Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الحشّاشون.. من آلموت إلى الضاحية الجنوبية وغزة وجبل قنديل

محمد ديبو

خاص ألف

2017-12-02

تفتح قراءة رواية "آلموت" للكاتب فلاديمير بارتول، اليوم، على ضوء أحداث الراهن العربي والعالمي، الوعي على أسئلة جديدة تمتحن أفكارنا، تبدأ من الاجتماعي الاقتصادي، ولا تنتهي عند السياسي الفكري، وأيضا أسئلة مهمومة بآلية وكيفية تشكل الجماعات والإيديولوجيات المحتفية بالقتل والموت، إذ لطالما كان التاريخ مسرحا لهذا النوع من الجماعات، ولا يزال الحاضر يقدم لنا ما يفوق خيالنا من الإجرام والكذب والتزوير. وما برز على سطح الأحداث منذ بدء الربيع العربي يقدم أمثلة كثيرة، ليس عن هذه الجماعات فحسب، بل عن وعينا المشوّه بها أيضا، إذ كانت الثورات في أحد جوانبها ثورة على أفكارنا ومفاهيمنا التي كنّا نظنها ثوريةً، فتكشّف كثير منها عن خواءٍ لم يصمد أمام امتحان الواقع وتحولاته، الأمر الذي يفرض علينا حتمية النقد الذي يصل إلى حد تعرية الذات وقلب أحشائها بمباضع الجراحة النقدية، لنسائل أنفسنا عن سر احتفائنا بالموت وتقديسه في ما سبق، تحت أسماء كثيرة، تبدأ من المقاومة، ولا تنتهي عند القضية والحرية وغيرها من "القضايا" التي خلقنا على تقديسها، وكأننا نقدّس السكين التي تعدّ لأعناقنا.
تفتح رواية "آلموت" باب المقارنة بين تنظيم الحشاشين الذي أسسه الحسن الصباح آنذاك وسيلة لتحقيق طموحاته السياسية، وتنظيمات اليوم الكثيرة والمتناسلة، بدءا من حزب الله وحركة حماس وحزب العمال الكردستاني، وليس انتهاءً بتنظيمي القاعدة وداعش وغيرهما. تلك التنظيمات التي تحتفي بالقتل وتمجّده باعتباره المعنى الأهم، فهو (القتل أو الموت) أداة ومعنى هنا، أداة لتحقيق أهداف هذه الجماعات بالانتصار على العدو، وهو معنى بحد ذاته، لأنه يعطي القتيل الراحة الأبدية، إذ يصل إلى الفردوس عند الجماعات الدينية، فمن يحصل على لقب الشهيد أو الرمز أو الأيقونة عند الجماعات اليسارية والعلمانية يغدو حيا بطريقة أخرى، أي عبر الخلود!
تعتمد تلك الجماعات على عملية صناعة الوعي من الصفر، أو العمل على استبدال منظومة فكرية بأخرى، لدى أتباعها الذين ينضمون إليها في سن الشباب، فيما تتكفل آلتها الإعلامية وقوتها الجبرية في احتواء الأطفال، لتكوين عقولهم وفق ما تريد، عبر عملية بناء متسلسلة. إنها عملية أشبه بهندسة اجتماعية متكاملة، صناعة من نوع خاص، لا يقطف ثمارها إلا
"تفتح رواية "آلموت" باب المقارنة بين تنظيم الحشاشين الذي أسسه الحسن الصباح وسيلة لتحقيق طموحاته السياسية، وتنظيمات اليوم الكثيرة والمتناسلة" الصبورون، ولكن الممتلكون أفكارا شيطانية مجبولة بأفكار عن الخير والعدالة والكرامة، إلى درجة تضيع معها الحقيقة في جبال التأويلات التي تبدو متعمّدة هنا لتحصين الذات وإشاعة البلبلة، أوَليس هذا ما يحصل في حواراتنا اليوم عن حزب الله وحماس وحزب العمال و.. بين من يقول إننا إزاء مقاومة في ما يقول آخرون إننا إزاء أحزاب شيطانية أو استبدادية أو... من يملك الحقيقة هنا؟ وحتى الحقيقة إن امتلكناها اليوم فعلا، فإنها لا تعفينا من عدم معرفتها في اللحظة التي كان يتوجب علينا معرفتها بها، أي قبل أن يقع الفأس في الرأس. ونعني بذلك أنّ كثيرين منّا كانوا يتعاطفون سابقا مع حزب الله وحركة حماس باعتبارهما مقاومة، وحتى حزب العمال الكردستاني الذي كان ينظر له حزبا يساريا يحمل قيم المقاومة والحرية والنضال، إذ جرى التحوّل، في وعي الغالبية منا، بعد الربيع العربي الذي كشف جوهر هذه التنظيمات وآليات حكمها، ليغدو السؤال: ما نفع معرفة الحقيقة بعد أن يكون فات وقت الاستفادة من معرفتها، أي بعد أن تمكّنت هذه التنظيمات من تحقيق مرادها وتحطيم آمالنا وأحلامنا؟ والسؤال الأهم: كم من حقائق نظنها اليوم "الحقيقة" فيما هي ليست أكثر من وهم مخاتل؟ وكيف يمكن ألا نلدغ من جحر مرتين؟
نحاول مقاربة الإجابة عمّا سبق، من خلال المقارنة والبحث عمّا يجمع تلك المجموعات عبر التاريخ، إذ ما الذي يربط بين تنظيم الحشاشين وحزب الله وحماس وحزب العمال الكردستاني أو حتى الحزب القومي الاجتماعي وحزب البعث وغيرها من الأحزاب الشمولية الطابع، بما فيها المقاومات التي لا شك بصوابية رؤيتها تجاه قضيتها؟
اعتمد الحسن الصباح، في المقام الأول، على المظلومية التي يتعرّض لها أبناء جلدته الإسماعيلون، فبنى أفكاره الخاصة عن الظلم والخلاص (النظرية)، ثم نشر تلك الأفكار وبدأ العمل على تنفيذها في آلموت (التطبيق)، ليجمع بين الدهاء والذكاء والخبث، بين التعليم الذي يتلقاه المريدون، حيث يتم غسل أدمغتهم بامتلاك الحقيقة دون سواهم، إلى أن يصلوا إلى قناعة بأنّ كل معرفة غير التي يمتلكونها هي ضلال، وأنها (معرفة الآخرين) مصممة لتضليلهم، أي مؤامرة بلغة العصر، لنصبح أمام سد معرفي أمام أية معرفة دخيلة، فتتحصّن الذات داخل كهوفها، ثم تأتي مرحلة التدريب العسكري، ثم تأتي مرحلة الوعد بالخلود والفردوس، وهي التي أعد لها الحسن الصباح خطة جهنمية، إذ كان يأخذ مريديه في رحلة إلى الفردوس، وهي حدائق واسعة وجميلة، في الفناء الخلفي للقلعة، تشبه الفردوس أو تقاربه، ليقضي المريد يوما بين العذارى، ويعود أكثر رغبة بالموت، سعيا إلى العودة إلى الفردوس، إذ يصبح الموت معنى الحياة هنا، يطلبه المريد أكثر من قادته الذين علموه ذلك.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

الحشّاشون.. من آلموت إلى الضاحية الجنوبية وغزة وجبل قنديل

02-كانون الأول-2017

الثورة السورية انتصرت!

22-كانون الأول-2016

ربيع تقسيم: هل أحرق أسطورة «الديمقراطيّة الإسلاميّة»؟

04-تموز-2013

الصراع الأمني في سوريا وعليها

26-حزيران-2013

عندما تصبح المقاومة ستاراً للاستبداد والطائفية

18-حزيران-2013

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow