Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2017-12-16

مكتوب على لوحة البوابة" Chien méchant"،وبالتأكيد هذا الكلب شرس mechant. وكلما مرت من جواره يقفز على البوابة،وينبح برغبة قوية ليقبض عليها،ويمزقها إلى نتف، كما أنه كلب ضخم الحجم، من نوع الراعي الألماني أو روتفيلير (لا تنس أن معلوماتها محدودة عن أصول الكلاب).

وشعرت من عينيه الصفراوين بخلاصة الحقد الذي ينسكب منه.ولاحقا، حينما أصبح البيتوكلبه الشرس وراءها، فكرت بذلك الحقد. إنه ليس موجها إليها شخصيا: كل من يقترب من البوابة،وكل من يسير أو يمر على خطوات منها، سيكون هدفا له.ولكن ما هو عمق الحقد الذي شعرت به؟. هل هو مثل تيار كهربائي، يشتعل حينما يلوح شخص في مجال نظره،وينطفئ حينما يختفي الشخص وراء منعطف الشارع؟.وهل موجة الحقد تستمر بالتأثير على الكلب حينما يكون وحده، أم أن الغضب يزول فجأة، أم أنه يعود لحالة من الهدوءوالسكينة؟.

كانت تقود الدراجة أمام البوابة مرتين في أيام العمل، مرة في طريقها إلى المستشفى حيث تعمل،ومرة بعد نهاية نوبتها.ولأن عبورها منضبط، كان الكلب يعلم مواعيدها،وحتى قبل أن تظهر يزحف إلى البوابة،ويقفز على الأرض .ولأن البيت في منحدر، فإن مرورها في الصباح،وهي تصعد على السفوح، يكون بطيئا،وفي الأمسيات، يمكنها لحسن الحظ أن تكون أسرع.

ومع أنها لا تعرف شيئا عن سلالات الكلاب، لكن أصبح عندها فكرة واضحة عن الراحة النفسية التي تنتاب الكلب حين رؤيته لها. وهذا الرضا ناجم عن تأثيره بها،وشعوره أنه مرهوب الجانب.ويمكنها أن تؤكد أنه كلب،ولم يتعرض للخصاء. وإذا كان يدرك أنها أنثى،ويفهم أن الانسان يجب أن يكون واحدا من جنسين، كما هو الحال في الكلاب، ذكوروأناث، هل ينتابه نوعان من مشاعر الرضا في وقت واحد- رضا ناجم عن وحش يسيطر على وحش آخر،ورضا ذكر يهيمن على أنثى- لم يكن لديها جواب على هذا السؤال.

كيف يمكن للكلب أن يعرف أنها تخاف منه؟. فهي تضع على وجهها قناعا من اللامبالاة. الجواب: لأن رائحة الخوف تنتشر منها،ولا يمكنها مهما فعلت أن تتستر على ذلك.وكلما اندفع الكلب باتجاهها، تخترق ظهرها قشعريرة، ثم يتضوع من جسمها تيار من الرائحة،وهي رائحة بمقدور الكلب أن يلتقطها فورا.وتدفعه إلى نوبات من الحنق.ولكن خوفها كان طفيفا، على شاكلة الخوف الذي يلازم أي كائن موجود على الطرف الآخر من البوابة.

ويمكنك القول إنها ترتعد منه، وهو يعرف ذلك. فقد كان ينظر إليها مرتين في اليوم: حين تمروالخوف يجللها، دون أن تتمكن من إخفائه،ولا التستر على رائحة خوفها التي تنتشر مثلما يحصل حينما يتضوع من الكلبة رائحة جنسية.

وبما أنها تحب قراءة أوغسطين. تتذكر أنه من قال: أوضح دليل على أننا مخلوقات متعثرة الحظ موجود في عدم قدرتنا على التحكم بأجسادنا.وبدقة أكبر: لا يستطيع الإنسان التحكم بحركة أعضائه الجنسية. فذلك العضو يتصرف كما لو أن لديه إرادة منفصلة،وربما يتصرف كما لو أنه بيد كائن غريب عنك.

وكانت تفكر بأوغسطينوهي تدنو من قاعدة المرتفعات حيث يوجد البيت الذي يأوي إليه الكلب. هل بمقدورها

السيطرة على نفسها الآن؟.وهل سيكون لديها القوةوالإرادة الكافية لمنع نفسها من نشر رائحة الخوف المهينة؟.وفي كل مرة تسمع فيها النباح المكتوم في حنجرة الكلب، لا تعلم هل هذا دليل على الغضب أم الرغبة، وكلما سمعت صوت ارتطامه بالبوابة حين يلقي نفسه عليها، تقول لنفسها: لن أتحلى بالجرأة اليوم.

كان الكلب " "Chien mechant محجوزا في حديقةولا تجد فيها شيئا غير الأعشاب.وفي أحد الأيام تجرأتوهبطت من دراجتها،وأسندتها على جدار البيت،وقرعت الباب،وانتظرت لفترة طويلة،وعلى مبعدة أمتار منها كان الكلب يتحفز ثم يقفز على الأسوار. كانت الساعة حوالي الثامنة صباحا،وهو وقت غير مناسب للزياراتوالدق على أبواب الآخرين.ولكن في خاتمة المطاف تمت مواربة الباب.وفي الضوء الشاحب تعرفت على وجه امرأة عجوز بملامح قاسية،وشعر رمادي متهدل، قالت بلسانها الفرنسي المعتدل:"صباح الخير، هل بمقدوري الكلام معك للحظة؟".

اتسعت فتحة الباب، فدخلت منه، إلى غرفة مفروشة قليلا،وفي هذه اللحظة شاهدت رجلا مسنا بإزار أحمر يجلس خلف طاولة،وأمامه كوب كبير. ألقت عليه التحية، فهز رأسه لكن لم ينهض على قدميه لملاقاتها.

قالت له:"آسفة لإزعاجك في هذا الوقت المبكر. أقود دراجتي من أمام بيتك مرتين يوميا،ولا شك أنك سمعت صوت العجلات،وكلبك دائما بانتظاري لإلقاء التحية".

ساد السكونوالصمت.

فأردفت:"هذا مستمر من عدة شهور.وأتساءل هل حان الوقت للتجديد. هل أنت جاهز لتقدمني لكلبك، ليتمكن من التآلف معي،وليعرف أنني لست معادية له،وأنني لا أقصد إلحاق الأذى بأحد؟".

تبادل الزوجان نظرة،وكان الهواء في الغرفة راكدا، كما لو أن أحدا لم يفتح نافذة في البيت من سنوات.

وقالت المرأة:"هذا كلب طيب، Un chien de garde، إنه كلب حراسة".

وفهمت من ذلك أنه لن يكون هناك تعارف،ولا تآلف مع كلب الحراسة،وبرأي تلك المرأة أنه يجب أن يعاملها كعدووأن تبدو بعينيه دائما في صف الأعداء.

أضافت:"و لكن كلما أمر من أمام البيت يدخل الكلب في نوبة من الغضب،ولا أشك أنه يعتقد أن واجبه يفرض عليه أن يكرهني،ولكن أنا مصدومة من حقده علي، مصدومةوخائفة.ودائما يغمرني أمام بيتكم الشعور بالهوان، يهينني أن أكون خائفة لهذه الدرجة.ولا يسعدني أن أفشل في مقاومة مخاوفي أو وضع حد لهذا الخوف".

رماها الزوجان بنظرات متحجرة.

فتابعت:"و لكن هذا شارع عام،ولدي حق للعبور منه، دون أن يدب الخوف في قلبي،ودون الشعور بالخزيوالهوان،وبأيديكم وضع حد لكل ذلك".

قالت المرأة:"و لكنه شارع في منطقتنا،ولسنا نحن من دعاك للعبور منه، يمكنك العبور من طريق آخر".

وتدخل الرجل بالكلام لأول مرة فقال:"و من أنت؟.وبأي حق تقرعين باب بيتنا لتعلمينا أصول اللياقةوالسلوك؟".

وكانت على وشك أن ترد،ولكنه لم يترك لها الفرصة،وقال:"اذهبي، هيا انصرفي، انصرفي، انصرفي".

وتهدلت أطراف كم الإزار الذي يرتديه،وهو يلوح بيديه ليصرفها، وانغمس في كوب القهوة.وأوشكت أن تخبره كي يحترس،ولكنها لم تفعل.وتراجعت بصمت، ثم أغلقت الباب خلفها.

وقفز الكلب على السور. وقال: في يوم ما سيسقط السور، ثم أردف:وفي يوم ما سأمزقك إربا إربا.

وبهدوء بالغ،ومع أنها كانت ترتعش،وتشعر بتيار من الخوف يفر منهاويتبخر في الهواء، وقفت أمام

الكلبوقالت له بلغة البشر:"اللعنة عليك، اذهب إلى الجحيم". ثم صعدت على دراجتها،وانطلقت على سفوح المرتفعات.

الترجمة من النيويوركير، شهر كانون الثاني، 2017.
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

06-كانون الثاني-2018

حلم كئيب/ نوفا فوكواي ترجمة:

29-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

23-كانون الأول-2017

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow