Alef Logo
ابداعات
              

موت

إسلام أبو شكير

خاص ألف

2017-07-08

حالةُ موت، تماماً هكذا، بسيطة، متواضعة، هادئة، ومفهومة جدّاً، واضحة، ولا تنطوي على أيّة نوايا
حالة موت، هكذا، ودونما لؤمٍ أو مكرٍ أو خداع، مكتفيةٌ بذاتها، فلا حاجة إلى البحث عن أدلّةٍ أو براهين تثبت وجودها. موتٌ صافٍ. شفّاف. حيّ. وناضج. ليس ادّعاءً أو احتيالاً أو شعوذة. موتٌ حقيقيّ. ولا مجال للتشكيك فيه أو إثارة المشاكل حوله.
كانت الساعة الثانية والربع تقريباً عندما عدت إلى البيت. عرّجت أوّلاً على الغرفة الصغيرة حيث اعتادت زوجتي أن تقضي معظم يومها، فوجدتها نائمةً بعد نوبة الربو التي تعرّضت لها صباح هذا اليوم، فلم أشأ إزعاجها، فتركتها، ومضيت إلى الغرفة الأخرى. أغلقت الباب. كان أوّل ما وقعت عيناي عليه هو اللوحة المعلّقة في صدر الغرفة. لقد انقطع خيطها كما يبدو، فمالت بحيث لم يعد منظرها منسجماً مع ما كانت عليه بقيّة الأشياء من نظامٍ وترتيب. سحبت كرسيّاً، وصعدت فوقه أريد تعديلها. لكنّ العمليّـة بدت صعبةً إلى حدّ ما، فقرّرت تأجيلها، معيداً اللوحة إلى مكانها.. غيّرت ملابسي، ونمت..
ساعتان.. ساعتان ونصف.. لا أذكر.. المهمّ أنّ شيئاً ما تسرّب في الفراغ الضيّق الذي يفصل عادةً بين مياه النوم وفضاء اليقظة. حشر نفسه فيه عنوةً. فتناثر ريش الأحلام الناعم الملوّن الذي كان يتساقط فوقي. تناثر، فوجدت عينيّ تنفتحان فجأةً، و.. تنظران..
رائحةٌ ما تملأ الغرفة. رائحةٌ غريبةٌ. حامضة. دبقة. نظرت أمامي.. فرأيته.. كان ممدّداً هناك. قفزت من سريري. اقتربت منه. تأمّلته. تأمّلته بإمعان.. ثم..ّ هززت كتفي.. لقد كان في.. حالة.. موت.. لا أكثر.. أخذت نفساً عميقاً. جفّفت بطرف كمّي خيطاً من العرق تدلّى فوق جبهتي. انحنيت فوقه..
كان مستغرقاً في موته تماماً.. وممّا يبعث على الاطمئنان حقّاً هو تلك الروائح الحامضة، الدبقة، والقذرة أيضاً التي كانت تنطلق منه في موجاتٍ متعاقبةٍ سريعةٍ تنحسر حيناً، ثمّ لا تلبث أن تمتدّ ثانيةً دون أن يكون ثمّة فرصةٌ لتفاديها أو على الأقلّ تجاهلها.. وجهه كان يفتقر إلى الملامح الواضحة، وكلّ ما يمكن الجزم بوجوده فعلاً هو فمٌ مهترئ الحوافّ ينحدر من أحد طرفيه جدولٌ من الصديد والدم الفاسد، ليصبّ في تجاويف متعدّدةٍ تنتشر ما بين الإبط وقاعدة العنق.. شفته العليا تآكلت، فكشفت عن لثةٍ مزروعةٍ بدمامل متفاوتة الأحجام، اتّخذ بعضها شكل كراتٍ ملساء لامعةٍ، والآخر كان ذا شكلٍ بيضويّ أو كمّثراويّ.. أنفه كان مجرّد نتوءٍ لحميّ صغيرٍ تسلّخ الجلد الذي كان يكسوه، فاستولى عليه لونٌ بنفسجيّ قاتمٌ يميل إلى السواد.. وفي الأعلى عيناه.. لقد انتفختا، فخرجت إحداهما من محجرها بسبب ذلك، وتدلّت ككرةٍ من المطّاط توشك على السقوط لولا بعض الأربطة من الأعصاب والعضلات. أمّا الأخرى، فقد أتاحت لها العظام المتداعية حولها مساحةً كافيةً لاستيعابها بحجمها الجديد.. بطنه كان متورّماً، وقد انشقّ في ناحيةٍ منه، فاندلقت أمعاؤه بما فيها من أوساخٍ وبقايا طعامٍ غير مهضوم، ممّا أغرى الذباب وأنواعاً أخرى من الحشرات، فتجمّعت حولها في تنافسٍ محمومٍ يوشك أن يتحوّل إلى حرب..
وباختصار..
باختصار.. فإنّ جسده كان مجرّد فضلات. فضلات تملّكها موتٌ مزمنٌ لا سبيل إلى مقاومته أو الفكاك منه..
أطلقت سعلةً صغيرةً، ثمّ بلّلت شفتي بطرف لساني.. كانت الكفاءة والجرأة اللتان أشهر بهما موته مثيرتين للدهشة.. نظرت إليه. نظرت بمزيدٍ من الحرص والشغف. ثمّ مددت يدي إلى كتفه. كنت أريد أن يكتمل إحساسي بموته. أردته أن يكون إحساساً مباشراً وحقيقيّاً. لم تكن حركة يدي عنيفةً على الإطلاق. ومع هذا فقد غاصت في لحم كتفه. أخرجتها مباشرةً. وقبل أن أمسح ما علق بها من دمٍ وصديدٍ وفتات لحمٍ.. تحرّك رأسه..
تحرّك رأسه مستديراً إليّ. كانت الحركة مباغتةً، فأجفلت متراجعاً إلى الوراء. أخذ هو يتململ في مكانه محدثاً صخباً وضجيجاً شديدين نتيجة احتكاك عظامه بعضها بالبعض الآخر، ومطلقاً دفعةً كثيفةً من روائحه الحامضة، الدبقة، والقذرة أيضاً، بينما هربت أسراب الذباب بعيداً عنه، وحطّ بعضها على وجهي.
استوى جالساً. ثمّ رفع يده، وأومأ برأسه، ففهمت أنّه يريد النهوض. تردّدت لحظةً. ثمّ تقدّمت، وتناولتها. شددته باذلاً كلّ ما لديّ من قوّةٍ وعزم. انتصب واقفاً، فتهدّلت أمعاؤه من خاصرته وكأنّها باقة أفاعٍ. تلفّت حوله مستعرضاً محتويات الغرفة. لبث لحظةً، ثمّ توجّه إلى اللوحة المعلّقة في صدرها. لا شكّ أنّ وضعها المائل لم يرق له، فرفع إحدى يديه نحوها، واستند بالأخرى إلى حافّة الكرسيّ، ثمّ مدّ جذعه مرتكزاً على أصابع قدميه. حاول تعديلها، لكنّه لم ينجح، فتركها، والتفت إليّ..
أخذ يهزّ رأسه، ممّا جعل عينه المتدليّة تتحرّك يميناً ويساراً في إيقاعٍ منتظمٍ يذكّر بحركة بندول الساعة. ويبدو أنّ هذا قد ضايقه قليلاً، فأمسكها بيده، ورفعها إلى حيث المحجر، ثمّ دفعها بطرف إبهامه، فانزلقت إلى الداخل محطّمةً في طريقها عدداً من العظام التي يبدو أنّها كانت منخورةً في الأصل. ثمّ.. فتح فمه.. و.. تكلّم.. استطعت أن أرى صوته وهو يحبو في الهواء متّجهاً إليّ. واستطعت قبل أن تلتقطه أذناي أن أميّز شكله. كان صوتاً عريضاً خشناً يعاني من بحّةٍ بسيطةٍ جعلته أشبه بصوت بعيرٍ مسنّ..
ـ لم هي هكذا؟..
ـ لقد انقطع خيطها..
أجبت..
ـ ألا يمكن إصلاحها؟..
سأل بالصوت البعيريّ المبحوح ذاته..
ـ يمـ .. يمكن.. نسـ ... ـسـ ... ـتبدل الخيط فقط..
قلت، وأنا أشعر بشيء من الارتباك.. بل الخجل..
ـ لا بأس.. لا بأس..
تمتم متّجهاً إلى السرير. استلقى عليه.. بدت تفاصيل موته في هذه الوضعيّة أكثر جاذبيّةً وإغراءً رغم العتمة التي بدأت تتزايد شيئاً فشيئاً. موته هذا لا يمكن أن يكون طارئاً. لا يمكن أن يكون تالياً لحالةٍ أخرى سبقته. من المؤكّد أنّه بدأ حياته ميتاً، وأنّه سيستمرّ هكذا أبداً. لم يكن بوسعي أن أتخيّله في حالةٍ أخرى. حياته دون موتٍ لا قيمة لها. حياةٌ بلا معنى.. بلا غاية.. بلا طعم..
ـ أستطيع إصلاحها إذا شئت..
قلت معتذراً..
ـ ليس مهمّاً.. كلّ ما في الأمر أنّ منظرها هكذا يفسد جمالها. هذا كلّ شيء..
شعرت بصوته يلفح وجهي. كان حارّاً وجافّاً، كما لو أنّ الحنجرة التي أطلقته لم تكن سوى حجرة صوّان ترقد وحدها منذ آلاف السنين في عمق الصحراء.. تراجعت إلى الوراء مقدار خطوتين تقريباً. ابتلعت ريقي.. ثمّ خطر لي أن أبكي قليلاً.. تماماً كما يحدث في مواقف من هذا النوع.. غير أنّي ـ وفي اللحظة المناسبة ـ انتبهت إلى أنّ الأمر سيكون سخيفاً وغير ذي معنى. البكاء لا يمكن أن يرضي سوى الأموات الوضيعين الذين يميلون إلى الاكتفاء بمشاعر الحزن والعطف والشفقة التي تتملك قلوب الأحياء في اللحظات الأولى من موتهم، ثمّ إنّهم بعدئذٍ يحرصون على التزام قبورهم مدارين ميتاتهم بعد أن تنضج وتكتمل، لئلاّ يراها أولئك الأحياء فيكون لهم فيها رأيٌ آخر. إنّهم يتستّرون عليها. يخجلون منها.. أمّا هو، فلا يبدو عليه أنّه يخشى شيئاً من هذا. ثقته بموته لا حدود لها. وإلاّ لم كلّ هذه الصراحة التي أحاطه بها؟.. رمقته بعينٍ حائرةٍ مرتبكة. وبصمتٍ وهدوءٍ أرخيت جلدة وجهي التي كانت قد انكمشت على نفسها قبل قليلٍ مستعدّةً لنوبة بكاء طائشةٍ كانت ستؤذيه حتماً.. ثمّ ابتسمت..
ـ سأصلحها..
هتفت. أسرعت إلى الخزانة. أخرجت خيطاً. صعدت. وبدأت العمل. رائحته الحامضة، الدبقة، والقذرة أيضاً، ما تزال واضحةً. بمقدوري كذلك أن أسمع طنين الذباب حوله. الحشرات وهي تمضغ لحمه. صرير عظامه مع كلّ حركةٍ يقوم بها. ثمّة بقايا من الضوء تخترق زجاج النافذة. تدخل شاحبةً، مرهقةً، شديدة الإعياء. تسبح في الهواء باحثةً في قلقٍ ويأسٍ عن أقرب سطحٍ صلبٍ لتلقي بنفسها فوقه متخلّصةً من عناء رحلتها. ينجح بعضها بالوصول، والبعض الآخر ينطفئ وهو في الطريق، ثمّ يسقط محدثاً هسيساً ناعماً حزيناً..
ـ إنّها هديّةٌ من زوجتي..
قلت. انتظرت أن يردّ. لكنّه لم يفعل. اكتفى بإطلاق دفعةٍ شديدة الكثافة من رائحته ..
ـ كان ذلك بمناسبة عيد زواجنا الثالث..
تابعت..
ـ مسكينة.. معها ربو.. اليوم صباحاً جاءتها النوبة.. كانت صعبةً.. خفت عليها..
ـ ربو؟..
سأل..
ـ نعم.. ربو..
لم يعلّق بشيءٍ، فتابعت..
ـ مسكينة.. منذ سنتين وهي مريضة. الأطبّاء يقولون إنّ علاجها يحتاج إلى وقتٍ طويل..
ـ هل انتهت اللوحة؟..
فاجأني سؤاله.. بدا لي وكأنّه قد جاء في غير وقته. لكنّي لم أجد بدّاً من الردّ..
ـ حالاً.. حالاً.. الواقع أنّني لا أعرف ماذا أصنع..
ـ هل أستطيع أن أراها؟..
ـ اللوحة؟.. ثوانٍ فقط..
ـ اللوحة؟!.. دعك من اللوحة الآن.. زوجتك.. هل أستطيع أن أراها؟..
ـ زوجتي..؟!..
أردتُ أن أسأل. وقد انطلق صوتي فعلاً. لكنّه سرعان ما توقّف عند حافّة فمي. أحسست به مائعاً كقيء. توقّف لحظاتٍ. ثمّ استدار عائداً إلى مصدره. كان هذا آخر ما يمكن أن أحسب له حساباً.. زوجتي؟!!..
ـ نادِ عليها لو سمحت..
كنت قد أنهيت إصلاح اللوحة. نزلت. نظرت إليه. وبالكاد تمكّنت من رؤيته. خيّل إليّ أنّ جثّته قد ازدادت ضخامةً وامتلاءً..
ـ أنادي عليها؟!!..
همست بخوف..
ـ أريد رؤيتها.. ألم تقل إنّها مصابةٌ بالربو؟..
كانت لهجتـه حازمةً، وفيها قدرٌ كبيرٌ من الحدّة ونفاد الصبر..
ـ ………………
صحت بأعلى صوتي. لحظات. ثمّ سمعتُ خطواتها المتعثّرة متّجهةً صوب الغرفة. انفتح الباب. دخلت. كانت العتمة شديدةً، فلم تتمكّن من رؤية شيء، فاضطرّت لإشعال المصباح الكهربائيّ.. نظرت. ثمّ.. اتّسعت عيناها فجأةً. رأيتهما وهما تتّسعان.. دقّت صدرها بقبضة يدها. وانفلتت من فمها صرخةٌ فيها الكثير من الرعب والفزع، في حين سقطت اللوحة محدثةً دويّاً زاد الموقف إثارةً وتوتّراً. استدارت وهي تستغيث.. استدارت.. تاركةً إيّاي.. ممدّداً هناك.. وحيداً.. وحيداً.. وفي.. تماماً.. هكذا.. واضحة.. متواضعة.. ولا تنطوي على أيّة نوايا..

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ.

15-تموز-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

موت

08-تموز-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

عشرة أسباب تجعلني أطالب بإسقاط النظام

09-أيلول-2011

تحوّلات في ملامح شخصيّة العامل في القصة القصيرة الإماراتيّة

01-أيار-2010

عجز المؤلّفة ـ موت النصّ

18-نيسان-2010

السمكة

15-تموز-2017

ترشيد الفساد

08-تموز-2017

سلمية تحرق نفسها

01-تموز-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow