيمة على ناي القصب.
بعد ذلك تنفرد إنانا بالنواح:
إنانا تبكي بكاءً مراً على زوجها الفتى:
اليوم قد قضى زوجي نحبه، زوجي قد قضى.
اليوم قد قضى فتاي الحلو نحبه، فتاي قد قضى.
لقد مضيتَ يا زوجي الحلو إلى زرع البواكر،
لقد مضيت يا زوجي الحلو إلى زرع الأواخر،
لقد مضى زوجي إلى الزرع، ولكنه قتل بين الزرع،
لقد مضى فتاي يطلب الماء،ولكنه أُسلم إلى الماء.
ثم تدخل جوقة المنشدين المشاركين في الطقس وتنشد:
أكثر بكاء الدنيا مرارة نبذله على زوجها.
من أجل إنانا، أكثر البكاء مرارة نبذله على زوجها.
واحسرتاه على زوجها، واحسرتاه على فتاها.
واحسرتاه على بيتها، واحسرتاه على بلدها.
على زوجها الأسير، على فتاها الحبيب.
على زوجها الميت، على فتاها الراقد.
على زوجها الذي غاب في الأسر لأجل أوروك.
بعد ذلك تنفرد الأم بالنواح، معددة الكوارث التي ستلم بالناس إذا لم يبعث دوموزي إلى الحياة:
لأجله، لأجل الغائب البعيد،
أبكي وخوفي ألا يعود.
لأجل طفلي الغائب البعيد،
أبكي وخوفي ألا يعود.
من شجرة الأَرْز المقدسة
حيث حملت به أنا أمه،
من معبد إيانا، المعبد المقدس،
أبكي وخوفي ألا يعود.
أبكي وبكائي على شجر الكرمة،
خوفي ألا تعطي الكرمة عناقيدها.
أبكي وبكائي على السنابل،
خوفي ألا تجود بها الأخاديد.
أبكي وبكائي على النهر العظيم،
خوفي ألا يفيض ماؤه،
أبكي وبكائي على السبخات،
خوفي ألا تكثر أسماكها.
أبكي وبكائي على الأحراش،
خوفي ألا تتكاثر غزلانها ووعولها.
وينبغي أن نلاحظ هنا أن النواح على الإله الميت لا يهدف إلى إظهار الحزن فقط، وإنما إلى مساعدته طقسياً على فك قيوده من العالم الأسفل والانبعاث إلى حياة جديدة. وها هو النشيد الأخير في هذه السلسلة التي لم نأت على ذكرها جميعاً يستنهض الإله ويشد عزيمته من أجل العودة، بإيقاع قوي مؤثر:
عد إلينا يا فتى، عد يا فتى.
أوشوشو، عد إلينا يا فتى، عد يا فتى.
ننجشزيدا، عد إلينا يا فتى، عد يا فتى.
دامو، عد إلينا يا فتى، عد يا فتى.
عشتارنان، عد إلينا يا فتى، عد يا فتى.
عد إلينا، فتُستعاد المعابد، عد يا فتى.
عد إلينا، فتُستعاد المدن، عد يا فتى.
عد إلينا بطعام الحياة، عد يا فتى.
عد إلينا بماء الحياة، عد يا فتى.
وعلى إيقاع «عد يا فتى» نستطيع أن نتصور بأن قرع الطبول والصنوج يأخذ في الارتفاع، بينما ترتفع الحناجر بالدعاء مستنهضة الإله الذي بدأ بالصعود من العالم الأسفل عبر بواباته السبع. وعندما يصل اللحن الإيقاعي ذروته، يكون المحتفلون الذين عانوا كل مراحل الطقس مهيئين من الناحية النفسية والذهنية للإحساس بحضور الألوهة بينهم، عندما يعلن كبير الآلهة بأن الإله تموز قام، حقاً قام. وبعد لحظة صمت يشعر كل واحد فيها بالتواصل مع الحضرة الإلهية التي صارت حقيقة تسري بين العباد. ينفجر الجميع بالهتافات والزغاريد معبرين عن فرح غامر بعودة الإله. ثم يسيرون في موكب احتفالي يحمل الإله العائد من العالم الأسفل إلى حبيبته إنانا، ليعقد قرانه عليها من جديد وتبدأ سنة طقسية أخرى.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور

22-كانون الأول-2016

أطوار صورة الله في التوراة

15-تشرين الأول-2016

القيامة والتصورات الآخروية ج1

24-أيلول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow