Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الآلية و المنتوج: علاقة ما بعد السرد مع نظرية الرواية باعتبار أنها جنس في المحاكاة / ليندا هتشيون - ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2017-06-10

دراسة أشكال و أساليب ما بعد السرد يرافقها بالضرورة اهتمامات ثابتة لمشاكل متكررة- منها الخطوط التي يرسمها الوعي الذاتي للنصوص نفسها بحيث تتوازى فيها أفعال الكتابة و القراءة، و منها أيضا إشكالية القارئ التي تأتي لاحقا ( و ترتسم خارج النص)، و منها موضوعة الحرية التي يحتاج إليها القارئ. و لدينا مشكلة أخرى، لا تغيب عن الذهن لا سابقا و لا لاحقا، و هي الفرق بين ما ندعوه محاكاة الآلية و محاكاة المنتوج.
و كما قال كلوديو غولين:" إن إمكانيات الشكل الاستثنائي للعمل اللفظي الذي يقوم به الفن يبدو أقل نأيا بالنفس لو أن المرء نظر إلى 'الشكل' الشعري (نتاج الكاتب باعتبار أنه صانع أو شاعر) و كأنه نتاج و سيرورة إبداعية يتضمنها هذا النتاج- أو كأنه صانع لأشكال؛ فالبنية الثقافية، هي حساسية ديناميكية، توازي ما يسمى تشكيل البنية".(١). و يشير التاريخ الأدبي إلى أن اللغات النوعية الجديدة ضرورية لتطوير أنفسنا و للتلاؤم مع الأشكال الأدبية الجديدة. و في حالة السرديات، لا يمكن أن يكون هذا السياق أكثر وضوحا مما هو عليه الحال في الوقت الحاضر: و المعادلة التي تطورت مع الوقت بخصوص الرواية و مفهومات الواقعية التيعكسها القرن التاسع عشر قد واجهت التحديات، و اعتدى عليها ما بعد السرد الذي عكس نفسه بنفسه. و كي لا نقلل من شأن هذه التحديات الأدبية علينا أن لا نعزوها لحقائق نتعرف عليهامن خلال شرح فلسفي و إيديويوجي أو علمي (٢)، كما قد يخطر في ذهننا، و مع أن هذا أحيانا شيء مفيد، على المرء أن يبدأ بقبول الحقيقة البديهية و كأننا نتعامل هنا مع مشكلة تتعلق بطرائق التاريخ الأدبي و قانونه، و أن نعمل على البحث عن حلول من داخل هذه المرجعيات الاصطلاحية. وعلى ما يبدو إن الوعي بالذات في السرد هو ظاهرة كونية. و هذا واضح في أعمال الرومنسيين الجدد في فرنسا، و عند جماعة ٦٣ الإيطالية، و في أعمال كتاب آخرين من بارت و حتى بورغيس، و من كوهين حتى كوفير، و من جون فاولز و حتى خوليو كورتازار.
وهذا لا يعني أن هذه الظاهرة جديدة على الأدب(٣)، فمحاولات شيللي في الغنائية التي تضبطها عقلية شعرية كانت موضوعا للخطاب الشعري. و لا يعني أن الخلاف بين رواية الحكايات و القصة شيء جديد على الرواية، فتريسترام شاندي كانت تتبع هذا الأسلوب .( و الشاهد على ذلك هذه الجملة من الرواية:" لدي ميول قوية في داخلي لبداية هذا الفصل(١،٢٣) بثرثرة طويلة، دون أية قيود أفرضها على أوهامي و تخيلاتي".
من ناحية أخرى لا يمكن أن تؤكد أن تلك المتطلبات المتزايدة التي تنهال على القارئ تعتبر جديدة، إنك تجد مناقشة ذلك في القارئ الضمني لولفغانغ إيسير (بولتيمور، منشورات جون هوبكنز، ١٩٧٤).
فالقراءة و الكتابة كلاهما لون من ألوان النشاط و التمرينات الإبداعية و هذا شيء مستمر. و ربما إن درجة الوعي بالذات المتعلقة بجوهر تلك المتوازيات قد شهدت نموا متعاظما. في تجربة ما بعد السرد كان على القارئ أو على فعل القراءة نفسه أن يصبح جزءا من الأفكار التي توجه أوضاع السرد، و أن ننظر لها و كأنها فعالية مرافقة لعملية الإنتاج.
في ضوء هذا الأسلوب، ليس من المستغرب أن تكتشف اهتماما متزايدا بجماليات القارئ. و سوف نتعرض لبعض هذه النظريات لاحقا. و مع ذلك إن الآراء السلبية المنصبة على ما بعد السرد الجديد و التي ترتكز على مفهوم موت الرواية، تحمل بذور فنائها في ذاتها، و غني عن القول إنها "ليست صحيحة"، و هذا قد يشير إلى أن بعض اتجاهات نقد الرواية قد ثبت بطلانها. و المفهوم المقبول على نحو واسع عن الواقعية الروائية، و هو في جوهره وصف مؤقت، قد أثار اهتمامات أوسع تتخطى نطاق حدوده في محاولة لاستيعاب كل أشكال و أنواع السرد.
مثل هذا التعميم قد لا يكون عادلا مع قضايا ما بعد السرد الحديث، و لا مع جنس الرواية ككل. و يهمل حقيقة تستحق أن تكون في الذهن طوال الوقت- أن دون كيشوت هو أول سرد يعتمد على أسلوب الإخبار عن الذات و أنه يضفي على السلطة و نتائج التعامل معها صفة موضوع، و هذا ينسحب أيضا على آلية عمل كل من الخيال الإبداعي و لغة الأدب (٤). و ما يسميه إيان واط في نشوء الرواية (لندن: شاتو و وندوس،١٩٥٧): واقعية العرض، و الإشارة هنا للرواية الإنكليزية في القرن الثامن عشر و مثالها ريشاردسون و ديفو، هو في الحقيقة واقعية التحليل الذي يعتمد عليه بنفس الدرجة فيلدينغ و ستيرن.
و لدينا برهان واضح يرى أن الطبيعة الساخرة والعاكسة لنفسها، المتوفرة في عدد من هذه الأعمال السردية الباكرة، هي نموذجية. و كما ذكرت، إن مفتاح أصول الرواية و تطورها يمكن أن تجده في السخرية، و في نزع القناع عن تقاليد ميتة في الأدب و في تأسيس رموز أدبية جديدة.
لقد كتب روبيرت كوفير يقول في دراسته لسيرفانتس في كتاب"سبعة أمثلة سردية"، إن سخرية سرفانتس ولدت منها الرواية و كانت "مثالا عن الثورة في القصص السردية، و ثورة تتحكم بنا حتى هذا اليوم، و بطريقة ليست مغايرة للتكثيف الذي تراه في تقاليد الرومانس "أو في حكاية المغامرات و الفروسية" (٥). و بضوء هذا الكلام ربما كانت "واقعية" القرن التاسع عشر في فرنسا و الثامن عشر في إنكلترا ليست مجرد وحدات معرفية تعكسها الرواية، أو أنها كانت مجالا تطور فيه جنس الرواية، أو مساحة تضمنت في ذاتها البذور المنافسة لصعودها الخاص. إنه يمكننا قراءة مدام بوفاري، و هذا مؤكد (٦)، و كأنها هجوم على فكرة "الواقعية"، أو كأنها رمز تصوري عن سلطة اللغة و الأدب. إن إيما إنسانة واقعية ساذجة، مثل دون كيشوت، وهي تؤمن أن الكلمات في أي كتاب تحيل مباشرة إلى الواقع، و إلى الخبرات و التجارب "الموجودة هناك" و التي هي بانتظارها.
أضف لذلك إن تاريخ نقد الرواية يبين أنه، حينما كان شكل الرواية يتطور، كانت نظريتها تتجمد في حقبة من القرن الماضي. و الذي كان مرحلة أدبية مؤقتة أصبح حدا ثابتا في النقد. من هذه النقطة، أي شكل تراه هو متحرك و متجاوز لمرحلته و يمكن أن تتعامل معه بمصطلحات سالبة (ليس على أنه رواية، و في أفضل الأحوال على أنه رواية جديدة أو ربما ما بعد سرد)، و هذا يلغي إمكانية النظر له بمصطلحات تطور الجنس بمفردات طبيعية و ديالكتيكية، كما كانت التقاليد الأساسية تفعل بواسطة أشكال تأخذها من مرجعياتها القديمة.
و على ما يبدو إن واحدا من الأسباب التي تشرح لماذا هذا النوع من السرد غير مقبول من وجهة نطر تقاليد نوعه، تجده في الأسس النظرية "للواقعية التقليدية"، و هو ما يمكن أن تسميه محاكاة المنتوج. لقد كان على القارئ أن يعرف المنتوج الذي نحاكيه- في شخصياته و أفعاله و أجوائه- و أن يلاحظ التشابه مع النماذج الموجودة في الواقع الإمبريقي، و ذلك لتبرير القيمة الأدبية و تفعيلها. و بما أنه لا يوجد كود، و لا تقاليد، لهذه الآلية، و لا اعتراف بها، فإن عملية القراءة تكون مصطلحا غير ملموس. إن ما بعد السرد، على العكس من ذلك، يعري التقاليد، و يقاطع الكود الذي علينا الاعتراف به. و على القارئ أن يعترف بمسؤوليته عن فعل فك الكود، لأنه هو فعل القراءة.
وبما أنه أصبح خارج مجاله و تم استبعاده و إلغاء وجوده، كان عليه طوعيا أن يؤسس كودا جديدا ليتفاهم مع الظاهرة الأدبية الجديدة. إن المنتوج الذي يقوم بالمحاكاة لا يكفيه أن يقوم بوظائف القارئ الجديدة كما هي في النصوص، و لا أن يعمل على محاكاة الآليات الاحتمالية. إن الرواية بعد الآن لا تبحث عن طريقة لتوفير نظام و معنى يجب الإقرار بهما من قبل القارئ. إنها الآن تتطلب أن يكون القارئ واع للعمل، و لبنيته الفعلية، التي عليه ان يتولاها برعايته، فالقارئ، بتعبير إنغاردين، يعمل على بلورة (٧) العمل الفني و يمنحه الحياة.
وعليه إن فعل القراءة نفسه، مثل فعل الكتابة، هو الوظيفة الإبداعية التي يلفت انتباهنا لها العمل الفني. و هذه الآلية الآن هي هدف المحاكاة و لكنها لا تغير الطبيعة الأساسية للرواية باعتبار أنها جنس محاكاتي. ما بعد السرد هو سرد أيضا، على الرغم من الانزياح الذي تعرض له السرد بحيث أنه انتقل من المنتوج الذي يمثله إلى الآلية الانتاجية نفسها.
إن السرد ينطوي على تمثيل تلقائي و لكنه لا يزال تمثيلا. و كل الفنون كانت دائما كما يقول كلوديو غولين:"كتلة غير عضوية أو آلية لها صفات شكلية و حدود للتعبير و عليه هي قادرة بدورها على تحفيز نوع من الخبرات الهامة ( فهي الحياة نفسها أيضا)(٨).
إن الفن ليس محاكاة: فقد ضمنت البلاغة التقليدية بعض الحريات لمن يحاكي الطبيعة و ذلك بغض الطرف عن الانحرافات و بغاية توفير تعليمات ما أو بهجة ما. و يؤكد سيدني أن الشاعر يعلمنا بشكل أفضل لأنه يخلق طبيعة أخرى، أو كونا مختلفا. و مقالة أديسون عن " متعة التخيل" قد مهدت الطريق للنظريات الرومنسية غير الأداتية التي هي أساس السيادة في الإبداع. و ضمن هذه التقاليد، إن نظريات المحاكاة المتعنتة التي تحكمت بالواقعية الروائية في القرن الثامن عشر في إنكلترا و القرن التاسع عشر في فرنسا تبدو تقريبا كردات فعل، و لا سيما بضوء الحريات و السيادة التي كان يبحث عنها سيرفانتس و ستيرن و ديدرو و عدد آخر من بواكير الروائيين.إن ما بعد السرد الذي يجد موضوعا له في صناعة سردياته يفتح الباب لشكل من أشكال تحدي الواقعية. و ربما هذا يعني العودة لما ننظر إليه على أنه التيار الأساسي لتقاليد حرية السرد، فهو يستوعب نظريته الخاصة، و يتطلب أن نتعامل معه بمصطلحاته الخاصة. إن اتجاه التاريخ الأدبي قد تعرض للتحوير، و كما هو الحال دائما، قد تعرض للتبدل بواسطة النصوص، و ليس النقاد. و في الواقع، إن هذا السرد النرجسي الجديد يسمح (يفرض؟) إعادة تقييم روايات الماضي، و الفضل في ذلك يعود لتحديه للنواقص، و لتجسيد الفكرة النقدية عن الواقعية التي تقوم على محاكاة ضعيفة للمنتوج وحده.
ليندا هتشيون Linda Hutcheon: متخصصة بالأدب المقارن. حصلت على الدكتوراة من جامعة تورنتو، و تنشر في المجلات الدولية و في بعض المختارات حول نظرية الأدب.

١- "مقدمة" للنظام الأدبي. مقالات عن نظرية تاريخ الأدب (برنسيتون، منشورات جامعة برنسيتون ، ١٩٧١). ص١٢.
٢- انظر روبرت شولز،" عن الواقعية و الجنس النوعي". اوفيل، ٢ (ربيع ١٩٦٩)، ٢٦٩، : يبدو لي ان كل الظاهرة المعروفة باسم واقعية تتحكم بها لقرون الافتراضات الإمبريقية و المواقف الخاصة بطبيعة الواقع. و تلك الافتراضات قد بدات الآن تفقد قوتها مثل الافتراضات الدينية التي تحكمت بما يسميه فيورباخ " الواقعية التصورية" التي فقدت قوتها مع نهايات العصور الوسطى. نحن ايديولوجيات مهدورة... و كما اعتقد اجد في الكتاب الذين قلت عنهم انهم مخترعون الطريق الذي يقودنا الى الواقع الجديد". انظر أيضا: موراي بومغارتون، " من الواقعية الى التعبيرية: باتجاه تاريخ للرواية". تاريخ ادبي جديد، ٦( شتاء، ١٩٧٥). ٤١٦، عن النطاق الانطولوجي و المعرفي في السرديات.
٣- انظر ستانلي. ي. فيش، التلفيقات الفنية التي تستهلك نفسها: تجربة الادب في القرن السابع عشر ( بيركلي: منشورات جامعة كاليفورنيا، ١٩٧٢). و الإثم المفاجئ: القارئ في الفردوس المفقود( لندن، ماكميلان، ١٩٦٧).
٤- انظر، ميشيل فوكو، الكلمات و الأشياء(باريس، غاليمار، ١٩٦٦). ص ٦٢. و مارث روبيرت ، رواية الاصول و اصول الرواية( باريس، ب غراسي، ١٩٧٢)، ص، ١١.
٥- علامات و تنويعات ( نيويورك، دوتون، ١٩٦٩)، ص ٧٧.
٦- انظر ايضا من بلزاك الى بيكيت لليو بيرزانيا(نيويورك، منشورات جامعة اكسفورد، ١٩٧٠).
٧- النشاط الادبي في الفن (ايفانستون: منشورات جامعة نورثويستيرن،١٩٧٣)، ص ٣٥٢. ٨. " جماليات التأثير الأدبي"، النظام الأدبي، ص ٢٨.











تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow