Alef Logo
دراسات
              

مدخل إلى نصوص الشرق القديم

فراس الســواح

2006-04-09

ابتكر الإنسان الكتابة قبل قرن أو قرنين من عام 3000 ق.م، وذلك في المنطقة الجنوبية من وادي الرافدين. وقد ترافقت هذه القفزة الثقافية الهائلة مع ظهور المدن الأولى واستهلال ما ندعوه اليوم بالثورة الحضرية. يعزى هذا الابتكار إلى الشعب السومري الذي أخذ بالاستقرار في المنطقة التي دعيت فيما بعد سومر خلال الفترة المعروفة بحضارة أوروك (3600-3100ق.م). وعندما جاءت فترة جمدت نصر (3100-2900ق.م)، كان السومريون قد وطدوا أنفسهم بشكل جيد، وخرجت من صفوفهم نُخب تولت المهمات الدينية والسياسية في معظم مدن جنوب وادي الرافدين. وبالرغم من أن الثورة الحضرية (أو المدينية) قد وصلت غاية نضجها على يد هؤلاء السومريين، إلا أن معظم الأسس اللازمة لقيام هذه الثورة قد وُضعت من قبل الأقوام الأصلية التي توطنت هنا منذ نهايات الألف السادس قبل الميلاد،والتي يرجح الباحثون أنها قد تكلمت إحدى اللغات السامية المغرقة في القدم؛ ذلك أن تحليل الكلمات التي استخدمها السومريون للدلالة على معظم الحِرف وعلى تقنيات الزراعة يدل على أنها مشتقة من جذور لغوية سامية لا من جذور لغوية سومرية، ومنها: الفلاح، الراعي، السمَّاك، السبَّاك، الحداد، النجار، السلاَّل، الحائك، الدباغ، الخزَّاف، البنَّاء، التاجر، المحراث، الأخدود، النخيل، وغيرها. ويبدو أن السومريين لم يقوموا ببناء مدن جديدة وإنما سكنوا إلى جانب الأقوام الأصلية في مواطنها، لأن أسماء المدن الرئيسية في سومر ذات جذور لغوية سامية، وذلك مثل أوروك، إريدو، أور، لارسا، إيسين، كولاب، لجش، نيبور، كيش.
من نحو عام 3000ق.م، وصلتنا أولى الرقم الكتابية منقوشة بالطريقة الهيروغليفية، أي التصويرية، والتي ترسم شكلاً يشبه الشيء الذي يدل عليه. وبعد ذلك بقليل ظهرت في مصر الكتابة الهيروغليفية التصويرية التي بقيت تعتمد على الصورة رغم تطويراتها الجذرية اللاحقة، في الوقت الذي أخذ فيه السومريون بتطوير كتابتهم من الطريقة التصويرية إلى الطريقة المقطعية التي تعتمد مقاطع صوتية يحتوي كل منها على حرفين أو أكثر، وبجمع المقاطع إلى بعضها يمكن النطق بالكلمة المطلوبة. وبدل الرسم على الطين الطري، استخدموا قلماً مثلث الرأس يضغطون به على اللوح الطيني، فيعطي أشكالاً أشبه بالمسامير أو الأسافين. ومن هنا جاءت التسميإذا كانت الكتابة قد شكلت ثورة في الثقافة الإنسانية، فإن الأبجدية كانت ثورة في عالم الكتابة، وحولتها من أداة في أيدي النُخب الملكية والكهنوتية والأرستقراطية، إلى أداة في يد كل الشرائح الاجتماعية. فلقد قلص الأسلوب الأبجدي الشارات الكتابية من بضع مئات إلى عدد يتراوح بين الاثنتين والعشرين والثلاثين شارة يقابل كل منها حرفاً صوتياً واحداً، وصار بإمكان أي شخص أن يتعلم القراءة والكتابة خلال فترة قصيرة لا تقارن بالسنوات الطوال التي كان تلاميذ الكتابة يقضونها لإتقان الأسلوب المقطعي. وبذلك انتقلت الثقافة الإنسانية من مرحلة أرستقراطية العلم إلى مرحلة ديمقراطية العلم، وتسارعت وتيرة نقل المعارف بين الأجيال، ووتيرة تطوير هذه المعارف. يعزى ابتكار الأبجدية إلى الثقافة الكنعانية، ولدينا عنها نماذج مبكرة من شبه جزيرة سيناء تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ومن مدينة جبيل بعد ذلك. وهي تعتمد في الأصل على مجموعة من الحروف التخطيطية التي تُرسم باليد بشكل حر لا بالقلم المسماري. ولكن الكتبة في مدينة أوغاريت قد طوروا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد أبجدية تُرسم بالقلم المسماري ابتدأت بسبعة وعشرين حرفاً زيد عليها بعد ذلك ثلاثة حروف صوتية، هي الأشكال الثلاثة لنطق الحرف ألف وهي أَ، أُ، إِ.
لقد جاء ابتكار الكتابة في الأصل، تلبية لحاجات عملية تتعلق بإدارة شؤون المعبد وأملاكه الواسعة، وإدارة شؤون القصر الملكي، كما أفاد منها بعد ذلك أصحاب الإقطاعيات الزراعية الكبيرة، والتجار. في سياق النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، وبعد مرور عدة قرون على ظهور الرقم الكتابية الأولى، بدأت النصوص الأدبية بالظهور في ثقافة وادي الرافدين على شكل نصوص ميثولوجية وصلوات وتراتيل، وعدد من النصوص الملحمية ذات الطابع التاريخي، والتي تتحدث عن صراع المدن السومرية مع بعضها، أو صراعها مع عدو خارجي. مع مطلع الألف الثاني قبل الميلاد تأخذ الموضوعات الأدبية بالتشعب، وتظهر الملاحم الشعرية الطويلة، ويتطور أدب الحكمة والمراثي والمناظرات. ومع ذلك فإن نسبة النصوص الأدبية إلى جماع التركة النصية للثقافة الرافدينية تبقى ضئيلة، ولا تتجاوز العشرين في المئة. ولكن هذه الواقعة لا تقلل من أهمية هذا الأدب، ولا من التأثير الواسع الذي مارسه على الحياة الفكرية والدينية للشعوب الرافدينية، وعلى تطور آداب الشعوب المجاورة التي تأثرت به وصولاً إلى الإغريق. لقد كان الأدب الرافديني أول أدب معروف في تاريخ الإنسانية، وترك بصمته الواضحة على آداب الشعوب الأخرى شرقاً وغرباً.
في بلاد الشام، وبالرغم من انتشار الكتابة على النطاق الرسمي منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، على ما تدل عليه عشرات ألوف الرقم التي وجدت في أرشيفات مدينة ماري ومدينة إيبلا، فقد بقيت موضوعات الكتابة محصورة في المسائل الإدارية والاقتصادية والطقسية. ولم تعرف بلاد الشام الكتابة الأدبية بالمعنى الصحيح إلا مع نصوص مدينة أوغاريت التي يرجع تاريخ تدوينها إلى أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وكذلك الحال في الثقافة المصرية التي تندر فيها النصوص الأدبية ندرتها في بلاد الشام، وتكثر النصوص السحرية والطقسية، والنصوص التاريخية التي تخلد فتوحات وانتصارات الفراعنة. وفيما عدا عدد لا بأس به من الصلوات والتراتيل، فإن التركة الأدبية المصرية تكاد تخلو من النصوص الميثولوجية الكاملة، بالرغم من كثرة الإشارات في النصوص الطقسية إلى أساطير كانت معروفة ومتداولة شفاهةً.
هذا الميراث الأدبي الغني هو الذي سيكون موضع عنايتنا في هذا الكتاب الذي قصدت منه التعريف بأهم النصوص الأدبية الميثولوجية والملحمية والحكموية وذات الصلة بالتراتيل والصلوات، وموضوعات أخرى قريبة من الأدب مثل الشرائع والقوانين؛ وزدت عليها بعض الدراسات التي تلقي ضوءاً على هذا الأدب وتساعدنا على فهمه. وكما يستشف القارئ من عنوان الكتاب «مدخل إلى نصوص الشرق القديم»، فإنني لم أقصد إلى تقديم كل النصوص الأدبية المعروفة لنا، بل ما بدا لي الأكثر أهمية والأكثر تشويقاً للقارئ. بعض هذه النصوص قدمتها بنصها الكامل، كلما كان هذا النص واضحاً للقراءة وخلواً من النواقص التي يسببها تشوه الألواح الفخارية وتشظيها؛ وبعضها الآخر قدمتها بما تيسر لنا من مقاطعها، وربطت هذه المقاطع بما يتفق وسياقه العام. كما عمدت إلى اختصار بعض النصوص الطويلة والمهمة مثل نص أسطورة التكوين البابلية ونص ملحمة جلجامش لأنني قد قدمت نصيهما كاملين في مؤلفات سابقة مع الإفاضة في الشروح والتحليلات. وعمدت أيضاً إلى اختصار نصوص طويلة أخرى عن طريق تقديم منتخبات منها تفي بالغرض، ولا سيما فيما يتعلق ببعض نصوص الصلوات التي يكثر فيها التكرار وتتشابه في المعاني. لقد كان معياري الأساسي في الانتقاء والاختصار هو تقديم ما يهم القارئ أكثر من غيره، وما يمتعه في الوقت نفسه. وبالرغم من أنني عمدت إلى إرفاق النصوص بشروحات وتحليلات تعين على فهمها، إلا أنني أبقيت ذلك في الحد الأدنى الذي لا يؤدي إلى ملل القارئ غير المتمرس بهذا المجال، آملاً بذلك الوصول إلى أوسع شريحة من القراء، وآملاً في الوقت نفسه أن أزود الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية الأخرى بما يفيدهم من شواهد، ويغنيهم عن التفتيش في أمهات المراجع العالمية التي استندت إليها.
ة الحديثة لهذه الكتابة، والتي ندعوها بالمسمارية. وكانت النتيجة تخفيض العدد الكبير جداً من الصور إلى عدد محدود من الإشارات بلغ نحو 600 إشارة. وعندما انتقلت السلطة في وادي الرافدين الجنوبي إلى الشرائح السامية مع ظهور الأسرة الأكادية، استخدم الساميون هذه الكتابة المسمارية لتدوين لغتهم. كما استُخدمت بعد ذلك لتدوين اللهجتين الرئيسيتين المتفرعتين عن الأكادية، وهما اللهجة البابلية في الجنوب، واللهجة الآشورية في الشمال. كما استخدم الإيبلائيون في سورية الخط نفسه لتدوين لغتهم السامية في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد. بعد ذلك انتشرت الكتابة شرقاً وغرباً في أنحاء العالم، فظهرت في عيلام بإيران مع مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، وفي وادي السند نحو عام 2200ق.م. وفي كريت نحو عام 2000ق.م، وفي الأناضول بلاد الحثيين نحو عام 1500ق.م، وفي الصين نحو عام 1300ق.م.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة / 1 ابراهيم الخليل ـ

11-شباط-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور

22-كانون الأول-2016

أطوار صورة الله في التوراة

15-تشرين الأول-2016

القيامة والتصورات الآخروية ج1

24-أيلول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow