Alef Logo
ضفـاف
              

المعارضة السورية بين مؤتمري الرياض وسوتشي

ماجد كيالي

2017-11-25

طوال السنوات السبع الماضية، من عمر الثورة السورية، الصعبة والمعقدة والمكلفة، يلفت الانتباهَ أكثرَ من أي شيء آخر -عدا حجم العذابات والتضحيات طبعًا- ذلك العددُ الكبير، والمتوالي، من الاجتماعات والمؤتمرات والكيانات والقيادات المعارضة، السياسية والعسكرية والمدنية، وكذلك إعلانات التوحيد والاندماج المتكررة، لا سيما بين ألوية الفصائل العسكرية، والتي اعتدنا على مشاهدتها في وسائل الإعلام.

بيد أن كل ذلك -مع الأسف الشديد- كان يحدث وكأنه مجرد ظاهرة صوتية، أو فرقعة إعلامية، لا أكثر، مع علمنا أن كل إعلانات التوحيد، وكل اجتماعات الكيانات -كما أثبتت التجربة- لم تستطع أن تغيّر، في واقع تشتت المعارضة، واختلاف أهوائها، واضطراب مواقفها، وتباين مرجعياتها أو ارتهاناتها، شيئًا يذكر.

هكذا، فما زالت الثورة السورية تفتقر إلى كيان سياسي جامع، وما زالت تعاني من تشرذم كياناتها، وتنافسها، بل اقتتالها أحيانا، وما زالت تعاني من غياب طبقة سياسية تعي ذاتها، كممثل للثورة المعارضة، بحكم الخصومة بين الشخصيات السائدة فيها، مع هيمنة العقليات الضيقة، والحسابات الخاصة، والتبعية للتوظيفات الخارجية، أكثر من التبعية لمصالح السوريين، ومتطلبات ثورتهم.

في هذه الآونة -مثلًا- يُعقد في الرياض مؤتمر كبير للمعارضة السورية، يشارك فيه ممثلون عن معظم الأطياف والكيانات والشخصيات المعارضة، يقدر عددهم بنحو 150 عضوًا، وهو عدد كبير جدًا. طبعًا، المشكلة ليست في العدد فقط، إذ كان يمكن أن يكون ثمة 1500 عضو، فهذا قد يفيد، ربما، بتعزيز الديمقراطية والتمثيل والمشاركة، لكن ذلك في أحوال المعارضة السورية الراهنة هو دليل ضعف في تبلور كيانات المعارضة، وعلامة على هشاشة بناها، وتدني الثقة بين المتحكمين بها، ولا تفسير غير ذلك، مع التأكيد على أهمية أي اجتماع أو مؤتمر تعقده المعارضة؛ لأنه محطة في سياق تطورها، وتعزيز خبراتها، في حال تم تنظيم ذلك على نحو مناسب.

على ذلك، وفي التساؤلات المطروحة، في شأن الاجتماع الذي يعقد في الرياض، كما عقد غيره سابقًا في الدوحة أو إسطنبول، ما الحاجة إلى مثل هذا العدد، أو ما هو تفسيره، مع الاحترام للجميع؟ ثم من الذي “هندس” هذا العددَ، أو نسب فلانًا بدلًا من فلان، ووفق أي معايير وحسابات؟ وهل هناك جهةٌ ما في المعارضة السورية كانت تشتغل على ذلك، مع علمنا أن لا أحد في المعارضة كان يعرف قائمة المشاركين؟ ثم لماذا تم استبعاد شخصيات عديدة، من أصحاب التجربة والرأي والنزاهة، تحظى بمكانة تمثيلية بقدر أو بآخر، في حين تم إشراك شخصيات، ليس لها أي دور أو رأي أو تمثيل أو تجربة؟ ثم ما هي الأجندة، وأين هي أوراق العمل، أو لماذا لم تطرح للنقاش العام لإغنائها وتطويرها؟ ولعل الأهم من كل ما تقدّم من تساؤلات طرحُ القضايا الآتية:

أولًا، لمَ هذا الاهتمام الكبير بالاستقطاب من حول اجتماع الرياض، في رفضه أو قبوله، علمًا أن الحديث عن (الرياض 2)، أي أن الرافضين سبق أن شاركوا في (الرياض 1)، ومع علمنا أن أي هيئةٍ ستنتج هي هيئة شكلية، وفي الواقع لا يوجد فيها مفاوضات، في حقيقة الأمر، كما تبيّن من مساري جنيف وأستانا، في واقعٍ باتت فيه الدول الكبرى هي التي تتحكم بوتائر الصراع السوري؟

ثانيًا، كيف سبق أن وافق، أو رضخ، أصحاب (الرياض 1)، ومعهم الائتلاف، على مسار أستانا، الذي أخل بوحدانية تمثيل الثورة أو المعارضة، بعد أن تم رفضه بحم التخوف من مآرب روسيا التي تحاول فرضه، كبديل عن مسار المفاوضات في جنيف؟

ثالثًا، لماذا لم يوجد حتى الآن كتلة من شخصيات المعارضة، تتألف من 100 أو 50 شخصية، تدعو لاجتماعٍ ما، كمؤتمر تأسيسي، في أي مكان، بإرادتها الخاصة، ومن دون صلة بأي دولة؛ للتوصل إلى صيغة يتم عبرها التوافق على هندسة كيانات الثورة، واستعادة مقاصدها الأساسية المتعلقة بإسقاط النظام، وتمكين الشعب السوري من استعادة حقوقه، بالحرية والكرامة والمواطنة، وإقامة دولة المواطنين المتساوين والأحرار الديمقراطية، القائمة على المؤسسات والقانون وتداول السلطة، باعتبارها الأساس لأي عملية تفاوضية؟

رابعًا، ما الذي تركه المعارضون لمؤتمر الرياض إذًا لمؤتمر “سوتشي”، التي تعتزم روسيا إعادة الدعوة لعقده، في أوائل الشهر القادم، بعد اجتماع قمة رؤساء روسيا وتركيا وإيران، في سوتشي (اليوم الأربعاء)؟

الفكرة هنا أن أوساط المعارضة غالبًا -ومع الأسف- تركز على الخصومات والحسابات الشخصية أكثر مما تركز على المشتركات في المسألة الوطنية، وأنها تركز على الشكليات والقضايا الثانوية على حساب القضايا الجوهرية التي تؤثر فعلًا، أو التي تحدث فارقًا في الواقع، وأنها تتصرف وفقًا لحسابات ضيقة أو تبعًا لارتهاناتها، أكثر مما تتصرف وفقًا لمسؤولياتها المفترضة، إزاء شعبها وثورته وتضحياته ومعاناته.

على أي حال، بعد الرياض مثل ما قبله، على الأرجح، لكن ما بعد “سوتشي” ليس كما قبلها؛ لذا لنأمل توفير بعض الطاقات والبيانات، لما بعد “سوتشي”، لصالح سلامة مسار ثورة السوريين، ولمصلحة شعب سورية.
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعارضة السورية بين مؤتمري الرياض وسوتشي

25-تشرين الثاني-2017

إيران في دائرة الاستهداف الأميركي

11-تشرين الثاني-2017

هل يتقدم النظام؟ أو لماذا يبدو كذلك؟

09-أيلول-2017

رحلة إلى فلسطين

22-تموز-2017

عن الثورة السورية الأكثر تعقيدا والأبهظ ثمنا

29-كانون الأول-2016

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow