Alef Logo
مقالات ألف
              

المعنى الاجتماعي للقيادة

صالح الرزوق

خاص ألف

2017-12-23

من كلاسيكيات البحوث الاجتماعية كتاب (العرب والقيادة – بحث اجتماعي في معنى السلطة ودور القائد) للدكتور خليل أحمد خليل. وقد صدر هذا البحث الهام عام 1981 عن دار الحداثة في بيروت. وذلك في أعقاب الهدوء النسبي الذي خيم على لبنان، منارة الحرية والإبداع في الشرق الأوسط ولسنوات عديدة.
ولا ينتقص من أهمية الكتاب أنه: 1- جاء قبيل تبلور حزب الله بثقله العسكري والاجتماعي وبمكوناته الاقتصادية التي تلعب الآن دورا أساسيا في توجيه دفة السياسة، وبالأخص فيما يتعلق بموضوع السيادة والنأي بالنفس عن منظومة أمريكا وآلتها الدبلوماسية في المنطقة، وأنه 2- سبق ظهور نجم الدكتور سمير جعجع وانتشار القوات اللبنانية كلاعب أساسي في السباق على السلطة. وأخيرا: 3- أنه لم يعايش الربيع العربي، والانقلابات المرافقة له، وتذويب وجوه وانبعاث وجوه غيرها من المجهول، أو بإثر عقد صفقات وضعت اليسار العربي في جيوب ورصيد الاتجاهات اليمينية.
بالرغم من تلك الفراغات لا يخلو البحث من علاقة بالتطورات والأوضاع التي تسببت بها، لأنه يلامس قطاعا هاما وحيويا، وهو توزع العائلات والطوائف وثقلها كجماعات ضاغطة أو لوبي، مع دراسة بمنتهى الغنى وتتميز بالنظرة الثاقبة لدور القبضاي والفتوة والمقاطعجي خلال عدة عقود من تطور الدولة. بالإضافة لدور الأهازيج والشعر الشعبي وفنون الرقص والدبكة في صياغة الرأي العام وتوجهات كتلة الجماهير، وعلاقة هذه االفنون بنمط الإنتاج في الصيد والزراعة ثم تغلغل رأسمالية التخلف لابتلاع بقايا حليفها القديم وهو الإقطاع.
ولكن الأهم من كل ذلك هو المقدمة التي نظرت لعلم السياسة عند العرب المسلمين، وتشكل ثم تحول معنى الزعامة، وتداخل الديني مع السياسي والعسكري.
وتتوقف الفصول الأولى وقفة متأنية مع مقدمة ابن خلدون وكيف عمدت لتفنيد لغز القيادة السياسية وديناميكيتها وانتقالها بين عدة وجوه خاصة بتحديد قوة وحدود السلطة، سواء كانت أميرية أو سلطانية. أو سواء أنها تستمد شرعيتها من السماء وبخلفيات تعود لأول سلطة عند المسلمين وهي القوة الثوررية للنبي محمد. ثم يردف ذلك بتحليل عمودي لتصورات الفارابي عن المدينة الفاضلة مع متابعة مصادره في تحليله الطبقي والنفسي.
ومع أنه لا يقارن بين منهجية واستقرائية ابن خلدون وتصورات الفارابي الفلسفية، لكنه يشير ضمنا للفرق في الدلالة والاتجاه. فابن خلدون يهتم بعلم الجماعات والعلاقات الحاكمة لإنتاج السلطة. في حين أن الفارابي ينظر للنفس الكلية ولعلة العقل الجماعي (السياسة هي التدبير – من التدبر. التفكير وإعمال العقل أو اللوغوس ص 9).
لقد سبق الفارابي نظيره مؤسس المدرسة الخلدونية على الأقل بأربعة قرون. والفارق بينهما يمكن أن يدل على شدة الارتباط بمدرسة الوحي ومؤسسة النبوة. فالجدل لا يمكن أن يكون مقدمة لنظرية في علم الاجتماع، والملاحظة والتدوين لا يمكنهما إغناء مادة ومحتوى الوحي كولاية كونية تتصرف بأصل النوع البشري. وأن لا ننتبه لخلطة ابن خلدون (كثير من التنقيب والتصنيف وشيء لا يستهان به من السحر والتخيل) يعني أن الخلدونيين أضفوا عليه منهجية هي ليست منه. ولكنها من نتاج التطورات اللاحقة التي ظهرت بعده عند علماء السياسة العرب وفي مقدمتهم الكواكبي مؤلف (طبائع الاستبداد). وأية مقارنة بين المقدمة والطبائع تدل على قراءة من فوق في المقدمة وقراءة شاقولية في الطبائع. وهذا ينم عن تطور من أسلوب التدوين والترسل إلى أسلوب البحث والتركيز. لقد كان ابن خلدون في جزء أساسي من مقدمته يتشابه مع رحلات ابن بطوطة، ومع مغامرات السندباد. وما يؤكد هذا الزعم العصر الحاضن لهذا النتاج، فقد امتدت حياة ابن بطوطة بين 1304-1377. وتراوح بداية تأليف ألف ليلة وليلة واكتمالها بين 1160-1271 مع عودتها بشكل معدل في حوالي 1400.
إن نمط حياة البيكاريسك (أو التشرد السياسي ) وضمور معنى الهوية والانتماء عند هذا المثلث (الخلدوني) لا بد أنه يحمل في طياته أكثر من إشارة. ولا بد أنه يكشف عن طبيعة المرحلة التي أفرزت هذا التفكير الإشكالي والملتبس والممزق بين الواقع والخيال، أو الملاحظة التسجيلية والتخيل النابع من الافتراضات. وهذا هو قانون المرحلة بشكل عام، لأنه غلبت عليه ظاهرة القلق والنفعية وظهور الخطوط الحمر على امتداد رقعة الدولة المجزأة والمعرضة للسقوط. ولا مندوحة من الإقرار أيضا أن ألف ليلة وليلة هي قصص عن البلاط ومكتوبة لسياسي أو قائد طاغية يندرج في صنف القيادة المالكة (حسب تصنيفات الدكتور خليل). بتعبير آخر إن الخيال الشعبي كان موظفا لملء الفراغ النفسي بين مركز القرار ودوائر التنفيذ. وهي الساحة التي غطاها ابن بطوطة في تشرده بين البلدان، وبعده ابن خلدون في تشرده بين قصور السلاطين والملوك.
ويمكن أن تفهم من ذلك أن علم السياسة عند العرب تشكل في وقت متأخر وكان تحت تأثير منهجين:
- الملاحظة العيانية وتجميع المعلومات وتبويبها في مدونة.
- أو الاحتكام للترسانة الفكرية، واختصار خبرة وحكمة العقل اليوناني وفلسفة المشرق بشكل عام في بلوة نظام يحكم العلاقة بين مصادر الإنتاج ومصادر الأخلاق.
ثم يعمل الدكتور خليل لربط هذه المقدمات التراثية عن ماضي مفهوم القيادة عند المسلمين، مع النتائج الحديثة عن حاضر مفهوم علوم السياسة عند العرب، فيفرز أنماط القيادات التي تناوبت على تحديد اتجاه وحركة تاريخنا السياسي، وعبور المعرّفات من الطور السكوني لسلطة النص (السياسة هي المجرد - ص 9 ) إلى الدور الديناميكي للتجريب (السياسة هي الملموس - ص 7)، وذلك كما يلي:
1- القيادة الرأسية: وهو نموذج مثنوي يمكنه أن يكون مطلقا أو جدليا يأخذ بعين الاعتبار التطور الذاتي في الإنسان. ص 94.
2 – القيادة الامتلاكية: حيث يكون القائد هو المتصرف بكل شيء كما أنه الحجة بالتسلط والقدرة. ص 95.
3- القيادة النبوية: وهو نمط لم يعرفه العرب إلا في عصر الرسول والخلفاء الراشدين وبعض القيادات الفذة والتي نجحت في تحقيق شعار النهوض والنبوة. وما نجم عن ذلك من توحيد للمعتقدات وتوحيد للشعور القومي. ص 96.
وإذا كانت هذه الرؤية هي نواة الكتاب فإن الدكتور خليل يغنيها بقراءة نقدية لنماذج قيادية عربية معاصرة، صنّفها الدكتور مجيد خدوري على النحو التالي:
مثالية تقليدية (بورقيبة، الملك السعودي فيصل، الحاج أمين الحسيني)، سياسية عسكرية (نوري السعيد، عزيز علي المصري، عبد الناصر)، عقائدية (كمال جنبلاط، كامل الجادرجي، خالد بكداش)، سياسية فكرية (محمد حسين هيكل، أحمد لطفي السيد، ميشيل عفلق).
ويجد الدكتور خليل أن تلك النماذج يمكن أن تندرج تحت عدة محاور هي على التوالي: معتدلة، واقعية، متعارفة، مثالية، عقائدية.
ومع أن هذه الدراسة المبكرة متميزة ومتكاملة في تطبيقاتها وفي قراءة الواقع السياسي لدور عبادة الفرد عند المسلمين والعرب يمكن أن نلاحظ عليها النقاط التالية:
*إنها تهمل الدور النوعي للقيادة الروحية، ولا سيما في العالم الثالث، وأستبعد من هذا النطاق رجل الدين الاجتماعي، أو رجل الدين الذي يحتل مكانته بمرسوم، كالمفتي ووزير الأوقاف وإمام الجامع وخطباء يوم الجمعة، وبعض المشايخ المتنفذين،
فهؤلاء ورثوا ألقابهم ومكانتهم عن طرق خارجية ليست جزءا من الوعي الشعوري بالايمان. فهم جزء من التراتب الاجتماعي أو هرم السلطة بكافة أنواعها. وإن وجودهم هو الذي يفرض الحاجة الماسة لوساطتهم المادية.
والمقصود بالزعيم الروحي هو الذي نسعى اليه لنبحث عن حل لمشاعر القلق بوعينا النفسي أو بالفجوة الجوهرية التي تسبب لنا الشعور المرعب بالفراغ والسقوط. ويكون وجود مثل هؤلاء الزعماء داخليا، و يشبه بطريقة من الطرق ما للغرام أو العشق أو نداء الواجب والعاطفة من رباط بالوعي الباطن.
لقد أصبح مفهوم القيادة بعد انبعاث الجماعات السلفية ملتبسا، لأنه لا يعمل بشكل مباشر ولكن عن طريق وسيط، وأعتقد أن هذا متأثر بالتركيب الميتافيزيقي للإنسان الضعيف، فهو يتكل على غيره لاسترداد حقوقه المهدورة، وينظر للمجتمع على أنه مفروز بشكل نهائي لدائرتين، ظالم لا يلبي حاجاته الدنيوية وغريزته. ومظلوم، يرى فيه مشكلته مع القدر، ولذلك يقاسمه نفس الأعباء والواجبات، أو أنه مرؤوس ومنقاد ومقهور بحكم الخضوع ووواجب الطاعة ص 94. وبسبب هذا الضعف يؤجل المحاسبة والمكاسب لوقت آخر غير معلوم، وربما لحياة أخرى تنتفي فيها هذه البنية، وهنا يتدخل الواعظ والمرشد الديني والقيادة الروحية. وقراءة الدكتور خليل للفارابي ليست غريبة على هذا المنطق، فهو يقسم المجتمع إلى رءئس يتأله ومجتمع يتانسن، ص 104. ولذلك توجب أن نننظر إلى العقل على أنه عاقل (مصدر للأحكام) ومعقول (مستلم ينفذ). ص104. ولكن المفهوم الروحي للقيادة أبعد من الاتفاق عليه. إنه يعزو للوحي دورا مركزيا ثابتا. وهو غير فاعل ومعطل بسبب نهاية عصر النبوات. لذلك يكون الخلاف على دور الولاية ومعناها ومحدداتها. ولا داعي للتذكير أنه توجد أشكال للولاية، والقيادة الروحية، بعدد الجماعات السلفية. ويمكن إجمالها بالولاية المادية عن طريق التسلسل، والرمزية عن طريق الرفع والغياب. والشكل الأخير ليس وقفا على الاتجاهات الباطنية. ولكن يمكن حجب القائد الروحي عن أتباعه، والاكتفاء باستلام التعاليم والإرشادات بالوسائط، وهي متعددة، ويمكنك القول إنها بمستويات من ناحية الأهمية والتلامس أو المباشرة. فيمكن أن تنوب عن القائد الروحي أدوات التواصل الحديثة، أو سلسلة من النواب. وهذا منتشر بين الجماعات التي أعلنت الجهاد.
* لم تتوفر إشارة للتبدل في أشكال القيادة، فبعض الرموز العسكرية تحولت مع الزمن لرموز روحية. ومن الأمثلة التي لا تغيب عن البال هتلر، فالنازية الجديدة تنظر إليه كإله أو رسول غائب، ويوجد من ينكر موته وينقب عنه، وكأنه رمز عرقي يحل محل المسيح. وتوجد أيضا رموز روحية تحولت إلى مرجعية لا غنى عنها بمنظور الدولة. ومنها الخليفة الثاني عمر، والذي يضعونه موضع إله العدالة. ولدى غلاة السنة تصور وثني عنه، ميزان العدل بيد، والسيف باليد الثانية، وعيناه معصوبتان، كناية عن العدالة العمياء. مع أنه لم يبتعد عن حدود الباحة التي تحيط ببيته.
ويجد هذا التصور دعما له في فكرة الخليفة عمر عن دور الجماعة في الإسلام وفي غموض فلسفته حول حق القيادة المزعوم، ص 51. فالتعاقد السياسي والديني بين مختلف العصبيات ساعد على تنزيه شخصية عمر من الانحياز، ص51، وكانت الجماعة في فلسفته تتداخل فيها أمة الإجابة وأمة الدعوة، أو الجماعة التاريخية والجماعة العالمية، ولم تعمد لاحتكار القوة والثروة بيد شخص واحد، كما يقول الدكتور خليل، ص 51.
ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الدور المركزي للرسول. مع أنه لم يضع أسسا لدولة بالمعنى الملموس للكلمة، يوجد من يحكم ويسن القوانين والتعليمات باسمه. ويفسر ما غمض من كلام الوحي بالاتكال على سلوكه اليومي العادي. وكما ورد في حوار مع ماجد الغرباوي: إن الإدعاء بأولوية المشروع السياسي والقومي للبعثة النبوية ينقصه الدليل، فالبعثة منذ بداياتها تؤكد على الجانب الروحي للإنسان، ولذلك اهتمت بالتأكيد على عدم المشابهة وعدم التجسيد.
ويردف: إن الدولة الإسلامية سقطت وتمرغت بالوحل لكن الدين الإسلامي والتبشير به لم يتعرضا للنقصان، ولدينا أكثر من مشروع لإحياء التجارب المدفونة تحت الرماد.
ويعمم الغرباوي ملاحظاته عن الإسلام على كل العقائد (و أغلب الظن أنه يقصد الأديان السماوية وليس التوجه الروحي لشعوب المشرق كالتاوية والبوذية وغيرها كما يفعل باحث آخر هو فراس السواح). فالعقيدة عند الغرباوي لديها مقدرة على تعبئة أتباعها من خلال تنقية الشعور والأحاسيس وتحويلها إلى سلوك نمط أو طقوس، من أهم صفاتها سعة التصور ورسم أفق للخيال في الذهن مع الانشداد إليه، وهذا هو أبسط تعريف من تعاريف الإيمان.
وينتهي لنتيجة مفادها: أن السياسة قد توظف الدين لصالح أهدافها لكن يبقى الدين دينا سواء وظف السياسة لترسيخ وجوده أم لا، فالدين مشروع روحي يضع نصب عينيه تحرير الوعي (بمعنى الوجدان أو الضمير وليس المنطق) من العبودية ومن الاتكال على ظواهر مؤقتة(1).
وأيا كان الأمر مثل هذه السلطة لا يمكن أن تنشأ وتتمدد لو لا وجود سلسلة من الحراس الأشداء الذين يتناقلونها بين الأجيال، مع تعديلات تكاد أن تلغي الحكمة المرجوة من الإسلام، وهو نشر الروح الثورية، وتصحيح الواقع المادي ليخدم حاجات البشرية وليس العكس.
* لا يمكن أن تفهم ما هو المقصود بالجامعة ص 42. هل هي المؤسسة التربوية، أم مراكز التعليم ونشر العلوم؟. ونشأ عن هذا الغموض جدل حول تخلي الجامعة عن الدور الذي كفله لها العصر الوسيط وتنحيها في الوقت الراهن لمصلحة الدولة والسياسة.
إنه يمكن أن تقبل ذلك إذا حصرت الدراسة في شرطين: أن الجامعة هي أي مركز مخصص لنشر علوم محددة، تفصل التبشير عن التعليم. وأن الكلام في العرص الحاضر يغطي العالم الثالث والكتلة الشرقية خلال الحكم الشمولي، فقد كانت الجامعة جزءا من ماكينة البروباغاندا أو التوظيف الإيديولوجي.
فالاستقلال النسبي لها يعاني من الخطوط الحمر، هذا غير المقررات المضافة على الاختصاص المدروس. مثل الماركسية اللينينية في المنظومة الشرقية والقومية الإشتراكية في سوريا والعراق، و الطب النبوي في الخليج العربي. ناهيك عن التدريب العسكري في عدد من هذه الدول.
وإذا لم تكن المؤسسات جادة في التعامل مع هذه الحواشي والإضافات بسبب ضعف من يؤمن بها أو غيابه أصلا وحصر المسألة في حدود العادة والروتين، فإنها إشارة رمزية على بنية تعمل من خلف الستار ويمكن أن تنفجر في أية لحظة. إنما في الغرب يدين كل إنسان للمؤسسة التي يعمل بها، فالاختصاصات اجتماعية ومهنية. وللجامعة دور مركزي ضمن المدينة الجامعية، وليس وراء الأسوار. مثل الدور المركزي للثكنات فهو داخل المنشأة وليس بعد أسوارها. ولا يمكنك أن تشعر بوجود الدولة في الدول الغربية حتى أنه بمقدورك أن تنساها تماما ما دمت نظيفا بسلوكك وحياتك. والرموز الوطنية في الغرب موجودة بلا معنى محدد وتخدم غاية واحدة وهي تحقيق فضاء مشترك يتلاقي عليه جميع الأطياف.
*يوجد تكرار ميكانيكي لدور عصبية النسب في نشوء وتشكيل دولة الأمة ص 70، ولكن هذه القراءة التي دعمتها بحوث بعض المستشرقين تقفز من فوق تجارب أساسية من الواقع الإسلامي، وفي المقدمة المكانة الروحية للإمام علي، وما نجم عنها من تصورات عن قيادة لسلطة غير حاضرة، وكأن المسألة من الماضي أو أنها رهن بالمستقبل، وهذا التعبير للدكتور خليل نفسه، ص 54.
لقد كانت تصورات الإمام علي للقيادة تبني على تفكير رومنسي لمعنى الألوهية والطاعة، وكان يلح على ربط القيادة بالوحي مباشرة، بمعنى آخر لم يكن يفهم الحكمة من ملء الشاغر الذي حصل بوفاة الرسول، وتعامل معه كأنه فجوة رمزية مثل الفجوة التي تخلقها عدم المشاهدة، وفي إيديولوجيا علي زيادة في مساحة المغيبات أو الميتافيزيقا، وتواتر للولاية بالشهود وليس المشاهدة. لقد بنى تصوراته على أساس حراسة المبدأ الروحي للأمة وترك مهمة تنفيذها للأفراد، و ترك لنا وراءه تراثا غنيا من الخطب والتعاليم والأشعار ، بعكس الخلفاء الآخرين الذين انطفأ نشاطهم الروحي إن لم يكن معدوما أصلا.
فالخلفاء الذين سبقوه اهتموا بفرض قراءتهم لفلسفة وأحكام الدين الإسلامي في حين أن علي دافع عن وجود القرآن بحد ذاته، بمعنى آخر إن شعبية الإمام علي المتزايدة عبر قرون من تاريخ الصراع الدامي على السلطة دعمته فلسفته في التنزيل الدائم، فإذا كان الوحي انقطع عن النزول فهذا لا يعني أنه انقطع عن حراسة التعاليم والأحكام الإلهية.
وإلا كيف نفسر عدم وجود كراس واحد يضم توجيهات أبي بكر وعمر بينما لدينا أكثر من مجلد لتأملات علي. ومثل هذه الحراسة للمبادئ بعد تجريدها عن الحاجات الملحة والعاجلة هي جوهر الأحزاب التي انتشرت وأثبتت وجودها في النموذج الغربي. وخذ على سبيل المثال أهم مؤسسات الحياة السياسية في أمريكا، إنها تختلف في كل شيء إلا ما يتعلق بمفهوم السيادة، وتسخر لصيانة هذا المبدأ جملة أو شبكة من العلاقات ذات الديمومة. ومنها حراسة دستور الدولة والسهر على تطبيقه، وكأنه رسالة منزلة من السماء ويحملها الوحي من جيل الأب المؤسس إلى جيل الأبناء، يعني من الواحد إلى الكثرة، ومن المركز إلى الأطراف، وهذه هي خلاصة معنى الخلافة برأي علي، فالوحي لديه قائم وموجود ولكن نحن لا نراه، مثلما نحن لا نرى ذات الإله ولا ذات الرسول. وبهذا المعنى تطورت فكرة الإمام الغائب والمنتظر. ولتوضيح الفكرة: إن الثواب مؤجل عند الإمام علي ولكنه عاجل عند الخلفاء الآخرين. وهذا يكفل لم شمل الجماعة خارج إطار النسب وشجرة الملك، ففكرة ابن خلدون المبسطة عن العصب تصح بشرط واحد، إذا نظرنا لتاريخ السلطات بعين واحدة وإذا حصرنا ملاحظاتنا على الاستبداد فقط.
*يعزو لشخصية عبد الرحمن ابن خلدون دورا مركزيا في تفسير علاقة السلطة بدور القائد، وهذا يخوله مكانةأاساسية في تأسيس علم اجتماع متطور وثابت الأركان ص 82. وما يدعو للانبهار في شخصية ابن خلدون هو تربيع الدائرة إن صح القول، فهو حامل لمجموعة من الوظائف التي لها علاقة بقطاعات حساسة ونخبوية من الدولة الإسلامية آنذاك، ويمكن أن نعد منها على سبيل الذكر لا الحصر: كاتب وأمين سر، فقيه، قاض، داعية سياسي، وسفير، ص 88. ووقفت وراء ذلك روح شمولية دمجت العلم مع السياسة، والانفتاح على المستقبل من خلال التمسك بالثوابت الدينية، ولهذا السبب أخذ اللغة العربية على أنها لغة دين وثقافة، أو أنها أداة لنشر الإسلام والمعرفة في نفس الوقت ص85. بتعبير آخر حاول أن يمسك المجد من طرفيه: الرياسة السلطانية والرياسية العلمية، وربط بينهما بالدور الدعائي، ص 87. بمعنى أنها مثل القيادة الرأسية (أن يلعب دور زعيم وقائد يحكم لكنه لا يملك) ص 93. وبلغة فاديم ميجويف: أصبح تطور المجتمع ينطبق لديه مع تطور الإنسان، فالاجتماعي أصبح مرادفا للإنساني (بلغتي: حدود الذات المعرفية)، وعليه حصل الإنساني على شكل اجتماعي يظهر به مباشرة، ص 214. وبلغة ميجويف أيضا، وضع المادي والروحي في خدمة أقوياء الأمة (و ليس الأمة بذاتها) ص 214(2).
لكن هذه الخصال مع أن الهدف منها الإشادة بأولوية ابن خلدون وأهميته تشير ضمنا إلى المعنى الملتبس لدور القائد..هل هو حامل لمصدر القيمة أم أنه هو المنشيء للمعايير والقيم؟...
كانت شخصية ابن خلدون برأيي غير حاسمة ، فهو لا يمكن أن يمثل الفكر الحضاري العربي بأفضل صوره ( ص 85) لأنه ختم حياته وسيرته المهنية بالتعاقد مع تيمورلنك بعد أن قام بغزو دمشق، ص91. وهل يوجد من هو أخطر من هذا الدموي على الروح العربية الأصيلة. وهل يوجد في ذاكرة التاريخ أشرس منه في تدمير عاصمة الأمويين الذين ينتسب إليهم ابن خلدون نفسه؟.
والسؤال الأهم بهذا الشأن: كيف ننظر لصفات القائد الناجح، وأين تنتهي العصبية لضمان الولاء وأين تبدأ الضرورة بفرض قانونها وأحكامها. لقد عانت شخصية ابن خلدون من قلق عميق في المعاني، والاحتكام للواقع عنده لا يلغي الاحتكام للدور التحريضي الذي تلعبه الذات. ولكن بكل بساطة يمكن أن نقول إنه براجماتي أو عملياتي. يتحرك وفق أهوائه الشخصية (المنافع والأهداف الخاصة) ويعدل كلما استجدت أمور على المشهد السياسي العام (الواقع والظروف).
*لا يعترف بدور الحل العسكري في توحيد الصفوف أمام محاولات الانفصال عن السلطة المركزية ص 115. وتبدو لي مشكلة الزكاة في عهد الخليفة أبي بكر مشابهة لمشكلة الخراج في العصر العباسي الوسيط. حينما انتشرت سياسة العزل أو الحجر لإنهاء دور الخليفة والاستئثار بسلطاته، ص 118. وحروب الردة والسلطة الخراجية هنا وجهان لعملة واحدة. وكانت حركات التمرد تستغل ضعف رأس الدولة، وتقضم من سلطاته إما من خلال لعبة المنع والردع (في أيام ابي بكر) أو العزل والحجر والإقامة الجبرية في العصر العباسي الثاني. لقد كانت النزاعات العسكرية هي أبلغ تعبير عن ضعف شخصية القائد، وتدني مستوى حياته الروحية في الأمة. لقد كان الخليفة الأول أحد بقايا ظلال أو أطياف الرسول، ولم يكن بذاته يحمل قيمة موضوعية، حتى أنه اعتمد في سنوات حكمه على ترتيبات أفاد منها التجار والصناعيون ص 115. بمعنى آخر كان يمثل الأخلاق الربوية التي تستمد منها قريش مكانتها وجبروتها. ولم يكن من المستغرب أن تنتفض القبائل، لقد كان خطأه التاريخي ناجما من مصيرين طبقي واجتماعي (مشكلة في النسب وتوزيع العشائر). وهي نفس الغلطة التي ارتكبتها الدولة العباسية حينما وضعت الخراج والجباية في صلب سياستها ص118، وتركت السياسة للفرس. لقد أدى ذلك لخلق تبئير في مراكز القوة، دائرة مالية مقابل دائرة عسكرية، وكان الإغراء بالرشوة والثروة يتصارع مع قوة عسكرية لها انتماء عرقي وحضاري مختلف، وأدى ذلك إلى ولادة محورين في الدولة ، قوة رأس المال مع قوة الجماعات الضاغطة. لقد كانت الدولة الإسلامية تكرر نفسها بواسطة دورات حول مفهوم الأخلاق وعلاقتها بالمجتمع.
وكانت فلسفة المحاكاة مسؤولة عن المأساة أو الجرح الحضاري الذي أنهى هذا الكيان المترامي الأطراف، فقد كانت الفتوحات تنخر في أساس الدولة وتوسع من المشكلة الروحية ولا تردمها. وانقطاع الوحي ثم مطاردته واعتباره خارجا على القانون ألغى مضمون الرسالة الأساسي.
وباعتقادي إن مفهوم الحارة والعائلة والبناية الذي يتحكم بحياتنا اليومية في العصر الحالي هو نتيجة من نتائج موت الوحي، لقد دفنا سلطته مع وفاة الرسول، وبعد أن كنا ننظر إلى السماء لنستمد مشروعية أعلى من الرغبات والدوافع المؤقتة عدنا للنظر إلى علاقة الداخل بالأرض وعلاقة الاستهلاك بالحاجة. وكانت سلطة الخراج جزءا من الدولة الحامية للفساد، وإيجار الأرض تحول بالتدريج لإيجار الدواوين وبلاط الدرجة الثانية وما دون، إلى أن فرغت السلطة نفسها من محتواها، واحتل الفراغ العدو أو الضد النوعي. وأصبحت الدايناستي المالكة عبارة عن صورة.
لقد تم تداول دوائر الدعوة والدعوة المعاكسة (ما نقول عنه بلغة اليوم الثورة والثورة المضادة) بنفس قانون المحاكاة الأساسي، سيادة ويتبعه التنحي والإبعاد. حتى انتهى مضمون الواحد الذي يترادف مع واحدية ومركزية الإله وتحريم مشابهته وأصبح عبارة عن تجسيد لفكرة القبائل المتناحرة على المصادر. لقد سقطت الفيدراليات الإسلامية وحلت محلها نزعة تدويل الأقاليم التي لها مرجعيات متناحرة لا يلم شملها شيء، وأخشى أن أقول إن تاريخنا المعاصر مثل تاريخنا الوسيط، يقوم على الترويج للمقامرات العسكرية وتعويم فكرة المغامرة والتجريب، دون خط ممنهج أو استراتيجية وطنية بعيدة المدى ومنزهة عن القراءة الشخصانية. ويمكنني أن ألخص فكرتي بعبارة واحدة، إن الدور الإعجازي لسلطة الوحي، والقائد الذي ينوب عنه في التبليغ، ثم الدور الشمولي للخلافات بكل أنواعها، التجارية والرأسمالية، أو نظام الانتاج ورأس المال الرأسمالي انتهت إلى أنواع ضعيفة ومهزوزة من التجارب المحلية، وأضيف هذه المغامرات لا يمكنها أن تنتج قائدا ولكن تعمل على تعويمه بالوهم والمحاكاة، وسياستنا المعاصرة هي سلسلة من الأوهام التي ينقصها الرصيد، ولا يمكنني أن أنظر للزعامات الوطنية على أنها منتجة لسلطة أو نموذج قيادي، لأنها لا تحكم لأكثر من عتبات بيتها وبالتواطؤ مع الواقع الدولي. إن سياساتنا المعاصرة هي ضرب من ضروب التدبير المنزلي لا أكثر ولا أقل. ولا داعي لفتح ملفات الفتوة والبلطجي الذي حكم قطاعات واسعة من حياتنا منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة. حتى أن ثورة عبد الناصر كما يقول الدكتور خليل نقلا عن بايندر كانت مؤامرة باشوات لقطع الطريق على الشيوعية التي رعاها من حيث لا يدري نقراشي باشا، وكان التأميم في الستينات مجرد مسرحية إصلاحية للحفاظ على مكاسب الطبقة المتحكمة، وتحت شعار خسارة نصف الرغيف ولا الرغيف كله. ص 124. لأن الثورة لا يمكنها أن تكون من إنتاج الطبقة الأعلى من المتوسطة للحفاظ على مكانتها التقليدية، ص 125.
ويطيب لي التنويه أن الانقسامات في الدولة الاسلامية، ومنها انقسام معارية وعلي، ثم الخلاف الدموي بين الأمين والمأمون، لم يؤد للإنكفاء في السياسة الخارجية، فقد استمرت الفتوحات والإشعاع الثقافي والاجتماعي على رقعة واسعة من العالم، وهذا دليل على نجاح كاريزما القائد العربي، فقد كان يفرض نفسه في السياسة الدولية ويحاول توسيع نفوذه في الساحة الداخلية، لكن هذه ليست حال القيادات الوطنية الحديثة، فخلاف السادات مع رواسب عبد الناصر قاد مصر للخروج من ساحة الصراع العسكري مع إسرائيل، والارتماء في أحضان السياسة الأمريكية الداعمة لإنهاء عصر الثورات، وانكفاء مصر لتثبيت أركان الدولة في الداخل رافقه قطبعة مع العرب وإفريقيا، ناهيك عن العالم الإسلامي، فهو لاهوتيا لا يستطيع أن يفهم اليهودية السياسية. ويمكن أن تعمم هذا الكلام على بلدان أساسية لديها حدود مشتعلة من كل الأطراف.
لقد كان تثبيت دعامات السلطة على حساب تحرير الإنسان والعقل الوطني الذي تشله الخرافات والدسائس والعنصرية السياسية (والكلمة الأخيرة عندي للتعبير عن واقع السياسة المحلية، أو تقزيم السلطة الوطنية، بحيث تتحول من سياسة القصر إلى سياسة الحي ونزولا حتى سياسة الدكان).و أعتقد أن مصدر المعلومات والشرعية في المجتمع المعاصر يأتي من علاقات التوزيع والاستهلاك والمنافع العاجلة. ومع أنني لا أروج لفكرة الدور الأمريكي في صناعة الثورات العربية، لكن لا يمكنني إنكار رغباتها في إنهاء عالم سايكس بيكو، واحتلال دور مركزي في الرد على نتائج الحرب العالمية الثانية.
لقد كانت حكومات الاستقلال رهنا بالرغبة الأنكلو فرانكوفونية، لكن مجتع النكسة هو من ذيول دخول أمريكا إلى المنطقة واستلام مقاليد الفراغ الذي صنعه التململ من السياسة الأوروبية.
وقد لجم دخول أمريكا النزوع الديمقراطي الأعرج والمريض وأدى لانتشار نموذج القيادات العسكرية أو الأميرية، ومع أنني أيضا لست مع أطروحة المؤامرة وأن الثورات هي نتاج خطط رسمتها السي آي إي والموساد والماسونية لكن يمكن أن أؤيد دور الأمم الصاعدة وبحثها عن تعبير استراتيجي لحقائقها الوجودية،
وهو دور طفيف وثانوي في معظم الحالات باستثناء حرب الخليج الثانية التي مهدت لأكبر انقلاب عسكري في الشرق الأوسط وفتحت الباب للسلفية المعاصرة، وخطابها الروحي الناقص والعاجز الذي لا يخدم احتياجاتنا البشرية المتطورة والمعقدة.
والواقع يثبت أن الخطاب الديني المعاصر غير مسموع لأنه يزيد من اغترابنا الروحي ولا يستطيع الإجابة على أسئلته.
ومهما يكن الأمر إن قياداتنا الراهنة في أفضل الحالات هي نموذج لعبادة الفرد وإيلائه أهمية مأخوذة من رواسب التفكير العشائري ولذلك مع أنها داعية للتقدم فهي تلعب دور عائق له على حد سواء ص 135. والسبب على الأرجح انعدام تكامل تقاليد العمل السياسي مع نضوج التنظيمات التي ترسي دعائم القيادة الجماعية ص 135.
ويترتب على هذه المشكلة تحالفات الدافع القوي لها هو حماية المصالح الفئوية من الضرر، ولو كان الثمن تغيير المواقع وتغيير الانتماءات الحزبية، ص 212. ولدي أكثر من سبب لاختار تنظيم الضباط الأحرار ومنهج وعيه السياسي كمثال. فقد مرت عليه ثلاثة أجيال متلاحقة كل منها لديه استراتيجية مختلفة لضمان البقاء في الحكومة، من مقارعة إسرائيل ، إلى المهادنة وتبادل السفراء.
*مع أن الركائز السوسيو تاريخية مقنعة لحد بعيد في الحفر عن آليات تحول اللعبة السياسية بين طرفيها، السلطة من طرف والقائد الأحد من طرف آخر ص 164، لم يضع الخط الأحمر بين مفهوم القائد وحزبه. فنحن نفهم أن الحزب يسبق القائد بالوجود، ثم يعمل على تشكيله واختياره. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة في العالم الثالث وبالتحديد في الشرق الأوسط العربي. فعبد الناصر وهو من نماذج القيادات الساطعة ص165 سبق الاتحاد الاشتراكي بالتكون. وجاء الحزب ليغطيه سياسيا وجماهيريا. وقل نفس الشيء عن حزب البعث. مع أنه تشكل قبل استلامه للسلطة، لكن هذه الفترة من العمل السياسي لم تتجاوز فترة خمس سنوات، وهي أقصر من دوراته الانتخابية المعروفة. وقد عاد إلى واجهة العمل السياسي بانقلابات عسكرية. وفترة الكمون أو السبات كانت محصورة على نشاط اللجنة العسكرية. بمعنى من المعاني جاءت سياسة الحزب بعد استلام السلطة لتوفر غطاء للجيش. وحتى جيش الموظفين في دوائر الدولة لم يكن غريبا عن هذا المنطق، فقد تكتل في طبقة بيروقراطية لا يجمع بينها عقيدة أو منطق سياسي، ولا يلم شملها سوى الطمع باستلام المناصب الرفيعة. وهذه المأساة الإيديولوجية هي التي هضمت نصف حزب البعث إن صحت العبارة وحولته لجماعة متأسلمة وتعمل مع خنادق اليمين السياسي، ويمكن القول إن الفاشية القومية التقت مع السلفيات المعاصرة، وأثبتت أن التحكم بالأرض هي الغاية وليس طريقة هذا التحكم ولا أسلوبه. وما يخلط الأوراق بين الطرفين، السياسة والنشاط العسكري، والليبرالية والوعي الزائف بالتحرير الاجتماعي، أننا لا نزال نرزح تحت أثقال التخلف، ونعيش تحت الوصاية العلنية أو المستترة. وقد تسبب هذا العوق في الحضارة، مشكلة إضافية جعلت جر المنطقة إلى أحضان التخلف تبدو بنظر الكثيرين أنها مقاومة. للتوضيح أعتقد أننا بعيدون كل البعد عن السياسة ولكننا نعيش في ظل الحراك الاجتماعي. وتحدونا الأوهام وليس الحقائق، بتعبير آخر السياسة لدينا وهم إضافي نتخيله ولا نفهم من ضرورياته المادية والمعنوية أي شيء. والصور الوطنية هي جزء من لعبة الوعي والرغبة بالنهضة والتحرير. وبالنسبة لعبد الناصر لا يمكنني أن أجد فيه ما يزيد على محمد علي باشا، ويمكنني القول إنه نسخة عسكرية من الأفغاني مثلا. محاولة للتفتيش عن يقينيات مدفونة تحت طبقات من القصور السياسي وخلف تصارع مجموعة من الثوابت والمتحولات وفي مقدمتها الراديكالية الدينية مع ليبرالية الوعي الباطن.
وبتعبير الدكتور خليل هذه الزعامات الوطنية هي نسخة من مهنة الحكواتي (القوّال) الذي نشأ في المجتمع الزراعي العربي. إنهم ظاهرة متحولة في مجتمعات الصيد والزراعة وتطورت في مجتمع التجارة المدنية وأصبحت جزءا من الظواهر السياسية البضاعية التي تتاجر بنا من خلالها الشعوب القوية. ص 168. والغريب في الموضوع أن مهنة القوال تحولت من ظاهرة فردية إلى جماعية في الثقافة، لكن القاءئ السياسي تحول من ظاهرة انتاج الجماعة إلى ظاهرة تشكيل الجماعة. بمعنى أنه تحول من معلول إلى علة. وهذه الإشكالية هي وجه معبر عن نظام الانتاج، فهو شبه رأسمالي أو رأسمالي متخلف ص 188، أو أنه يحمل كل علامات النحول الاشتراكي والهزال التقدمي. وبلغة أوضح هو خلطة من كل شيء ليعطي في النتيجة كائنا هجينا بلا هوية واضحة ولا اختيارات جذرية.
وكما قال الدكتور خليل نحن ندور من مئات السنين في ظل دوامة الانشطار العمودي، وقد بدأت بوادر الانشطار الأفقي تظهر بعد تفاقم مشكلة الحرب الأهلية، وتوسيع رقعة التجارة الطبقية بالشعب ص 189.

هوامش:

1- المثقف. صحيفة إلكترونية تصدر عن مؤسسة المثقف العربي في سيدني. انظر: القرآن وهدف الدعوة. حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي. العدد 4061، الأربعاء 18، 10، 2017.
2- الحضارة والتاريخ. دار التقدم، موسكو. 1980.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

06-كانون الثاني-2018

حلم كئيب/ نوفا فوكواي ترجمة:

29-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

23-كانون الأول-2017

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow