Alef Logo
دراسات
              

الطريق إلى “سوتشي” أكثر وعورة مما يظنه الروس

ألف

2018-01-27

مقدمة

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يحمل في رأسه من إرثه الشيوعي السوفياتي القديم مقولة فلاديمير لينين “الحركة كل شيء- النظرية لا شيء”، لذلك يُكثر من الحركة التي لم تُكسبه حتى الآن سوى “تعب الرجلين”، ونحن نرى سياسته في سورية تنتقل من مؤتمر إلى مؤتمر، من موسكو إلى “حميميم” إلى أستانا، وأخيرًا إلى “سوتشي” التي يقول عنها المسؤولون الروس إن الفكرة طرأت في رأس قائدهم في أحد الاجتماعات المهمة للقيادة الروسية في الخريف الماضي، وطلب من مسؤوليه في وزارتي الخارجية والدفاع، المتنافستين على الإمساك بالملف السوري، بلورة فكرته تلك. ولم تظهر حتى الآن أي نجاحات على هذا التكليف، في حين بدأت مسيرة التخبط في التصريحات والتوضيحات الإعلامية حول المؤتمر وأهدافه ومن سيحضره، حيث بدأ مؤتمرًا لـ “الشعوب السورية”، وعُدّل بعد ذلك إلى “مؤتمر الحوار السوري” نظرًا إلى اللغط الذي أثارته التسمية الأولى؛ ومن “حميميم” إلى “سوتشي” جرى تأجيل موعده الأول. لاحقًا، وفي ختام مؤتمر أستانا 8 نهاية العام الماضي، أُعلن عن موعد انعقاده الجديد يومي 28 و29 كانون ثاني/ يناير 2018 في منتجع “سوتشي”، وقيل إن الدعوات ستوجَّه إلى عددٍ كبيرٍ من المدعوين، كممثلين لمحافظات وعشائر وأحزاب مرخصة من قبل “النظام السوري”، ومكونات قومية وإثنية وطوائف ولجان مصالحات محلية، وربما كل من يوافق على رؤية موسكو للحل، بحيث يُراوح العدد بين 1500 إلى 1700 مدعوٍّ؛ وأن يناقش المؤتمرون بنديّ الدستور والانتخابات. وقد دعا الرئيس الروسي نظيريه الإيراني والتركي إلى قمة ثلاثية عُقدت في “سوتشي” في 27 كانون أول/ ديسمبر 2017 وبحثت في أدوار كل طرف في تسهيل عقد المؤتمر وفي التأثير على الأطراف المعنية، امتدادًا لدور الدول الثلاث بصفتها ضامنة لاتفاقات “خفض التصعيد” التي لم تشهد تخفيضًا حقيقيًا. وفي نهاية اللقاء أوكل الرؤساء الثلاثة إلى مسؤولي استخباراتهم أمور ترتيب لوائح الحضور، وتذليل العقبات التي قد تنشأ في هذا المجال.

أولى الضربات وُجِّهت إلى “مؤتمر سوتشي” المزمع جاءت من الروس عندما صرح ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص للرئاسة الروسية في سورية، أنه “لا مكان في “سوتشي” للمطالبين برحيل الأسد”، وهو بذلك حدد سقفًا للمؤتمر يتنافى والقرارات الدولية بما فيها القرار 2254 لعام 2015 الذي يُصرّ عليه الروس، وأفقد المؤتمر أي معنى سياسي يمكن أن يُسهم في إنضاج حل سياسي كما يدّعون.

ليس مستغربًا في ظل الصلف والعنجهية التي تسم تصريحات المسؤولين الروس، أن يتوهم الروس بقدرتهم على إنجاز حل سياسي في سورية عبر “سوتشي” أو غيره، يُترجم انتصارهم العسكري إلى نصر سياسي ومناطق نفوذ مستقرة في هذه المنطقة الحساسة والمضطربة من العالم، وإلا فكيف يمكن لنا تفسير تصريح وزير الدفاع الروسي بأن بلاده “كسرت موجة الثورات في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا”، وتحميل بلاده وزر الدمار الفظيع الذي حلّ بسورية والعدد الهائل للضحايا الذي وقع فيها!؟

تحاول موسكو في سياق محاولتها عقد “مؤتمر سوتشي” أو إنجاحه، ومع إدراكها حجم العقبات والتحديات الماثلة أمام عقده، العمل على خطين متوازيين: أولهما الإيحاء بإصرارها على عقده بمن حضر، وثانيهما تصعيد العنف على الساحة السورية للضغط على المعارضة وإرغامها على الحضور وقبول الدور الروسي؛ لذلك اشتعلت الجبهات التي يفترض بها أن تكون مناطق “خفض تصعيد”، في الغوطة الشرقية وريف إدلب الجنوبي وريف حماه والمنطقة الجنوبية، وسواءً عقد “سوتشي” في موعده المقرر أو اضطرت روسيا إلى تأجيله، وهذا ليس مستبعدًا، فإن الروس يُدركون جيدًا أن العقبات التي تعترض مشروعهم أكبر من قدرتهم على تذليلها من موقعهم الحالي كقوة احتلال للأراضي السورية ارتكبت جرائم فظيعة بحق الشعب السوري، وعلى تحقيق تطلعاتهم في أن تتحول روسيا إلى راعية للسلام في بلد أسهمت في تدميره.

وهذه العقبات لا تقف عند رفض “المعارضة السورية”، بجانبيها السياسي والعسكري، وأغلب الفعاليات المجتمعية السورية الحضور فحسب، بل تمتد إلى النظام وإيران وتركيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة. ولكل طرف من هذه الأطراف رؤيته ومحدداته، هذا اذا استبعدنا احتمال أن هناك من يريد أن تغرق روسيا أكثر وأكثر في المستنقع السوري، وهذا أكثر ما تخشاه في حقيقة الأمر.



أولًا: “سوتشي” وتركيا والأكراد

تبدو تركيا واحدة من أكبر العقبات التي تعترض عقد “سوتشي” لسببين: أولهما حاسم ويدخل في حسابات أمنها القومي، ألا وهو اعتراضها على حضور “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” وترسيماته السياسية والعسكرية كافة؛ وثانيهما هو ذلك الذي يعود إلى علاقتها بـ “المعارضة السورية”، المسلحة على وجه الخصوص، والثمن الذي ستقبضه على الأرض السورية مقابل الضغط على هذه الفصائل وإجبارها على الذهاب إلى “سوتشي”. ولا يبدو أن “التحالف التركي- الروسي” الذي كثر الحديث عنه، وأكدته صفقة حلب مقابل جرابلس، كافٍ لتقريب مواقف الطرفين وتذليل خلافاتهما الشائكة وتضارب استراتيجيتيهما في بعديهما الإقليمي والدولي.

ليس من فكاك أمام موسكو من دعوة الطرف الكردي الذي ترى أنه يُسبغ على المؤتمر، أكثر من غيره، توصيفها له بأنه مؤتمر لـ “الشعوب السورية”؛ وهي لا تريد قطع علاقتها مع هذا الطرف وتركه لقمة سائغة في الفم الأميركي، كما هو واقع الحال. في الوقت ذاته التي تُصرّ فيه تركيا، وتوافقها إيران، على رفضها حضور هذا الطرف الذي تصنفه منظمة إرهابية بحكم تبعيته لحزب العمال الكردستاني المسلح، المعارض الأبرز على الساحة التركية، وتحاول العمل على أن يكون التمثيل الكردي عبر (المجلس الوطني الكردي) الممثَّل في “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية” وفي “الهيئة العليا للمفاوضات” المنبثقة من مؤتمري الرياض 1 و2، لكن تأثيره في الواقع الكردي السوري بات معدومًا، أو يكاد، بصورة أساسية بسبب القمع الذي مارسته بحقه القوى المسلحة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.

يحاول الروس المناورة على هذه العقدة بدعوة “الإدارة الذاتية” الكردية بصفتها تشكيلًا مدنيًا إداريًا، أو دعوة أعضاء من “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” بصفتهم الشخصية. لكن هذا أيضًا لا يُرضي تركيا، وعلى ما يبدو، فإن هذه العقدة لن تفيد معها المناورة. وعلى المقلب الآخر، أعلن سيبان حمو، قائد (وحدات حماية الشعب)، وهو على علاقة مميزة مع موسكو ولا ينقطع عن زيارتها، أن “وحدات الحماية مدعوة إلى “سوتشي”، وأنه ستتم دعوة 155 شخصية كردية”، في حين أن القيادية في (حركة المجتمع الديمقراطي الكردي)، إلهام أحمد، أكدت أن الدعوة إلى “سوتشي” هي “حتى الآن باسم الإدارة الذاتية”، كما نفت تلقّي قائمة بالأسماء المحظورة من الدعوة، على العكس من تصريحات سيهانوك ديبو، مستشار الرئاسة المشتركة لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، التي قال فيها “إن مشاركة الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية الديمقراطية والقوى السياسية الممثلة لإرادة شعوب روج آفا وشمالي سورية باتت حظوظها كبيرة، وأنه ليس بمقدور الأفخاخ التركية أن تنال منها أو أن تمنع ذلك”. أما القائمة المقدمة من قبل النظام للمدعوين عن محافظة الحسكة، فقد غابت عنها أي قوى كردية فاعلة. وإلى أن يُحسم هذا الجدل حول ماهية الحضور الكردي، سوف يبقى مصير “سوتشي” لجهة عقده أو نجاحه محكّ اختبار للعلاقات التركية- الروسية وتفاهمات الدولتين حول الملف السوري، على الرغم من تصريحات المسؤولين الأتراك التي تشهد تأرجحًا لافتًا في السنتين الأخيرتين بخصوص القضية السورية، وحول عقدة الأسد في الحل السياسي بشكل أخص، ومن ذلك التصريحات المفاجئة للرئيس التركي في مؤتمره الصحفي مع نظيره التونسي في 27 كانون أول/ ديسمبر 2018 التي قال فيها إن بشار الأسد “إرهابي مارس إرهاب الدولة ضد شعبه، وبالتالي لا يمكن أبدًا مواصلة الطريق مع الأسد في سورية، لأنه لا يمكن المضي مع شخص قتل مليون مواطن من شعبه”، حيث ردّت عليه الناطقة باسم الخارجية الروسية بقولها إن “تصريحات أردوغان واتهامه الأسد بالإرهاب ليس لها سند قانوني”. فلمن كانت هذه الرسالة في هذا التوقيت إذن؟ وما هي علاقتها باشتراطاته على روسيا لإنجاح “سوتشي”، في تصريح له في 11 كانون الثاني/ يناير الجاري، وقف حملة النظام العسكرية الشرسة في الغوطة الشرقية وريف ادلب الجنوبي؟ على ما يبدو أن المواقف والسياسات التركية دخلت مرحلة الغموض دون ثقة معقولة فيما إذا كانت بناءة أو مفيدة.



ثانيَا: الأمم المتحدة بين “جنيف” و”سوتشي“

في آخر زيارة للمبعوث الأممي دي مستورا إلى موسكو عشية الجولة الثامنة لمباحثات أستانا، أسمعته موسكو كلامًا لا يرضيه على خلفية اتهامه وفد النظام بشكل غير مباشر بإفشال الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف، كما أعادت عليه الطرح برعاية أممية لمؤتمر “سوتشي”؛ صرّح دي مستورا حينها بأنه “سوف يبحث مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الطلب الروسي، وهل يخدم مؤتمرها تقدم المفاوضات في جنيف من عدمه”. وحتى الآن لم يصدر عن الأمم المتحدة موقف بهذا الخصوص، على عكس الادعاءات الروسية بأن الرعاية الأممية لمؤتمرها قد تحققت عبر صفقة مزعومة تقوم على توسيع أجندة الحوار المزمع لتشمل، إضافة إلى ملفيّ الدستور والانتخابات، مسألة رفع العقوبات المفروضة على “الحكومة السورية” ووضع تصور لمشروع ضخم لإعادة الإعمار. فهل يمكن وضع الصفقة الروسية المزعومة في سياق أحلام اليقظة التي تراود المسؤولين الروس؟ أم هي مجرد بالونات اختبار؟ ذلك أن الأمم المتحدة لم تُصدر موقفًا حتى الآن؛ في الوقت الذي صرح فيه رئيس “الهيئة العليا للمفاوضات” أن دي مستورا حدّد موعدًا للجولة التاسعة من “جنيف” في 21 كانون ثاني/ يناير الجاري أي قبل أسبوع من “سوتشي” ( تمّ إرجاء الموعد إلى الرابع والعشرين من الشهر ذاته، ولتُعقد في فيينا وليس في جنيف)، ثم هل العقوبات التي فُرضت على “النظام السوري” في السنوات الماضية هي عقوبات أميركية وأوروبية وليست أممية؟ وأيضًا من سيتولى عملية إعادة الإعمار إذا كان الأوروبيون والأميركيون يشترطون للإسهام فيها حلًا سياسيًا، وإنجازَ انتقال سياسي ذي معنى ما زال بعيد المنال. كما أنه من غير المتوقع أن تغامر الصين بأموالها الفائضة في ساحة ما زالت تعاني صراعًا دمويًا مفتوحًا، وتتشابك فيها التدخلات والمصالح الدولية والإقليمية.

ليس من مصلحة الأمم المتحدة أن تُسبغ شرعية على المحاولة الروسية التي ترمي إلى سحب البساط من تحت مسار جنيف والالتفاف على القرارات الدولية التي اتخذت سابقًا، بغض النظر عن مدى نجاح مرامي الخطط الروسية؛ لهذا، طلبت الأمم المتحدة أن يقتصر “سوتشي” على جلسة واحدة فقط، وأن يتقيد بأجندة جنيف والقرارات الدولية؛ كما أشار ديفيد ساتر فيلد، معاون وزير الخارجية الأميركية المكلف لشؤون الشرق الأدنى، إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، “متحفظ بشأن الضمانات الروسية المتعلقة بمؤتمر (سوتشي)، وأنه من دون تصديق الأمم المتحدة على مسار “سوتشي”، سيكون الروس فعليًا أمام طريق خاص بهم”.



ثالثًا: إيران والنظام والموقف من “سوتشي” بين المراوغة والاستثمار

لا تؤخذ تصريحات جواد ظريف، وزير خارجية إيران، بأن “مؤتمر سوتشي قد يُسهّل إنجاز تسوية للصراع في سورية” على محمل الجدّ، ليس لأن القرار الإيراني في يد المرشد وحرسه الثوري، وليس في يد الحكومة التي ينتمي إليها ظريف، بل لأن حجم وطبيعة الاستثمارات الإيرانية في الحرب السورية لا تتطابق والأجندة الروسية، وليس من مصلحة إيران تسهيل جهد موسكو في إنجاز حل سياسي يُرضي الدول المتدخلة، وتقطف فيه ثمار تدخلها في سورية، التي لا بد أن تكون، كلها أو بعضها، على حساب المشروع الإيراني. لهذا ذهبت إيران إلى “أستانا” على مضض، ولم تلتزم “مناطق خفض التصعيد”، والشيء ذاته سوف يحصل في تعاملها مع “سوتشي”. فإيران صاحبة مشروع في سورية والمنطقة، وهي دخلت بكل ثقلها إلى جانب النظام لأنها تراه جزءًا من مشروعها، كما أنها طرحت في العام 2012 مشروعها للحل ذا النقاط الأربع الذي يتلخص ببعض الإصلاحات، ورفضت القرارات الأممية بدءًا من جنيف1، وما زالت ماضية في طريق الحسم العسكري حتى نهايته. لكن هناك تساؤلات طارئة حول الموقف الإيراني في سورية بعد الانتفاضة التي اجتاحت المدن الإيرانية مؤخرًا، والتي كان رفض التدخل الإيراني في سورية أحد عناوينها وشعاراتها.

من جهته، لم يكن النظام متحمسًا لـ “سوتشي”. وقد رفض، في البداية، أن يبحث المؤتمر بند الانتخابات الرئاسية، وأصرّ على أن يقتصر عمله على بنديّ الانتخابات النيابية والدستور، وألا تكون الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم عاد ووافق، ربما نتيجة الضغوط الروسية واشتراطها على الحضور عدم بحث موضوع الأسد. لكن بيان “الحكومة السورية” عاد وأكد أن ضمان نجاح “مؤتمر سوتشي” يتطلب تحضيرًا جيدًا، الأمر الذي يُفهم منه أنها مع تأجيل المؤتمر. إلا أن النظام لم يكتفِ بذلك، بل سعى جاهدًا، وبالتنسيق مع ضباط روس في “حميميم”، لضمان دعوة عدد كبير من الشخصيات المضمونة بالنسبة إليه أو القريبة منه للتحكم في مخرجات المؤتمر بما لا يمسّ أسس النظام، ومن ذلك أن يُوقّع المدعوون على تعهد مسبق بالموافقة على البيان والخطوات التي سيقرها المؤتمر، خاصة في ظل العدد الكبير من الحضور، الأمر الذي لن يُتيح الكلام سوى لعدد قليل من الحضور. غير أن الإجراء الأخطر الذي يعمل عليه المشرفون الأمنيون على لوائح المدعوين بحسب التسريبات الرائجة، هو أن يلتزم أولئك الذين سوف يجري اختيارهم لعضوية لجنة الدستور بأن تنصب اقتراحاتهم على العمل من أجل إدخال تعديلات على دستور العام 2012 المعمول به، وعلى أن تُناقش وتُقرّ هذه التعديلات المقترحة من قِبَل مجلس الشعب السوري وليس أي جهة أخرى. ومما يُسهّل مثل هذا الإجراء، هو أن الروس يعملون على أن تتشكل لجنة الدستور من ثلاثين عضوًا ستة منهم فقط من “المعارضة”.



رابعًا: الولايات المتحدة و”سوتشي”: التجاهل الماكر

بينت السنوات الماضية من الصراع السوري، أن الولايات المتحدة التي لم تعترض على التدخل العسكري الروسي في 30 أيلول/ سبتمبر 2015 لـ “غاية في نفس يعقوب”، لم تُنجز مع الروس أي اتفاق ذي معنى بعد اتفاق نزع سلاح النظام الكيماوي عام 2013. ماعدا ذلك، فإن كل ما جرى من تفاهمات بين الدولتين كان ذا طابع موقّت وموضعي، وحتى عندما توصل كيري ولافروف إلى اتفاقهما الشهير نهاية العام 2015 أفشلته مرتكزات الدولة العميقة كما هو معروف. وعندما ذهبت موسكو إلى مسار “أستانا”، تجاهلته الولايات المتحدة واقتصر حضورها على مندوب من سفارتها في “أستانا” لا غير. كذلك الأمر عندما دعت أخيرًا إلى “سوتشي”، حيث أكدت الولايات المتحدة أن مسار جنيف هو المسار الوحيد الذي تدعمه. لكن كان لافتًا تصريح معاون وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد ساتر فيلد، في جلسة استماع له أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في 11 كانون الثاني/ يناير 2018، الذي قال فيه “إننا لا نستطيع أن نضفي الطابع الشرعي على عملية التسوية البديلة التي تنتهجها روسيا”، وأوضح أنه لن يتحقق أي انتصار عسكري في سورية من دون تحقيق انتقال سياسي في البلاد، وشدّد على أن واشنطن تمتلك وسائل عدة لتقليل التأثير الروسي في نتائج المباحثات. كما يمكن الوقوف عند إشارته إلى “أن هناك إجماعًا دوليًا يدعم ضرورة عدم الاعتراف بشرعية أي تطورات في سورية خارج الانتخابات وإصلاح دستوري موثوق فيه”، ما يفيد الاستنتاج أنه لن يكون هناك اعتراف بأي انتصار عسكري لروسيا أو النظام. وقد ردت الناطقة باسم الخارجية الروسية على تصريحات ساتر فيلد بقولها: “لقد بات واضحًا من يقف وراء المعارضة ومن يعرقل التسوية”، وأضافت “البعض يتوهم بأن روسيا ستتخلى عن الموقف المبدئي بشأن دعم التسوية السياسية في سورية على أساس القرار 2254 لمجلس الأمن الدولي، وإذا كان لدى السيد ساتر فيلد مثل هذه الأوهام فإنكم لن تنجحوا على الرغم من الجهد الذي تبذلونه”.

تُرسّخ الولايات المتحدة تجربتها على الأرض في شمالي سورية، وهي، على ما يبدو، غير مستعجلة على الخروج. فقد صرّح وزير دفاعها بأن الوجود الأميركي في سورية مستمر، وسوف تزيد من وجودها الدبلوماسي. كما أعلنت مؤخرًا عن تشكيل جيش قوامه ثلاثون ألفًا لحراسة الحدود السورية- العراقية والسورية- التركية نصفه من (قوات سورية الديمقراطية)، الأمر الذي سمح لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي” باعتبار الإدارة الأميركية ماضية نحو الاعتراف بكيان كردي في شمالي سورية، وقد يكون هذا التقدير استنتاجًا أو بناءً على وعود غير معلنة، وهو ما أزعج تركيا. كما أن روسيا التي لا توافق الأميركيين على توجهاتهم التي يُستشفّ منها أنهم يتبنون مشروع (قوات سورية الديمقراطية)، غير أنها تحاول، من خلال حلولها السياسية، إنضاج فدرالية ما في سورية، علمًا بأن أي مسؤول أميركي لم يُدلِ برؤية أو موقف من المشروع الكردي حتى الآن، لا بل يُثير الموقف الأميركي من استفتاء إقليم كردستان وتداعياته الكثير من إشارات الاستفهام حول حقيقة الموقف الأميركي من الطموحات الكردية في سورية.

من الواضح أن الروس يتخوفون من الصمت الأميركي، ومن خطط الأميركيين غير الواضحة وعدم تفاعلهم مع المبادرات الروسية لإنجاز حلٍّ يستعجلونه، عله يُخلّصهم من المأزق الذي انزلقوا إليه في سورية، لذلك لوحظت في الآونة الأخيرة حدّة التصريحات الروسية التي تتهم الأميركيين بتدريب ودعم (داعش)، أو بأن وجودهم في سورية غير شرعي ويعتبر خرقًا للسيادة الوطنية وعليهم المغادرة، لأنهم لم يأتوا بناء على دعوة من الحكومة في دمشق.. إلى آخر المعزوفة التي يجيدها لافروف. وربما يحمل الهجوم الأخير على قاعدة “حميميم” الجوية وقاعدة طرطوس البحرية بطائرات مسيرة، وما قيل عن خسائر أوقعها بالطائرات الروسية الجاثمة على أرض المطار، رسائل بواسطة طرف ثالث لم تكن الولايات المتحدة بعيده عنه.

من جانب آخر، تتهم الولايات المتحدة روسيا بأنها غير جادة في تنفيذ الوعود التي قطعتها بالضغط على إيران وبالعمل على تحجيم نفوذها في سورية، ولا بالضغط على النظام للتفاعل مع مسار جنيف؛ وأنها لم تلتزم تخفيف التصعيد في المناطق الأربع التي أقرتها اتفاقات “أستانا”، في الوقت ذاته الذي عجز فيه الروس عن إقناع الولايات المتحدة بفتح باب المساومة حول الملفات العالقة بينهما ومنها الملف السوري، وهم يدركون جيدًا أنهم لا يستطيعون إنجاز حل في هذا الملف لا توافق عليه الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل الأمور تدور في حلقة ما زالت مفرغة، ويدفع السوريون من دمائهم ثمن استمراها بسبب من صراعات النفوذ والسيطرة بين الدول المتدخلة.



خامسًا: “المعارضة السورية”: “سوتشي” والاختبار الصعب

وجدت المعارضة التمثيلية السورية نفسها أمام اختبار صعب، فقد فشلت جولة “أستانا”8 كما فشلت بقدر أكبر جولة جنيف8؛ وهي خرجت ضعيفة من مؤتمر الرياض2 عما كانت عليه في الرياض1 بحكم التركيبة التي فُرضت على “الهيئة العليا للمفاوضات” نتيجة للضغوط والتدخلات التي حصلت من قبل الدول التي لا تريد أن تقطع مع موسكو، كالسعودية وتركيا والدول الأوروبية، ونتيجة لانقساماتها الداخلية وصراعاتها الصغيرة بين الكتل والشخصيات والمنصات؛ ثم جاءها الإعلان عن موعد “مؤتمر سوتشي” والسقف الذي وضعه الروس لجدول أعماله الذي لم يعرف أحد حتى الآن ما أهدافه ولا آلية عمله ولا مرجعيته ولا علاقته بالمسار الأممي ولا ضماناته، فبدت كبالع الموسى على الحدّين، فهي إن ذهبت وفق شروط أدنى من الرياض2 الذي شُكّلت على أساس بيانه “العتيد”، تكون حكمت على نفسها بالموت، وإن رفضت ستزيد عزلتها وستزيد معها ضغوط الأطراف الخارجية، وقد تواجه خطر انشقاقات تتهددها، على الرغم من تأكيد أحد أعضاء “هيئة التنسيق الوطنية” أن هيئته لن تتخذ قرارًا منفردًا بالذهاب إلى “سوتشي”.

تكثر تصريحات الناطقين باسم الهيئة، وتصريحات أعضائها، بعدم موافقتها على الذهاب إلى “سوتشي”، وتعتبر المؤتمر شرعنة للاحتلال الروسي، لكنها لم تتخذ موقفًا رسميًا حتى الآن على الرغم من أنها عقدت اجتماعًا موسعًا في الرياض لهذه الغاية، وجرى الحديث عن مسوّدات لموقف سيعلن، لكنه لم يعلن بعد بانتظار أن ينجلي الغموض الذي يلف المؤتمر. كما أوفدت الهيئة وفدًا برئاسة رئيسها زار كلًا من مصر والأردن، وقابل الأمين العام للأمم المتحدة، وعددًا من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، والغاية من هذه الجولة استطلاع رأي هذه الدول من المؤتمر وإقناع الأمين العام للأمم المتحدة بعدم إعطاء شرعية أممية لـ “سوتشي”، وشرح موقف الهيئة قبل أن تتخذ قرارها.

أما “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، فقد أعلن في بيانٍ له رفضَه حضور “سوتشي” الذي اعتبره محاولة روسية لتمييع القضية السورية وإعادة انتاج النظام وفرض الرؤية الروسية للحل، إلا أن الائتلاف لا يزال يعقد اجتماعاتٍ للوصول إلى قرار نهائي بهذا الخصوص.

كثيرة هي الشخصيات والمنظمات الحقوقية والمدنية التي أصدرت بيانات أعلنت فيها رفضها حضور “سوتشي”، ولعل أبرزها البيان الذي وقعت عليه 132 منظمة مدنية. كذلك أصدر أربعون فصيلًا من الفصائل المسلحة بيانًا أعلنت فيه رفضها القاطع حضور “سوتشي” وجددت التزامها مسار الحل السياسي وفقًا لبيان جنيف1.

يُمارس الأوروبيون ضغوطًا ناعمةً على المعارضة للحضور ويشجعونها عليه، لكنهم ينصحونها بعدم قطع خطوط الاتصال مع موسكو في حال قررت عدم الحضور. واعتبر بعض مسؤوليها أن المعارضة تشكل بيضة القبان في هذا المؤتمر لأن حضورها سيعطيه معنىً، في الوقت الذي تُصرّ فيه روسيا على عقده بمن حضر، وسوف تعلن عن مخرجاته تحت عنوان “ممثلو الشعوب السورية تمخضوا في لقائهم عن هذه الرؤية التي يمكن البناء عليها”، إلا أن تصريح لافروف الأخير بأن “المعارضة السورية في حاجة إلى تأديب” حمل من الوقاحة ما تقصر عن وصفها اللغة.

مثلما شكّل “سوتشي” محطة حرجة للمعارضة، إلا أنه أسهم في تقريب مواقفها بالعموم، أقله في نقطة التقائها الرافض للمؤتمر. فقد وحّد نقاشاتها ورؤاها، وهو موقف يمكن البناء عليه كي تُنضج هذه المعارضة مسارًا أكثر فاعلية من حالها السابق، وأن تنبذ من بين صفوفها المتراخين باسم الواقعية السياسية، وتتوحد حول موقف حاسم وجريء معارض للدور الروسي في سورية بوصفها دولة احتلال يجب رحليها، لا دولة يُقبل منها أن تفرض حلولًا على حساب الشعب السوري وحقه في الحرية، كما أن الوضع الدولي يساعد في هذا الاتجاه على الرغم من الضغوط التي تمارسها أطراف إقليمية بعينها، لأن الوضع متحرك، ومعه المواقف الدولية والإقليمية، ليس في سورية وحدها بل في الإقليم كله.



سادسًا: خاتمة

يرى الخبير الروسي في العلاقات الدولية، فلاديمير فرولوف، أن التحدي الأكبر أمام موسكو في العام 2018 “هو خطر انهيار التسوية السياسية الذي سيقتل قيمة النصر العسكري”. وأكثر من يُدرك هذا الخطر هم الروس، لأنهم لم يعودوا قادرين على الجمع بين تناقضات الأطراف الحليفة لهم من إيرانيين وأتراك وأكراد وحتى النظام. فهل تدرك “المعارضة السورية” هذه الحقيقة، وترفض الذهاب إلى “سوتشي” عبر موقف موحد؟

نعم! إن الطريق إلى “سوتشي” ليست ممهدة، والأرجح أن يضطر الروس إلى تأجيله إلى أجل غير مسمى. وإن أصروا على عقده، فلن يكون أكثر من كرنفال استعراضي من دون أي قيمة سياسية. ولو لم يكن الأمر كذلك لما خرج لافروف عن طوره، وهدّد في آخر تصريح له بأنه “إذا لم ينجح مؤتمر سوتشي، فإن مؤتمر جنيف سوف يفشل وكذلك أستانا”، وهذا ليس تحذيرًا معهودًا في التصريحات الدبلوماسية، إنه الحنق عينه.


تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

الحرب في سوريا لم تنتهِ حتى يقال انتصر الأسد! - هدى الجسيني

17-شباط-2018

طقوس الحريم العثماني أحمد صبحي منصور

10-شباط-2018

كفافي وشعره الإيروسي / سامي مهدي

03-شباط-2018

مقتل «الجنرال ضباب» في سورية يسلط الضوء على مهمة روسية سرية

03-شباط-2018

المحب والمحبوب و المشموم و المشروب المؤلف: السري الرفاء

27-كانون الثاني-2018

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow