Alef Logo
دراسات
              

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

ألف

2017-08-12

العقل ذلك الجوهر الذي اختلفت الآراء حول ماهيته الذاتية كما اختلف في موضوعيته الخارجية بين مقدس للقوى العقلية وقدرة هذه القوى لبلوغ الإدراك ومن ثم تحصيل العلم بالأسباب ,وبين مقلل لدور العقل ومهمش لفاعليته في بلوغ الأحكام ومن ثم إضعاف دوره في تحصيل العلم.
هذا الاختلاف ليس هو الوحيد في تناول العقل أداة علمية يتحصل بها العلم وتدرك بها المنقولات والمحسسوات بل الاختلاف تناول مكونات العقل المعرفية والمكونات الذاتية التكوينية له ففي مكونات العقل المعرفية دار الاختلاف حول البيان والبرهان والعرفان .ففي البيان كان الاختلاف الشديد بين الأصوليين والفلاسفة يدور بين عنصري البيان نظام البيان ونظام العقل كما نشب الخلاف على مسألتي
العقل والوجود ومشكلة الكليات.
هذا كان فيما يخص البيان أما الاختلاف في العرفان فلم يكن اقل مما في البيان فدار الخلاف عن الحقيقة بين التأويل والشطح، وعن المماثلة، وعن النبوة والولاية وغيرها مما تناول أهل العرفان والتحقيق تناول بحثي في الأصول العرفانية والصوفيات والمقولات المنطقية وغيرها من مباحث العرفان.
لو تخلو مباحث البرهان وهي أكثر مباحث المعرفة العقلية من تنازع واختلاف في الكليات والجزئيات فيما يخص المعقولات والألفاظ، والواجب والممكن، والنفس والمعاد فكانت ان أغنت الاختلافات في الرؤى ووجهات النظر هذه المباحث فأضحت لدينا مدارس فكرية تتميز الواحدة عن الأخرى بمميزات تبعا لوجهة النظر التي تتبنها هذه المدرسة أو تلك وولدت مناخا علميا ثر فيه الكثير من العلمية والنشاط الفكري الذي يدل على حركية وقدرة الفكر على الانطلاق, لولا عوامل الحرية وضيق الأفق لدى البعض ممن يمتلك القدرة على التحكم في الأجواء العامة لكان اليوم المتحصل الفكري أعظم بكثير مما وجد على ارض الواقع.
ان ما يهم البحث أولا وقبل الدخول بالمتشعبات ان نفهم معنى محددا للعقل ندلف من خلاله إلى مبحث العقل الكلي والجزئي ومن ثم الوظيفة العقلية وأخيرا التعقل باعتباره نشاط العقل المتصل بالعلم والإدراك والتصديق ,فلابد إذن ان نعرف معنى العقل أولا.
كما في العلم نجد أنفسنا في تيه فكري ونحن نحاول بناء هيكل معرفي نحدد به معنى العقل فنجد الصعوبة في الإحاطة بمعنى العقل لا ذاتيا ولا من خلال الوصف الخارجي له ولعلَّ مَرْجع هذه الصعوبة اختلاف اصطلاحات العلماء في تحديد معناه، نظراً لكونه اسماً مشتركاً يُطلق على عدد من المعاني، وهذا ما ترجمه الغزالي رحمه الله تعالى بقوله: (وكذلك إذا قيل: "ماحَدُّ العقل؟ " فلا تطمع في أن تحدَّهُ بحدٍ واحد، فإنه هَوَس، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معانٍ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية، ويطلق على الغريزة التي يتهيّأ بها الإنسان لدَرْك العلوم النظرية، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى إنَّ مَنْ لم تحنّكه التجارب بهذا الاعتبار لا يُسمَّى عاقلاً، ويطلق على مَنْ له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه، وهو عبارة عن الهدوء فيقال: " فلان عاقل " أي فيه هدوء، وقد يطلق على مَنْ جَمَعَ العمل إلى العلم حتى إنَّ المفسد وإن كان في غايةٍ من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلاً…، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود(المستصفى من علم الأصول للغزالي).
ان كثرة المفردات المعرفية التي تتشابه بالهدف الذي تسعى إليه جعل من تلك المفردات تتشابه بالدلالات ولم يتحرج البعض من استعمال البعض بدا البعض فالعلم, والحكمة, والعقل, والعمل معان متشابكة يؤدي بعضها إلى بعض, وقد أشار أبو بكر بن العربي إلى هذا التداخل بين هذه المعاني في صورة واضحة رائعة في مبناها ومعناها, فقال: وليس للحكمة معنى إلا العلم, ولا للعلم معنى إلا العقل, إلا أن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم وفائدته, ولفظ العلم مجرد من دلالة على غير ذاته, وثمرة العلم العمل بموجبه, والتصرف بحكمه, والجري على مقتضاه في جميع الأقوال والأفعال, وبناء "عقل" يقتضي أن تجري الأفعال والأقوال على قانون فلا يسترسل في الممكنات, وكذلك بناء "حكم" مثله في اقتضاء ذلك .
فالعقل يمكن ان ندرك حدوده باعتبار الوظيفة أو باعتبار التكوين وهو عندي أفضل ما يمكن ان نفهم به العقل فالاعتبار الوظيفي((ما هو إلا نتيجة ووظيفة لعضو جسدي هو الدماغ فالدماغ لكونه هو الذاكرة الفردية الفاعلة من داخل البدن تقوم بخزن وتحويل المعلومات المخزنة وترجمتها إلى ردود أفعال وأفعال تسيطر بدورها وتوجه النفس كحالة تحصيلية وللبدن كحالة عضوية مسايرة للأوامر العقلية وبالتالي فان أي نشاط بدني محكوم بفاعلية العقل وقواه الحسية بما فيها الاستيعاب والإدراك والتفسير ومن ثم تأتي وظيفية التمييز ووظيفية التميز هي مدار وحاكميه الإيمان عند الإنسان ولذلك كان مدار المسائلة على التكليف هو القدرة التميزية للعقل باعتباره وظيفة دماغية بدنية صرفة))كتابنا سفر الروح والنفس والعقل .منشورات مركز الولاية2009.
وقريب من هذا التعريف المادي قول بن حزم(قال ابن حزم رحمه الله تعالى: (وقد بينا أن حقيقة العقل إنما هي تمييز الأشياء المدركة بالحواس وبالفهم، ومعرفة صفاتها التي هي عليها جارية على ما هي عليه فقط …، فأما أن يكون العقل يوجب أن يكون الخنزير حراماً أو حلالاً، أو أن يكون التيس حراماً أو حلالاً، أو أن تكون صلاة الظهر أربعاً وصلاة المغرب ثلاثاً … فهذا لا مجال للعقل فيه لا في إيجابه ولا في المنع منه، وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لأوامره، ووجوب ترك التعدي إلى ما يخاف العذاب على تعديه والإقرار بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ولو شاء أن يحرم ما أحل، أو يحل ما حرم لكان ذلك له تعالى، ولو فعله لكان فرضاً علينا الانقياد لكل ذلك ولا مزيد)( ‏الإحكام لابن حزم1/29.).
فالاتجاه المادي الذي يفسر العقل من خلال الوظيفة التكوينية له يستند إلى خاصية مهمة في العقل وهي خاصية الإدراك والتعقل فلا يمكن ان يكون للعقل إلا هاتين الوظيفتين وهما التعقل كنتيجة والإدراك والتميز كطريق فإذا انقطع الوصل بين الوظيفتين انقطع عمل العقل الأصولي فكما ان الإنسان يدرك ويميز الأشياء والمحسوسات والمدركات الشيئية والنقل لكنه لا يتعقلها أي لا يحولها إلى علم نظري مستلزم العمل التطبيقي فان فعل هذا أو حدث له فيوصم بغير العاقل.كما ان المتعقل بدون إدراك للمحسوسات والتميز بين الأشياء إنما يكون عقله عن توهم أي مبني على لا شيء فهو إنما يتوهم عقله فيكون علمه علم وهمي لا حقيقة تسنده ولا علم يؤيده.
ان هذا الاتجاه المادي يتطور عند فئة من المسلمين الذي يعتقدون ان العقل صحيح هو مناط الإدراك والتمييز إلا انه حجة باطنة يستلزم لها حجة ظاهرة تترافق معها وتستند إليها((وأما ما ورد عن آل البيت عليهم السلام من نحو قولهم: " إن دين الله لا يصاب بالعقول " فقد ورد في قبالة مثل قولهم: " إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول "، والحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين هو: " أن المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام ومداركها في قبال الاعتماد على القياس والاستحسان لأنها واردة في هذا المقام، أي: أنَّ الأحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال، وهو حق كما شرحناه سابقاً ومن المعلوم أنَّ مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو دعوى أنّ للعقل أنّ يدرك الأحكام مستقلاً ويدرك ملاكاتها، ومقصود مَنْ يعتمد على القياس هو دعوى أنَّ للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس، وهذا معنى الاجتهاد بالرأي، وقد سبق أنَّ هذه الإدراك ليست من وظيفة العقل النظري ولا العقل العملي لأن هذه أمور لا تصاب إلا من طريق السماع من مبلَغ لأحكام) (أصول الفقه لمحمد رضا المظفر 12/131.).
أم أساس الاختلاف إنما يقوم على وظيفة جزئية من وظائف العقل ألا وهي هل للعقل أنّ يدرك الأحكام مستقلاً ويدرك ملاكاتها وما يستنتج من ذلك من أصول اجتهادية تتوصل بها العقلية المجتهدة لملاك الأحكام كالقياس أو الاستحسان وغيرها,ان موضوع علاقة البحث هذا بالعقل لا يلزمنا ان نتعمق في دراسة العقل من جميع جوانبه وإنما ينحصر في كيفية الاستدلال على الموجد الأول بالعقل واثبات هذا الاستدلال عقليا.
نبدأ أولا من حيث انتهى الغرب من كيفية فهمه لدور العقل في إثبات الوجود للموجود الأول وخاصة أثناء حلول عصر النهضة في القرن الخامس عشر ولهذا فقد شُلت الحركة الفكرية في أوروبا زمنا طويلا إلى أن جاء القرن الخامس عشر وبدأ المفكرون ينفضون عن الناس غبار جاهلية البابوات وطغيانهم فنادى " مارتن لوثر" بحركته لإصلاح الكنيسة سنة 1483م- 1546م واعتبر صكوك الغفران من وسائل الذل والعبودية التي يجب أن تنتهي ثم جاء بعده كالفن سنة 1509م – 1564م على نفس الاتجاه ورغم أن حركة لوثر ومن سار على طريقته غيرت كثيرا من المفاهيم الخاطئة واعتبرت العقل مصدرا من مصادر الفهم أيضا إلا أنه يلاحظ أن تلك الحركات لم تتحرر من تعاليم الكتاب المقدس بل جعلته مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان وله الكلمة الأخيرة ولو خرجوا عن هذا لكانوا على جانب من الإصلاح والتحرر من الخرافات.
عرفت مما سبق أنه إذا كان للغرب من وجهة نظرهم ما يبرر قيامهم بالثورات على الدين ,والمقصود به الدين النصراني بطبيعة الحال ,ولهم ما يبرر قيامهم بالثورات على رجال ذلك الدين ولهم كذلك ما يبرر نشوء مختلف المذاهب الفكرية بينهم إذا كان لأولئك مبررات في كل ذلك سواء أكانت مبررات مقبولة أو غير مقبولة فما هو المبرر لقيام تلك الأفكار والمذاهب في بلدان من أغناهم الله بالإسلام وشهد له إعلام الغرب من الموافقين ومن الحاقدين بأنه خير دين ينظم الحياة كلها وأن تعاليمه ونظمه فيها السعادة وحل كل المشكلات بطرق لن يهتدي إلى مثل عدالتها أحد من البشر؟!!.
المهم في الموضوع ان الخروج بالعقل إلى فضاء الحرية لكي يلعب دورا خصه المكون له فلا حرية بلا عقل ولا عقل سليم دون حرية متاحة فتلازم الحرية مع العقل تلازم ضرورة وتلازم للارتقاء فلو ان العقل قد حوصر بالمحددات المانعة والمقيدة ستجده عاجزا عن إدراك الكليات والجزئيات إدراك مقيد متقوقع بين الضن والجزئية كما هو حال الفكر ألتعقلي والمعرفة المنتجة في عصور الظلام والانحطاط كما بينا في الفقرة الماضية.
أما العقل الذي تتوفر له الممكنات من العمل كالحرية وبيئة تساعد على الإنتاج الفكري والمعرفي وهو مراد بحثنا فإننا نجد ان العقل ما هو إلا نوعين أو قسمين من نوع واحد حسب الذاتية التكوينية وان لم يقل به احد من المفكرين الاسلامين الأصوليين منهم والاخبارين إلا ان تطور المعرفة والعلم التجريبي وفق الأسس البحثية الحديثة نجده ينقسم العقل إلى شقين: الواعي واللاواعي وقد تعددت الأسماء للاواعي فهو (اللاشعور، الباطن، التحتي..).كما صرح العالم النفسي " جورج أ. ملر " من جامعة " هارفارد" في الدراسة التي أجراها عام 1956 أن العقل الواعي قادر على استيعاب أكثر من سبع معلومات ( ايجابية،سلبية) في لحظة ما.. أي أن سعة العقل الواعي محدودة.وذلك لان العقل الواعي أكثر ارتباط بالمدركات المتحصلة من الملاحظة والتجربة والنقل بطريقين السمع والبصر وهما أيضا موضوع خلاف علمي لجهة قدرتهما على الإدراك والتميز كوسيلة من وسائل العقل للعلم وتحصيل المعرفة مستندين إلى مصادر معرفية نقليه أولها نصوص قدسية من القرآن ن والسنة الشريفة وثانيها تنظير فكري أساسه فكرة الحسن والقبيح والثواب والعقاب و والنزاع في القدر والجبر والاختيار والصفات.
أمّا العقل اللاواعي ففي إمكانية استيعاب ما يزيد عن 2 بليون معلومة في الثانية. وفي الواقع يحتوي العقل اللاواعي على جميع ذكرياتك وبرامجك منذ كنت جنينا في الرحم، أي أن للعقل اللاواعي قدرة على استيعاب لا محدودة على الإطلاق. فكيفية برمجتك للاتصال خلال فترة الصبا والشباب لازال موجودا في عقلك اللاواعي خلال المراحل المتقدمة من العمر، وأيضا ردود فعلك الاعتيادية تجاه أشياء معينة وتصرفات محددة. باختصار إن هذه البرامج الموجودة منذ أمد طويل هي التي تحدد طبيعة سلوكك.وهذا ما يسميه العلماء بالذاكرة وهي الكم المتراكم من المعرفة العلمية وغير العلمية التي يعقلها الإنسان منذ ان خلق وحتى فترة استدعاءها للعمل وهي وان كانت من نشاط العقل لدى الإنسان إلا أنها تتميز عن العقل الواعي في نقطتين هما:
· أنها تعمل بشكل مستقل عن إرادة العقل دون ان تكون مما يؤثر في العلم والمعرفة الإنسانية إلا بالقدر الذي يطلبه العقل فهي لا إرادية في التكوين ولا إرادية في العمل.
· إنها غير فاعلية بذاتيتها المحض وان شاركت في طريقة تفكير الإنسان وتعقله إلا إنها تستوجب استدعاء جزئي لها في كل مرة أراد العقل ان يتحكم بموضوع معين أو فكرة ما,وهذا الخاصية تستبعد ان يكون العقل اللاواعي مصدر أصلي من مصادر العقل في الإدراك والتمييز.
ان تميز العقل الواعي بميزة التحكم والانتقائية دون اللاوعي تجعل منه صالحا لان يكون مدار لأدراك الإثبات والنفي والتمييز بينهما دون الأخر فهو أكثر علمية وأكثر تصديقا وتميزا من العقل الباطن ولو ان البعض من المفكرين أعطى للعقل الباطن ميزة على العقل الواعي لاعتقاده انه أكثر توافقية من الوعي لبيان حقيقية الأشياء لقربه من طبيعة الذات البشرية وهذا القول وان كان فيه بعض السلامة في بعض الجوانب إلا ان حقيقة مسألة والاختيار والتحكم أجدر بالعقل من حقيقة التلقائية ألانضباطية الاختيار والتحكم وقربه من العلم الحقيقي وأسلوب تحصيل المعرفة الإنسانية ومنه نشأ الاختلاف في مسالة الجدل الدائر بين استحسان الحسن واستقباح القبيح وما شاكلتها من موارد الجدال عند الفقهاء وأهل العلم والمعرفة من والاصولين وخاصة في موضوع البيان والبرهان.
لقد كان المنطق كعلم معرفي تميز عن غيره من العلوم العقلية انه ذو مدى واسع في بيان المشكلات من خلال الفحص والعرض على العقل الواعي بوسائله العلمية فهو مثلا لا يقبل الاحتمال مقابل القطع ولا ألضني بمقابل المقطوع به وبشكل أدق فقد تمكن علماء الغرب من تفكيك المنطق القديم وغربلته وإعادة هيكلته، فخرجوا بالمنطق الرمزي الذي أنهى منطق الأشكال، وبين ان الأسس التي قام عليها المنطق القديم هي مبرهنات في المنطق الحديث. تطور الأمر إلى ظهور المزيد من المنطقات كالحدسي وألزماني والتوجيهي وغيرها، وذلك عن طريق ضرب الأسس نفسها سواء كانت بديهية أو مبرهنات، وانتهى الأمر إلى منطق الضباب الذي حول فكرة المنطق تماماً فصار المنطق لا يهتم باليقين، بل وضرب بالأسس القديمة عرض الحائط.
هذا هو حال التفكير في الفكر الإسلامي خارج نطاق الأصول الأصيل، واستمر الحال على ما هو عليه في العصر الحديث. فقد استعادت الحركة الإصلاحية مع محمد عبده الفكر الاعتزالي والفلسفي مع القبول بالعلوم المستجدة والاستفادة منها، وبقيت المذاهب الأخرى، لا سيما الأشعرية، على ما هي عليه، تراوح مكانها، وتجتر منطق أرسطو ولا تقبل بغيره. وهناك محاولات لاستعادة دور المعتزلة يتمثل في حركة المعتزلة الجدد، برفض علم الكلام والمنطق الأرسطي واستبدله بمفهوم جديد للعقل عنده، يتمثل في تصور الفيلسوف كانت، وهو ان العقل هو ربط الإحساس بالواقع مع المعلومات السابقة. وهذا التعريف تأملي استبدل الانعكاس بالإحساس، واستبعد أي تفكير لا ينطلق من الواقع المحسوس، كالرياضيات والمنطق الذي لا ينتهي إلى الحس. المعتزلة الجدد هم تحرريون بعقيدة المعتزلة. لقد تخلى المسلمون عن الطرق العملية للبحث والتفكير التي كان يتسم بها أصول الفقه، واستبدلوها بما ينتج لهم اليقين ويقبض لهم على الحقيقة الثابتة. لكن البحوث الحديثة تدلل على ان طريقة الأصول هو الصحيحة وهي الأقرب إلى الواقع، وهذا هو حال الفقه الإسلامي، فقه عملي متعلق بتفكير البشر الواقعي، وهو متغير متوسع، يتميز بالمرونة والتداخل، واعتماد الحدس والخبرة.
لقد مزج المنطق الحديث بين الوعي واللاوعي بين العقل الباطن والظاهر امتزاج أريد منه الوصول إلى الحقيقة الوجودية بكل الوسائل الوجودية الإدراكية ومنها المعرفة بشتى فروعها طالما تتبنى موضوع الثابت دون المتحول والقطعي دون المحتمل وان برزن محاولات فكرية تبدو في ظاهرها متعارضة مع أصول المنطق القديم والحديث إلا أنها تساعد في فهم البعض من الإشكاليات المعرفية ومنها معنى ووظيفة العقل ومنها ما يدعيه واضعيها بأنها النظرية الحدسية التي ملخص مضمونها يؤكد على ان الإنسان البالغ يتذكر ويفكر بشكل ضبابي حدسي، وان هذه العمليات تحدث مستقلة عن بعضها. تبحث هذه النظرية في طرق التعلم والحكم واتخاذ القرار، وفي الذاكرة الخاطئة والنسيان والاستذكار، كما تبحث في فروق النمو المعرفي ما بين الأطفال والناضجين، وتدرس العوامل المؤثرة في ذلك، كالعمر والجنس والعصبية والعوامل الاجتماعية. يتميز التفكير بحسب هذه النظرية بأنه مائع ودينامي، ويعمل على المجملات دون التفصيلات، وبأنه متوازي وليس بالخطي كما هو حال المنطق، وبأنه ضبابي أو كيفي وليس بالدقيق كما هو الحال في المعالجة.ويتضح من مضمون النظرية ان عملية التعقل ما هي إلا نشاط نسبي إجمالي متوازي بين اليقين والشك وبينهما إرادة عقلية محكومة بالماورائية العضوية المتمثلة بالعمر والجنس والعصبية والعوامل الاجتماعية فالعلم اليقيني عند الطفل يختلف بتطور الزمن ويختلف ما هو علمي عند المتدين عما هو عند الملحد وبين الرجال والنساء كذلك يختلف بحقيقته ما بين الأمس واليوم, واني لأضن ان في النظرية ما هو قديم مستجد بقالب علمي فان الظروف الخارجية لها دور محوري في فهم وتعقل المدركات وفي أسلوب التميز بينها ومن ثم التصديق بها ولكن هذا لا يعني أبدا الحكم على كل الحقائق والعلوم الكونية بالنسبية فمن العلوم ما لا يقبل أصلا التفكر في الشك في حقائقه ومنها العلوم العقلية الصرفة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات القائمة على منطق الواحد زائد واحد يساوي اثنين وهذا هو منطق ديكارت مؤسس نظرية الشك في المعرفة.
ان جعل كل الحقائق نسبية والقول بتأثير الماحولية على العقل تزعزع الثقة بالعقل البشري وتوجد نوع من الأزمة الفكرية بمجمل العملية المعرفية والعقلية ومنها المنطق ذاته ,ان الاعتماد على الشك والنسبية يستلزم في أول الإدراك والتميز لكن في رأي غير ضرورية في عملية التصديق فطالما وصلنا للعلم بشيء من خلال العقل وتيقن العقل من الصوابية في النتيجة ليس له ان يبقى على الشك والنسبية في التصديق لان التسليم بهذا الحال يعني ان العقل لا زال في طور التعقل ولم يصل إلى اليقين القطعي وان لم يحضر الدليل المناقض.
لقد اختلف المسلمون من قبل وحتى اليوم في دلالة الفعل العقلي للإنسان هل هو موجود ذاتي مرتبط بالإنسان ككائن موجود أو ان الموجد الأكبر أو الموجود الأول هو الصانع لها بمعنى أخر هل ان الإنسان هو الذي يصنع قدره باختياره للفعل العقلي أم ان فعله مصنوع له وليس له إلا التصديق وإلزام نفسه وفق مشيئة الصانع وهو ما يعبر عنه بمبدأ الجبر والاختيار فانقسموا إلى جبريين قدرين والى اختيارين, ان النزعة العقلية هي التي كانت تسيطر على بحوث المعتزلة، حتى في قضايا الدين، بينما تمسك المحدثون بحرفية النصوص، سواء في ذلك القرآنية والنبوية. والطرفان أسرفا في تعصبهما لهاتين النزعتين وجرهما هذا التعصب إلى الأخطاء الكثيرة التي ظهرت في آرائهم في التوحيد والصفات والجبر والاختيار، وغير ذلك من المباحث التي كانت مسرحاً للجدل والنزاع بين الفريقين, وترك الطرفان مجموعة من المؤلفات حول معتقداتهم في الأصول الإسلامية وغيرها. وكتب عنهم مؤلفو الفرق والكتاب عشرات الكتب, والواقع الذي لا يمكن تجاهله أن لكل من الطرفين حسناته وسيئاته، فكلاهما قد أفسد وأدخل على الدين من البدع والخرافات ما يشوه وجهه ويسيء إلى تعاليمه ومبادئه، كما أصلح من ناحية أخرى أفادت الفكر وأكسبته قوة ومرونة في وجه الغزاة والمخربين، وتهيأ لكلا الطرفين بواسطة هذا الصراع الفكري نشر الثقافة الإسلامية، وتأليف الموسوعات العلمية والدينية الغنية بالفكر والعطاء الجزيل الواسع.
ومن المؤسف أن الباحثين في تأريخ الفرق والمتتبعين لآثارها من ناقدين ومؤيدين قد تجاهلوا أئمة الشيعة، وتلاميذهم الذين رافقوا تلك الآراء العلمية والمعرفية لان الشيعة لهم نظرية وسطية بين النظريتين تقوم على ان الاختيار والجبر ما هي إلا وجهتين متطرفتين , فالتحجير على العقول، وتحديد صلاحياتها يعتبر إساءة إلى العلم والى الدين والأمة، ولولاها لما نجحت دعوة الرسل، ولا تقدمت الأمم في جميع نواحي الحياة كذلك تقديس العقل واعتباره وحده مصدر العلم وان الدين ما هو إلا ما تعقله وقبل به العقل وان كانت من حسناته تحكيم العقل والمنطق في تعليل الحوادث وإرجاع الأمور إلى أسبابها الواقعية، هذا الأسلوب الجديد الذي أفاد الفكر الإسلامي قوة ومرونة على الجدل والنقاش، فاستطاع ان يصمد في وجه أولئك الغزاة المحاربين للإسلام عن طريق الدس في تعاليمه، وتشويش عقائده وتحويرها عن واقعها إلا انه في الوقت عينه أنكرت ان تكون المصادر النقلية ومنها المقدس المنزل تابعا للعقل في ضبط أحكامه لا اعتباره انه هو الضابط بذاته وما على العقل إلا إتباع النقل طالما ان العقل يستحسن الحسن ويستقبح القبيح ذاتيا وان المنقول المقدس قد جاء من الموجد الأول الذي أحكم كل شيء بعلم قطي غايته الإنسان والارتقاء بوجوده الكوني لأنه اعلم من الإنسان بالضرورة التكوينية فصانع الشئ اعلم بما صنع من المصنوع وهو المبدع الأول.
ومن أمثلة الاختلاف بين المدرستين وأنصارها وما تفرع عنهما من مذاهب ذلك القول بان أفعال الإنسان، فالمعتزلة قد ذهبوا إلى أن الإنسان موجد لأفعاله. قال الغزالي في كتابه الأربعين : «أن المعتزلة أثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلي، ونسبوا إليه العجز في ضمن ذلك».والمحدثون يدعون أن الأفعال مخلوقة لله سبحانه، ولا أثر للعبد في ذلك. أما الأشعري فقد ذهب إلى أن الله قد خلق الاختيار في العبد بنحو الكسب، والفعل المخلوق لله سبحانه مقارن لاختيار العبد، من غير أن يكون للعبد قدرة مؤثرة في ذلك الاختيار، ولا في مقارنة الفعل له.فهو مع قوله بان أفعال الإنسان من صنع الله سبحانه يقول بالكسب بهذا النحو ليصحح الثواب والعقاب، فقد وافق المحدثين، الذين التزموا بظاهر بعض النصوص القرآنية، وخالفهم في القول بخلق الاختيار، وان لم يكن مؤثراً في إيجاد الأفعال. وهكذا في أكثر المباحث حاول أن يوفق بين العقل والنقل، هذا المسلك الذي سلكه الأشعري في أبحاثه وأن كان من حيث النتائج يلتقي مع المحدثين، إلا ان اعتماده على العقل في التوصل إلى هذه النتائج لم يرض المحدثين، وسبب له تلك الهجمات العنيفة التي قام بها المحدثون، وعلى الأخص الحنابلة، وجعلتهم يعتقدون بان الأشعري لم يتحرر من مذهب الاعتزال، ولا تزال آثاره تسيطر على تفكيره، وتبرز في المنهج الذي اعتمده لإثبات آرائه التي أعلن عنها لأكثر من مناسبة. لذلك فقد لقي مذهب أبي الحسن الأشعري مقاومة من المحدثين بالرغم من وقوفه بجانبهم ضد الاعتزال وإتباعه، وأصبح هدفاً لطعنات المعتزلة والمحدثين معاً. وبالرغم من كل ذلك فقد ذاع وانتشر ولا سيما بعد مساندة الحكام له، ووقوفهم بجانبه.
أما رأي الشيعة فقد كان أكثر تقدمية وإنسانية من المدارس الفكرية الاعتقادية التي ذكرنا من جهة الاختيار ((فالناصية هي من تراكيب المخ البشري الذي هو جوهر الدماغ المسئول عن الوظائف العقلية وبه تتم عملية الاختيار والتمييز بين المتحصلات الحسية بوسائل هي الأوعية المادية الإذن والعين وبالأوعية المعنوية السمع والبصر وهي وظيفة عقلية نهائية قبل التنفيذ وتجسيد الاختيار والتقرير ومن ثم يكون النطق وتجسيد الاختيار بعمل أو قول أو فعل وهي بالمجمل يمكن ان نقول عليها العمل بالعلم أي مقرون العمل بالعمل المستند أما إلى الاختيار الصحيح الذي يتبع المنقول المعصوم((العلم ألنقلي السليم)) أو الاختيار الخاطئ المنبعث من هوى النفس وإرادتها((العلم الباطل)) وكلا العملين إنما يمران من خلال سطوة العقل السوي أو تضاؤل هذه السطوة وسيطرة الشهوات والغرائز التي من النفس الأولى والثانية وهذه الحقيقة أشار إليها الإمام علي عليه السلام وقد ذكرنا في محل سابق إذ يقول(العقل ملك والخصال رعيته ، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليه) والخصال هي السمع والبصر والفؤاد كذلك متكرر في قول أخر(ليس شيء أحسن من عقل زانه علم (.(كتابنا سفر الروح والنفس والعقل .مصدر سابق) بمعنى ان الاختيار عند الشيعة يقوم على أساس تصارع النوازع النفسية مع سلطان العقل فهو مختار من جهة تنوع المحددات الجبرية الواردة عن النقل المقدس وبين شهوة نفسية مضادة للنقل فهو ان عصى النقل فهو مجبور بين حدين الأول حسن والأخر قبيح فليس الله خالق الفعل بذاته ولكنه خيره بين طريقين شاكرا أو كفورا فهو من جهة مجبر بين الحدين لا خيار ثالث لهما ومن جهة هو مخير بين الأخذ بأحدهما وليس كلاهما فالله لا يأمر بفعل الشيء وضده كذلك العبد ليس مجبرا بفعل الشيء وضده فعند الشيعة ان الله خالق صورة الفعل والعبد مختار بينهما ,وان تدخلت إرادة الله باللطف في أحيان معينة لإلجاء الإنسان إلى حد الخير فليس يعني ذلك ان الله هو الذي صنع الفعل ولكنه مكن من الاستدلال عليه وفي هذا تكريم للإنسان ممثل بعقله من جهة ومن جهة أخرى لانصراف الفعل الرباني إلى غائية العدل والإحسان التي هي سر الاستخلاف والخلق عند الشيعة.
أخيرا نصل إلى مسألة البحث الأساسية وهي إثبات الموجود الأول بالعقل وإنكار قول المنكر لوجود الموجود الأول في ضوء كل ما عرفنا من معاني العقل ومَدارجه وأركانه الموضوعية من منطق قديم إلى منطق حديث إلى قول المعتزلة ومعانديهم وقول الاشاعرة والشيعة وكل المعرفة البشرية التي مررنا بها في البحث.
ففي التقسيم الحديث للعقل مما جاءت به المعرفة الحديثة نجد ان الله موجود من خلال فهم وظيفة العقل الظاهر وكالاتي: إن الوعي أو( العقل ) هو المظهر العقلي المألوف لنا أكثر من غيره من المظاهر العقلية، وظيفته الرئيسة تتلخص بالتالي:
1 إدراك المعلومات الواردة من البيئة المحيطة ومن داخل الإنسان.
2 ربط المعلومات المأخوذة من البيئة عن وظائف الجسد بأخرى ماضية أو التخزين من المعلومات المصنفة في ملفات الذاكرة الموجودة في اللاوعي أو في العقل الواعي،وإذا لم يكن الشيء المدرك موجودا في الملفات القديمة في الذاكرة، فإن الوظيفة الوحيدة التي تتم في تلك اللحظة هي تخزين المعلومات الجديدة.
3 تقييم الربط (الوظيفة 2) بما يتناسب مع مصلحة الشخص على أفضل وجه.
4 اتخاذ القرارات باتجاه الفعل أو اللا فعل.
وكما نلاحظ فإننا نقضي الزمن المعاش والمدرك متنقلين بين هذه الخطوات الأربع السابقة: الإدراك, الربط, التقييم, اتخاذ القرارات... والعملية تتصف بالسرعة المذهلة والدقة المتناهية اعتمادا على المعلومات المعطاة. وهذه العملية تهدف عموما إلى مصلحة الفرد ولا يمكن أن تؤدي إلى عكس ذلك إلا في حالتين:
الأولى:عدم القدرة على إدراك الشيء وهذا تقصير في الحواس ووسائل الاتصال بالبيئة.
الثانية: المعلومات المعطاة مغلوطة، سواء من المصدر الخارجي، أو ملفات الذاكرة في اللاوعي، وتعتمد هذه على دقة عمل العقل اللاوعي وظيفياً..
ومن تطبيق القوانين الخاصة بالعقل الظاهر تجد ان مدرك إثبات الوجودية لله حاضر من خلال إدراكه أي العقل للمنقول خارجيا ومن طبيعة العقل الذاتية لتقبل انقياده إلى موجود خارجي متحكم فيه وصانعه فان عجز العقل عن فهم حالة معينة فانه يلجا إليه لبيان وبرهان ما استشكل عليه من أمر كما في قصة النبي إبراهيم عليه السلام في رحلته لمعرفة الله وهذا أيضا له علاقة بالحسن والقبيح كوظيفة عقلية أصلية,فان إبراهيم عليه السلام خلق ووجد في بيئة لم تستدل على الله بالدليل الحسن واتجهت إلى عبادة النجوم كمظهر تعبيري عن الغيب المجهول فأمتحن هذا الغيب المجهول من خلال تحكيم العقل وتشغيل وظيفة الاستحسان والاستقباح الذاتيين فوصل بهما إلى إنكار ان تكون هذه الموجودات هُن الموجود الأول فاتبع الفطرة التكوينية لديه من ضرورة وجود الموجود الأول الواحد دون سواه ,فهو تعقل الوجود للموجود الأول بالقانون الأول وهو إدراك المعلومات الواردة من البيئة المحيطة ومن داخل الإنسان.
أما قانون الربط بين العقل الظاهر وخزين العقل الباطن فان ذلك يتيح للإنسان ممثلا بعقله الكلي ان يصدق بوجود الله لما تراكم لديه من مدركات باطنية تلقاها من خلال الزمن الماضي بان لله دلائل أولها مسألة وجوده هو وعلة هذا الوجود وما تلقاه من يقين بوجود موجود خارجي حاكم ومسيطر عليه ومسبب له بالفطرة أو بالمدركات الحسية المعاشة أو بالضرورة لوجود صانع له قبل وجوده هو,كل ذلك ممتحن بقانون السببية عنده بالعقل الظاهر الذي لم ينكر ما افرزه العقل الباطن من تعليلات ولا توفر له نقيض عقلي يثبت العكس.
ان عرض ما توصل إليه على التقييم ألمصلحي للإنسان المجرد نجد ان ما توصل إليه مستحسن استحسانا ذاتيا, فإننا نلاحظ انه يلجا إلى الموجود الأول في حالة حاجته إلى منفعة أو درء مفسدة عنه ابتغاء للمصلحة الشخصية وهذا مستدل عليه في قصة فرعون المنكر لوجود الله فعندما أشرف على الهلاك رجع إلى الإيمان بالموجود وهذا الرجوع حقيقي لأنه ملائم لطبيعة العقل المعطل لديه بأحد السببين المذكورين أعلاه وهما عدم بلوغ أو عدم القدرة على بلوغ الإدراك بالموجود أو ان المعلومات المعطاة له شابها عيب الغلط أو الاشتباه أو التوهم وكلها أسباب غير حقيقة لمخالفتها قانون الفطرة التكوينية وهي الأسباب الحقيقة التي انكشفت له لاحقا.
ان انكشاف وثبات الوجودية للموجود الأول الواحد ليس بالضرورة ان يقابلها إيمان به فالمعرفة بالشيء غير الإيمان به وهو ما يسمى الفعل أو اللا فعل كما في (4) أعلاه فكثير ممن أنكروا الإيمان والتدين به لا ينكرون الوجودية لله بل لهم طريق أخر للتعبير عن هذا الإيمان فهم ينكرون الفروع الإيمانية ولكن لا ينكون الأصل الإيماني وهذا ثابت تاريخيا ووارد بالنقل المقدس فالمشركون أضافوا لمعرفتهم بالموجود عناصر خارجة عنه استدلوا عليها بطريقتهم ومسلكهم المعرفي الخاص دون إنكار للموجود ذاته أما الكافرون بجميع أصنافهم فهم أيضا لا ينكرون وجود الله بل كفروا أما بالدلائل الدالة على الموجود(الأثر الوجودي)أو أنكروا أصول كلية أو جزئية أخرى في الإيمان مثل إنكارهم للرسل أو اعتقادهم بعدم وجود الآخرة أو تكاسلهم عن الإتيان بالفروض التعبدية والتكاليف الدينية إلا كافر الوجود أصلا فهو محكوم بما جاء في الفقرة السابقة وانطباق القول عليه.
هذا بالنسبة للعقل المجرد وكيفية إثبات وجود الموجود الواحد الأول ,أما ما أستدل عليه عند من امن بالله ومنهم الفرق التي شرحنا موقفها من العقل ووظيفته فان المعتزلة الذين قدسوا العقل فان ما يثبت الوجود الأزلي للموجود الأول فإنهم استدلوا عليه بان وجود الموجود لا يعارض العقل أصلا لان العقل هو الذي قرر واقر بوجود الخالق بالذاتية المحضة لان وجوده حسن ذاتي ولا ينافي منطق العقل فكل ما يوافق العقل ويرضى به فهو علم حقيقي وأن ما جاء بالنقل المقدس(الوحي) فهو متأتي من الموجود الأول وهو شريعته وان ما جاء بالشريعة لابد ان يوافق العقل وهو ثابت لهم لان الشريعة من الحسن المطلق عقلا واعتبروا الشرع موضحاً ومتمماً لشريعة العقل، فإذا بدا تناقض بين ما جاء به الوحي، وبين ما حكم به العقل، لا بد من تأويل الوحي بما يوافق حكم العقل، فشريعة العقل عندهم في منتهى القداسة، لا يمكن ان تمس بحال من الأحوال. وقد يلجأ العقل أحياناً إلى الوحي ليستمد منه ما يعجز عن إدراكه. ومن أمثلة ذلك مقدار النعيم والعقاب، أما أصل الثواب والعقاب على الأفعال فهما من مختصات العقل وحده ولو لم يأت بها الوحي من الله سبحانه، ولكن مقدار الاستحقاق يتوقف على الشرع وهذا إقرار منهم بان المشرع موجود وان كان غائبا بدليل الرجوع إليه في حالة عجز العقل عن إدراك ما يعجز عن إدراكه.ولا ادري بأي منطق قدموا العقل على الشرع وهم يقرون بان العقل يرجع للشرع في حالة عجزه فالمنطق يستوجب ان الأعلم أقدس وأعظم من العاجز عن العلم لفضيلة المحتاج له على المحتاج أو فضيلة العالم على المتعلم,ولكن ما يخصنا في البحث هو إثبات وجودية الله عند المعتزلة ومن سار على منهجهم ووافق معتقدهم.
أما عند المدرسة الثانية مدرسة المحدثون الذين يثبتون لله ما اثبت لنفسه في القران من وجود وغيره من الصفات والأفعال والأسماء وان الدليل عندهم ما استدل عليه من القران الكريم والسنة المطهرة بينما نرى القرآن نفسه يستدل على كل شيء، ولكنه يتحرى اقرب الطرق إلى الأذهان وأقلها تعقيداً فيستدل بالمحسوسات تارة، وبالنظائر أخرى، وبالآثار والنتائج المترتبة على أسبابها ومؤثراتها. ومما لا شك فيه ان هذا الأسلوب من الاستدلال أسرع إلى التصديق بالنتائج، وأقوى أثرا في النفس من الاستدلال بالإشكال المنطقية العقلية، والطرق التي اتبعها العلماء بعد ذلك للتوصل إلى النتائج، تلك الطرق التي فتحت أبواب الاحتمالات، وأضافت إلى تلك الشبه شبهاً أخرى بقيت مسرحاً للجدل والتخاصم قروناً وأعواما.فعندهم ان الوسيلة للمعرفة هي المحسوسات والنظائر والآثار والنتائج فهي عوامل خارجة عن العقل وان ارتضاها العقل لأنها تتميز عن الطرق العقلية والمنطقية بالسهولة واليسر وهو اقرب إلى طبيعة الإنسان والدين للتلقائية والتيسير في القبول والتصديق والإقرار,فهم ان استبعدوا العقل ان يكون هو مدار إدراك الوجود والإيمان إلا انهم اخذوا من حيث لا يعلمون أمر اعتقادهم من العقل بصورة أو أخرى بقولهم ان هذا الأسلوب من الاستدلال أسرع إلى التصديق بالنتائج وهذا المعرفة لا تدرك إلا بالعقل فمن لا عقل له لا يدرك ابسط الأشياء وان قدمت له بأبسط صورة وأسهل طريقة هذا من جهة القبول أما من جهة القول فما هو المميز بين السهل والصعب وبين البسيط والمعقد أليس العقل هو من يتعقل هذه الأشياء ويعقلها وليس الظواهر هي التي تنبئنا بذلك لان الشيء يعرف بضده فلابد من وجود الصعب حتى نتبين السهل ووجود المعقد حتى نتبين السهل وهذه كلها أعمال عقلية يتولى العقل وحده بيانها والاستدلال عليها.
إذن المدرسة الثانية تثبت الوجودية لله من خلال الشرع وأحكام الشرع فعندهم الإثبات موضوعي خارجي لا علاقة لذاتية الإنسان به وما على الإنسان إلا التصديق والتسليم بما جاءت به الشريعة ,وهذا عيب بنيوي في تفكير أهل هذه المدرسة في التخريج وليس في الأصل المعرفي فالعقل له الدور الحاسم في الاستدلال الوجودي دون ان يكون حاكما مطلقا له لان الشرع أساسا مخاطب به أهل العقل ومن تملك العقل لذلك كان مدار التكليف بالدين هو العقل وليس الظواهر والنتائج والدلالات ,والدليل ان من ليس بقادر على الاستفادة من عقله لعيب تكويني خلقي أو لعارض لاحق غير قادر بان يدرك المسلمات فكيف له ان يدرك الضروريات وقبلها الأصوليات الكلية وهذا هو رأي الشيعة في مسالة الاستدلال على الله فهو مزيج بين سلطة العقل من جهة وخضوع هذه السلطة إلى النقل المقدس التام لأنه لا يعلم ولا يصدق ولا يتم الإيمان به إلا بالعقل وما يعبد الله إلا بالعقل ولا يستدل إليه إلا من خلال قبول العقل للنقل ومن خلال الإجماع الموافق رغم ان هاتين المسألتين تعودان إلى مقام الإثبات ، لأن حجية الإجماع تعود إلى حجية الكتب والسنة ، لأنه يلزم في الإجماع حيثيتان طبعاً ان المحقق لا يغفل عن (العقل ) و ( الإجماع ) ان يكون:
1. كاشفاً عن رأي النقل المعصوم أو يكون النقل المعصوم نفسه ـ داخلاً بين المجمعين.
2. بعد أن يكشف الاجتماع عن رأي النقل المعصوم ، فان العقل يحكم بأن الكاشف عن رأي المعصوم هو حجة ، أو إذا كان داخلاً في المجمعين فان العقل يقول إن رأي المعصوم يعطي قيمة لأراء الآخرين و يجعلها حجة .
فنتيجة الإجماع تعود إلى المنقول المقدس المعصوم من ناحية ـ بلحاظ المكشوف ـ و تعود إلى العقل من ناحية أخرى . فعندهم ان العقل يثبت ما أثبته النقل المعصوم لان النقل المعصوم ثابت لذات المنزل الذي هو صانع العقل وموجده فاتحاد المصدر بين خالق العقل ومنزل المعقول تجعل من العقل يقبل ويصدق المنقول فيما اثبت وأنكر لأنه لا يعارضه أصلا ولعدم قيام دليل مناهض ومناقض للنقل المعصوم المقدس وهذا معنى العلم الذي سبق وان قدمنا بشرحه في المبحث السابق.
أن إنكار العقل لان يكون الوجود مخلوق من عدم أو ان المصنوع يكون هو الصانع دليلا نظريا ثابتا له ويوافقه العلم به لان في تاريخ العقل ثبت بالاستحالة بشقيها الافتراضي والعلمي ان يكون المصنوع هو الصانع وان العدم يولد الموجود وهو ثابت في مبحث العلم فما يثبت للعلم يثبت للعقل وما ثبت بالنقل يستحسنه العقل ومن النقل الشرعي الدين أو الوجودي العلم ناهيك عن المحسوسات والمجربات بالامتحان الواقعي.
أما الدليل العملي للعقل ان الموجود الأول ثابت بما اوجد من الآيات والبراهين والأثر الملموس والتي لا يمكن ان تصدر إلا من مدبر عالم عارف موجود واحد منه الخلق واليه يرجع الخلق كله,فأما كونه مدبر بالدليل ان مجموع النظام الوجودي كله لا يتعارض فيما بينه بالتدبير فلا الليل سابق النهار ولا الموت يخالط الحياة مخالطة اقتران أي يكونان في ان واحد أي ان نظام الكون يقوم على أمر تدبيري انتظامي منضبط يسير وفق إرادة مدبرة يعجز عنها الوجود كله ان يأتي بمثله أو أفضل منه ولو اجتمع كل الوجود على ذلك فالمدبر هو الذي بالضرورة ان يكون أكثر تدبيرا من المدبر فمبرمج الكمبيوتر بالرغم من الدقة العلمية الانضباطية للكمبيوتر(البرمجة)إلا ان المؤكد عقل المبرمج هو أكثر انضباطية من البرنامج نفسه بدليل ان البرامج نفسها تتطور يوميا وفقا للإبداع العقلي للمبرمج ,وهذا القول منطبق بالا كبرية والاعظمية على تدبير الخالق.
أما كونه عالم فلا يحتاج إلى جهد عقلي فالتدبير يحتاج إلى علم يتم به التدبير, فلا الجاهل أو المجنون يمكنه ان يصنع المدبر فضلا عن إيجاده,فلو فرضنا ان غير العالم يمكنه على فرض التسليم ان يدبر(أي ان الوجود الكلي الذي نحن فيه وهو بالمؤكد بمجمله غير عاقل ما عدا الإنسان وبنسبه) هو الذي دبر نفسه بمجموعة من التدابير الموضوعية نلاحظ هناك فرضين:
أ‌. ان الموجود كله تعاونت في التدبير عاقله وجاهلة وغير العاقل فيه,فيكون الجهد جمعي والجمع في العقل المجرب لا يجتمع على رأي واحد لان اختلاف الأجناس والمنشئ والثقافات أي اختلاف المقدمات العقلية تولد اختلافات في النتائج التحصيلية,مما يولد الصراع بين المتحصلات من النتائج للأقوى أو الأصلح أو الغالب,فعندها لا يكون هناك تدبري إجماعي وإنما انفراد بالتدبير للغالب.
ب‌. أما إذا كان للتدبير للعاقل من الموجود فقط أي للإنسان وحده فما انطبق من أسباب اختلافيه في البرهان الأول ينطبق على الإنسان بلحاظ الموجود الفعلي على ارض الواقع فلا يمكن لاثنان ان يتفقا في الذوق مثلا أو يتطابق الرأي بينهما على مسألة شكلية من البسائط فكيف يكون الاتفاق على التدبير الكلي الكوني,هذا من جهة ومن جهة أخرى ان الإنسان بطبيعة تكوينه بحاجة إلى من يدبره فنظرية العمران التي قال بها ابن خلدون تثبت بان الإنسان محتاج إلى غيره لتدبير أمر العمران الاجتماعي فكيف إذا كان تدبير كلي كوني هذا أولا ,وثانيا لم يثبت بأي دليل علمي ان الإنسان قد دبر الكون بتدبيره الخاص فيما لو علمنا النظرية العلمية المؤكدة لحد ألان ان الإنسان هو لا حق بالوجود عن وجود الأرض بملايين السنين فالمتخلف زمنا عن وجود الأخر لا يمكن ان يكون هو علة للسابق للاستحالة العقلية الوجودية.فلابد إذن من وجود مدبر عاقل غير الإنسان موجود قبل خلق الوجود وان يكون هذا المدبر عاقل منتظم بعلمه ليكون مدبرا وموجدا له.
ثالثا ان يكون واحد والواحد إذا كان مدبرا بعلم يكون المتحصل من تدبيره واحدا موحدا يسير وفق آلية موحدة وباتجاه واحد لان الفعل الواحد وان تكرر وفق نفس الآلية يأتي بنتيجة واحدة لا اختلاف فيها فالماكينة المبرمجة على إنتاج نوع معين من المنتجات طالما تسري على نفس النظام بنفس المواد وبنفس السياسة التصنيعية تنتج بالغالب منتجات متشابهة,وهذا دليل على ان الله عندما خلق الإنسان في أول مرة بقى الإنسان على نفس الخليقة ا ما يلحق به في اللاحق من الحياة من تأثيرات البيئة والحاجة وهكذا يختلف بالتالي وفقا لما ذكرنا أما من الناحية التكوينية فهو الإنسان ذاته وهو جنين من زمن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا يتكون بدنيا من نفس المكونات وبنفس الوظائف وبنفس الجسدية الظاهرة بالرغم مما قاله دارون في نظرية النشوء والارتقاء التي لم تصمد أمام الحقائق العلمية فالإنسان من زمن آدم عليه السلام إلى اليوم يتكون من رأس ويدين ورجلين وجسد يربط بينهما بنفس الحواس ونفس الانفعالات الجسدية ,فلم يكن مثلا ان الإنسان الأول كان بثلاث أيدي أو براسين أو بخمسة أرجل{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }الروم30.
وهكذا ينطبق القانون على سائر الموجودات من ناحية النوع الجنسي أو من ناحية الوحدة وحدة النظام أو حدة الهدف ,فالواحد العاقل المدبر لا يمكن ان يعمل ما يتعارض مع علمه فهو لا يخلق شيئين متناقضين بالجوهر ومتحدين بالأسس فلا يخلق مثلا شكلين من نفس الجنس الواحد بجوهريتين مختلفتين ويطلق عليهما تسمية واحدة,صحيح ان الله خلق الذكر والأنثى وسماهما إنسان وهو اختلاف ظاهري غير حقيقي لان الإنسان بالجسدية واحد لكن بالوظيفة الواحدة مختلف للضرورات التكاملية فالذكر والأنثى بجمعهما واحد وبإفرادهما الوظيفي اثنان وهذا لا يناقض واحدية الخلق.
ان وحدة الوجود التكوينية بالمفردات وبالجمع تدل على وحدوية الخالق بالعقل وبالدليل العلمي حيث لا يوجد وجود أخر كلي مختلف عن الوجود الذي نحن فيه فان وجد أما ان يكون مخالف بطبيعته عن هذا الوجود وهذا لم يحصل أو ان يشابهه ووفق محددات هذا الوجود فيكون بالتالي ان الوجُودين من منشأ واحد ومن مدبر عالم واحد وهو غاية موضوع المبحث

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 12 المؤلف : الخطيب القزويني

16-كانون الأول-2017

ديميستورا يقطع خطوط موسكو إلى جينف ..عودة الحلول أم العبث السياسي؟

16-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 11 المؤلف : الخطيب القزويني

09-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 10 المؤلف : الخطيب القزويني

02-كانون الأول-2017

الفصل لماطر/ ستيفن كينغ

26-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة

تعويذة عشق

18-تشرين الثاني-2017

َهلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

25-تشرين الثاني-2017

ضرورة التأويل في الفكر الديني

25-تشرين الثاني-2017

ولكن لماذا الحسين الآن؟

25-تشرين الثاني-2017

الغوطة الشرقية والكذب الحرام ـ هنادي الخطيب

18-تشرين الثاني-2017

الاحتلال الإيراني

18-تشرين الثاني-2017

لم يكن النبي محمد يوما قاتلا

02-كانون الأول-2017

سورية.. نهاية مسار جنيف

02-كانون الأول-2017

منجم سليمان عوّاد الذهبيّ

02-كانون الأول-2017

الإبداع كفعل شهواني

25-تشرين الثاني-2017

Down Arrow