Alef Logo
كشاف الوراقين
              

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

ألف

خاص ألف

2017-08-19


مفهوم الدولة في الواقع الحالي


قبل أن أبدأ في الحديث عن هذا الموضوع يجب أن نقيم الوضع السياسي السائد الآن في العالم حتى نستطيع أن نعرف أين نقف وماذا يحيط بنا لأنه بدون الدراية التامة بالواقع لا نستطيع أن نضع الأحكام الملائمة لهذا الواقع .

بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انتصار الحلفاء وتشكل العالم بشكله السياسي الحالي وبسبب الثورة العلمية والتكنولوجية، وخاصة في المعلومات والاتصالات، أصبحت الكرة الأرضية قرية كونية مترابطة متصلة،وكأنها دولة واحدة يحكمها مجلس في الأمم المتحدة اسمه ( مجلس الأمن ) تحكمه الدول الخمس العظمى وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية،وهذا المجلس أحيانا يتفق وأحيانا لا يتفق حسب مصالح هذه الدول الخمس،وأي اختلاف أو اتفاق بين هذه القوى يكون حسب مصلحها أولا وقبل كل شيء،هذا هو الواقع حاليا وعلى الإسلاميين أن يعوا هذه الحقيقة تماماً ومن خلال هذه الحقيقة يجب أن ننتقل إلى واقعنا .

ومن الأمثلة الواضحة حالياً على ذلك هي استيلاء روسيا بقيادة بوتين على شبه جزيرة القرم، وبدون مبررات واضحة،فالرئيس الروسي بوتين، يستحضر التاريخ من جهة،ويقيس ما قام به في القرم على ما قامت به دول الغرب في البلقان من جهة أخرى،مع أن الواقع مختلف تماماً فالحكومة الأوكرانية لم تقم بأعمال عنف كالتي جرت في يوغسلافيا السابقة على يد الصرب ضد الأقليات الأخرى،ولكن هو حكم القوي،ولو قامت دولة أخرى بعمل مشابه لما قامت به روسيا لاجتمع مجلس الأمن واتخذ قرارا ضدها واجب النفاذ كما حصل مع صدام حسين في الكويت حيث شكلت الولايات المتحدة تحالفا دوليا وأخرجته منها،وبعد ذلك بأكثر من عشر سنوات اجتاحت القوات الأمريكية العراق وأسقطت نظام صدام حسين وبدون تفويض من الأمم المتحدة . إذن الدول العظمى وخاصة أمريكا وروسيا في حال توافقها يخرج المجلس بقرار ملزم،ولكن كما شاهدنا وحتى عندما لا يكون هناك توافق تقوم هذه الدول باتخاذ القرارات المناسبة لها .

إذن لاحظنا آلية عمل القوى العظمى في أغلب الأحيان لا تكون عادلة،إنما هي مبادئ القوة فمن يمتلكها يملي على الآخرين ما يريد،وعلينا الاستفادة من تناقضات القوى العظمى لتحصيل أكبر قدر من الحقوق وعدم الدخول في مواجهات معروفة النتائج مسبقا بسبب عدم توازن القوى.
من خلال القرآن المكي و سيرة النبي لاحظنا أن الرسول لم يقم بأي عمل مستخدما العنف ضد مجتمعه في مكة،وكل ما كان يفعله هو الدعوة للإسلام واستنصار القبائل ومراكز القوة حتى هيئ الله له النصرة من يثرب،وإذا أردنا إسقاط هذا الكلام على واقعنا الحالي،يجب على الراغبين في إقامة دولة إسلامية أن يقوموا بالدعوة إلى الإسلام واستنصار مراكز القوة ومراكز القوة حاليا موجودة في دول مجلس الأمن الدائمة العضوية،وعندما تصبح لك أغلبية هناك في إحدى هذه الدول تستطيع أن تصل إلى الدولة الإسلامية،قد يسخر البعض من هذا الكلام ويعتبره مجرد كلام سريالي،هذا هو فعل الرسول فإن كنتم ترغبون بإتباع الرسول وتتأسوا به هذا هو الطريق.

سيقول قائل إن واقعنا الحالي مختلف عن واقع الرسول فنحن كان لدينا حكم إسلامي طيلة ألف وثلاثمائة عام وجاء الاستعمار وقوى الاستكبار العالمي وفكك هذا الحكم،ونحن علينا استعادته،إذن علينا استعادة التاريخ حتى نرى هل ينطبق حالنا على حال الرسول في مكة أم لا،ولذا سنعود لبداية واقع مكة في زمن إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام يقول الله تعالى :

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } البقرة 124 .

{صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } الأعلى 19 .

{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} النساء 54 .

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} البقرة 125 .

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة 127 .

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } مريم 54 .

نستخلص من الآيات السابقة أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كانا رسولا وأنبياء وأئمة وملوك وحكام أي أنه كان لديهم صحف وتشريع ومُلك،وهذه الآيات لا تشمل القسم الآخر من آل إبراهيم،فيعقوب بن إسحاق قد هاجر إلى مصر مع أولاده وقد عاشوا هناك كأفراد في المجتمع ولم يقيموا أي ملك أو حكم .

وقد تبين لنا أن وجود تشريع يعني وجود دولة تحكم بهذا التشريع وبناء عليه نقول إن مكة كانت محكومة بحكم الدين،أي واقع الدولة والحكم،وقد حكم مكة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،ثم انحرف الناس عن دين الله وجاء الرسول لبعث الدين من جديد وأمر بمرحلة كف اليد وتأسيس دولة أخرى . بماذا يختلف واقعنا عن واقع الرسول،وأيضا الآن ذهبت الدولة وانحرف الناس عن دين الله و وجب التجديد وتأسيس دولة ولكن بدون عنف بالدعوة والدعوة فقط .

هذا هو الواقع وعندما نقول إن الدعوة حاليا يجب أن تكون في مراكز القوة أي في الدول العظمى التي تحكم العالم هو بالضبط السبيل لإقامة دولة الإسلام،سيكون الرد إن إقامة دولة إسلامية بهذا الشكل مستحيل فنشر الإسلام بالدولة الفاعلة سيحتاج سينين طويلة واحتمال نجاحه ضعيفة جدا،هذا الكلام صحيح ولكن الله هو الذي اختار لنا هذا السبيل وعلينا إتباعه فإقامة الدولة الإسلامية مسألة تعبدية الله يختار طريقها وليس أي شخص آخر كما في قوله تعالى :

{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف 108.

سيقولون ماذا عن الحقوق المهضومة والمغتصبة ألا يحق لنا أن نسترجعها،الأمر بغاية البساطة يستطيع الإنسان المسلم أن يقاتل دفاعا عن أهله وماله وعرضه وأرضه ووطنه،فهذا الأمر متاح لجميع البشر،أما الشيء المرفوض وغير جائز لا شرعا ولا عقلا هو أن تستخدم العنف لتأسيس دولة الخلافة الإسلامية بقوة السلاح،ومن هنا يجب أن نؤكد أن الدولة والجهاد والحكم له قواعد وشروط دقيقة مثل أي عبادة أخرى فهل يجوز أن يحج الإنسان المسلم في شهر صفر, أم هل يجوز أن يصلي بدون وضوء .

استنتاج : يحرم بشكل كامل حمل السلاح لإنشاء دولة الخلافة الإسلامية لأنه خلاف أوامر القرآن وفعل الرسول .

***

الدولة الإدارية

تمر معنا هذه الثلاثية من حكم وحاكم وتحكيم،وهي مرتبطة ببعضها البعض ارتباطا وثيقا،بينا في الفصول السابقة كيف يتم تأسس الدولة الإسلامية،وإن أي شائبة في مسألة التمكين أي السيادة تجعل من هذه الدولة خارج ما يسمى الحكم الإسلامي،ويصبح توصيفها دولة إدارية وسيكون الجواب ما هي الدولة الإدارية.

الدولة الإدارية : هي الدولة التي تفقد سيادتها بشكل كلي أو جزئي،وهل هذا التوصيف مرتبط بوقعنا الحالي أم هي حالة عامة ؟ بالتأكيد لا, فمنذ بدء الحضارة وعلى الدوام كان هناك دول تمتلك السيادة الكاملة والتي يطلق عليها اسم الإمبراطوريات،ودول صغيرة ضعيفة مغلوبة على أمرها،وهذه الدول تحكم من قبل القوى الأعظم بشكل مباشر أو غير مباشر.

وإذا أسقطنا هذا التعريف على الواقع الإسلامي نجد بعض الدول والإمارات الإسلامية التي كانت تخضع لدول غير إسلامية أو تتحالف معها تحالف الطرف الأضعف تحت ما يسمى بعقد الإذعان،وترتبط بها سياسيا تفقد سيادتها أي إنها تفقد التمكين . فأي إمارة إسلامية تقع تحت هذا الوضع يصبح اسمها دولة إدارية،مهمتها تسيير الأمور الناس بما يأيتها من تعليمات من قوة أخرى غير إسلامية, وبالتالي لا تستطيع أن تدعي أنها دول إسلامية أو تحكم بالإسلام لأنها فقدت الشرط الأول والأهم وهو التمكين،أما الناس الذين يعشون فيها فهم مسلمون يعيشون تحت سيادة غير إسلامية كما كان يعيش المسلمون في مكة عندما لم يكن هناك دولة للمسلمين .

وتوصيف الدول الإدارية ينطبق على كل الدولة الإسلامية المنضوية في منظمة الأمم المتحدة حاليا،لأن قوانين الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن واجبة النفاذ فيها بلا قيد أو شرط،حيث تتبنى الأمم المتحدة مسألة الحريات كأهداف كبرى يجب الوصول إليها،كحرية العقيدة والحرية الجنسية والحرية الاقتصادية ومن المعلوم أن الإسلام يرفض هذه الحريات جملة وتفصيلاً .
وقد التزمت الدول الإسلامية بقرارات الأمم المتحدة ولو كانت ضد مصلحتها الوطنية،والأمثلة على ذلك كثيرة وسأورد بعضها و التي تخص أهم الدول الإسلامية . أولها انصياع أكبر دولة إسلامية بعدد السكان أي إندونيسيا لقرار الأمم المتحدة في قضية تيمور الشرقية،وانصياع الدولة النووية الإسلامية الوحيدة في العالم أي باكستان في مسألة الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان ضد حليفتها و صنيعتها حركة طالبان بقرار من الولايات المتحدة المدعومة من الأمم المتحدة،أما إذا لم تنصاع فالمثال واضح فستجد نفسها في حالة حصار وعقوبات اقتصادية،كما كان مصير العراق بعد اجتياح الكويت حيث عانى من حالة الحصار والعقوبات الاقتصادية،لقد رفض صدام تنفيذ قرار الخروج من الكويت،فكانت النتيجة أن أرسلوا إليه جنودا لا قبل له بها وأخرجته من الكويت بالقوة.

كما نلاحظ فالسيادة الحقيقية التامة بمفهومها الحالي لا تشمل إلا عدد قليل من دول العالم لا يتجاوز عدد أصابع اليد والدول الباقية فسيادتها صورية ونسبية،وبناء عليه نستطيع أن نقول إن امتلاك دولة ما لعلم ودستور ومنتخب كرة قدم وطوابع ورقم دولي لا يعني أن هذه الدولة كاملة السيادة،فسيادة الدولة البنمية لم تمنع قوات الولايات المتحدة الأمريكية 1989 من اجتياحها واعتقال رئيسها بتهمة الاتجار بالمخدرات .
ومن مسائل السيادة مسائل كثيرة،فعلى سبيل المثال مسألة العبودية التي اتخذت الأمم المتحدة قرارات نهائية بشأنها،في إعلان حقوق الإنسان 1948 وقد أقرت كل الدول الإسلامية هذا الأمر, ومسألة أخرى هي قضية حكم الإعدام،لقد اتخذت أغلبية الدولة الأوربية قرارات بتحريم حكم الإعدام واعتبرته منافيا للإنسانية،أما الدول الثلاث المؤثرة في العالم و هي أمريكا وروسيا والصين لا تزال تقوم بتطبيقه حتى الآن،ولكن ماذا لو أقرت هذه الدول قرارات بتحريم حكم الإعدام في دولها ومن ثم صار إجماعا عالميا بتحريم حكم الإعدام واتخذ مجلس الأمن قرارا ملزما كما حصل في مسألة تحريم العبودية،هل ستطبق من تدعي أنها دول إسلامية وتقيم حكما إسلاميا قرارات مجلس الأمن أم ستعارضها،وهي التي تتبجح دائما بأنها مع قرارات الأمم المتحدة .

إذن، فمسألة الأحكام الجنائية الإسلامية هي قضية مرتبطة بشكل كامل بالسيادة المطلقة والتمكين،وهذا الأمر مرتبط بدولة الخلافة والخليفة هو الذي عليه تقع مسألة إنفاذ الأحكام الجنائية الإسلامية وليس أي شخص آخر.

يقول الله عز و جل في قوله تعالى :
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } النساء65 .

{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } النساء 105 .

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } المائدة 44 .

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } المائدة 45 .

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } المائدة 47 .

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة 48

من خلال استعرضنا لهذه الآيات نرى أنها نزلت في الفترة المدنية بعد تأسيس الدولة المتمكنة التي يحكمها الرسول وهو يملك كامل القادرة على إنفاذ حكم الله, أي أن مسألة تطبيق الأحكام مرتبطة بالحكم والحاكم . فإذا عدنا إلى الفترة المكية المشابه لواقعنا الحالي لم يكن هناك أحكام،فالأحكام بحاجة لدولة والدولة بحاجة للسيادة الكاملة،وعند توفر هذان الشرطان يُنصب الخليفة الذي سوف يحكم بكتاب الله .
أما عند عدم وجود خلافة متمكنة وخليفة يحكم بكتاب الله،فلا معنى من أن نطلب من أشخاص لا يملكون من أمرهم شيئا يحكمون( دولا إدارية) تحت مظلة النظام العالمي الحالي،دول هي مجرد قطع و مساحات من الأرض قسمتها القوى الاستعمارية كانت في السابق ضمن دولة المسلمين أن يحكموا بالشرع،فالشرع ليس مجرد مجموعة أحكام جنائية كما يفهمه الآبائيون،بل إن الشرع منظومة متكاملة من الوقائع ابتداء من تأسيس الدولة بطريقة سلمية والسيادة الكاملة وانتهاء بوجود حاكم مُنصب في سدة الحكم بطريقة شرعية .
استنتاج : على المسلمين أن يعوا تماما الواقع،وما هي الأحكام الفقهية المناسبة له فليس من الدين في شيء أن نُدخل الأمور ببعضها،ونجعل من أحكام واقع الدولة لواقع اللادولة أو بالعكس،وإذا كانت مسألة إقامة الحدود الجنائية التي يطالب بها الآبائيون صبحا ومساء ويقولون هي الدين،فلماذا لما يعتزل الرسول مع أصحابه في أحد الشعاب النائية في الجزيرة العربية وما أكثرها ويقوم بتطبيق الحدود عليهم بدلا من الدعوة و استنصار مراكز القوة في القبائل؟ الجواب لم يفعل ذلك لأن الهدف هو إقامة الدولة القوية القادرة على مقارعة القوى المحلية والعالمية وليس مجرد تطبيق الأحكام الجنائية على مجموعة من الناس .

***
إن نقل أو نشر أي شيء من هذا الكتاب دون تفويضٍ مباشر من الكاتب" إبراهيم عز" يعتبر خرقاً لقوانين الملكيّة الفكرية ويحاسب عليه ضمن القوانين المتداولة.
نهاية الجزء الأول
ألف / خاص ألف
يتبع ...

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب تجديد النهضة باكتشـاف الذات ونقـدهـا / نصر حامـد أبوزيد

21-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج5 المؤلف : الخطيب القزويني

21-تشرين الأول-2017

رسالة حبي المدينية إلى ابنتها من كتاب الإمتاع لصالح الورداني

21-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow