Alef Logo
كشاف الوراقين
              

عن إدغار ألن بو

ألف

2018-01-20

ان فترة الزهو التي يعيشها الاديب والفنان قد تكون هي نفسها المقدمة لما هو اسوء أو بمعنى آخر بداية لتراجع تراجيدي في رصانة المنتج نتيجة للوقوع في ورطة الزمن أو التقادم ومنه فقدان القدرة على مسايرة محدثات الامور والتعامل معها على إنها واقع حال ، ولذلك صنف الادب والفن عامة كلاسيكي وحداثوي .. فكان من حصة الكلاسيكي على الدوام تراب الرفوف.

ولكن ماذا لو ان أديباً ما ضرب بالزمن عرض الحائط وقرر ان تكون بنى نصوصه مكانية وباتجاه عرض الابطال وما حدث لهم وما صنعوا بمن حولهم ، وكيف هو واقعهم ومشاعرهم وانطباعاتهم ؟

حدث ذلك ويحدث على مّر العصور نتيجة لامتلاك عبقرية الانشاء والوصول الى البغية بطرق غريبة أو مجهولة في حينها ، وهي مغامرة أرضت غرور عدد لا بأس به من عباقرة الادب فركنوا الى الكتابة بنمط مختلف وبرؤى مغايرة للسائد والمعروف .. كل الذين تركوا بصمة في المشهد الادبي العالمي تقريباً وصفوا طريقة خاصة لهم تعنى بهم هم بالذات أو بمن أرادوا له الفناء في بطون كتبهم! أدركوا ان لا حرية لاقلامهم ما لم يوجهوا ضربة قاصمة لتعطل المستقبل المجهول ولركام السنين القابع هناك خلف الخطوط الحمراء للذاكرة المتقدة .. ان اغلب عباقرة الادب الكلاسيكي لم يكونوا بحال افضل من نظرائهم في الوقت الراهن بمعنى انهم ربما عانوا الأمّرين في سبيل الحصول على كتاب أو نقد أو حتى صحيفة بسبب من الفقر والمرض والحروب الدامية .

لم يكن تعقد المجتمع بتقادم الزمن له بالغ الأثر على الأصول البشرية المنحدرة منذ الاف السنين .. العبقرية واحدة في كل الأزمان ، وحب الخلاص من قيود النفس والعقل واحد بكل المقاييس .. ولقد شاءت الأقدار ان جعلت من الأديب العالمي الكبير (ادغار ألن بو 1809-1849) ينحى منحىً آخر في طريقة كتابة القصة بعدما برع في تأليف قصص الرعب والفنتازيا المخيفة والتقديم لشخصيات مصابة بالهلع والشيزوفرينيا والصرع وغيرها من العلل السايكلوجية مثل قصتي (القط الأسود) و ( القلب الواشي) اذ انه ادرك وفي القرن التاسع عشر ان لابد من اثارة الآخر بما هو مغاير للمطروح في ذلك العصر .. لا بد من ترك المغامرات على متون السفن فيما ما وراء اعالي البحار والمحيطات والتعرض للأعاصير ومفترسات البحور والاهتمام بتغيير جوهر النص ليرتدي رداء سحر العوالم الأخرى .. تلك التي لم يرها أحد بعد .. فعمد الى تحريك الالفاظ وجرها الى ما لم تعبر عنه من قبل ، كما انه وصف الاماكن والاشخاص والاشياء بطريقة مختلفة تعتمد على انزياح اللغة (!)

كان نصه مليئاً بالحب العذري دون ان يدون كلمة حب واحدة ، يقول في قصته الموسومة (ليجيا) :

((أما في جمال الوجه فلم تكن تدانيها أية فتاة . كانت تألق حلم أفيوني – رؤيا صوفية تجنّح الروح ، أكثر قدسية وغرابة من الخيالات التي ترفرف فوق الارواح الهاجعة لبنات ديلوس))(1)

ويصف تلجلجات النفس وصراعاتها فنستشعر بها ، رائعة ، مفعمة بالحياة كما في نص (الرقاص والبئر) :

((وسط جهودي المتكررة الشاقة ، وصراعي الصارم لالتقاط بعض معالم هذه الحالة من العدم الظاهر الذي انزلقت فيه روحي مرّت لحظات قصيرة جداً ، استحضرت فبها ذكريات ، أكد لي عقلي الواعي فيما بعد ، انها ترتبط بهذه الحالة التي يبدو فيها الوعي منعدماً))(2) وكانت هذه بداية لدخول القصة القصيرة وعلى يد هذا العبقري الى فضاءات عجيبة .. مبهرة .. غير واقعية ربما .. صراعات محتدمة مع النفس ورؤى فضيعة للعقل بسبب وخز الضمير أو ذكريات أليمة لطفولة بائسة .. فجاء الوصف هنا لما تلقيه هذه الرؤى من تبعات على كاهل البشر ، وما أسفرت عنه في النهاية .. أدرك بو فيما بعد ان هكذا تناول يحمّله مسؤولية التعبير بلغة مغايرة .. لغة تشير الى المعنى دون أن تحتك به وتفضحه .. تفضي الى اهداف المنشئ من وراء الاسوار ومن حيث لايتوقع أحد .. وربما ان هذا هو السبب الحقيقي وراء لجوء ادغار ألن بو للشعر وللرسم أيضاً .. كان يريد البحث عن وسائل أخرى للإفضاء عن مكنون صدره .. تلك الاوهام اللذيذة .. الأحلام الطائشة .. الأفكار الهائجة .. الرومانسية المريضة .. عرضها على الملأ في سلسلة من أروع أشعاره اذبان تلك الفترة من القرن التاسع عشر ، سيما قصيدة (الغراب) بينما يتربع على عرش القصة القصيرة التي كانت حلمه الأجمل والتي عبّر عنها في أكثر من مناسبة على انها أفضل من القصة الطويلة والرواية لأنها وجه الحقيقة الصادم والاداة التي تكسر قيود الزمن وتحرر العقل من براثن العد التنازلي للحظات العمر .. كان كأنما يريد تدوين لحظة ما كلوحة فنية زاهية الالوان وتثبيتها على الجدار أمام أنظار الجميع .

وجه اديبنا المبدع نداء على شكل اسئلة ملحّة .. صعبة .. الى عموم البشر الحاضرين منهم والقادمين في الأجيال اللاحقة .. يقول في نص (شيطان الهوس) :

((اذا كنّا لا نستطيع أن نفهم الله في أعماله المرئية ، فكيف إذن سنفهمه في أفكاره التي لا يُحاط بها والتي تدفع بهذه الاعمال الى الوجود ؟ اذا كنّا لا نستطيع فهمه في خلائقه الموضوعية ، فكيف سنفهمه في أشكالها اللامشروطة وفي مراحل خلقها ؟)) ويختتم النص بما هو أروع :

((لكن لماذا أطيل القول ؟ انني اليوم أحمل هذه السلاسل ، وأنا هنا! غداً سأكون حراً – لكن أين ؟))(3)

هذه الاسئلة المتتالية وعبارات كثيرة غيرها في نصوص بو تصلح لكل الازمان وتناسب كل الاذواق وترمي بكل ثقلها على عقول علمت أكثر وفهمت أكثر ووصلها من الأمس أكثر .. لأنها لم تتناول الحدث بحد ذاته ولا الواقعة وقت حدوثها ، بل عنت بالآثار المترتبة وبالانطباعات وبالكم الهائل من الهموم الانسانية نفسها في كل عصر وأوان .

أدغار ألن بو الاديب الامريكي صاحب الشأن الكبير في كتابة القصة القصيرة والشعر والمسؤول الأول الى حد كبير عن الاتجاه الرمزي في الادب الأوروبي عامة والفرنسي خاصة كانت له علاقة وطيدة مع المكان الذي عاش به زهاء أربعين عاماً ، وظلت هذه العلاقة قائمة حتى عندما وُجد ميتاً على (مصطبة خشبية) في إحدى الولايات الأمريكية عام 1849 .

ــــــــــــ
تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

الحرب في سوريا لم تنتهِ حتى يقال انتصر الأسد! - هدى الجسيني

17-شباط-2018

طقوس الحريم العثماني أحمد صبحي منصور

10-شباط-2018

كفافي وشعره الإيروسي / سامي مهدي

03-شباط-2018

مقتل «الجنرال ضباب» في سورية يسلط الضوء على مهمة روسية سرية

03-شباط-2018

المحب والمحبوب و المشموم و المشروب المؤلف: السري الرفاء

27-كانون الثاني-2018

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow