Alef Logo
دراسات
              

العلمانية.. في بعض من ملامحها الحقيقة

رسلان عامر

خاص ألف

2017-06-10


فهرس المقالة:
1- مقدمة
2- لبس في المصطلح
3- العلمانية و الدولة
4- العلمانية و السياسة
5- العلمانية و الإيديولوجيا
6- العلمانية و المجتمع
7- العلمانية و الدين
8- العلمانية و القومية
9- العلمانية و الفلسفة
10- العلمانية و الديمقراطية
11- العلمانية و الإسلاميون
12- العلمانية في العالم المتقدم
13- خلاصة.



*

1-مقدمة
مع بداية الربيع العربي، نشط الكلام في وسائل الإعلام عن قضايا كـ " الحرية و الديمقراطية و العلمانية، وما شابه"، و هي قضايا كان الكلام فيها سابقا نوعا من التنظير البعيد عن الواقع العربي، و شأنا خاصا من شؤون الباحثين و المفكرين و الحالمين؛ لكن دوران عجلة التغيير، أعاد هذه القضايا إلى أرض الواقع، و خلق شعورا حقيقيا بأن التفكير بتحقيق هذه القضايا، لم يعد ضربا من الحلم أو الوهم، و أن البحث فيها لم يعد ترفا فكريا أو احترافا بحثيا.
لكن من يتابع وسائل الإعلام، و يطلع على العديد من مناهج الأحزاب و الحركات السياسة، التي شـُكلت في هذه المرحلة، سيرى أنه في أغلب الحالات ثمة قصور حقيقيي في فهم تلك القضايا،و مقاربات لا تتعمق في مضمونها بقدر ما تقاربها على مستوى الشكل و السطح؛ و في هذه المقالة سيجري الكلام في بعض أهم المسائل المتعلقة بالعلمانية.

2- لبس في المصطلح:
غالبا ما تلفظ العلمانية بكسر العين، وهذا يعطي انطباعا أن المصطلح مشتق من كلمة "عـِلم"، و أنها بذلك تعني المنهجية الفكرية القائمة على "العلم"، و مع أن دور العلم هو دور أساسي في العلمانية، فالمنهجية الفكرية القائمة على العلم هي قضية أخرى، و ميدان نشاط و بحث آخر غير العلمانية، و هي تسمى في اللغات الغربية (Scientism) أي "علموية"، و هي مشتقة من كلمة (Science) أي "علم" (بكسر العين)، أما العلمانية، فلفظها العربي الصحيح هو بفتح العين، وهي عربيا مشتقة من كلمة "عـَلم" أي "عالـَم"، كمقابل لمصطلح الغربي (Secularism) المشتق من اللاتينية (Secularis)، التي تعني "عصر أو جيل"، و هذا المصطلح الأخير يعود إلى أصول كنسية، حيث كانت الكنيسة تقسم رعاياها إلى فئتين، أولاهما هم رجال الدين و الرهبان، و ثانيهما هم عامة الناس، الذين يسمون بالعـَلمانيين، أي المنتمين إلى العالم، أو العالمانيين.
و مع بداية عصر النهضة الأوروبي، وتطور الفكر الفلسفي و العلمي و المدني، بدأت العلمانية تعني الانفصال عن الكنيسة، و ظهرت حركات تطلق على منهجيتها تسمية العلمانية، و تطالب بفصل الدولة و المدرسة عن الكنيسة؛ ثم توسع الفكر العلماني بحيث لم تعد العلمانية تعني فقط النظام السياسي الاجتماعي الذي لا تتدخل فيه الكنيسة و الدين، و صار مفهوم "علماني" يعني تقريبا "لا ديني"( و ليس "ضد ديني")على كافة الصعد، و صار يشمل الفكر الفلسفي و الموقف الفكري المنفصل عن الدين، ثم تطور أكثر في جانبه السياسي و الاجتماعي، بحيث لم يعد مقتصرا على الفصل بين الدولة و السياسة من جهة، و الدين من جهة أخرى، بل امتد إلى دور الدين في المجتمع، و وصل إلى قضايا المقدس و الإيديولوجيا بشكل عام، و موقع الدولة و المجتمع من كل منهما.

3- العلمانية و الدولة:
إن فصل الدين عن الدولة هو شرط لازم في العلمانية، و يجب أن يتحقق على مستوى السلطات الثلاث تنفيذيا و تشريعيا و قضائيا، وهذا يعني أنه لا يجوز لرجال الدين و المرجعيات الدينية كافة آن تلعب أي دور لا في الحكومة و لا في التشريع و لا في القضاء، و يجب أن تكون الدولة بكافة أجهزتها و على كافة مستوياتها محايدة دينيا، و على مسافة واحدة من كافة مكونات سكانها الدينية و اللادينية، و ألا يكون فيها أي تميز على المستوى الرسمي و غير الرسمي بين شخص أو آخر، أو بين أية جماعة آو أخرى على أساس ديني؛ و بالمقابل لا يحق للدولة التدخل في الشأن- أو الشؤون- الدينية لسكانها، ما دام النشاط الديني سلميا و غير مسبب لأي أذى، لكن عندما يغدو النشاط الديني ضارا للفرد أو المجتمع أو الدولة، فهنا تتدخل الدولة، وهذا واجبها، لمنع الضرر، و هي هنا تتدخل بصفتها مكلفة بحماية فردها و مجتمعا و نفسها، وعلى أساس قانوني و أمني ، و ليس على أساس ديني.

4- العلمانية و السياسة:
ما تقدم حكما يقتضي فصل الدين عن السياسة ككل، و بالتالي لا يجوز استخدام الدين لأي غرض سياسي، سواء من قبل الشخصيات السياسية أو من قبل الشخصيات الدينية على حد سواء، و لا يحق لأي طرف منهما بتاتا التدخل في شؤون الطرف الآخر بصفته الرسمية، فلا يحق للشخصية الدينية من موقعها الديني التدخل في أي شأن سياسي، و بالمقابل لا يحق للسياسي بصفته كسياسي التدخل في الشأن الديني؛ و لكن من حق كل منهما بصفته كـ "مواطن" أن يتبنى الوقف الذي يريد من الآخر، فللمواطن الحق بالتدخل في كافة الشؤون، واتخاذ منها كل المواقف، وهذه نقطة جد حساسة، وتقتضي الحذر من الخلط بين الصفات و المواقع.
كما أنه علمانيا لا يجوز تشكيل الأحزاب و التنظيمات السياسية على أساس ديني، أي باستخدام الدين بشكل مباشر في إيديولوجياتها و برامجها، و لكن هذا لا يمنع أن تشتق منها المبادئ و القيم و الغايات التي تبنى عليها الإيديولوجيات و البرامج، و هنا يلعب الدين هذا الدور بصفته ثقافة اجتماعية واقعية، و ليس بصفته عقيدة ذات أصل إلهي مفترض ما.

5- العلمانية و الإيديولوجيا:
إن الفصل بين الدولة و الدين هو شرط لازم للعلمانية، كما سلف القول، و لكنه غير كاف، بمعنى أنه عندما يجب على الدولة ألا تتبنى أي دين محدد أو تحبذه، و أن تكون مستقلة دينيا، فبنفس الوقت عليها ألا تتخذ "أي دين بديل"، أي أن تتبنى أية إيديولوجيا رسمية، و هذا يعني أن الدولة العلمانية التي تستقل عن الدين بصفته "عقيدة مقدسة"، عليها ألا تحل محلها "عقيدة مقدسة أخرى"، و إن كانت ذات منشأ و ضعي، و تتخذ طابع فلسفيا أو سياسيا؛ فالدولة يجب ألا يكون لديها أية عقيدة أو أي مقدس خاصين، و الدولة التي تتبنى رسميا أية عقيدة سياسة، سواء كانت دينية أو قومية أو اشتراكية أو ليبرالية ، أو سواها، هي دولة غير محايدة و منحازة، و وصائية، و هي ليست فقط لا تحقق العدالة في الموقف من كافة مكوناتها السكانية في حالة التنوع، بل هي بهذا اللاحياد يمكن أن تتحول إلى قيد قسري يشل حركة و تقدم الفكر و الثقافة في مجتمعها.

6- العلمانية و المجتمع:
العلمانية أيضا تقتضي إبعاد كافة أشكال التدين و الأدلجة عن المجتمع ككل، و أن يغدو الدين في المجتمع شأنا فرديا محضا، و أن ينتمي إلى دائرة الفردية، و بالتالي، في المجتمع العلماني ليس ثمة شيء يسمى دينا رسميا، ودينا غير رسمي، و دين معترف به، و آخر غير معترف به، و كذلك الأمر بالنسبة لأية عقيدة أو إيديولوجيا؛ وكل دين أو معتقد هو حق كامل من حقوق صاحبه الشخصية، و يمكن للشخص أن يكون ملتزما بدين ما أو بعقيدة ما أو ألا يكون، و الكل علمانيا هم سواسية بغض النظر عن الدين أو العقيدة، فالمجتمع العلماني يتسع للمتدين و اللامتدين و الملحد، و للمحافظ و غير المحافظ، و يتسع للمسيحي و المسلم و البوذي و الطاوي و الهندوسي، و لليبرالي و الاشتراكي و القومي، و لسوا أولئك كلهم، مادمت نشاطاتهم سلمية و لا تلحق ضررا بأحد.

7- العلمانية و الدين:
كثيرا ما تقرن العلمانية بالإلحاد، و هو علمانيا حق لصاحبه كحق المتدين في دينه، و تفهم أنها معاداة للدين و إقصاء له، و هذا حقيقة سوء فهم، أو سوء قصد! و هذه صورة لا أساس لها من الصحة، فواقعيا العلمانية هي حياد سياسي و اجتماعي على المستوى الرسمي في الموقف من الدين، و هي ليست ضد الدين، و لا هي مع الإلحاد، و لا بالعكس، و هي محايدة إيجابيا في موقفها من كل العقائد الدينية و الوضعية، و ليست ضد أية منها، و لا مؤيدة لها؛ و هي بذلك تضمن حقوق الجميع في الدين و العقيدة و الإلحاد، وهذه كلها تندرج علمانيا في إطار حق "حرية الضمير" المكفول للجميع.
و في النظام العلماني ، حيث يتم الفصل بين الدين و الدولة، و الدين و المجتمع، و حيث يبتعد الدين عن السياسة و الشأن العام، ينتمي الدين كليا إلى "نطاق الفردية"، الذي تنميه العلمانية إلى أبعد الحدود، و تحميه بأفضل الأشكال، و هذا ما ينعكس على الدين بأفضل الصور، فيضعه في موقع الإنساني الصحيح، و يحرره من كافة أشكال التسييس و الاستغلال، و يحميه من كل أنواع الاضطهاد؛ فلا سياسي يسيّس الدين لمصلحته، و لا كاهن يسخره لخدمته، و لا جهة رسمية أو أهلية تضطهد المختلف في الدين أو المعتقد عنها جماعة أو شخصا، و لا قوانين تميز بين الناس بسبب ديانة أو عقيدة أو إلحاد؛ فالكل سواسية..من منطلق إنسانيتهم، و إنسانيتهم و حسب.
و الخلاصة أن العلمانية هي نظام الحريات الاجتماعية و العقائدية و الدينية.

8- العلمانية و القومية:
القومية (nationality) كظاهرة طبيعية و هوية لا تعارض بينها و بين العلمانية، و لكن القومية المسيّسة (nationalism) أو المؤدلجة، و سياسة الدولة – الأمة (state-nation)، أو الأمة – الدولة (nation-state)، لا تتوافق مع العلمانية، ، فمنهجية "الأمة- الدولة" تقوم على مبدأ أن الأمة، أي القومية كجماعة، يجب أن تشكل دولة واحدة، أو أن يكون لها دولتها الخاصة، وهذه عادة سياسة الأقليات القومية التي تسعى للانفصال في الدول المتعددة القوميات، و في مواجهتها نجد سياسة الدولة- الأمة، التي تقوم على مبدأ أن الدولة يجب أن تكون أمة واحدة و جماعة قومية واحدة، و هذه سياسة تتبعها الأغلبيات القومية في الدول التعددية، حيث تسعى القومية الأكبر لدمج و تذويب القوميات الأصغر في ثقافتها، أو على الأقل تهميشهم و الانتقاص من حقوقهم؛ و فعليا كل من الدولة -الأمة و الأمة –الدولة هما منهجيتان سياسيتان إيديولوجيتان تتبنيان سياسة و إيديولوجيا قومية فئوية متطرفة، و هذا مرفوض علمانيا، حيث لا يحق للدولة أن تتبنى أية إيديولوجيا أو سياسة فئوية، و عليها أن تكون على مسافة واحدة من جميع فئات مكوناتها السكانية، ومن جميع إيديولوجياتهم؛ و فيها يعتبر الشعب شعبا واحد بغض النظر عما فيه من تنوعات إثنية أو دينية أو إيديولوجية أو سواها؛ و فيما تؤسس كل من سياستي الأمة- الدولة و الدولة- الأمة لأنظمة متوترة و غير مستقرة، ومهددة دائما بالانفجار و الصراع و الانقسام، فالعلمانية تؤسس لنظام يقبل التعددية، و يساوي بين كل المكونات السكانية، و يحقق التوازن و الانسجام بينها، وهذا ما يجعله نظاما مستقرا قابلا للاستمرار و الازدهار.

9- العلمانية و الفلسفة:
في ما سبق جرى الحديث عن العلمانية بصفتها نظاما اجتماعيا سياسيا، محايدا عقائديا، و بالتالي يمكن لأي متدين أو عير متدين أن يحافظ على دينه الخاص أو عقيدته الخاصة، فيكون مسلما أو مسيحيا في الدين، أو اشتراكيا أو ليبراليا في الإيديولوجيا، أن يكون علمانيا في مواقفه السياسية و الاجتماعية دون أي تناقض بين العلمانية و الدين أو العقيدة.
لكن يمكن للعلمانية أيضا أن تطلق على ذلك النمط الفكري المستقل، الذي يقوم على أسس علمية و فلسفة محض، و لا يرتبط بدين أو معتقد محدد، و الذي يعترف بإنسانية أديان و معتقدات الآخرين و حقها بالوجود؛ و هذا النمط لا يعني حكما الإلحاد (atheism)، بل يمكن و على نفس الدرجة أن يكون منظومة "تأليه فلسفي" أو "فلسفة لاهوتية" (philosophical theism).

10- العلمانية و الديمقراطية:
بين العلمانية و الديمقراطية ثمة تلازم مصيري، إلى درجة أنه يصح القول أن الديمقراطية جسد روحه العلمانية، فالنظام العلماني لا يمكن إلا أن يكون ديمقراطيا، و بالعكس، و صفتا العلمانية و الديمقراطية، لا وجود لهما في الأنظمة العسكرية، و القومية، و الشمولية، و الإيديولوجية.
فالأنظمة العسكرية هي بطبيعتها العسكرية- مثل الأنظمة الدينية- هي غير علمانية، فالعلمانية مدنية، وبامتياز، وما فيها من عسكرة و لا تديين و لا أدلجة؛ و هذه الأنظمة تقصي أحيانا جميع الأديان و الإيديولوجيات و تحاربها، لكنها في معظم الأحيان تعتمد على أحدها أو بعضها و تكرسه، و تميزه بدرجات محددة أو كبيرة عن سواه، وهذا بدوره مناقض لكل من العلمانية و الديمقراطية.
و الأنظمة الشمولية، وهي بدورها غالبا ما تكون ذات إيديولوجية أو عقيدة محددة، و معتمدة في بقائها على قوة العسكر(جيشا أو بوليسيا أو مخابراتا، وما شابه)، و هذا أيضا ضد كل من العلمانية و الديمقراطية؛ وحتى لو افترضنا نظريا فيها الحياد العقائدي، أو اللاعقائدية، فحيادها بتاتا ليس إيجابيا، فهو لا يقوم على اعتراف مبدئي كلي بالآخرين، بل هو مترافق بإلغاء كلي أو جزئي لهم.
أما الأنظمة القومية، و هي شكل من أشكال الشمولية، فهي أنظمة تمييز فئوي، بما يخالف الديمقراطية، وذات عقيدة فئوية بما يخالف العلمانية، وهي لا تحقق المساواة في الهوية و الحقوق لأفراد شعبها.
و الأنظمة الإيديولوجية ( على غرار الشيوعية)، رغم تطرفها اللاديني ، فيه أيضا أنظمة إيديولوجيا فئوية، و هي لا تقبل التعدد العقائدي و السياسي، و هذا يعني دكتاتوريتها على المستوى الفكري و السياسي، و هي لا تحقق شروط التساوي بين مكوناتها الشعبية المفترضة، مما يخرجها من دائرة العلمانية و الديمقراطية.
أما الدولة الدينية، فمن نافل القول أنها ليست علمانية، و كذاك الأمر في ما يتعلق بديمقراطيتها، فهي ببساطة تميز بين الناس على أساس ديني ..و ترفض حرية الضمير.
و ما تقدم في هذه الفقرة يدل بوضوح على التلازم التام بين العلمانية و الديمقراطية.


11- العلمانية و الإسلام السياسي:
الإسلاميون يرفضون العلمانية بشدة، و يقفون ضدها، بل ويكفرونها في معظم الأحيان، و هذا جد مفهوم، فهي البديل و النقيض لنموذج الدولة الدينية الذي يبتغونه، و يسعون لتحقيقه و فرضه بالقوة.
و هم في عدائهم للعلمانية يدعون الانطلاق من منطلق الغيرة على الإسلام و الحفاظ عليه، بينما في حقيقة الأمر هم أكثر من يشوه صورة الإسلام و يورطه في مشاكل و جرائم مناقضة للإنسانية؛ أما العلمانية فيه لا تشكل خطرا لا على الإسلام و على أي دين أو معتقد أو إيديولوجيا، و لا على أي قومية، أو هوية، و لنا في الدول الديمقراطية المتحضرة مثال على ذلك؛ أما الإسلاميون السياسيون، فهم في جلهم ينقسمون بين متعصب و انتهازي؛ المتعصب منهم يريد أن يحتكر الحق و الحقيقة و الدين و الجنة ..بل و حتى الله، و يسعى لفرض رأيه و إيمانه على الغير و إجبارهم بالسير على هواه، أما الانتهازي فهو يزج الدين في أقبح المواضع و يستغله أبشع استغلال من اجل تحقيق مآربه الخاصة الخبيثة!
و لن نطيل أكثر في الحديث عن مخاطر هذه السياسات، و لن نذهب بعيدا للبحث عن أدلة، فالواقع أمامنا يرينا بمنتهى الوضوح أن أي بلد انتشر فيه الإسلام السياسي ، قد ابتلي في المحصلة بالصراع و التناحر الكارثتين، حتى في ما بين فصائل الإسلام السياسي نفسها، وهذا قد حدث في إفغانستان، و يحدث اليوم في ليبيا و اليمن و العراق و سوريا و سواها.

12- العلمانية في العالم المتقدم:
لقد كان الغرب الأوروبي سباقا في طرح و تبيني العلمانية، و هو اليوم قد قطع شوطا كبيرا في التقدم في طريق العلمنة و الديمقراطية، و لكن من الخطأ التوهم أن هذا الغرب قد أكمل بناءه العلماني الديمقراطي، فهذه عملية مستمرة و متطورة ما دامت البشرية مستمرة و متطورة، و لذا يمكن القول أن كل من المبهورين بإنجازات الغرب، و الذين يستغلون ما في الواقع و السياسات الغربية من عيوب و مثالب لنفي كل هذه المنجزات، هم على خطأ أو ضلال، فالغرب عموما ما تزال لديه مشاكله و تناقضاته، وهو ليس بالمدينة الفاضلة، و لكنه نجح رغم كل عيوبه حتى الآن في تثبيت سلطة العقل و العلم، و في ترسيخ مبدأ الانطلاق من الإنسان.
و شرقا في دول شرق آسيا، و بعض دول جنوبها و وسطها، وغيرها، العلمانية تتقدم بخطى راسخة، و تتوطد ثقافة و سياسة الديمقراطية؛ و هنا يمكننا القول للـ (غيورين على الإسلام) أن العلمانية في اليابان لم تؤذ البوذية و ديانة الشنتو ، و ما تزال البوذية بخير و ازدهار في كوريا الجنوبية، و كذلك حال الهندوسية و الإسلام نفسه في الهند، حيث يعتبر المسلمين من دعاة العلمانية الناشطين فيها، و كذلك الحال في تركيا، فالشعب التركي ما يزال شعبا مسلما!


13- خلاصة:
لقد أوصلتنا النظم الديكتاتورية الفاسدة ، التي تتداخل فيها العسكرة مع الأدلجة و الشمولية، ومع القومية ، والطائفية، و العشائرية، ومع الطفيلية الاقتصادية، و المخترقة حتى الصميم من قبل القوى الإقليمية و الدولية الطامعة، إلى كارثة عظمى؛ و علينا قبل فوات الأوان أن نفهم حقيقة الداء..و نعترف بصحيح الدواء، فأي سياسة محكومة بدرجة أو بأخرى بكل أو بعض تلك العوامل المدمرة، التي ذكرت أعلاه، لن تكون إلا استمرارا للسياسات الوبائية المهلكة؛ و العلاج السليم هو بتبني النظام الذي ينقذ المجتمع و الدولة، من أخطار الطائفية و العشائرية، و العسكرة، و الأدلجة، و التطرف الديني أو القومي، و التبعية الاقتصادية، و ينقذ هذه الفئات نفسها من بعضها البعض و من نفسها، و هذا النظام هو النظام العلماني الديمقراطي، أو الديمقراطي العلماني.

*
سوريا- السويداء
7- حزيران-2017



تعليق



رسلان عامر

2017-06-14

شكرا على النشر ..مع التحية.

رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

التوحيد التشخيصي المفارق.. و خطر تصنيم الإله و إلغاء الإنسان

16-أيلول-2017

العلمانية.. في بعض من ملامحها الحقيقة

10-حزيران-2017

آن الأوانْ

04-آذار-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow