Alef Logo
ابداعات
              

الرقص بالنار

بشير عمري

خاص ألف

2017-07-29

لم تصدق أن كل الرقصات التي عرضتها عليها بصور الأبيض والأسود تقع في حسابات رحلتي الشمس والقمر، وأنها تغدو نشازا إن حادت عن مدار الرحلتين، أما بالنسبة لها فالرقص لا يحده زمان ولا مكان، وقد ترقص هي في الظلام الدامس الذي يعدم المكان والزمان، وبذلك ادعت أمامي أنها أوسع نطاقا للحرية مني "والمتعة كل المتعة في الحرية أليس هذا صحيحا في قصتي وإياك في الوجود"؟

لم أجبها مطلقا، فلست مثلها، يراقص الريح تاجها المذهب، خصلات تندمج مع لمعان الشمس المنثالة على التراع الخضراء، أنا لا أحمل شيء أسمه حرية على رأسي ولا في ظلمته أبدا، طالما اعتبره بعضهم دواء لداء لم أتألم منه، لكن الأحلام تفيض فيّ ولولا أني أهرب للشمس وأرقص في حافة حلقتها الرملية بالصحراء، لاخترق فيض الأحلام نهاراتي ولانتهى وجودي إلى الخيال اللا محدود واللا معلوم، طبعا لم أكشف لها هذا كله ونحن عالقين في شبكة العنكبوت، مثلما لم أكشف لها عما أرتديه تحت قميص الرقص الأبيض الطويل، كما كانت تطلب مني دوما، صحيح ما قالته من أن لعثمة الجسد وهو يخطب شعرا بحركاته المتمايلة سببها اللباس، وأن نرقص عرايا في العراء أفصح وانجح من نرقص بحناط القماش، لكني عدت لأتذكر أن الحرية لم يزلها بعد في حدود فمي.

حرك كلامها فيّ جُماع هواجسي، خاصة حين استطاعت بالكاد كل قوى النت عندي أن تفتح الفيديوهات التي أرسلتها إلي تباعا وهي ترقص فيها متجردة من كل خوف، متحررة من كل شيء عدا الأرض التي تلثمها بقديمها البيضاويين الناعمتين، فرسمت أنا بدوري خطة محكمة، تفلت عن كل القوانين، وهزم الطبيعة وجدته للتو بداخلي قد انزاح كلية عن الاستحالة وصار أكبر من الممكن، ولأول مرة شعرت بفضل الكلام معها كل ليلة قبل النوم علي، تمردت على جداول مواعيدي اليومية، استعصمت عن الشمس، لكن من دون أن أخونها مع الظلام، فصنعت في الكوخ المتاخم للزريبة، تحت السقف الخشبي الطوبي زمنا برزخيا خاصا وظرفيا، راجيا أن يحمل ثقل اللحظة المارقة عن قوانين الوجود، كان الصمت قد بدأ يبسط قوته عقب انتهاء نهيق حمار الجار، ليبدأ صخب السكون الأبدي يسخن فيّ، لا صوت للنار التي أحمل جذوتها في يدي، بينما ظلمة الطين والعطر النخلي لدعائم سقف البيت النافث بقوة إلى خيشومي يبقيان علي حيا في ذاكرتي..

كم هو صعب أن ترقص في خرس الوجود !

هذا ما قالته لي نسختي في لا ظلمة الطبيعة حيث أقف، وطيفها يطلع لي كدخان عفريت من مساحة ضوء النار، تزاحمت الترانيم في رأسي، وانغلقت خزانة الأغاني والإيقاعات التقليدية الوحيدة التي استطاعت على مدى العمر المتوسط أن تهز جسدي والتي حفظتها لنا جدتي وحفظتها عنها بجد، ما عدت أقدر على تحريك عضو فيّ وكلما أردت أن أعيد اكتشاف مكابح الرقص في جسدي العاري من خلال ثقب استحدثه بضوء النار على صورة جسدي تتراءى لي أطرافي كأوشمة لعوراتي ساخرة من خطتي.

انقطع الإرسال من علي بشكل كلي، واختفى ذلك التدفق العالي لموجة البث التي كانت تأنس جسدي وتطربني طوال اليوم وأنا أسوق الغنم في متاهات البادية، إلا من طلقات البارود الذي تعقب الرقص، أنا لم أرقص بعد ! تبا لهاته الحرية التي تعلمتها من شقرائي المتخفية في زوايا الافتراض وطوايا غواية الصوت والصورة، النار تأكل المسافة الفاصلة بين رأس الخشبة ومؤخرتها وحرها صار يدنو بمقبضها بيدي وأن لا أزال انتظر أن يعود البث المفتوح لأغاني وموسيقى العهد القديم كي أشرع في الرقص عاريا دونما تلعثم من جسدي، أريد المتعة التي تتلذذ بها الأجساد الباردة الراقصة على إيقاع موج البحر وهو يتكسر على صخر تلك المرافئ الباردة، وأنا قد انصرمت من حافة الهالة الضوئية الكبرى للشمس لأول مرة بصحرائي اللاهبة، لأول مرة أتناسى الغنم وهي تسرح بعصا صديقي، ترقص، تكلأ، تتغوط تتبول ويعتلي ذكرها أنثاها أمام الملأ دونما وجل، صرت أتصبب عرقا لم أفهم مصدره، أمن قلق اللحظة، أم طول انتظار قدوم الترانيم القديمة، أم من سخرية الزمن من عرائي الباذخ المترف وسط طوب الأحمر، الخارج عن قوانين الطبيعة؟

لكن شيئا صار يغزوني أحر من النار تحت قدمي، فبدأت أقفز كالمجنون وأكاد ألامس برأسي السقف النخلي للكوخ القابع في برز زمكاني، أصيح رافضا إيقاع الأناشيد الرصاصية الذي لا أجيد الرقص عليه مثلما أؤمر به، واستحال المكان بالحر إلى قعر فرن مخبزة وأنا كالعجينة أنضج فيها والمحراك من حديد يدفعني باتجاه النار أحيانا كي أكتوي ويسحبني منها كي لا أتفحم، ورائحة جسدي العاري أخذت تتعفن لدرجة أني تقززت منها بنفسي، لا استطيع أن أرقب النهاية، فلا الزمان والمكان صارا بيدي في البرزخ الذي صنعته لي، والخلود عاد ليعلق بعقلي، فانهارت نفسي من رعب ما أوجدتني فيه، وأنا أصرخ، لست أخلو سوى بنفسي والشيطان ليس بمجرة رقصي فلماذا هذا العذاب؟

وحين اعتلت الشمس العرق الرملي، صرخت الغنم من خلف الجدار الطوبي الذي يفصلها عن باحة البيت، سحبت الغطاء عن وجهي فوجدتني قد كسرت الجرة بقدمي واندلق الماء إلى حافة النخلة الظامئة، مسحت وجهي من سيل عرق الشمس التي بلغت موضع فراشي ولحظتها تذكرت أني لم احمل ما يشهد لي باللحظة، فتساءلت كيف سأبرهن لها أنني تنعمت لثوان بالحرية في العراء وأن لغتي وأغاني تحمل العراء اللذيذ إلى روحي وجسدي، ولا يمنعهما في ذلك مانع من الرقص، لكني استحييت أن أكذب، فأزحت بالنظري من على شاشة الحاسوب الرمادية وهي تتراءى لي من خلف زجاج نافذة الغرفة، ففكرت في أن أغيب عن موعدي معها هذه الليلة !







تعليق



عبد الباقي

2017-07-30

هي كلمات تصف المشهد . تعطيه حقه. تسرده بأصوله وفصوله . ما أجمل اللغة وما أجمل من أتقنها .......... شكرا ستاذ

عبد الحفيظ بن جلولي

2017-07-30

تحمل هذه القصة المعنى في رمزياتها المتعدّدة، فالبرزخ لا يمثل سوى ذلك الزمن المفقود الذي أنتهكت بعده أزمنة الوطن المثخن بجراح الهدم، وعليه كان الرقص تعبيرا قويا عن انتفاضة الجسد في مواجهة سكون الرغبة في إنقاذ الرقص العنيف لجدران المكان وهوية المدن، ومنه كان الوضع الأنوي للسارد متماوجا بين فضاء واسع من أزمته الداخلية وشاطئ ضيق للمناورة، لهذا انتهت القصة بالعودة إلى المكان المعتاد في الذاكرة وليس ما بناه نشاز اللحظة الغارقة في الآخر.تحياتي.....

رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

رماد المنديل

28-تشرين الأول-2017

زحمة النهايات

30-أيلول-2017

وشوم المدينة

26-آب-2017

الرقص بالنار

29-تموز-2017

هواجس العاهة السرية

24-كانون الأول-2012

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow