Alef Logo
دراسات
              

الطائفية وصراع المتشابهات 6

مروان عبد الرزاق

خاص ألف

2017-12-02

محطتان للسياسة

المحطة الأولى

تعرضت الحياة السياسية في سورية عبر مخاضها الأول، الذي بدأ مع فجر الاستقلال، إلى الضربة الموجعة الأولى، مع إعلان الوحدة السورية-المصرية، وقرار حل الاحزاب السورية والمصرية، ليحل محلها "الاتحاد القومي" الذي أنشأه عبد الناصر عام (1957). وخرج من الحياة السياسية نهائياً (الحزب الوطني، وحزب الشعب)، اللذين كانا يمثلان البرجوازية الليبرالية.

وبعد انقلاب البعث (1963)، الذي بدأت سيطرته بإعلان قانون الطوارئ، ثم حظر "الإخوان المسلمين"(1964). أصبحت الساحة السياسية محصورة بحزب البعث وحلفائه من الأحزاب القومية والاشتراكية، وهي: حزب البعث، والحزب الشيوعي الذي لم يكن رافضاً للانقلاب. والاتحاد الاشتراكي العربي(تموز1964)، الذي ضم عدة قوى قومية وناصرية وهي (حركة القوميين العرب-والجبهة العربية المتحدة-وحركة الوحدويين الاشتراكيين-والاتحاد الاشتراكي). بقيادة "جمال الأتاسي" والذي استمر أميناً عاماً حتى وفاته (2002). لكن لم يكن التحالف بين البعث والقوميين مستقراً، وخاصة بعد تصفية الوحدويين والناصريين في الجيش، إثر انقلاب جاسم علوان (تموز1963). وقد رافق مشاركة الاتحاد الاشتراكي للبعث في السلطة، انشقاقات عديدة، بين مشارك في السلطة، ورافض لهذه المشاركة.

عند الانقلاب الأخير (1970)، توضحت الحياة السياسية أكثر. بعد أن أفرزت مرحلة (963-970)، القوى المؤيدة لانقلاب البعث الأخير، والمعارضة له. وبعد تأسيس "الجبهة الوطنية التقدمية"(1972) التي وافقت على أن "البعث قائد الدولة والمجتمع"، والقائد التاريخي. إلخ . مدعوماً بقانون الطوارئ، وترسخ الشعار الأساس للنظام الجديد: "من ليس معنا، فهو ضدنا".

وخلال السنوات القليلة بدأ الفرز والانشقاقات في أحزاب الجبهة. انشقاق الحزب الشيوعي، وتشكيل "الحزب الشيوعي-المكتب السياسي"(1972) بقيادة رياض الترك، وهو الأهم في الساحة، وأيضاً حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي"(1963)، بقيادة جمال الأتاسي، و"الاشتراكيين العرب "بقيادة عبد الغني عياش.

وقد أسست هذه الاحزاب التي خرجت من جبهة النظام، في عام (1979)، "التجمع الوطني الديمقراطي". والذي ضم (الاتحاد الاشتراكي، والحزب الشيوعي-المكتب السياسي، وحركة الاشتراكيين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي، وحزب العمال الثوري)، وهي المحطة الأولى لاجتماع المعارضة السياسية.

والملاحظة الأولى:

إن هذه الأحزاب-أحزاب التجمع- جميعها لم تكن نقيضة للنظام، أو للاستبداد. وكانت تحمل نفس الأيديولوجيات (يسارية وعلمانية وقومية)، الموجودة في جبهة النظام. إنما الخلاف مع النظام كان حول طبيعة المشاركة في الحكم ورفض هيمنة البعث على السلطة. ولذلك كانت المبادئ التي تأسس عليها "التجمع"، عامة وهي (الاعتراف بالتنوع والاختلاف، واعتماد الحوار الديمقراطي، والانطلاق من الوحدة الوطنية والمصلحة العامة والاحتكام اليهما، والثقة بقدرة الشعب، والاعتراف بحقه في اختيار النظام السياسي-الاجتماعي-الاقتصادي الذي يحقق مصالحه، ونظام الحكم الذي يحمي هذه المصالح ويصونها، ويعبر عن هويته القومية). (من منشورات التجمع- القيادة المركزية-20-12-2001-الحوار المتمدن-العدد22-2001). وهي مبادئ عامة، لا تشير إلى الحرية والديمقراطية، باعتبارها النقيض الفعلي للنظام الاستبدادي القائم.

والملاحظة الثانية:

إن التجمع جاء ليشكل الواجهة السياسية للمعارضة غير الإسلامية ، بعد اندلاع الصراع الطائفي المسلح بين النظام، و"الإخوان المسلمين"، والذي انفجر علانية في المجزرة الطائفية في مدرسة مدفعية الميدان بحلب (16-6-1979). لكن هذه الواجهة في ذلك الوقت، لم تضع لنفسها برنامجاً سياسياً، وآليات عمل، للوصول إلى أهدافها. ومن واقع شعورها بالضعف، بخروجها من السلطة، كان "التمسح" السياسي، أو "التملق" السياسي لحركة "الإخوان المسلمين" المسلحة في الثمانينات، ضمن رؤية سياسية ضيقة، ملخصها إمكانية العودة إلى السلطة برافعة "الإخوان" المسلحة.

ولذلك تم وصف حركة "الإخوان"، بــ "الحركة الشعبية الكبرى.. وأنها ليست ضيقة وسطحية.. ولا يصح نسبتها لهذا التيار أو ذاك، أو لهذه الفئة أو تلك. وليست استجابة لنداء قوة سياسية، أو، اجتماعية معينة.. إنها حركة شعب يأسره.. وهي تعبير عفوي وأصيل عن شعب بأسره" (بيان إلى الشعب-التجمع الوطني الديمقراطي-منتصف آذار-1980). ويدعو البيان إلى "التغيير الجذري والكامل للنهج القائم حتى تعود السيادة للشعب. في ظل نظام يقوم على أسس الديمقراطية والحرية والمساواة"(المرجع السابق). وقد جاء الرد سريعاً في بيان إصدرته "الطليعة المقاتلة" للإخوان، بقيادة "عدنان عقلة" بقوله "عودوا إلى جحوركم".

وكما ذكرنا سابقاً، فالصراع في الثمانينات كان بين "الإخوان" أو "الطليعة المقاتلة" تحديداً من جهة، وبين النظام من جهة ثانية، وليس بين الشعب والنظام. ولم تكن الحركة عفوية، وشعبية كما وصفها البيان. وتم وصفها من قبل الإخوان بالانتفاضة، أو الثورة الإسلامية ، ضد النظام "العلوي"، وإقامة الدولة الإسلامية .

صحيح أن النظام يتحمل المسؤولية الأساسية في صنع الطائفية، والتأسيس لنظام طائفي، والعنف الطائفي الذي مارسه ضد الشعب. لكن أيضاً "العنف المضاد" الطائفي الشبيه الذي مارسه "الإخوان" ينتمي إلى نفس الهوية، ويتشارك مع النظام في تحمل المسؤولية، عن تحطيم الهوية الوطنية، وإعادة أحياء "الهويات القاتلة" المذهبية.

وعندما يأتي بيان "التجمع" ليقدم تغطية سياسية لحركة طائفية عنفيه، فإنه يعبر عن ضعفه، بانغماسه بالوحل الطائفي، للوصول للسلطة. بدلاً من العمل على برنامج سياسي وطني مستقل.

إلى جانب التجمع تشكلت تجمعات يسارية ماركسية عديدة، كانت تدعو إلى إسقاط النظام وبناء الاشتراكيةالحقيقية، وفق مبدأ "الفرقة الناجية" الماركسية. مثل: "حزب العمل الاشتراكي" وهو فرع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سورية، والذي لم يستمر طويلاً (انتهى1977). و"اتحاد الشغيلة" وهو تنظيم ماركسي، وفرع من رابطة الشغيلة في لبنان، وانتهى مع أول الاعتقالات لكافة اعضاء التنظيم في1978.

والتنظيم الماركسي الأكبر هو رابطة العمل الشيوعي، الذي تحول إلى حزب العمل في الثمانينيات، وكان ماركسياً راديكالياً يدعو إلى إسقاط النظام، وإقامة الاشتراكية. ويهمنا هنا موقفه من أحداث الثمانينات. فمع بداية احداث "الإخوان" تم توصيفها كحركة "رجعية ظلامية"، مرتبطة بالبرجوازية التقليدية، والمدعومة من الرجعية العربية (الأردن-العراق) بقيادة السعودية. ولذلك قرر الحزب "تجميد شعار إسقاط النظام حتى لا تنصب الجهود في طاحونة الرجعية"-كموقف تكتيكي مرحلي- واستبداله بشعار "دحر الدكتاتورية والظفر بالحريات السياسية" (المقتطفات من وثائق المؤتمر التاسيسي الأول لحزب العمل الشيوعي-آب1981). وقد فسر البعض هذا الموقف بالانحياز إلى جانب النظام، ضد الإخوان والرجعية، وهو ما يوحي به شعار تجميد "إسقاط النظام"، في مرحلة الصراع المتفجر بين النظام والإخوان. إلا أن حزب العمل حافظ على عدائه للنظام، واستمر بتوصيفه كنظام لا وطني، ودكتاتوري، واستمرار دعوته لبناء "جبهة شعبية متحدة"، تعبر عن "وحدة العمل الوطني والثوري في سورية على أساس برنامج ثوري". وهذا ما تم تسميته آنذاك بالخط الوطني الثالث ضد النظام والرجعية. وأيضا انتهى الحزب بعد خروجه من السجن، في تسعينيات القرن الماضي، وتشظيه إلى ثلاث مجموعات متناقضة. الأولى: وقفت مع النظام، والثانية: انضمت إلى هيئة التنسيق، بعد انطلاقة الثورة. والثالثة: ضد النظام والتي عملت على تشكيل "تيار مواطنة" مع انطلاقة الثورة، وهو تيار ليبرالي، انضم بعد تأسيسه في (2011) إلى الائتلاف الوطني.

ولأن الطاغية لا يقبل إلا بالرعايا فقط. لذلك بعد المجازر الفظيعة الدموية التي ارتكبها ضد الإخوان، و"السنة" عموماً، وفي حماه وحلب بشكل خاص، لم يترك النظام أيضا أحداً خارج السجون، سواء الداعي لإسقاطه، أو الداعي لدحر دكتاتوريته. ودفعت هذه الأحزاب الثمن غالياً بالسجن لأكثر من عقد ونصف، ثمناً لموقفها ضد الطاغية. ويمكن القول إنه تم تصفية المعارضة بكل أشكالها العنيفة والسلمية بعد أحداث الثمانينات. واقتصر وجودها على رموز قليلة لا حول لها ولا قوة.

والملاحظة الأهم في هذه الحقبة أن المعارضة الإسلامية والقومية والشيوعية، لم تتجاوز الأيديولوجيا المغلقة، التي كانت عليها في الخمسينيات. والمضاف الأهم هو العنف الطائفي. وبالتالي لم تتشكل معارضة ديمقراطية نقيضة للنظام.

ولم تنجُ الأحزاب اليسارية والقومية من لوثة الطائفية، التي كانت تكمن خلف النقاشات الحادة بين أعضاء الحزب الواحد، أو بين الأحزاب المتعددة وحواراتها، وانشقاقاتها، أو انحلالها، وخاصة بعد الخروج من السجن. وهذه ملاحظة مستمدة من تجارب شخصية ولم يتجرأ أحد على الكتابة حولها، أو الخوض في تفاصيلها، حتى بعد أن أصبحت أكثر وضوحاً يلي انطلاقة الثورة.

المحطة الثانية للمعارضة:

بدأت مع مطلع القرن الجديد، ووفاة الطاغية-الأب-المأساة، وتوريث السلطة للابن-المهزلة. وبدلاً من الوقوف بحزم ضد التوريث، بدأت المعارضة تأمل بإصلاحات حقيقية يمكن أن يعمل عليها الابن، حيث ظهر للجميع كأنه المنقذ لسورية. وانتشرت المنتديات الثقافية-السياسية في عموم سورية، بالإضافة إلى الترخيص لجريدة "الدومري" للمعارضة. بموافقة ضمنية من النظام، اعتبرها أشبه ب “فشة خلق" بعد عقود من الصمت، والعمل في الأقبية المظلمة. وأطلقت عليها المعارضة "ربيع دمشق". فبعد إصدار بيان ال (99) في(27-سبتمبر2000)، وبيان ال(1000) في(آذار2001)، إشارة لعدد الموقعين على البيان من المثقفين والمهتمين بالشأن العام، والذي كان الأساس لتأسيس "لجان إحياء المجتمع المدني"، والذي طالب النظام بالعمل على "المقدمات الضرورية للإصلاح السياسي"، والانتقال إلى الدولة الديمقراطية الحديثة. إلا أن هذا الربيع لم يُكمل ربيعه الأول. حيث سارعت السلطة إلى الاعتقالات، وإغلاق المنتديات، خوفاً من أن تتحول إلى ظاهرة مجتمعية-سياسية، وتصبح خارج السيطرة الأمنية.

والخطوات الأولى للمعارضة، كانت بتحولها بقدرة "القدير"، إلى قوى ديمقراطية-ليبرالية. والبدايات كانت مع الاحتلال الأمريكي للعراق في (٢٠٠٣)، والإعجاب بالمنقذ الأمريكي الجديد القادم لاقتلاع الانظمة الاستبدادية، ورسم خريطة المنطقة من جديد. و"أنه علينا استقبالهم ببرنامج جديد"، وأن الأمريكان "نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر". وذلك لانسداد أفق التغيير من الداخل.

وجاءت الانتقالات نحو الليبرالية من أفراد وقوى سياسية يسارية. أضاف الاتحاد الاشتراكي العربي، كلمة الديمقراطية إلى الاسم. وعمل مع أحزاب "التجمع الوطني الديمقراطي" على إصدار برنامجه السياسي الديمقراطي الحديث. في (2001)، الذي يرفض صراحة مفهوم الحزب القائد وجبهته التي تحتكر العمل السياسي.. ودعا إلى تعديل الدستور وبناء دولة ديمقراطية حديثة". (من منشورات التجمع- القيادة المركزية-20-12-2001-الحوار المتمدن-العدد22-2001).). والحزب الشيوعي-المكتب السياسي، أصبح اسمه حزب "الشعب"، في (٢٠٠٥) ببرنامج ديمقراطي-ليبرالي حديث. وأيضاً الإخوان المسلمين، أصدروا "المشروع السياسي لسورية المستقبل" في(٢٠٠٤)، الذي يتضمن الدعوة إلى "دولة إسلامية حديثة، تعتمد الشورى، وهي ليست دولة ثيوقراطية، ولا علمانية".(المشروع السياسي لسوريا المستقبل-رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سوريا-٢٠٠٤).

ولأن المعارضة ضعيفة، لكنها كانت تتلمس الخطر لاستمرار طغيان النظام الأمني. لذلك لجأت إلى دور "المثقف الناصح" للنظام للانتقال إلى الدولة الديمقراطية وإشاعة الحريات. وهذا تم في بيانات المثقفين.

ويعتبر إعلان دمشق (١٦-تشرين الأول-٢٠٠٥)، نقلة، أو محطة إيجابية في مسار المعارضة، بدعوته (التغيير الجذري، وليس الإصلاحات الترقيعية) ودعوته (للجميع للمشاركة في عملية التغيير بما فيهم البعثيين عبر مؤتمر وطني). والأهم دعوته لتشكيل (خط ثالث، يقوم على إمكان تقدم شعبنا ليأخذ مصيره بيديه).

وهذا الخط الثالث طرح نفسه كي يكون بديلاً عن السلطة، وعن "التهديدات الأمريكية لتغيير النظام في سورية" دون أن يسميها بشكل واضح. حيث إن المناخ الذي ظهر فيه الإعلان، كان متوتراً للغاية بين أمريكا والنظام بعد اغتيال الحريري(١٤-آذار-٢٠٠٥)، وانسحاب الجيش السوري من لبنان بتهديد أمريكي واضح. وكان الجميع ينتظر تقرير "ميليس" لتحديد المسؤول عن الاغتيال. وكل الأنظار متجهة إلى النظام السوري. لكن تقدير فريق الإعلان بأن أمريكا ستتدخل حتماً لإسقاط النظام، دفعهم للإعلان قبل صدور تقرير ميليس ليقولوا لأمريكا (والرأي العام الخارجي ، بأن سورية ليست قوقعة فارغة سياسياً. وتتمتع اليوم بوجود قوى شعبية لها تاريخ طويل في النضال الديمقراطي). وبذلك تنتقل المعارضة من المراهنة على النظام، إلى المراهنة على أمريكا، مستندة إلى رؤية لحظية بأن أمريكا حتماً قادمة لإسقاط النظام على الطريقة العراقية. لكن كل الآمال تبخرت، ولم تتدخل أمريكا لإسقاط النظام. وهذا أولاً.

وثانيا. اشارة الاعلان إلى أن (الاسلام مكون اساسي في ثقافتنا العربية) لا يختلف عن "الاشارة بأن دمشق عاصمة سوريا. لكن الاشارة هذه كانت بقصد التعمية عن مرجعية الدولة المنشودة، بقصد ارضاء، أو التمسح بالإخوان المسلمين، الذين أعلنوا تأييدهم للإعلان بعد ساعات، وارضاء لبعض الليبراليين الجدد المتأمركين الذين يريدون الاختباء وراء الإخوان الذين تحولوا إلى ديمقراطيين برأي هؤلاء.

وقد وقع على البيان (التجمع الوطني الديمقراطي-لجان إحياء المجتمع المدني-حزب المستقبل "الشيخ نواف"- ومجموعة من الأحزاب الكردية- تسعة مستقلين). (إعلان دمشق: هل يشكل خطوة إلى الامام-مروان عبد الرزاق- )

لكن ضمور الإعلان كان سريعاً بسبب الاعتقالات التي طالت أغلب مؤسسيه، والانسحابات منه، بحيث لم يبق سوى بعض الرموز الفردية والتي لا حول لها ولا قوة.

من حيث النتيجة، يمكن القول بأنه عشية انطلاقة الثورة، لم يكن في داخل سورية أية معارضة فعلية على الأرض. إنما بعض الرموز القديمة-وأغلبها قضى قرابة عقد أو عقدين من الزمان في السجن- التي كانت تأمل بالإصلاح السياسي بقيادة النظام.

4- في الثورة

الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة الإنسانية، هي النقيض الفعلي للنظام الاستبدادي الطائفي. وقد عبَرت الثورة عن ذلك في مرحلتها الأولى، مرحلة الصعود (آذار 2011- وحتى نهأية 2012)، مرحلة تشكلها السياسي والأخلاقي، عن المستقبل المنشود. وعن أهدافها بوضوح تام تحت شعار: إسقاط النظام، وإقامة دولة ديمقراطية، دولة الحرية والكرامة. حيث نلاحظ تسمية أيام الجمعة كانت خلال العام الأول تعبر عن الصفة الأخلاقية والسياسية للثورة، مثل: الكرامة، العزة، الصمود، الغضب، الشهداء، الحرية. إلخ . وأيضاً: الحاجة للتمثيل السياسي والعسكري، كان الدافع لشعار: المجلس الوطني يمثلني، والجيش الحر يمثلني. إلخ . وكان المجتمع الإقليمي والدولي مناصراً للمعارضة حين كان الجيش الحر يتقدم على الأرض. حيث تم تجميد عضوية النظام في الجامعة العربية، وسحبت الكثير من الدول الأوروبية والعربية سفراءها، والجميع يطالب النظام بالرحيل.

والثورة فتحت البوابة لفرصة تاريخية لإعادة توحيد الشعب، وصهره في بوتقة واحدة بتنوعه المذهبي والقومي والإثني تحت راية وطنية وقيام دولة ديمقراطية حديثة، دولة الحرية والعدالة.

وهي لم تختر الظروف لانطلاقتها، لأنها لم تكن مرسومة بالمسطرة، ولم تكن مؤامرة محبوكة كما يدعي أعداؤها. ولقد واجه الثوار "ظروفاً لم يختاروها بأنفسهم" إنما واجهتهم تحديات وظروف "معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي". كما توضح ذلك بعد شهور قليلة من انطلاقة الثورة. وأهم هذه التحديات على المستوى الذاتي هي:

أولا: الإشكالية السياسية

منذ انطلاقة الثورة السورية، وخلال الشهور الأولى بدأت تظهر الإشكالية السياسية للثورة. والأساس في الإشكالية السياسية، هو عدم تشكيل البديل السياسي الوطني الديمقراطي الممثل والقائد للثورة. وهذه الإشكالية مازالت قائمة حتى اليوم، بعد ست سنوات من انطلاقتها.

ومع انطلاقة الثورة التي أعادت السياسة إلى المجتمع. حاول شباب الثورة، وغالبيتهم من خريجي الجامعات أو من طلابها خلال المرحلة السلمية، العمل على التأسيس لقيادة التجربة التي لم تنضج، ولم يتم الانتقال من العفوية السياسية التي رافقت بداية الثورة، إلى النضج السياسي، والذي يعني تشكيل الأحزاب السياسية، أو تيار سياسي قائد للثورة. وهذا يعود إلى:

أولاً: حداثة التجربة السياسية في سورية، وعدم وجود إرث تاريخي سياسي ثوري يمكن أن يستفيد منه الشباب، ويبنوا عليه بناءهم الجديد. وبالتالي عدم النضج السياسي جعلهم لم يُعطوا الأهمية الكافية لدور الحزب السياسي في الثورة.

وثانياً: القمع الفظيع للنظام، وملاحقة الناشطين واعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت. وعدم السماح بأي هامش مثل ساحة اعتصام، أو التجمع في أي مكان، يمكن أن يساهم في تطوير الفعل السياسي.

وثالثاً: عدم وجود تواصل بين شباب الثورة، والرموز الثقافية والسياسية من الجيل السابق الذين عملوا ضد النظام منذ صعود الطاغية الأب للسلطة.

ورابعاً: وأخيراً الانتقال من السلمية إلى الثورة المسلحة، أجهض المخاض السياسي والمدني للثورة، وأصبحت راية السلاح فوق الجميع.

من جهة ثانية، استقبلت الرموز المعارضة القديمة الثورة بالارتباك والدهشة. ومصدر الارتباك هو كيفية الانتقال من العقلية الإصلاحية التي كانت تطالب النظام بالإصلاح وقيادة مرحلة الانتقال الوطني الديمقراطي، إلى العقلية الثورية، التي تدعو إلى تحقيق ذلك عبر الثورة الشعبية. ولا شك بأن الانتقال من العقلية الإصلاحية، إلى العقلية الثورية، ثم إلى الفعل الثوري، ليس بالأمر السهل، وخاصة بالنسبة إلى رموز هرمة متكلسة لم تعرف الفعل الشعبي الثوري في تاريخها السياسي.

وكانت الخطوة الأولى لهذه الرموز، بعد نصف عام من انطلاقة الثورة، هي الانقسام إلى تيارين:

الأول: "هيئة التنسيق" وتضم الاتجاه القومي واليساري، مع بعض الليبراليين والأكراد، والتي رفعت شعاراتها "لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي"، واستراحت في الداخل، في أرض النظام.

والثاني: "المجلس الوطني" الذي تشكل في الخارج ، وضم الإسلاميين، وبقايا إعلان دمشق، والليبراليين الجدد المقيمين في الخارج ، ثم تحوله إلى "الائتلاف الوطني"، ووضع لنفسه مهمة "تأمين الدعم بكافة أشكاله وخاصة الدعم السياسي للثورة"، على المستويين العربي والدولي، كما ورد في وثائقه التأسيسية.

وفي العام الأول من عمر الثورة عمل المجلس ثم الائتلاف على التأسيس لعوامل الفشل في قيادة أو تمثيل الثورة. وهي:

أولها:

التأسيس لإقامته في الخارج . حيث انفردت الثورة السورية من بين ثورات الربيع العربي، بأن الثورة في مكان، والقيادة في مكان آخر. وبدلاً من التأسيس لقيادة في الداخل، تم سحب نشطاء الثورة من الداخل إلى الخارج ، كي ينالوا اعتراف الداخل، تحت اسم "الحراك الثوري"، وإفساد من لم يكن فاسداً، وإغرائهم بالإقامة المريحة، وقيادة الثورة عن بعد، "بالريموت كونترول"، أو تحويلهم إلى العمل المدني والإغاثي في أفضل الأحوال.

وثانيها:

الانفصال بين السياسي في الخارج ، والعسكري في الداخل. وهذا الانفصال أدى إلى نتائج كارثية على الثورة من أهمها: عدم الالتفات إلى ضرورة إدارة المناطق المحررة وتقديم نموذج للثورة الوطنية الديمقراطية، وتحقيق الأمان والأمن فيها. وكذلك اختلاط الأوراق في ساحة الصراع، بين الثوار، واللصوص، وامراء الحرب. إلخ . مما افسح المجال أمام الاجندات الاقليمية والدولية لتعبث بالثورة على هواها، وأيضا ظهور المنظمات القاعدية التكفيرية في ساحة الصراع.

كذلك عمل الائتلاف خلال السنوات السابقة:

أولا: وضع نفسه تحت تصرف الدول الخارجية (قطر والسعودية وتركيا، وأمريكا)، وهي الأرضية المادية للتحالف الإسلامي-الليبرالي الجديد. وأصبحت الثورة ومصيرها مرهونة بيد هذه الدول، وهي بطبيعة الحال مضادة للثورة. وتاريخ الثورة زاخر بالأمثلة التي تشير إلى تمسح الليبراليين الجدد، بالإسلام السياسي، والإشادة به، الذي شكل مع داعميه السعودية، ودول الخليج، والكتائب العسكرية الإسلامية ، القطب الطائفي، المشابه لقطب النظام على المستوى السياسي والاجتماعي.

وثانياً: أعاد من جديد أوهامه السابقة، بمراهنته على أمريكا لإسقاط النظام. ووزع الأوهام بسقوطه السريع عبر التدخل الخارجي على الطريقة الليبية. وللمرة الثانية بعد إعلان دمشق، تبخرت الآمال. وخاصة بعد مرور قرابة عقد من الزمن على التجربة العراقية، ودخولها في حرب أهلية طائفية مازالت مستمرة حتى الآن.

وثالثاً: اشتغل على مصالحه الشخصية، وصراعاته داخل الائتلاف على السلطة والنفوذ.

ورابعاً: أنشأ الحكومة المؤقتة، وهي كما توضح للجميع، ليست أكثر من مستنقع للمحسوبيات والصراعات الشخصية والأيديولوجية، على السلطة والثروة، التي تم تسولها من دول الخليج باسم الثورة. في حين كان المطلوب مجلس ثوري يعمل على إدارة المناطق المحررة، على كافة المستويات.

وخامساً: وهو الأهم، احتكر التمثيل السياسي للثورة، ولكنه لم يعمل بالسياسة. حيث لم يُلحظ للائتلاف وقبله المجلس، أي نشاط سياسي أو ثقافي. باختصار لم يكن لديه أي برنامج وآليات للعمل السياسي.

في حين كان المطلوب تشكيل قيادة سياسية-عسكرية للثورة. عمل "الائتلاف"، وحكومته العتيدة على تشكيل سلطة بديلة، بنفس عقلية النظام، وكانت نسخة هزيلة ومشوهة عن سلطة الطاغية.

وأخيراً، كان الفشل الإعلامي علامة فارقة. حيث اعتمد بالدرجة الأساسية على قنوات مثل "حلب اليوم، والأورينت، والعربية، والجزيرة". وكلها قنوات تبث الخطاب الطائفي بدرجات وأشكال مختلفة، دون أن يمتلك البرنامج لماكينة إعلامية فعلية تبث خطاب الثورة وأهدافها أمام الشعب السوري والعالم كله، رغم كل الأموال التي استهلكوها واعتاشوا عليها.

***

إن نقل أو نشر أي شيء من هذه الدراسة دون تفويضٍ مباشر من الكاتب" مروان عبد الرزاق " يعتبر خرقاً لقوانين الملكيّة الفكرية ويحاسب عليه ضمن القوانين المتداولة.


نهاية الجزء السادس / القسم الثاني
ألف / خاص ألف.
يتبع ..





























































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

الطائفية وصراع المتشابهات 7

09-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات 6

02-كانون الأول-2017

الطائفية وصراع المتشابهات /4

10-تشرين الثاني-2017

الطائفية وصراع المتشابهات 5

09-تشرين الثاني-2017

الطائفية وصراع المتشابهات /3

01-تشرين الثاني-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow