Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 11 المؤلف : الخطيب القزويني

ألف

خاص ألف

2017-12-09


( هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها ** )
وكذا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب جعل الله ذلك في كفه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد )
والمعنى فيهما على انتزاع الشبه من المجموع وكل هذا يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة
وقد يسمى التمثيل مطلقا ومتى فشا استعماله كذلك سمي مثلا ولذلك لا تغير الأمثال ومما يبنى على التمثيل نحو قوله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } معناه لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه واع لما يجب وعيه ولكن عدل عن هذه العبارة ونحوها إلى ما عليه التلاوة بقصد البناء على التمثيل ليفيد ضربا من التخييل وذلك أنه لما كان الإنسان حين لا ينتفع بقلبه فلا ينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه ولا يفهم ولا يعي جعل كأنه قد عدم القلب جملة كما جعل من لا ينتفع بسمعه وبصره فلا يفكر فيما يؤديان إليه بمنزلة العادم لهما ولزم على هذا أن لا يقال فلان له قلب إلا إذا كان ينتفع بقلبه فينظر فيما ينبغي أن ينظر فيه ويعي ما يجب

وعيه فكان في قوله تعالى لمن كان له قلب تخييل أن من لم ينتفع بقلبه كالعادم للقلب جملة بخلاف نحو قولنا لمن كان له قلب ناظر فيما ينبغي أن ينظر فيه واع لما يجب وعيه
وفي نظم الآية فائدة أخرى شريفة وهي تقليل اللفظ مع تكثير المعنى ونقل الشيخ عبد القاهر عن بعض المفسرين أنه قال المراد بالقلب العقل ثم شدد عليه النكير في هذا التفسير وقال وإن كان المرجع فيما ذكرناه عند التحصيل إلى ما ذكره ولكن ذهب عليه أن الكلام مبني على تخييل أن من لا ينتفع بقلبه فلا ينظر ولا يعي بمنزلة من عدم قلبه جملة كما تقول في قول الرجل إذا قال قد غاب عني قلبي أو ليس بحضرني قلبي إنه يريد أن يخيل إلى السامع أنه غاب عنه قلبه بجملته دون أن يريد الإخبار أن عقله لم يكن هناك وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك وكذا إذا قال لم أكن هاهنا
يريد غفلته عن الشيء فهو يضع كلامه على التخييل
هذا معنى كلام الشيخ وهو حق لأن المراد بالآية الحث على النظر والتقريع على تركه فإن أراد هذا المفسر بتفسيره أن المعنى لمن كان له عقل مطلقا فهو ظاهر الفساد وإن أراد أن المعنى لمن كان له عقل ينتفع به ويعمله فيما خلق له من النظر فتفسير القلب بالعقل ثم تقييد العقل بما قيده عري عن الفائدة لصحة وصف القلب بذلك بدليل قوله تعالى { لهم قلوب لا يفقهون بها } واعلم أن المثل السائر لما كان فيه غرابة استعير لفظة المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة وهو في القرآن.

كثير كقوله تعالى { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } أي حالهم العجيبة الشأن كحال الذي توقد نارا وكقوله تعالى { ولله المثل الأعلى } أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة وقوله تعالى { مثلهم في التوراة } أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه وكقوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ثم أخذ في بيان عجائبها إلى غير ذلك

فصل في بيان الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية

قد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى لفظ المشبه ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر ثابت حسا أو عقلا أجري عليه اسم ذلك الأمر فيسمى التشبيه استعارة بالكناية أو مكنيا عنها وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية والعلم في ذلك قول لبيد
( وغداة ريح قد كشفت وقرة ** إذ أصبحت بيد الشمال زمامها )
فإنه جعل للشمال يدا ومعلوم أنه ليس هناك أمر ثابت حسا أو عقلا تجري اليد عليه كإجراء الأسد على الرجل الشجاع والصراط على ملة الإسلام فيما سبق ولكن لما شبه الشمال لتصريفها القرة على حكم طبيعتها في التصريف بالإنسان المصرف لما زمامه بيده أثبت لها يدا على سبيل التخييل مبالغة في تشبيهها به وحكم الزمان في استعارته للقرة حكم اليد في استعارتها للشمال فجعل للقرة زماما ليكون أتم في إثباتها مصرفة كما جعل للشمال يدا ليكون أبلغ في تصييرها متصرفة فوفى المبالغة حقها من الطرفين فالضمير في أصبحت وزمامها للقرة وهو قول الزمخشري والشيخ عبد القاهر جعله للغداة والأول أظهر


واعلم أن الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه كما في قول أبي ذؤيب الهذلي
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع )
فإن شبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفاع وضرار ولا رقة لمرحوم ولا بقيا على ذي فضيلة فأثبت للمنية الأظفار التي لا يكمل ذلك في السبع بدونها تحقيقا للمبالغة في التشبيه ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه في المشبه به كما في قول الآخر
( ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ** فلسان حالي بالشكاية أنطق )
فإنه شبه الحال الدالة على المقصود بإنسان متكلم في الدلالة فأثبت لها اللسان الذي به قوام الدلالة في الإنسان وأما قول زهير
( طحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ** وعرى أفراس الصبا ورواحله )
فيحتمل أن يكون استعارة تخييلية وأن يكون استعارة تحقيقية أما التخييل فأن يكون أراد أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه أو أن المحبة من الجهل والغي وأعرض عن معاودته فتعطلت آلاته كأي أمر وطنت النفس على تركه فإنه تهمل آلاته فتتعطل فشبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة قضى منها الوطر فأهملت آلاتها فتعطلت فأثبت له الأفراس والرواحل فالصبا على هذا من الصبوة بمعنى الميل إلى الجهل والفتوة لا بمعنى الفتاء وأما التحقيق فأن يكون أراد دواعي النفوس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات أو الأسباب التي قلما تتآخذ في اتباع الغي إلا أوان الصبا

فصل

اعلم أن كلام السكاكي في هذا الباب أعني باب الحقيقة والمجاز والفصل الذي يليه مخالف لمواضع مما ذكرنا فلا بد من التعرض لها ولبيان ما فيها منها أنه عرف الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع وقال إنما ذكرت هذا القيد يعني قوله من غير تأويل في الوضع ليحترز به عن الاستعارة ففي الاستعارة تعد الكلمة مستعملة فيما هي موضوعة له على أصح القولين ولا نسميها حقيقة بل نسميها مجازا لغويا لبناء دعوى المستعار موضوعا للمستعار له على ضرب من التأويل كما مر ثم عرف المجاز اللغوي بالكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع وقال قولي بالتحقيق احتراز أن لا تخرج الاستعارة التي هي من باب المجاز نظرا إلى دعوى استعمالها فيما هي موضوعة له على ما مر وقوله استعمالا في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها بمنزلة قولنا في تعريف المجاز في اصطلاح به التخاطب على ما مر
وقوله مع قرينة إلخ احتراز عن الكناية كما تقدم وفيهما نظر لأن لفظ الوضع وما يشتق منه إذا أطلق لا يفهم منه الوضع بتأويل

وإنما يفهم منه الوضع بالتحقيق لما سبق من تفسير الوضع فلا حاجة إلى تقييد الوضع في تعريف الحقيقة بعدم التأويل وفي تعريف المجاز بالتحقيق اللهم إلا أن يراد زيادة البيان لا تتميم الحد ثم تقييد الوضع باصطلاح التخاطب ونحوه إذا كان لا بد منه في تعريف المجاز ليدخل فيه نحو لفظ الصلاة إذا استعملها المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازا فلا بد منه في تعريف الحقيقة أيضا ليخرج نحو هذا اللفظ منه كما سبق وقد أهمله في تعريفها لا يقال قوله في تعريفها من غير تأويل في الوضع أغنى عن هذا القيد فإن استعمال اللفظ فيما وضع له في غير اصطلاح التخاطب إنما يكون بتأويل في وضعه لأن التأويل في الوضع يكون في الاستعارة على أحد القولين دون سائر أقسام المجاز ولذلك قال وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة ثم تعريفه للمجاز يدخل فيه الغلط كما تقدم
ومنها أنه قسم المجاز إلى الاستعارة وغيرها وعرف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به وقسم الاستعارة إلى المصرح بها والمكنى عنها وعنى بالمصرح بها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به وجعلها ثلاثة أضرب تحقيقية وتخييلية ومحتملة للتحقيق والتخييل وفسر التحقيقية بما مر وعد التمثيل على سبيل الاستعارة منها وفيه نظر لأن التمثيل على سبيل الاستعارة لا يكون إلا مركبا كما سبق فكيف يكون قسما من المجاز المفرد ولو لم يقيد الاستعارة بالإفراد وعرفها بالمجاز الذي أريد به ما شبه بمعناه الأصلي مبالغة في التشبيه دخل كل من التحقيقية والتمثيل في تعريف

الاستعارة ومنها أنه فسر التخييلية بما استعمل في صورة وهمية محضة قدرت مشابهة لصورة محققة هي معناه كلفظ الأظفار في قول الهذلي فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال على ما تقدم أخذ الوهم في تصويرها بصورته واختراع مثل ما يلائم صورته ويتم به شكله لها من الهيئات والجوارح وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتياله للنفوس به فاخترع للمنية صورة مشابهة لصورة الأظفار المحققة فأطلق عليها اسمها وفيه نظر لأن تفسير التخييلية بما ذكره بعيد لما فيه من التعسف وأيضا فظاهر تفسير غيره لها بقولهم جعل الشيء للشيء كجعل لبيد للشمال يدا يخالفه لاقتضاء تفسيره أن يجعل للشمال صورة متوهمة مثل صورة اليد لا أن يجعل لها يدا فإطلاق اسم اليد على تفسيره استعارة وعلى تفسير غيره حقيقة والاستعارة إثباتها للشمال كما قلنا في المجاز العقلي الذي فيه المسند حقيقة لغوية أيضا فيلزمه أن يقول بمثل ذلك أعني بإثبات صورة متوهمة في ترشيح الاستعارة لأن كل واحد من التخييلية والترشيح فيه إثبات بعض لوازم المشبه به المختصة به للمشبه غير أن التعبير عن المشبه في التخييلية بلفظه الموضوع له وفي الترشيح بغير لفظه وهذا لا يفيد فرقا والقول بهذا يقتضي أن يكون الترشيح ضربا من التخييلية وليس كذلك وأيضا فتفسيره للتخييلية أعم من أن تكون تابعة للاستعارة بالكناية كما في بيت الهذلي أو غير تابعة بأن يتخيل ابتداء صورة وهمية مشابهة لصورة محققة فيستعار لها اسم الصورة المحققة والثانية بعيدة جدا ويدل على إرادته دخول الثانية في تفسير التخييلية أنه قال حسنها بحسب حسن المكنى عنها متى كانت تابعة لها كما في قولك

فلان بين أنياب المنية ومخالبها
وقلما تحسن الحسن البليغ غير تابعة لها ولذلك استهجنت في قول الطائي
( لا تسقني ماء الملام فإنني ** صب قد استغذبت ماء بكائي )
فإن قيل لم لا يجوز أن يريد بغير التابعة للمكنى عنها التابعة لغير المكنى عنها قلنا غير المكنى عنها هي المصرح بها فتكون التابعة لها ترشيح الاستعارة وهو من أحسن وجوه البلاغة فكيف يصح استهجانه
وأما قول أبي تمام فليس له فيه دليل لجواز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الملوم كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لبشاعته أو مرارته فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكني عنها أو بالماء نفسه لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام فيكون تشبيها على حد لجين الماء فيما مر لا استعارة والاستهجان على الوجهين لأنه كان ينبغي له أن يشبهه بظرف شراب مكروه أو بشراب مكروه ولهذا لم يستهجن نحو قولهم أغلظت لفلان القول وجرعته كأسا مرة أو سقيته أمر من العلقم ومنها أنه عنى بالاستعارة المكنى عنها أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه على أن المراد بالمنية في قول الهذلي السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار إليها وفيه نظر للقطع بأن المراد بالمنية في البيت هو الموت لا الحيوان المفترس فهو مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق
وكذا كل ما هو نحوه ولا شيء من الاستعارات مستعملا كذلك وأما ما ذكره في تفسير قوله من أنا ندعي ههنا أن اسم المنية اسم للسبع مرادف للفظ السبع بارتكاب تأويل وهو أن تدخل المنية في جنس السبع للمبالغة في التشبيه ثم نذهب على سبيل التخييل إلى أن الواضع كيف يصح منه أن يضع اسمين لحقيقة واحدة ولا يكونان مترادفين فيتهيأ لنا بهذا الطريق دعوى السبعية للمنية مع التصريح بلفظ المنية فلا يفيده لأن ذلك لا يقتضي كون اسم المنية غير مستعمل فيما هو موضوع له على التحقيق من غير تأويل فيدخل في تعريفه للحقيقة ويخرج من تعريفه للمجاز وكأنه لما رأى علماء البيان يطلقون لفظ الاستعارة على نحو ما نحن فيه وعلى أحد نوعي المجاز اللغوي الذي هو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي ويقولون الاستعارة تنافي ذكر طرفي التشبيه ظن أن مرادهم بلفظ الاستعارة عند الإطلاق وفي قولهم استعارة بالكناية معنى واحد فبنى على ذلك ما تقدم ومنها أنه قال في آخر فصل الاستعارة التبعية هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قبلوا فجعلوا في قولهم نطقت الحال بكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة كما تراهم في قوله
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ** )
ويجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة وهكذا جعلوا البخل استعارة بالكناية عن حي أبطلت حياته بسيف أو غير سيف فالتحق بالعدم وجعلوا نسبه القتل إليه قرينة الاستعارة ولو جعلوا أيضا اللهذميات استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم وجعلوا نسبة لفظ القرى إليها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط هذا لفظه وفيه نظر لأن التبعية التي جعلها قرينة لقرينتها التي جعلها استعارة بالكناية كنطقت في قولنا نطقت الحال بكذا لا يجوز أن يقدرها حقيقة حينئذ لأنه لو قدرها حقيقة لم تكن استعارة تخييلية لأن الاستعارة التخييلية عنده مجاز كما مر ولو لم تكن تخييلية لم تكن الاستعارة مستلزمة للتخييلية واللازم باطل بالاتفاق فيتعين أن يقدرها مجازا وإذا قدرها مجازا لزمه أن يقدرها من قبيل الاستعارة لكون العلاقة بين المعنيين هي المشابهة فلا يكون ما ذهب إليه مغنيا عن قسمة الاستعارة إلى أصلية وتبعية ولكن يستفاد مما ذكر رد التركيب في التبعية إلى تركيب الاستعارة بالكناية على ما فسرناها وتصير التبعية حقيقية واستعارة تخييلية لما سبق أن التخييلية على ما فسرناها حقيقة لا مجاز

فصل

وإذ قد عرفت معنى الاستعارة التحقيقية والاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية والتمثيل على سبيل الاستعارة فاعلم أن لحسنها شروطا إن لم تصادفها عريت عن الحسن وربما تكتسب قبحا وهي في كل من التحقيقية والتمثيل رعاية ما سبق ذكره من جهات حسن التشبيه وأن لا يشم من جهة اللفظ رائحته ولذلك يوصي فيه أن يكون الشبه بين طرفيها جليا بنفسه أو عرف أو غيره وإلا صار تعمية وألغازا لا استعارة وتمثيلا كما إذا قيل رأيت أسدا وأريد إنسان أبخر وكما إذا قيل رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة وأريد الناس أو قيل رأيت عودا مستقيما أو أن الغرس وأريد إنسان مؤدب في صباه وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه ومما يتصل بهذا أنه إذا قوي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل لم يحسن التشبيه وتعينت الاستعارة وذلك كالنور إذا شبه العلم به والظلمة إذا شبهت الشبهة بها فإنه لذلك يقول الرجل إذا فهم المسألة حصل في قلبي نور ولا يقول كأن نورا حصل في قلبي ويقول لمن أوقعه في شبهة أوقعتني في ظلمة ولا يقول كأنك أوقعتني في ظلمة.
وكذا المكنى عنها حسنها برعاية جهات حسن التشبيه وأما التخييلية فحسنها بحسب حسن المكنى عنها لما بينا أنها لا تكون إلا تابعة لها

فصل

واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي كما مضى توصف به أيضا لنقلها عن إعرابها الأصلي إلى غيره لحذف لفظ أو زيادة لفظ أما الحذف فكقوله تعالى { واسأل القرية } أي أهل القرية فإعراب القرية في الأصل هو البحر فحذف المضاف وأعطى المضاف إليه إعرابه ونحوه قوله تعالى { وجاء ربك } أي أمر ربك وكذا قولهم بنو فلان يطؤهم الطريق أي أهل الطريق وأما الزيادة فكقوله تعالى { ليس كمثله شيء } على القول بزيادة الكاف أي ليس مثله شيء فإعراب مثله في الأصل هو النصب فزيدت الكاف فصار جرا فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغيير الإعراب كما في قوله تعالى { أو كصيب من السماء } إذ أصله أو كمثل ذوي صيب فحذف ذوي لدلالة { يجعلون أصابعهم في آذانهم }

) عليه وحذف مثل لما دل عليه عطفه على قوله { كمثل الذي استوقد نارا } إذ لا يخفى أن التشبيه ليس بين صفة المنافقين العجيبة الشأن وذوات ذوي صيب وكقوله { فبما رحمة من الله لنت لهم } وقوله { لئلا يعلم أهل الكتاب } فلا توصف الكلمة بالمجاز وقد بالغ الشيخ عبد القاهر في النكير على من أطلق القول بوصف الكلمة بالمجاز للحذف أو الزيادة

القول في الكناية

الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ كقولك فلان طويل النجاد
أي طويل القامة وفلانة نؤوم الضحى
أي مرفهة مخدومة غير محتاجة إلى السعي بنفسها في إصلاح المهمات وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش وكفاية أسبابه وتحصيل ما يحتاج إليه في تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها فلا تنام فيه من نسائهم إلا من تكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك ولا يمتنع أن يراد مع ذلك طول النجاد والنوم في الضحى من غير تأويل فالفرق بينهما وبين المجاز من هذا الوجه أي من جهة إرادة المعنى مع إرادة لازمة فإن المجاز ينافي ذلك فلا يصح في نحو قولك في الحمام أسد أن تريد معنى الأسد من غير تأول لأن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كما عرفت وملزوم معاند الشيء معاند لذلك الشيء
وفرق السكاكي وغيره بينهما بوجه آخر أيضا وهو أن مبني الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم ومبني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم وفيه نظر لأن اللازم ما لم يكن ملزوما يمتنع أن

ينتقل منه إلى الملزوم فيكون الانتقال حينئذ من الملزوم إلى اللازم ولو قيل اللزوم من الطرفين من خواص الكناية دون المجاز أو شرط لها دونه اندفع هذا الاعتراض لكن اتجه منع الاختصاص والاشتراط
ثم الكناية ثلاثة أقسام لأن المطلوب بها إما غير صفة ولا نسبة أو صفة أو نسبة والمراد الصفة المعنوية كالجود والكرم والشجاعة وأمثالها لا النعت الأولى المطلوب بها غير صفة ولا نسبة فمنها ما هو معنى واحد كقولنا المضياف كناية عن زيد
ومنه قوله كناية عن القلب
( الضاربين بكل أبيض مخذم ** والطاعنين مجامع الأضغان )
ونحوه قول البحتري في قصيدته التي يذكر فيها قتله الذئب
( فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ** بحيث يكون اللب والرعب والحقد )
فقوله بحيث يكون اللب والرعب والحقد ثلاث كنايات لا كناية واحدة لاستقلال كل واحد منها بإفادة المقصود ومنها ما هو مجموع معان كقولنا كناية عن الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار وشرط كل واحد منهما أن تكون مختصة بالمكنى عنه لاتتعداه ليحصل الانتقال منها إليه وجعل السكاكي الأولى قريبة والثانية بعيدة وفيه نظر
الثانية المطلوب بها صفة وهي ضربان قريبة وبعيدة القريبة ما ينتقل منها إلى المطلوب بها لا بواسطة وهي إما واضحة كقولهم كناية عن طويل القامة طويل نجاده وطويل النجاد والفرق بينهما أن الأول

كناية ساذجة والثاني كناية مشتملة على تصريح ما لتضمن الصفة فيه ضمير الموصوف بخلاف الأول
ومنها قول الحماسي
( أبت الروادف والثدي لقمصها ** مس البطون وأن تمس ظهورا )
وأما خفية كقولهم كناية عن الأبله عريض القفا فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرط فيما يقال دليل الغباوة ألا ترى قول طرفة بن العبد
( أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ** خشاش كرأس الحية المتوقد )
والبعيدة ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة كقولهم كناية عن الأبله عريض الوسادة فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا ومنه إلى المقصود وقد جعله السكاكي من القرينة على أنه كناية عن عرض القفا وفيه نظر وكقولهم كثير الرماد كناية عن المضياف فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور ومنها إلى كثرة الطبائخ ومنها إلى كثرة الآكلة ومنها إلى كثرة الضيفان ومنها المقصود إلى كقوله
( وما يك في من عيب فإني ** جبان الكلب مهزول الفصيل )
فإنه ينتقل من جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار من هو بمرصد لأن يعس دونها مع كون الهرير في وجه من لا يعرفه طبيعيا له إلى استمرار تأديبه لأن الأمور الطبيعية لا تتغير بموجب لا يقوى ومن ذلك إلى استمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه ومن ذلك إلى كونه مقصد أدان وأقاص ومن ذلك إلى أنه مشهور بحسن قرى الأضياف وكذلك ينتقل من هزال الفصيل إلى فقد الأم ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها لكمال عناية العرب بالنوق لا سيما المتليات ومنها إلى صرفها إلى الطبائخ ومنها إلى أنه مضياف ومن هذا النوع قول نصيب
( لعبد العزيز على قومه ** وغيرهم منن ظاهرة )
( فبابك أسهل أبوابهم ** ودارك مأهولة عامرة )
( وكلبك آنس بالزائرين ** من الأم بالابنة الزائرة )
فإنه ينتقل من وصف كلبه بما ذكر إلى أن الزائرين معارف عنده ومن ذلك إلى اتصال مشاهدته إياهم ليلا ونهارا ومنه إلى لزومهم سدته ومنه ألى تسني مباغيهم لديه من غير انقطاع ومنه إلى وفور إحسانه إلا الخاص والعام وهو المقصود ونظيره مع زيادة لطف قول الآخر
( يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ** يكلمه من حبه وهو أعجم ) ومنه قوله
( لا أمتع العوذ بالفصال ولا ** أبتاع إلا قريبة الأجل )
فإنه ينتقل من عدم إمتاعها إلى أنه لا يبقى لها فصالها لتأنس بها ويحصل لها الفرح الطبيعي بالنظر إليها ومن ذلك إلى نحرها أو لا يبقى العوذ إبقاء على فصالها وكذا قرب الأجل ينتقل منه إلى نحرها ومن نحرها إلى أنه مضياف ومن لطيف هذا القسم قوله تعالى { ولما }

سقط في أيديهم ) أي ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها وكذا قول أبي الطيب كناية عن الكذب
( تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ** إليها والشوق حيث النحول ) وكذا قوله
( إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ** كأنهم فيما وهبت ملام )
فإن أوله كناية عن الشجاعة وآخره كناية عن السماحة وكذا قول أبي تمام
( فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ** عدوك فاعلم أنني غير حامد )
يريد بحمده عنه حفظه مدحه فيه وإنشاده أي إن لم أكن أجيد القول في مدحك حتى يدعو حسنه عدوك إلى أن يحفظه ويلهج به صاغرا فلا تعدني حامدا لك بما أقول فيك ووصفه بالصغار لأن من يحفظ مديح عدوه وينشده فقد أذل نفسه فكنى بحفظ عدو الممدوح مدحه ما عن إجادته القول في مدحه وكذا قول من يصف راعي إبل أو غنم
( ضعيف العصا بادي العروق ترى له ** عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا )
وقول الآخر
( صلب العصا بالضرب قد دماها ** )


أي جعلها كالدم في الحسن والغرض من قول الأول ضعيف العصا وقول الثاني صلب العصا وهما وإن كانا في الظاهر متضادين فإنهما كنايتان عن شيء واحد وهو حسن الرعية والعمل بما يصلحها ويحسن أثره عليها فأراد الأول أنه رفيق مشفق عليها لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة فهو يتخير ما لان من العصا وأراد الثاني أنه جيد الضبط لها عارف بسياستها في الرعي يزجرها عن المراعي التي لا تحمد ويتوخى بها ما تسمن عليه ويتضمن أيضا أنه يمنعها عن التشرد والتبدد وأنها لما عرفت من شدة شكيمته وقوة عزيمته تنساق في الجهة التي يريدها وقوله بالضرب قد دماها تورية حسنة ويؤكد أمرها قول صلب العصا
الثالثة المطلوب بها نسبة كقول زياد الأعجم
( إن السماحة والمروءة والندى ** في قبة ضربت على ابن الحشرج )
فإنه حين أراد أن لا يصرح بإثبات هذه الصفات لابن الحشرج جمعها في قبة تنبيها بذلك على أن محلها ذو قبة وجعلها مضروبة عليه لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين فأفاد إثبات الصفات المذكورة له بطريق الكناية ونظيره قولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه
قال السكاكي وقد يظن هذا من قسم زيد طويل نجاده وليس بذاك فطويل نجاده بإسناد الطويل إلى النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد وطول النجاد كما تعرف قائم مقام طول القامة فإذا صرح من بعد بإثبات النجاد لزيد بالإضافة كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد فتأمل وقول الآخر


( والمجد يدعو أن يدوم لجيده ** عقد مساعي ابن العميد نظامه )
فإنه شبه المجد بإنسان بديع الجمال في ميل النفوس إليه وأثبت له جيدا على سبيل الاستعارة التخييلية ثم أثبت لجيده عقدا ترشيحا للاستعارة ثم خص مساعي ابن العميد بأنها نظامه فنبه بذلك على اعتنائه خاصة بتزيينه وبذلك على محبته وحده له وبها على اختصاصه به ونبه بدعاء المجد أن يدوم لجيده ذلك العقد على طلبه دوام بقاء ابن العميد وبذلك على اختصاصه به وكقول أبي نواس
( فما جازه جود ولا حل دونه ** ولكن يصير الجود حيث يصير )
فإنه كنى عن جميع الجود بأن نكره ونفى أن يجوز ممدوحه ويحل دونه فيكون متوزعا يقوم منه شيء بهذا وشيء بهذا وعن إثباته له بتخصيصه بجهته بعد تعريفه باللام التي تفيد العموم ونظيره قولهم مجلس فلان مظنة الجود والكرم
هذا قول السكاكي وقيل كنى بالشطر الأولى عن اتصافه بالجود وبالثاني عن لزوم الجود له ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون كل منهما كناية عن اختصاصه به وعدم الاقتصار على أحدهما للتأكيد والتقرير وذكرهما على الترتيب المذكور لأن الأولى بواسطة بخلاف الثانية وكقولهم مثلك لا يبخل قال الزمخشري نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه ونظيره قولك للعربي العرب لا تخفر الذمم فإنه أبلغ من قولك أنت لا تخفر ومنه قولهم أيفعت لداته وبلغت أترابه يريدون إيفاعه وبلوغه

وعليه قوله تعالى { ليس كمثله شيء } على أحد الوجهين وهو أن لا تجعل الكاف زائدة قيل وهذا غاية لنفي التشبيه إذ لو كان له مثل لكان لمثله شيء يماثله وهو ذاته تعالى فلما قال ليس كمثله دل على أنه ليس له مثل وأورد أنه يلزم منه نفيه تعالى لأنه مثل مثله ورد بمنع أنه تعالى مثل مثله لأن صدق ذلك موقوف على ثبوت مثله تعالى عن ذلك
وكقول الشنفرى الأزدي في وصف امرأة بالعفة
( يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ** إذا ما بيوت بالملامة حلت )
فإنه نبه بنفي اللوم عن بيتها على انتفاء أنواع الفجور عنه وبه على براءتها منها وقال يبيت دون يظل لمزيد اختصاص الليل بالفواحش هذا على ما رواه الشيخ عبد القاهر والسكاكي
وفي الأغاني الكبير يحصل بمنجاة وقد يظن أن هنا قسما رابعا وهو أن يكون المطلوب بالكناية الوصف والنسبة معا كما يقال يكثر الرماد في ساحة عمرو في الكناية عن أن عمرا مضياف وليس بذاك إذ ليس ما ذكر بكناية واحدة بل هو كنايتان إحداهما عن المضيافية والثانية عن إثباتها لعمرو وقد ظهر بهذا أن طرف النسبة المثبتة بطريق الكناية يجوز أن يكون مكنيا عنه أيضا كما في هذا المثال ونحوه بيت الشنفرى المتقدم فإن حلول البيت بمنجاة من اللوم كناية عن نسبة العفة إلى صاحبه والمنجاة من اللوم كناية عن العفة واعلم أن الموصوف في القسم الثاني والثالث قد يكون مذكورا كما مر وقد يكون غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي المسلمين ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) أي ليس المؤذي مسلما
وعليه قوله تعالى في عرض المنافقين { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب } إذا فسر الغيب بالغيبة أي يؤمنون مع الغيبة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه رضي الله عنهم أي هدى للمؤمنين عن إخلاص لا للمؤمنين عن نفاق
وقال السكاكي الكناية تتفاوت إلى تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة فإن كانت عرضية فالمناسب أن تسمى تعريضا وإلا فإن كان بينها وبين المكنى عنه مسافة متباعدة لكثرة الوسائط كما في كثرة الرماد وأشباهه فالمناسب أن تسمى تلويحا لأن التلويح هو أن يشير إلى غيرك عن بعد وإلا فإن كان فيها نوع خفاء فالمناسب أن تسمى رمزا لأن الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية قال
( رمزت إلي مخافة من بعلها ** من غير أن تبدي هناك كلامها )
وإلا فالمناسب أن تسمى إيماء وإشارة كقول أبي تمام يصف إبلا
( أبين فما يزرن سوى كريم ** وحسبك أن يزرن أبا سعيد ) فإنه في إفادة أن أبا سعيد كريم غير خاف وكقول البحتري
( أو ما رأيت المجد ألقى رحله ** في آل طلحة ثم لم يتحول )
فإنه في إفادة أن آل طلحة أماجد ظاهر
وكقول الآخر
( إذا الله لم يسبق إلا الكرام ** فسقى وجوه بني حنبل )


( وسقى ديارهم باكرا ** من الغيث في الزمن الممحل )
وكقول الآخر
( متى تخلو تميم من كريم ** ومسلمة بن عمرو من تميم )
ثم قال والتعريض كما يكون كناية قد يكون مجازا كقولك آذيتني فستعرف وأنت لا تريد المخاطب بل تريد إنسانا معه وإن أردتهما جميعا كان كناية.

تنبيه

أطبق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأن الاستعارة أبلغ من التصريح بالتشبيه وأن التمثيل على سبيل الاستعارة أبلغ من التمثيل لا على سبيل الاستعارة وأن الكناية أبلغ من الإفصاح بالذكر قال الشيخ عبد القاهر ليس ذلك لأن الواحد من هذه الأمور يفيد زيادة في المعنى نفسه لا يفيدها خلافه بل لأنه يفيد تأكيدا لإثبات المعنى لا يفيده خلافه فليست فضيلة قولنا رأيت أسدا على قولنا رأيت رجلا هو والأسد سواء في الشجاعة أن الأول أفاد زيادة في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفده الثاني بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثاني وليست فضيلة قولنا كثير الرماد على قولنا كثير القرى أن الأول أفاد زيادة لقراه لم يفدها الثاني بل هي أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات كثرة القرى له لم يفده ا لثاني والسبب في ذلك أن الانتقال في الجميع من الملزوم إلى اللازم فيكون إثبات المعنى به كدعوى الشيء ببينة ولا شك أن دعوى الشيء ببينة أبلغ في إثباته من دعواه بلا بينة ولقائل أن يقول

قد تقدم أن الاستعارة أصلها التشبيه وأن الأصل في وجه الشبه أن يكون الشبه به أتم منه في المشبه وأظهر فقولنا رأيت أسدا يفيد للمرء شجاعة أتم مما يفيدها قولنا رأيت رجلا كالأسد لأن الأول يفيد شجاعة الأسد والثاني شجاعة دون شجاعة الأسد ويمكن أن يجاب بحمل كلام الشيخ على أن السبب في كل صورة ليس هو ذلك لا أن ذلك ليس بسبب في شيء من الصور أصلا هذا آخر الكلام في الفن الثاني
وذكر السكاكي بعد الفراغ منه تفسير البلاغة بما نقلناه عنه في صدر الكتاب ثم قسم الفصاحة إلى معنوية ولفظية وفسر المعنوية بخلوص المعنى عن التعقيد وعنى بالتعقيد اللفظي على ما سبق تفسيره وفسر اللفظية بأن تكون الكلمة عربية أصيلة وقال وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر لا مما أحدثه المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة وأن تكون أجرى على قوانين اللغة وأن تكون سليمة التنافر فجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة وحصر مرجع البلاغة في الفنين ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشيء منهما ثم قال وإذ قد وقفت على البلاغة والفصاحة المعنوية اللفظية فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنك وذكر ما أورده الزمخشري في تفسير قوله تعالى { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين } وزاد عليه نكتا لا بأس بها فرأيت أن أورده تلخيص ما ذكره جاريا عل اصطلاحه في معنى البلاغة والفصاحة قال أما النظر فيها من جهة علم البيان فهو أنه تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع وأن يغيض الماء النازل من السماء فغاض وأن يقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضى وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى بني الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوين المقصود تصويرا لاقتداره تعالى وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام فقال تعالى قيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل قرينة المجاز خطاب الجماد وهو يا أرض ويا سماء ثم قال يا أرض ويا سماء مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم بجامع الذهاب إلى مقر خفي واستتبع ذلك تشبيه الماء بالغذاء على طريق الاستعارة بالكناية لتقوي الأرض بالماء في الإثبات للزرع والأشجار وجعل قرينة الاستعارة لفظ ابلعي لكونه موضوعا للاستعمال في الغذاء دون ا لماء ثم أمر على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك واستعار لحبس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان وخاطب في الأمرين ترشيحا للاستعارة ثم قال { وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين } فلم يصرح بالغائض والقاضي والمسوي والقائل كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا تكتنه قهار لا يغالب فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون الفاعل لشيء من ذلك غيره ثم ختم الكلام بالتعريض لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم ختم إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأما النظر فيها من حيث علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير بين جملتها فذلك أنه اختير يا دون سائر أخواتها لكونها أكثر استعمالا ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة ويؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرض بالكسر تجنبا لإضافة التشريف تأكيدا للتهاون ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار مع الاحتراز عما في أيتها من تكلف التنبيه غير المناسب للمقام لكون المخاطب غير صالح للتنبيه على الحقيقة واختير لفظ الأرض دون سائر أسمائها لكونه أخف وأدور واختير لفظ السماء لمثل ذلك مع قصد المطابقة واختير ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين أقلعي أوفر وقيل ماءك بالإفراد دون الجمع لدلالة الجمع على الاستكثار الذي يأباه مقام إظهار الكبرياء وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء ولم يحذف مفعول ابلعي لئلا يفهم ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وغيرها نظرا إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء ثم إذ بين المراد اختصر الكلام على أقلعي فلم يقل أقلعي عن إرسال الماء احترازا عن الحشو المستغنى عنه من حيث الظاهر وهو الوجه في أنه لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت واختير غيض الماء على غيض المشددة لكونه أخصر وأخف وأوفق لقيل وقيل الماء دون أن يقال ماء طوفان السماء وكذا الأمر دون أن يقال أمر نوح للاختصار ولم يقل سويت على الجودي بمعنى أقرت على نحو قيل وغيض وقضي في البناء للمفعول اعتبار لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وهي تجري بهم مع قصد الاختصار ثم قيل بعدا للقوم دون أن يقال ليبعد القوم طلبا للتوكيد مع الاختصار ثم وهو نزول بعدا منزلة ليبعدوا بعدا مع إفادة أخرى وهي استعمال اللام مع بعدا الدال على معنى أن البعد حق لهم ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل .هذا من حيث النظر إلى الكلم وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل يا أرض ابلعي ويا سماء اقلعي دون أن يقال ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ثم أتبعهما قوله وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله وقضي الأمر أن

أنجز الوعد من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة ثم أتبعه حديث السفينة ثم ختمت القصة بما ختمت هذا كله نظر في الآية من جانب البلاغة وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد بل ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسلة على الأسلات كل منها كالماء في السلالة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة والله أعلم.

نهاية الجزء الحادي عشر

ألف / خاص ألف

يتبع..
































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

غرابة موقف واشنطن من الحدث الإيراني - حازم الأمين

06-كانون الثاني-2018

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء الأخير المؤلف : الخطيب القزويني

06-كانون الثاني-2018

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء 14 المؤلف : الخطيب القزويني

29-كانون الأول-2017

سأخون وطني- محمد الماغوط

23-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ــ الجزء 13 المؤلف : الخطيب القزويني

23-كانون الأول-2017

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow