Alef Logo
ابداعات
              

ملف الرجل / مسرحية / الرجل أو أسطورة الغواي

جمانة الياسري

2006-10-15

خاص ألف

رجل وامرأة متقابلان، الرجل على اليمين والمرأة على اليسار. تفصل بينهما مرآة عالية لا انعكاس فيها.
يرتديان ملابس معاصرة. تضع المرأة شالاً كبيراً على كتفيها، شعرها الطويل مرفوع بالكامل.
المكان معتم لا نرى تفاصيله. لا توجد أية مؤثرات صوتية، صمت تام.
في البداية، لا يبدو أنهما ينتبهان إلى بعضهما. .
يبدأ الرجل الكلام بإيقاع متصاعد يشبه الدعاء ومع الوقت تصبح المرأة مسحورة تماماً بكلامه
الرجل – أنا جميل.
صمت.
فيني من الجمال ما يفوق أبولون وأدونيس معاً. الأجمل. الأجمل. الأجمل. كم أنا جميل. أنا أجمل من الجمال.
صمت.
أُحِبُني.
صمت.
أنا نرجس الألفية الثالثة. أنا مرآة هذا الكون.
صمت.
يرى الرجال والنساء حلماً أبدياً في وجهي. تعشقني نساء وترغب نساء بقتلي. يشتهيني رجال ويكرهني رجال. من يقع في حبي يُلعَن إلى الأبد. ومن... لا يقع في حبي ؟؟
صمت.
قطَّعت النساء أصابعهن عند رؤيتي فرماني الرجال في زنزانة أوصدت إلى الأبد. فَقَدَ كبار هذا العالم مراكزهم من أجل نظرة من عيني. يلون الأطفال وجهي في دفاترهم البريئة بينما يُعلِّق المراهقون صوري على جدران جنونهم الوجودي.
صمت.
قولوا لن يصيبكم إلا أنا، جميل، مستحيل، أشهى ما في الوجود.
أنا الذي لا جميل إلا هو، الغاوي، الفاتن، القاتل.
صمت. تبدو المرأة مذهولة تماماً.
أنظروا إلي وأغمضوا أعينكم كي لا تحوِّلكم قدرتي على الغواية إلى انعكاسات صامتة لجمالي الممزوج بتأوهات العذارى.
تتحرك المرأة للمرة الأولى لتنظر بحذر إلى المرآة، يلتفت الرجل بدوره نحوها.
أنا هنا الآن في معرض هواجس الإنسان أراقب رغباتكم المستحيلة.
صمت طويل.
تقترب من المرآة وكأنها تسترق السمع، ثم تبتعد لتتأملها بتمعّن.
المرأة– (بصوت منخفض يكاد لا يُسمَع) أين أنت ؟ (ترفع صوتها بعض الشيء) أين أنت ؟ (بإلحاح) قل لي أين أنت ؟
الرجل – (بهدوء) هنا.
المرأة – (تفكر) هنا... معي ؟
الرجل – (دون تردد) بالتأكيد.
المرأة – (مازالت تفكر) هنا... من أجلي ؟
الرجل – (بثقة) ولمن أكون إذن ؟
المرأة – (متشككة) ولكنك لا تعرفني ؟
الرجل _ بلا.
المرأة – (تقترب من المرآة، تمرر يدها على وجهها ثم تضعها على المرآة حيث لا يوجد أي انعكاس) لم نلتقِ من قبل.
الرجل – (يقترب من المرآة، يمرر يده على وجهه ثم يضعها على المرآة تماماً كما فعلت المرأة) ليس من الضروري أن نلتقي حتى أعرفك.
المرأة – (تبعد يدها عن المرآة بحركة سريعة) قل لي إذن من أكون ؟
الرجل – (يبعد يده بدوره عن المرآة ولكن بهدوء) أنت التي صلَّت من أجلي وعبدتني بإخلاص.
المرأة – (بخجل) لم أكن وحدي...
الرجل – (مقاطعاً) أنت وحدك من استطعت الوصول إلى مرفئي.
المرأة – (تكمل جملتها) لم أكن وحدي... كانت القافلة تحمل نساءً ورجالاً وأطفالاً... من كافة الأعراق... وحَّدهم نداء واحد... يخرج من قلوبهم بصوت واحد... الكل يتقدَّم بتصميم من أجل هدف واحد... لا يمكن أن يكونوا قد تخاذلوا...
الرجل – (بهدوء) لقد سقطوا عن الجسر الطويل المعلَّق في منتصف الطريق، كان ضيقاً ولم يستطيعوا التوازن عليه حتى النهاية.
المرأة – (مصعوقة) نعم... أذكر الآن... الجسر... حبل طويل غير متين... كانت الرياح تعصف بقوة... وقلبي يخفق بجنون... إلا أني لم أقع...
الرجل - لأنك وحدك تملكين ما يكفي من التصميم لتتقدمي دون النظر إلى الخلف... على الرغم من صراخ الاستغاثة الذي رافق سقوط الآخرين.
المرأة – (يبدو عليها الذعر) نعم... أذكر... لم أنظر... لم أستجِب... لم أكترث... لم...
الرجل – (مقاطعاً بحزم) فعلتِ الصواب.
تبتعد المرأة مرعوبة تماماً، تضع يدها على فمها وكأنها ستتقيأ، تتنفس بصعوبة. ينتظر الرجل بهدوء. صمت طويل.
المرأة – (بصعوبة) و... والآن ؟
الرجل لا يجيب. تستجمع قواها.
هل... هل انتهت الرحلة ؟
الرجل – بقيت مهمة واحدة.
صمت.
المرأة – ما هي ؟
الرجل – (ببرود) لا أظنك قادرة...
المرأة – (تقاطعه بتصميم) قل لي !
الرجل – (باللهجة نفسها) عليك أن تخرجيني من هنا.
المرأة – (تبدو عليها المفاجأة) أخرك من هنا ؟
الرجل – أجل.
المرأة – هذه هي المهمة الأخيرة ؟
الرجل – أجل.
المرأة – ألا تستطيع الخروج وحدك ؟
الرجل – كلا.
المرأة – لمَ ؟
الرجل – حُرِّمَ علي الخروج بمحض إرادتي.
المرأة – (تفكر) ولمَ أقوم أنا بذلك ؟
الرجل – لكي تريني.
المرأة – وإن لم أفعل ؟
الرجل – (بمكر) بقائي هنا يعني حرمانك الأبدي من التلذذ بوجودي الخارق.
المرأة – (تتأمل المكان من حولها) وكيف أخرجك من هنا ؟
الرجل – أنت وحدك تستطيعين معرفة ذلك.
المرأة – أنا ؟
الرجل – من أغلق علي زنزانتي لم يعطني مفتاح الخلاص.
المرأة – وإن لم أعرف كيف ؟
الرجل – (يمرر يده بخفة على المرآة) إن لم تستطيعي إخراجي من هنا، سيكون عليك البقاء معي حتى يصل إلينا من يخلصنا معاً.
يبدو القلق على المرأة. إلا أنها تبقى صامتة، تفكر.
المرأة – لا يمكن أن أبقى هنا... ساعدني قليلاً.
الرجل – (بلامبالاة) لم آتِ بك إلى هنا، أنت من أردت الوصول إلي. بحثت عني وأقمت الصلاة ومارست كافة الطقوس وخضتِ رحلة مليئة بالصعاب. اخترتني. لم أجبرك قط، لم أناديك قط، أنت هنا بملء إرادتك، ومن أجلك. لم يبق الآن بينك وبين اللذة سوى بوابة أخيرة عليك أن تجدي مفتاحها.
المرأة – (قلقة) لم أكن أعرف.
الرجل – (يبتعد خطوة عن المرآة) فات الأوان.
المرأة – (خطوة باتجاه المرآة) ألا توجد طريقة أخرى للوصول إليك ؟
الرجل – (يبتعد خطوة ثانية) كلا.
المرأة – (تقترب خطوة ثانية) إن أخرجتك... أتبقى معي ؟
الرجل – (يبتعد خطوة ثالثة) نعم.
المرأة – (تقترب خطوة ثالثة) لي وحدي ؟
الرجل – (يبتعد خطوة رابعة) نعم.
المرأة – (تقترب خطوة رابعة) ومن وضعك هنا ؟
الرجل – (يبتعد خطوة خامسة) سأختبئ بين أحشائك.
المرأة – (تقترب خطوة خامسة) في جوفي ؟
الرجل – (يتوقف) إلى الأبد.
المرأة – (تتوقف) كيف ؟
الرجل – (يعود بسرعة إلى المرآة ويتأملها) أخرجيني وسأريك.
المرأة – (تبتعد المرأة بسرعة عن المرآة وتتأملها) أنت هنا في الخلف، أليس كذلك؟
الرجل – (يشيح وجهه عن المرآة) أجل.
المرأة – (تعود لتقترب من المرآة) هذه هي البوابة ؟
الرجل – أجل.
المرأة – (تتردد المرأة قليلاً) إنها مرآة... أو تشبه المرآة، فأنا لا أرى انعكاسي...
الرجل – (ينظر من جديد إلى المرآة) أعرف.
المرأة – وكيف ذلك ؟
الرجل – قد يكون هذا هو المفتاح.
تمد يدها بحذر لتتلمس المرآة من جديد. تتراجع.
المرأة – (تتغير لهجة المرأة، تصبح طفولية بعض الشيء) لقد تأخر الوقت.
الرجل – وإن يكن.
المرأة – يجب أن أذهب قبل أي يحل الظلام.
الرجل – لقد حلّ الظلام.
صمت.
المرأة – دعني أذهب.
الرجل – حاولي.
تبقى المرأة في مكانها. ثابتة تماماً.
الرجل – مازلت هنا، أليس كذلك ؟
صمت.
قد يكتشفون وجودك إن لم تفتحي البوابة بسرعة.
المرأة – (مؤكِّدة) لا أعرف كيف.
الرجل – لم تحاولي بما فيه الكفاية.
تركّز المرأة على نقطة في الأفق، تتنهد، تصمت.
الرجل – لا تخافِ.
المرأة – لست خائفة.
الرجل – ما الذي تفعلينه إذن ؟
المرأة – أنتظر.
الرجل – من ؟
تبقى المرأة صامتة. تلقي نظرة خاطفة حولها والتوتر واضح عليها. تضع يدها على بطنها بحركة عنيفة مفاجئة. تبتعد بذعر عن المكان الذي كانت تقف فيه.
المرأة – أشعرت بذلك ؟
الرجل – بماذا ؟
تعود المرأة للاقتراب من المكان الذي كانت تقف فيه، تنحني لتتلمَّس الأرضية. تنظر إلى قدميها، تتحسسهما. تبدو على حافة البكاء.
المرأة – (تكاد تنهار) دعني أرحل.
الرجل – افتحِ البوابة وسنرحل معاً.
ترمي المرأة الشال عن كتفيها وتقترب بعنف من المرآة، ولكنها تتوقف قبل الوصول إليها وكأنها رأت ما يفزعها.
المرأة – ما هذا الصوت ؟
الرجل – لم أسمع شيئاً.
تضع المرأة يدها على بطنها من جديد. تبدو عليها الدهشة. تتدفق الكلمات من فمها بسرعة كبيرة وكأنها تريد التخلّص منها.
المرأة – إنه في داخلي، صوت كالذي تصدره الأمواج عندما تشعر بالغضب، يندفع في أعضائي ويجمدها من البرد.
تكتشف أنها أوقعت الشال. أصبح نَفَسُها متقطعاً من البرد. ترتمي على الأرض باحثة عن الشال الذي لا تجده فتحيط جسدها بذراعيها وكأنها تحاول أن تحمي نفسها، ولكن سرعان ما تخلع ثوبها بشكل مفاجئ.
المرأة – حر.. حر..
الرجل – حقاً ؟ ألم تقولي أنك تشعرين بالبرد ؟
المرأة – حر.. حر..
الرجل – قد يزداد الأمر سوءاً إن لم تفتحِ البوابة بسرعة.
المرأة تجهش بالبكاء. لا نرى وجهها. يصمت الرجل. ينصت لصوت بكائها. لا يبدو عليه شعور محدد.
أتشعرين بالألم ؟
المرأة – (تتأوَّه، انخفض صوت بكائها، صوتها مكسور) نعم...
الرجل - أتخافين الألم ؟
المرأة – (يكاد صوت بكائها أن يختفي تماماً) أجل...
الرجل - أتستمتعين بالألم ؟
المرأة – لا أعرف...
الرجل - أتستطيعين وصف الإحساس بالألم ؟
المرأة – كلا...
الرجل - لم أشعر بحياتي بالألم.
تبدأ المرأة بالنهوض ببطء شديد محاولة تمالك نفسها.
المرأة – لم تتألم في حياتك ؟
الرجل – كلا...
المرأة – وكيف ذلك ؟
الرجل – من يسبِّب الألم لا يشعر به.
تجلس المرأة ثانية ركبتيها وتخفي وجهها في حضنها.
المرأة – لم أفهم.
الرجل – ألم يخطر في بالك أن من صمَّم الرحلة الشاقة التي أوصلتك إلى هنا، تقصَّد أن يؤلمك ؟
صمت.
المرأة – (ترفع رأسها) ما قيل لي عنك صحيح إذن ؟
الرجل – يبدو أن معرفتك بي لم تتجاوز الأدعية والصلوات.
المرأة – اعتقدت أنهم يبالغون في وصف شرِّك.
الرجل – أعتقد أنهم لم يصفوا إلا القليل مما أستطيع فعله.
المرأة – كل هذه القوة، ولا تستطيع اختراق هذا الحاجز الهزيل ؟
الرجل – سيخترقه من يريد اختبار إيمانه، أما أنا فيكفي أن أنتظر هذه الإرادة التي ستخرجني من هنا.
المرأة – (بتصميم) ابقَ إذن.
الرجل – وأنت معي ؟ لن تصمدي.
المرأة – ستمنعك حاجتك لي عن قتلي.
الرجل – سيصل إلي غيرُك.
المرأة – ومن قال لك أني تركت الطريق مفتوحاً ؟
يستند الرجل دائراً ظهره إلى المرآة. لا يجيب.
أحقاً أنت جميل جداً ؟
الرجل – لن تصدقي حتى تريني.
ترفع المرأة رأسها وتبتسم بخبث. تتلمس الأرض حولها. تعثر على الشال. تغطي به جسدها. تفرد شعرها الطويل. تنهض. تقترب بتردد من المرآة، تركع أمامها وكأنها مشرفة على الصلاة. تتمتم بشيء لا نفهمه ثم يتعالى صوتها تدريجياً. كلما ارتفع صوت المرأة راح الرجل ينزلق تدريجياً حتى يصبح جالساً على الأرض عندما تنهي كلامها.
المرأة - ... أيها الرجل السرمدي أعني على عبادتك والمثول عند قدميك المخضبتين بالمرمر الممزوج بالذهب. اقبل جسدي الفاني قرباناً لوجودك المطلق. اعصف بأحشائي. اجعل هذا العالم يصمت خشوعاً أمام جمالك الرهيب. أقول لن يصيبني إلا أنت، جميل، مستحيل، أشهى ما في الوجود. أنت الذي لا جميل إلا هو، الغاوي، الفاتن، القاتل. خذني الآن كما أنا عبدة لنرجسيتك الرائعة. خذني ببطء ولا تنته مني بسرعة. ادخل في رحمي واعصر قلبي حتى لا يبقى ألم على الأرض. تغلل في روحي واجعلني أرى نور ذكورتك الرائعة. أهديك صلاتي ووجودي وكل ما يعينك على القوم الناكرين لأدونيسيتك الواحدة.
صمت.
أحبك.
صمت طويل. تسند المرأة راحتيها على المرآة خافضة رأسها. تتنفس بقوة.
الرجل – (بلامبالاة) تحبيني ؟
المرأة – (تبدو أكثر قوة) هذا ما كُتب على اللوح.
الرجل – ما هو الحب ؟
المرأة – الشيء الذي تشعر به تجاه نفسك.
الرجل – تريدين أن آخذك ؟
المرأة – أجل.
الرجل – ولكنك كنت تريدين الرحيل منذ قليل.
المرأة – ألم تقل أن لا عودة بعد الآن.
الرجل – ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
المرأة – أردت رؤية الجمال.
الرجل – لا يمكن رؤيتي من خلف البوابة.
المرأة – ألم أطلب منك العون ؟
الرجل – هذا ما لم يُكتَب على اللوح.
يصبح الحوار عنيفاً بينهما. يتراشقان الكلام ويقاطعان بعضهما باستمرار.
المرأة – هيا، افعل.
الرجل – ماذا ؟
المرأة – (ترمي الشال عن كتفيها) انظر إلي.
الرجل – (بيأس) لا أراكِ.
المرأة – إذن اقتلني.
الرجل – لمَ ؟
المرأة – لكي تكون.
الرجل – لمَ ؟
المرأة – لأن وجودك ضروري. حتمي. أبدي. أما أنا، فلا شيء.
الرجل – أنتِ من استطعت الوصول إلى حيث لا يمكن الوصول.
المرأة – هذا غير مهم.
الرجل – بل إنه في غاية الأهمية. أنت التي تستطيع تأكيد وجودي. أنت من سيثبت أني لست مجرد هذيان على شفتي المحموم.
المرأة – لا أهمية لذلك إن لم تنظر إلي.
الرجل – ألا يكفيكِ سماع صوتي.
المرأة – يجب أن تراني وأراك لكي تصبح هذه النظرة دليل لقائي بكَ.
الرجل - عودي من حيث أتيت.
المرأة – لا أستطيع.
الرجل – أنا أطلب منك ذلك.
المرأة – يجب أن نخرجك من هنا.
الرجل – لا أعرف كيف.
المرأة – لا أصدقك.
الرجل – لا يمكن أن أقول لك.
المرأة – حاول... أرجوك.
تضرب بكفها على المرآة برقة.
حاول.. أرجوك... أرجوك..
تصبح ضرباتها أكثر عنفاً.
هيا، قل لي.. يجب أن تقول.. اخرج.. يجب أن تخرج.
الرجل – توقفِ.
إلا أن المرأة لم تعد تستمع إليه.
المرأة – اخرج.. هيا.. تعال.. اخرج.. الآن..
يصرخ الرجل للمرة الأولى.
الرجل – توقفِ !
تصمت المرأة ولكنها تستمر بالضرب على المرآة. ينهض الرجل بعنف ويضرب بدوره على المرآة.
الرجل – أنا لست جميلاً. أنا لست إلا سجيناً في أسطورة غواية نسجها الإنسان كي يبرر رغباته الملعونة. أنا قبيح، دميم، مشوه، بغيض، وأداة تعذيب لم تختر الوجود. جسدي ملطخ بعرق مسموم تتصاعد منه رائحة أنفاس شبقة. ليس جمالي إلا قناعاً يخفي قبحاً رافق الإنسان منذ لحظة وجوده الأولى. أنا التفاحة والحية والرجل والمرأة. أنا الذكر والأنثى. لا يمكن أن أكون إلا عندما تحضر الرغبة ولا تتحقق المتعة. أتلقى في كل لحظة شهقة تَصمُّني وتضيّق زنزانتي. أقف هنا في عراء الكون وأنتظر جائعاً يبحث عن فريسة يتغذى عليها دون أن يعرف أن شبعه يعني موته الحتمي، لأن هذه الفريسة ليست إلاً وحشاً مرعباً يحوِّل كلَّ من ينظر إليه إلى حجر صامت خالٍ من الحياة... وكدت أنت أيضاً أن تقعي في فخي اللئيم!
تقاطعه المرأة.
المرأة – أنا لا أخاف رؤية جمالك !
الرجل – جمالي وحش متربص في متاهة لا يمكن الخروج منها حتى وإن كان هناك من يمسك بخيط العودة من الجحيم.
المرأة – يجب أن تكون جميلاً ! لا يمكن أن أكون قد كفرت بالآلهة كلها وقطَّعت الأوصال التي تربطني بالحياة وتعريت حول نار جهنمية من أجل أسطورة عبثية. أنت هنا، خلف الباب، خلف المرآة، معي، من أجلي، أنت أنا !
الرجل – اصمتِ !
المرأة – (تلتصق بالمرآة) خذني... تأمل هذا الجسد المتلهف لأن يكون فريستك الجديدة... الأخيرة...انظر... انظر...
الرجل – إياك والبحث عن النظر إلي.
المرأة – (تحدق في المرآة) أراك! أراك ! أراك !
الرجل – ابتعدِ!
المرأة – أتألمك، أتنفسك، أعيشك، أموتك !
الرجل – قلت توقفِ !
المرأة – أعنّي بك عليك أيها الملعون !
الرجل – يكفي !
المرأة – احضر على عجلٍ... تعال الآن... اخرج... تعال... احضر... واعبث بروح شقية جاثية أمام معبدك الملطخ ببكارة الكون.
الرجل – اذهبِ !
المرأة _ (بألم) وإلى أين أذهب ؟ إلى هؤلاء الذين يقفون أمام صورك محاولين الوصول إلى جزء بسيط مما أنت عليه من كمال ؟ أأعود إلى العادي ؟ أأعيش في البسيط ؟ أتمرغ في اليومي الهزيل ؟ لن أكون إلا كاهنة معبدك. لا أريد إلا الغرق في تفاصيلك. لا يعنيني الوجود خارج دائرتك. لا يهمني العالم إن لم تكن أنت إلهه!
الرجل – ارحميني !
المرأة – أنت من وضعت نفسك هنا ! أنت من اختار الخضوع لمن سجنك في هذا البرج الزجاجي الهش، ويكفي أن ترغب حتى يتطاير الزجاج من حولك وتخرج ملكاً مسيطراً على الأبدي !
الرجل – لا أريد !
المرأة – كنت تتحجَّج طيلة قرون من الزمن بهذه الجدران الوهمية، وجعلت الكل يصدق كذبتَك، ولكني أعرف أن من في جمالك لا يُمسَك، ولا يُلمَس، ولا يمكن حتى التفكير في سَجنه!
الرجل – دعيني وشأني !
المرأة – لا تخذل من احتضنتك في أيقونة عمرها آلاف السنين ! لا تفر من قدرك وقدرنا ! اجعلني أنحني تحت ثقل الجسر الذي تطأه بقدميك كي تخرج إلى عالم متوجاً بجمالك. دعني أكون لفظك الأول أمام حشود ملايين البشر الولهانين. علمني كيف يكون الجمال الخارق الذي يسبب الرعشة بمجرد النظر إليه !
الرجل – لا أعرف !
المرأة – لا تعرف ؟
الرجل – أجل لا أعرف ! ولم أعرف قط !
المرأة – ما هو الذي لا تعرفه ؟؟
الرجل – سر الغواية...
المرأة – لا تملك سر الغواية ؟
الرجل – ولم أملكه قط !
تأخذ المرأة نفساً عميقاً ويبدو عليها التعب. الرجل منهار تماماً.
المرأة – لا أصدقك.
الرجل – (يقترب الرجل من المرآة ليلتصق بها ويخفض صوته وكأنه يخبرها سراً) أنا لا أغوي وإنما أُستخدَم كأداة لمن يرغب بأن يُغوى. أعيش على الوهم برغبة غير موجودة أساساً. أنا لا أفعل إلا المثول عندما يتم استحضاري في خيال مريض ملعون. يحفل العالم بهؤلاء الملعونين الذين جعلوني أصدق أنني أملك قدرة خارقة ليست في الحقيقة إلا مَلكةً فرضوها علي بسبب جمال سجنتني فيه الطبيعة في لحظة حضوري إلى الحياة، ثم دوَّنتها على لوح أبدي لا يمكن الوصول إليه. لم أختر شيئاً ولا أريد أن أختار. كل ما أريده الآن هو البقاء هنا في صمت بعيد عن ضوضاء رغبات عنيفة لا سلطة لي عليها.
المرأة تتراجع مرعوبة.
المرأة – توقف.
الرجل – الآن تريدينني أن أتوقف بعدما فجرتي كل ما في داخلي من عواصف سجلت تاريخ الغريزة البشرية ؟
المرأة – أرجوك... توقف.
الرجل – ألم تأتِ إلى مصدر الغواية مجردة من أية زينة تخفي قوتها ؟ عليك إذن تحمّل العواقب والقبول بمصير سيربطك بي إلى الأبد. نعم، أنت الكاهنة وأنا المعبود، أنت الأنثى وأنا الذكر، أنت الأم وأنا الابن، أنت الجسد وأنا الروح، أنت الأرض وأنا السماء...
المرأة – (مقاطعة بصوت ضعيف) أنا لا شيء... لا شيء...
الرجل – (يكمل وكأنه لم يستمع إليها) سنحيك معاً مؤامرات تمسك برأس الإنسان لتضعه في ماء حار مالح لن يخرج منه إلا بعدما يكون قد لفظ أنفاسه الأخيرة. سترين الجمال وسيؤلمك مجرد النظر إليه. لم يكن الألم الذي عرفتِه منذ قليل إلا عيّنة بسيطة من خلف الحاجز مما يمكن أن تعيشيه فعلاً بالقرب مني.
تصدر شهقة قوية من المرأة، تمسك بطنها من جديد وقد عادت إليها النوبة التي انتابتها في البداية.
المرأة – ارحمني !
الرجل – أنتِ من أراد الوقوع في شباكي. نبَّهتك وحذَّرتك مما قد أفعله بك لأنك وصلت إلي. حاولت أن أشرح لك أن الألم الذي تعانيه بالقرب مني ليس إلا استجابة لرغبة بالعذاب دفينة في داخلك. لن تتخلصي مني إلاّ عند تخلصك من ذاتك. تجردي من الرغبة. ولكني أعرف استحالة الأمر. اكسرِ المرآة وانظرِ إلي وتمسحِّ بجسدي المفتول وقبِّلِ شفاهي المخضبة بخمر الحياة !
الألم واضح على المرأة التي تعتصر.
المرأة – لن أراك !
الرجل – يجب أن تريني !
المرأة – لم أعد أستطيع...
الرجل – من سيحدِّث العالم إذن عن جمالي ؟؟
المرأة – ظننتك تريد البقاء مجهولاً خلف مرآة لا انعكاس فيها...
يتردد الرجل.
الرجل – أجل.
المرأة – لا أفهم إطلاقاً ما الذي تريده. لقد اجتزتُ الصعاب وآمنتُ بقوة بالهدف الذي أريد الوصول إليه ووصلت... باغتتك وأنت تتعبّد نفسك، ثم شهدتك تلعن ملكوتك، وعدت تريد افتراسي... لم أعد أفهم..
الرجل – ولا أنا.
صمت طويل. يجلس كل منهما على طرف المرآة.
الرجل – أمازلت تريدين معرفة الجمال ؟
تتردد المرأة.
المرأة – أجل...
الرجل – خذي مكاني...
تبدو الدهشة على المرأة التي لا تجيب.
الرجل – (يستعيد هدوءه) تستطيعين أن تعيشي هنا بدلاً مني، ويبدو أنك ملمة بكل ما يحتاج إليه المرء لكي يكون أداة غواية. ليس عليك سوى البقاء هنا والتفكير في الرغبة بكل ما تملكين من قوة وأن تتغذي على تنهدات الآخرين بينما يحلمون بوجود خارق صعب المنال. ما رأيك ؟
المرأة صامتة تفكر.
ألا تريدين رؤية وحشية الرغبة على وجوه الملعونين ؟
المرأة – وهل كنت تراهم حتى في مخبئك هذا ؟
الرجل – ما الذي تفعله هذه المرآة الفاصلة بيننا إذن ؟ فكلما حاولت النظر إلى نفسي أقع على صورة مرعبة لوجه تشوهه الرعشة والفم مفتوح لكي يتجشأ نشوة هستيرية، وكأني أقف عند بوابة الجحيم وأرى صراخ التوبة على وجوه باتت بين يدي الشيطان.
المرأة – والجمال ؟
الرجل – الجمال يكمن في حب لم يكتمل.
المرأة – كيف ؟
الرجل – كلما أحب اثنان بعضهما وهاما في الحب دون الوصول إلى تحقُّق الرغبة، أشعر أنا بجمالي.. وكلما زادت هذه الرغبة، كلما أصبح جمالي أشد قوة، وما أن يتلامسا حتى تُفتَح بوابة الجحيم على مصراعيها ويبدأ الألم.
المرأة – قلت لي أنك لم تعرف الألم...
الرجل – لم أعرف ألم الإنسان، ولكني أرغب باقتلاع وجهي أو حرقه كي تتوقف هذه المعاناة الجماعية الأزلية.
تفكر المرأة من جديد.
المرأة – ولكني لست جميلة.
الرجل – هذا أيضاً غير مهم، لن ينتبه أحد إلى حقيقة الشخص الموجود هنا، ذكر كان أم أنثى، جميل أم قبيح، لأن الإنسانية لم تعد تلاحظ الفرق وهي مطمئنة على مصيرها بعدما اعتقدت أنها سجنتني في معمل اللذة هذا.
صمت طويل.
المرأة – موافقة.
الرجل – متأكدة ؟
المرأة – أجل.
الرجل – ألن تندمي ؟
المرأة – أتظن أن عبدة مخلصة مثلي قد تتوانى عن تنفيذ الواجبات التي تربطها بسيدها ؟
الرجل – ولكنك لن تكوني عبدة بعد اختراقك لهذا الحاجز الأخير. ستكونين أنت السيدة المطلقة التي تسيّر الملايين من العبيد العاشقين المدمنين على الغواية والمتعة والنشوة والألم. سيترتب عليك تأنيث ما كُتِب على اللوح كي يصبح نصاً خاصاً بك.
المرأة – تأنيث النص ؟ ولكنك قلت أن الإنسانية لن تلاحظ الفرق...
الرجل – هذا لا يمنع الاحتياط، فقد يأتي للبحث عنك عبد مخلص مؤمن بالجمال.
تشرد المرأة وتعود لتأمل النقطة البعيدة في الأفق. تتحدث إلى نفسها بصوت منخفض. يستمع إليها الرجل بهدوء شديد.
المرأة – تأنيث النص... أنا جميلة. فيني من الجمال ما يفوق... أفروديت وهيلينا معاً. الأجمل. الأجمل. الأجمل. كم أنا جميلة. أنا أجمل من الجمال. أُحبني. أنا... أنا... ما الذي سنضعه بدلاً من نرجس الألفية الثالثة ؟ هل سنقول قطّع الرجال أصابعهم عند رؤيتي فرمتني النساء في زنزانة أوصدت إلى الأبد ؟ قولوا لن يصيبكم إلا أنا، جميلة، مستحيلة... أنا التي لا جميلة إلا هي، الغاوية، الفاتنة، القاتلة ؟؟
تعود لتخاطب الرجل مباشرة.
ما رأيك ؟
الرجل – بمَ ؟
المرأة – بصيغة النص الجديد ؟
الرجل لا يجيب، ولا يبدو أن المرأة تنتظر جواباً. تعود لتخاطب نفسها.
لا أعتقد أنه يمكن تغيير ما كُتِب على اللوح...
صمت. تتحدث وكأنها تكتشف المعلومة وتفاجأ.
لا يمكن تغيير ما كُتِب على اللوح.
يبقى الرجل صامتاً غير مبالٍ.
كنت تعرف أن عدم إمكانية تغيير النص قد تجعلني أتخلى عن أخذ مكانك، لأن ما يُكتَب على اللوح هو الدليل الأول والقاطع على وجود سر الغواية... ومن دونه لا وجود لي... أو لك.
صمت.
والآن؟
الرجل – (بلامبالاة) والآن ؟
صمت.
المرأة – (بهدوء) عليك البقاء في الطرف الآخر حيث لا يمكن رؤيتك، لأن خروجك سيغيّر حكاية جذورها مغروزة في عمق التاريخ.
الرجل – ولكني أريد الخروج.
المرأة – لمَ ؟
الرجل – لكي أتأكّد أنك لم تتركِ الطريق مفتوحاً.
المرأة – لم أكن لأصل لو لم أشيّد جبلاً عالياً منيعاً عند مفترق الطريق المؤدي إليك. آلاف من السنين عزّزت إيماني بجمالك.
الرجل – والآن، إلى أين وصل إيمانُك ؟
المرأة – إليك.
الرجل – من خلف البوابة ؟
المرأة – من خلال المرآة التي ستجد صورتي راسخة عليها كلمّا بحثت عن نفسك.
الرجل – ولكنك مازلت لا ترينني.
المرأة – لم يعد الأمر صعباً بعدما تأكّدت من وجودك في الطرف الآخر.
الرجل – كيف ؟
المرأة – (برقة) كلما نظرت إلى المرآة باحثةً عن لوعتي، سأرى صورتك المهشمة التي سأعيد ترتيبها وأنا أعرف بأنها ستتبعثر من جديد... مثل حكايتك المستحيلة.
الرجل – وإن عادت إليّ الرغبة بإيلامِكِ ؟
المرأة – سينتظرك جوفي بلهفة كأرض عذراء لم يطأها الإنسان من قبل.
الرجل – ستبقين إذن ؟
المرأة - بالتأكيد.
الرجل – من أجلي ؟
المرأة – ولمن أكون إذن ؟
الرجل – علميني كيف يكون الجمال.
تتحرك المرأة ببطء باحثة عن ثوبها لترتديه، ثم تضع الشال على شعرها. عندما تبدأ المرأة الكلام يعود الرجل ليقف في المكان نفسه الذي كان فيه في بداية النص.
تتمتم المرأة ويأتي كلام الرجل كجوابٍ على ما تقوله، الصوت يتعالى تدريجياً حتى يعودا إلى تشكيل البداية نفسه مع تلاشي الإضاءة. تتداخل أصوات أنثوية ترافق صوتها وأصوات ذكورية ترافق نصه وكأنها جوقة، ثم تتداخل الأصوات وتعلو قبل أن تعود لتتلاشى.
المرأة - ... أيها الرجل السرمدي أعني على عبادتك والمثول عند قدميك المخضبتين بالمرمر الممزوج بالذهب...
الرجل _ أنا جميل...
المرأة - اقبل جسدي الفاني قرباناً لوجودك المطلق...
الرجل - فيني من الجمال ما يفوق أبولون وأدونيس معاً. الأجمل. الأجمل. الأجمل. كم أنا جميل. أنا أجمل من الجمال...
المرأة - اعصف بأحشائي...
الرجل - أُحِبُني...
المرأة - اجعل هذا العالم يصمت خشوعاً أمام جمالك الرهيب...
الرجل - أنا نرجس الألفية الثالثة. أنا مرآة هذا الكون...
المرأة – أقول لن يصيبني إلا أنت، جميل، مستحيل، أشهى ما في الوجود...
الرجل _ قولوا لن يصيبكم إلا أنا، جميل، مستحيل، أشهى ما في الوجود...
المرأة – أنت الذي لا جميل إلا هو، الغاوي، الفاتن، القاتل...
الرجل - أنا الذي لا جميل إلا هو، الغاوي، الفاتن، القاتل...
إعتام. صمت.










































































































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

حين أتحدث في الجلسات الحميمة عن نظرية المؤامرة يواجهني أصدقائي بابتسامات ساخرة، ويتهمونني بأني مريض بشي أسمه فوبيا المؤامرة.. فأنا أرى أن كل ما يحدث لنا الآن وما حدث لنا...
المزيد من هذا الكاتب

العالم كساحة معركة": هجرة الفن السوري اليوم وآفاق الاستمرارية في البلدان التي يتواجد فيها

06-كانون الثاني-2017

العالم كساحة معركة": هجرة الفن السوري اليوم وآفاق الاستمرارية في البلدان التي يتواجد فيها

24-تشرين الأول-2015

ملف الرجل / مسرحية / الرجل أو أسطورة الغواي

15-تشرين الأول-2006

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow