Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : البيان والتبيين المؤلف : أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ج5

خاص ألف

2017-05-27

حين مر بابرهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب وهو يعلم فتيانهم الخطابة فوقف بشر فظن ابرهيم أنه إنما وقف ليستفيد او ليكون رجلا من النظارة فقال بشر أضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا
ثم دفع اليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه وكان أول ذلك الكلام
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراع بالك واجابتها إياك فان قليل تلك الساعة اكرم جوهرا وأشرف حسبا واحسن في الاسماع وأحلى في الصدور وأسلم من فاحش الخطأ وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع واعلم ان ذلك اجدى عليك مما يعطيك [ يومك الاطول بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة ومهما اخطأك لم يخطئك ان يكون مقبولا قصدا وخفيفا على اللسان سهلا وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه وإياك والتوعر فان التوعر يسلمك الى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما فان حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ومن حقهما ان تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما وعما تعود من اجله الى ان تكون اسوأ حالا منك قبل ان تلتمس اظهارهما وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما وكن في ثلاث منازل فان أولى الثلاث ان يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما سهلا ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا إما عند الخاصة ان كنت للخاصة قصدت وإما عند العامة ان كنت للعامة أردت والمعنى ليس يشرف بان يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بان يكون من معاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب واحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال وكذلك اللفظ العامي والخاصي فان امكنك ان تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك على ان تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الالفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الاكفاء فانت البليغ التام
قال بشر فلما قرئت على ابراهيم قال لي أنا احوج الىهذا من هؤلاء الفتيان
قال ابو عثمان اما انا فلم أر قط امثل طريقة في البلاغة من الكتاب فانهم قد التمسوا من الالفاظ ما لم يكون متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا واذا سمعتموني أذكر العوام فاني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة ولست أعني الاكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار ولست أعني من الامم مثل اليبر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل
الزنج وأمثال الزنج وانما الامم المذكورون من جميع الناس أربع العرب وفارس والهند والروم والباقون همج وأشباه الهمج وأما العوام من اهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وادبنا واخلاقنا فالطبقة التي عقولها واخلاقها فوق تلك الامم ولم يلبغوا منزلة الخاصة منا على ان الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا
ثم رجع بنا القول الى بقية كلام بشر بن المعتمر والى ما ذكر من الاقسام قال بشر
فان كانت المنزلة الاولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسنح لك عند اول نظرك وفي اول تكلفك وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر الى قرارها والى حقها من اماكنها المقسومة لها والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تصل بشكلها وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الاماكن والنزول في غير اوطانها فانك اذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك احد وان انت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك بصيرا مما عليك او مالك عابك من انت اقل عيبا منه ورأى من هو دونك انه فوقك فان ابتليت بان تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في اول وهلة وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر ودعه بياض يومك أوسواد ليلك وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فانك لا تعدم الاجابة والمواتاة ان كانت هناك طبيعة او جريت من الصناعة على عرق فان تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ومن غير طول اهمال فالمنزلة الثالثة ان تتحول من هذه الصناعة الى اشهى الصناعات اليك واخفها عليك فانك لم تشتهه ولم تنازع اليه الا وبينكما نسب والشيء لا يحن الا الى ما يشاكله وان كانت المشاكلة قد تكون في طبقات لان النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة والشهوة فهكذا هذا
وقال ينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين وبين اقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ويقسم
اقدار المعاني على اقدار المقامات واقدار المستمعين على اقدار تلك الحالات فان كان الخطيب متكلما تجنب الفاظ المتكلمين كما انه ان عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا او مجيبا او سائلا كان اولى الالفاظ به الفاظ المتكلمين اذ كانوا لتلك العبارات أفهم والى تلك الالفاظ أميل واليها أحن وبها أشغف ولان كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق اكثر الخطباء وابلغ من كثير من البلغاء وهم تخيروا تلك الالفاظ لتلك المعاني وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الاسماء وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف وقدوة لكل تابع ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس وفرقوا بين البطلان والتلاشي وذكروا الهذية والهوية والماهية واشباه ذلك وكما وضع الخليل ابن احمد لاوزان القصيد وقصار الارجاز القابا لم تكن العرب تتعارف تلك الاعاريض بتلك الالقاب وتلك الاوزان بتلك الاسماء كما ذكر الطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل واشباه ذلك وكما ذكر الاوتاد والاسباب والخرم والزحاف وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والاقواء والاكفاء ولم اسمع الايطاء وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب وذكروا حروف الروي والقوافي وقالوا هذا بيت وهذا مصراع وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره

( لم أقو فيهن ولم أساند ... )
وقال ذو الرمة
( وشعر قد أرقت له غريب ... أجانبه المساند والمحالا )
وقال أبو حزام العكلي
( بيوتا نصبنا لتقويمها ... جذول الربيئين في المربأه )
( بيوتا على الهالها سجحة ... بغير السناد ولا المكفأه )
وكما سمى النحويون فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك لانهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو
وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا اسماء وجعلوها علامات للتفاهم
قالوا وقبيح بالخطيب ان يقوم بخطبة العيد او يوم السماطين او على منبر جماعة او في سدة دار الخلافة او في يوم جمع وحفل إما في اصلاح بين العشائر واحتمال دماء القبائل واستلال تلك الضغائن والسخائم فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشان رفيع المكان ثم ان الله عز و جل بعد ان أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم فتلاشوا ولولا ان المتكلم افتقر الى ان يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي ان يؤخذ فوق يده وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته واخرجه الله من باب الليسية فأدخله في باب الايسية وقال مرة اخرى في خطبة له هذا فريق ما بين السار والضار والدفاع وقال مرة اخرى فدل ساتره على غامره ودل غامره على منحله فكاد ابرهيم ابن السندى يطير شفقا ويتقد غيظا هذا وابراهيم من المتكلمين والخطيب لم يكن من المتكلمين
وانما جازت هذه الالفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الاسماء عن اتساع المعاني وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر ابي نواس وفي كل ما قالوه على جهة التظرف والتملح كقول أبي نواس
( وذات خد مورد ... قوهية المتجرد )
( تأمل العين منها ... محاسنا ليس تنفد )
( فبعضها قد تناهى ... وبعضها يتولد )
( والحسن في كل عضو ... منها معاد مردد )
وكقوله
( يا عاقد القلب مني ... هلا تذكرت حلا )
( تركت قلبي قليلا ... من القليل أقلا )
( يكاد لا يتجزا ... أقل في اللفظ من لا )
وقد يتلمح الاعرابي بان يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية كقول العماني للرشيد في قصيدته التي مدحه فيها
( من يلقه من بطل مسرند ... في زغفة محكمة بالسرد )
( يجول بين رأسه والكرد ... )
يعني العنق ويقول فيه أيضا
( لما هوى بين غياض الاسد ... وصار في كف الهزبر الورد )
( آلى يذوق الدهر آب سرد ... )
وكقول الاخر
( وولهني وقع الأسنة والقنا ... وكافر كوبات لها عجز قفد )
( بأيدي رجال ما كلامي كلامهم ... يسومونني مردا وما أنا والمرد )
ومثل هذا موجود في شعر العذافر الكندي وغيره ويجوز أيضا ان يكون الشعر مثل شعر الحروشاذ وأسود بن أبي كريمة كما قال يزيد بن ربيعة ابن مفرغ
( آب ست نبيذ است ... عصارات زبيب است )
( سمية روسبيد است ... )
وقال أسود بن أبي كريمة
( لزم الغرام ثوبي ... بكرة في يوم سبت )
( فتمايلت عليهم ... ميل زنكي بمست )
( قد حسا الداذي صرفا ... او عقارا بايخست )
( ثم كفتم ذو زياد ... ويحكم ان خر كفت )
( إن جلدي دبغته ... أهل صنعاء بحفت )
( وأبو عمرة عندي ... ان كور يذنمست )
( جالس اندر مكناد ... ايا عمد بنهشت )
وكما لا ينبغي ان يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا فكذلك لا ينبغي ان يكون غريبا وحشيا الا ان يكون المتكلم بدويا اعرابيا فان الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي
وكلام الناس في طبقات كما ان الناس أنفسهم في طبقات فمن الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والسميح والخفيف والثقيل وكله عربي وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا قال زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل ولا بينهم في ذلك تفاوت فلم ذكروا الغيبي والبكي والحصر والمفحم والخطل والمسهب والمتشدق والمتفهق والمهماز والثرثار والمكثار والمهماز ولم ذكروا الهجر والهذر
والهذيان والتخليط وقالوا رجل تلقاعة وتلهاعة وفلان يتلهيع في خطبته وقالوا فلان يخطىء في جوابه ويحيل في كلامه ويناقض في خبره ولولا ان هذه الامور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الاسماء
وانا أقول انه ليس في الارض كلام هو أمتع ولا أنفع ولا انق ولا ألذ في الاسماع ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الاعراب الفصحاء العقلاء والعلماء البلغاء وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا الا أني ازعم ان سخيف الالفاظ مشاكل لسخيف المعاني وقد يحتاج الى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم ومن الالفاظ الشريفة الكريمة المعاني كما ان النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا وانما الكرب الذي يخيم على القلوب ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا هي باردة وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط وانما الشأن في الحار جدا والبارد جدا
وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول والله لفلان أثقل من مغن وسط وأبغض من ظريف وسط
ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الاعراب فاياك وان تحكيها الا مع إعرابها ومخارج ألفاظها فانك ان غيرتها بان تلحن في اعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير وكذلك اذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام فاياك وأن تستعمل فيها الاعراب او ان تتخير لها لفظا حسنا او تجعل لها من فيك مخرجا سريا فان ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويذهب استطابتهم اياها واستملاحهم لها
ثم اعلم ان اقبح اللحن لحن اصحاب التقعير والتقعيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم وأقبح من ذلك لحن الاعاريب النازلين على طرق السابلة وبقرب مجامع الاسواق ولاهل المدينة السنة ذلقة والفاظ حسنة وعبارة جيدة واللحن في عوامهم فاش وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب
واللحن من الجواري الظراف ومن الكواعب النواهد ومن الشواب الملاح ومن ذوات الخدور الغرائر أيسر وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف ولكن اذا كان اللحن سجية سكان البلد وكما يستملحون اللثغاء اذا كانت حديثة السن ومقدودة مجدولة فاذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح وربما كان اسم الجارية غليم وصبية وما اشبه ذلك فاذا صارت كهلة جزلة وعجوزا شهلة وحملت اللحم وتراكم عليها الشحم وصار بنوها رجالا وبناتها نساء فما أقبح حينئذ ان يقال لها يا غليم كيف أصبحت ويا صبية كيف أمسيت ولأمر ما كنت العرب البنات فقالوا فعلت ام الفضل وقالت ام عمرو وذهبت ام حكيم نعم حتى دعاهم ذلك الى التقدم في تلك الكنى
وقد فسرنا ذلك كله في كتاب الاسماء والكنى والالقاب والانباز
وقد قال مالك بن أسماء في استملاح اللحن من بعض نسائه
( أمغطى مني على بصري للحب ... ام أنت أكمل الناس حسنا )
( وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا )
( منطق صائب وتلحن أحيانا ... وأحلى الحديث ما كان لحنا )
وهم يمدحون الحذق والرفق والتخلص الى حبات القلوب والى إصابة عيون المعاني ويقولون أصاب الهدف اذا أصاب الحق في الجملة ويقولون قرطس فلان وأصاب القرطاس اذا كان أجود اصابة من الاول فاذا قالوا رمى فاصاب الغرة وأصاب عين القرطاس فهو الذي ليس فوقه أحد ومن ذلك قولهم فلان يفل المحز ويصيب المفصل ويضع الهناء مواضع النقب وقال زرارة بن جزء حين أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتكلم عنده ورفع حاجته اليه
( أتيت أبا حفص ولا يستطيعه ... من الناس الا كالسنان طرير )
( فوفقني الرحمن لما لقيته ... وللباب من دون الخصوم صرير )
( قروم غيارى عند باب ممنع ... تنازع ملكا يهتدي ويجور )
( فقلت له قولا أصاب فؤاده ... وبعض كلام القائلين غرور )
وفي شبيه ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول
( رجال أصحاء الجلود من الخنا ... وألسنة معروفة أين تذهب )
وفي اصابة فص الشيء وعينه يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الاشعري
( تناخي عند خير فتى يمان ... اذا النكباء عارضت الشمالا )
( وخيرهم مآثر أهل بيت ... وأكرمهم وإن كرموا فعالا )
( وأبعدهم مسافة غور عقل ... إذا ما الأمر في الشبهات عالا )
( ولبس بين أقوام فكل ... أعد له الشغازب والمحالا )
( وكلهم ألد له كظاظ ... أعد لكل حال القوم حالا )
( فصلت بحكمة فأصبت منها ... فصوص الحق فانفصل انفصالا )
وكان ابو سعيد الراي وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة فقال الشاعر
( عندي مسائل لا شرشير يحسنها ... عند السؤال ولا أصحاب شرشير )
( ولا يصيب فصوص الحق تعلمه ... إلا حنيفية كوفية الدور )
ومما قالوا في الايجاز وبلوغ المعاني بالالفاظ اليسيرة قال ثابت بن قطنة
( مازلت بعدك في هم يجيش به ... صدري وفي نصب قد كاد يبليني )
( إني تذكرت قتلى لو شهدتهم ... في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني )
( لا أكثر القول فيما يهضبون به ... من الكلام قليل منه يكفيني )
وقال رجل من طيء ومدح كلام رجل فقال هذا كلام يكتفي بأولاه ويشتفي بآخره وقال ابو وجرة السعدي من سعد بن بكر يصف كلام رجل
( يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت اذا طال النضال مصيب )
ومن كلامهم الموجز في أشعارهم قول العكلي في صفة قوس
( في كفه معطية منوع ... موثقة صابرة جزوع )
وقال الاخر ووصف سهم رام أصاب حمارا فقال
( حتى نجا من جوفه ومانجا ... )
وقال الآخر وهويصف ذئبا
( أطلس يخفي شخصه غبارة ... في شدقه شفرته وناره )
( وهو الخبيث عينه فراره ... بهم بنى محارب مزدارة )
ووصف الآخر نا قة فقال خرقاء إلا أنها صناع
وقال الآخر ووصف سهما صاردا
( ألقى على مفطوحا ... غادر داء ونجا صحيحا )
وقال الآخر
( إنك يا ابن جعفر لا تفلح ... الليل أخفى والنهار أفضح )
وقالوا في المثل الليل أخفى للويل
وقال رؤبة يصف حمارا
( حشرج في الجوف سحيلا أو سهق ... حتى يقال ناهق وما نهق )
وقال بعض ولد العباس بن مرداس السلمى في فرس أبي الاعور السلمى
( جاء كلمح البرق جاش ناظره ... يسبح أولاه ويطفو آخره )
فيما يمس الارض منه حافرة
وقال الآخر
( إن سرك الأهون فابدأ بالأشد )
وقال العجاج
( يمكن السيف إذا الرمح انأطر ... من هامة الليث إذا الليث هتر )
( كجمل البحر إذا خاض جسر ... غوارب اليم اذا اليم هدر )
( حتى يقال جاسر وما جسر ... )
وقال الآخر
( يا دار قد غيرها بلاها ... كأنما بقلم محاها )
( أخر بها عمران من بناها ... وكر ممساها على مغناها )
( وطفقت سحابة تغشاها ... تبكي على عراصها عيناها )
قوله أخر بها عمران من بناها يقول عمرها بالخراب وأصل العمران مأخوذ من العمر وهو البقاء فاذا بقي الرجل في داره فقد عمرها فيقول ان مدة بقائه فيها أبلت منها لان الايام مؤثرة في الاشياء بالنقص والبلاء فلما بقي الخراب بها وقام مقام العمران في غيرها سمي بالعمران
وقال غيره
( يا عجل الرحمن بالعذاب ... لعامرات البيت بالخراب )
يعني الفأر يقول هذا عمرانها كما يقول الرجل ما نرى من خيرك
ورفدك الا ما يبلغنا من خطبك علينا وفتك في أعضادنا وقال الله عزوجل ( هذا نزلهم يوم الدين ) والعذاب لا يكون نزلا ولكنه لما أقام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم سمي باسمه
وقال الآخر
( فقلت أطعمني عمير تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا )
والتمر لا يكون كهرة وزبرا ولكنه على ذا وقال الله عز و جل ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) وليس في الجنة بكرة ولا عشي ولكن على مقدار البكر والعشيات وعلى هذا قول الله عز و جل ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ) والخزنة الحفظة وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها انسان فيمنع منها ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به
وقال أبو عمرو بن العلاء اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز فقال أحدهم قول حميد بن ثور الهلالي
( وحسبك داء أن تصح وتسلما ... )
ولعل حميدا أخذه عن النمر بن تولب قال النمر
( يحب الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل )
وقال أبو العتاهية أسرع في نقض أمر تمامه
ذهب الى كلام الاول كل ما أقام شخص وكل ما ازداد نقص ولو كان الناس يميتهم الداء إذا لأعاشهم الدواء
وقال الثاني من الرواة الثلاثة بل قول أبي خراش الهذلي
( نوكل بالأدنى وإن حل ما يمضي ... )
وقال الثالث بل قول أبي ذؤيب الهذلي
( وإذا ترد إلى قليل تقنع ... )
فقال قائل هذا من مفاخر هذيل ان يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف إثنان منها لهذيل وحدها فقيل لهذا القائل إنما كان الشرط ان يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغني بنفسه ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الاول لانك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الاول
وسمع وإذا ترد الى قليل تقنع قال ومن هذه التي ترد الى قليل فتقنع وليس المضمن كالمطلق وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم وانما الرواية قوله
( والدهر ليس بمعتب من يجزع ... )
ومما مدحوا به الايجاز والكلام الذي كالوحي والاشارة قول أبي دؤاد ابن جرير الايادي
( يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء )
فمدح كما ترى الاطالة في موضعها والحذف في موضعه
ومما يدل على شغفهم وكلفهم وشدة حبهم للفهم والافهام قول الاسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها بأقل اللفظ وأوجزه فوصف أيجاز الناعت وسرعة فهم المنعوت له فقال
( بضربة نعت لم تعد غير أنني ... عقول لأوصاف الرجال ذكورها )
وهو كقولهم لابن عباس أنى لك هذا العلم قال قلب عقول ولسان سؤول وقد قال الراجز
( ومهمهين فدفدين مرتين ... جبتهما بالنعت لا بالنعتين )
وقالوا في التحذير من ميسم الشعر ومن شدة وقع اللسان ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو قال امرؤ القيس بن حجر
( ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد )
وقال طرفة
( بحسام سيفك او لسانك والكلم ... الأصيل كأرغب الكلم )
قال وأنشدني محمد بن زياد
( لحوت شماسا كما تلحى العصي ... سبا لو أن السب يدمي لدمي )
( من نفر كلهم نكس دني ... محامد الرذل مشاتيم السري )
( مخابط العكم مواديع المطي ... متارك الرفيق بالخرق النطي )
وانشد محمد بن زياد
( تمنى أبو العفاق عندي هجمة ... تسهل مأوى ليلها بالكلاكل )
( ولا عقل عندي غير طعن نوافز ... وضرب كأشداق الغصال الهوادل )
( وسب يود المرء لو مات قبله ... كصدع الصفا فلقته بالمعلول )
وقال طرفة
( رأيت القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها ان تولجها الإبر )
وقال الأخطل
( حتى أقروا وهم مني على مضض ... والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر )
وقال العماني
( إذ هن في الريط وفي الموادع ... ترمى اليهن كبذر الزارع )
وقالوا الحرب أولها شكوى وأوسطها نجوى واخرها بلوى وكتب نصر بن سيار الى ابن هبيرة أيام تحرك أمير السواد بخراسان
( أرى خلل الرماد وميض جمر ... فيوشك ان يكون له اضطرام )
( فان النار بالعودين تذكى ... وان الحرب أولها كلام )
( فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام )
( فان كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام )
وقال بعض المولدين
( إذا نلت العطية بعد مطل ... فلا كانت وان كانت جزيله )
( وسقيا للعطية ثم سقيا ... اذا سهلت وان كانت قليله )
( وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفيه دليله )
( ومن عقل الكريم اذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله )
( اذا وضعوا مكاذبهم عليه ... وان كذبوا فليس لهن حيله )
وقالوا مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ومما قالوا في صفة اللسان قول الاسدي أنشدنيها ابن الأعرابي
( وأصبحت أعددت للنائبات ... عرضا بريئا وعضبا صقيلا )
( ووقع لسان كحد السنان ... ورمحا طويل القناة عسولا )
وقال الأعشى
( أدافع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجي ملحبا )
وقال ابن هرمة
( قل للذي ظل ذا لونين يأكلني ... لقد خلوت بلحم عارم البشم )
( إياك لا ألزمن لحييك من لجم ... نكلا ينكل قراصا من اللجم )
( إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفاي لكن لساني صائغ الكلم )
وقال الراجز
( إني بغيت الشعر وابتغاني ... حتى وجدت الشعر في مكاني )
( في عيبة مفتاحها لساني ... )
وأنشد
( إني وإن كان إزاري خلقا ... وبردتاي سملا قد أخلقا )
( قد جعل الله لساني مطلقا ... )
بسم الله الرحمن الرحيم
معنى البلاغة
قال أبو عثمان والعتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه بالكلام الملحون والمعدول عن جهته والمصروف من حقه انه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد ان نكون قد فهمنا عنه معنى كلام النبطي الذي قيل له لم اشتريت هذه الأتان قال أركبها وتلد لي وقد علمنا ان معناه كان صحيحا وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لاهل مجلسه ما من شر من دين وانه قال حين قيل له ولم ذاك يا أبا فلان قال من جرى يتعلقون وما نشك انه قد ذهب مذهبا وانه كما قال معنى قول أبي الجهير الخرساني النخاس حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان قال شريكاتنا في هوازها وشريكاتنا في مداينها وكما تجيء تكون قال الحجاج ما تقول ويلك فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك يقول شركاؤنا بالاهواز والمدائن يبعثون الينا بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها وقلت لخادم لي في اي صناعة أسلم هذا الغلام قال أصحاب سند نعال يريد في اصحاب النعال السندية وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه اكتب لي قل حطين وريحني منه
فمن زعم ان البلاغة ان يكون السامع يفهم معنى القائل جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والاغلاق والابانة والملحون والمعرب كله سواء وكله بيانا وكيف يكون ذلك كله بيانا ولولا طول مخالطة السامع للعجم وسماعه
للفاسد من الكلام لما عرفه ونحن لم نفهم عنه الا للنقص الذي فينا وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي وان كان هذا الاسم انما يستحقونه بأنا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم فنحن قد نفهم من حمحمة الفرس كثيرا من حاجاته ونفهم بضغاء السنور كثيرا من ارادته وكذلك الكلب والحمار والصبي الرضيع وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجرى كلام الفصحاء وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منها
مكرة أخاك لا بطل وإذا عز أخاك فهن
ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم ذهبت الى أبو زيد ورأيت أبي عمرو ومتى وجد النحويون اعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان لأن تلك اللغة انما انقادت واستوت واطردت وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة ولفقد الخطأ من جميع الامم ولقد كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على انه قد كان وضع منزله في اخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين
وزعم أصحابنا البصريون عن ابي عمرو بن العلاء انه قال لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج وكان ما زعموا لا يبرئهما من اللحن وزعم أبو العاصي انه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه وفيما يجري بينه وبين الناس إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي ومن ابي سعيد المعلم
وقد روى أصحابنا ان رجلا من البلدتين قال لاعرابي كيف أهلك قالها بكسر اللام قال صلبا لانه أجابه على فهمه ولم يعلم انه أراد المسألة عن أهله وعياله وسمعت ابن بشير وقال له المفضل العنبري اني عثرت البارحة بكتاب وقد التقطته وهو عندي وقد ذكروا ان فيه شعرا فان أردته وهبته لك قال ابن بشير اريده ان كان مقيدا قال والله ما أدري أكان مقيدا او مغلولا ولو عرف التقييد لم يلتفت الى روايته وحكى الكسائي انه قال لغلام بالبادية من خلقك وجزم القاف فلم يدر ما قال
ولم يجبه فرد عليه السؤال فقال الغلام لعلك تريد من خلقك وكان بعض الاعراب اذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب قال نعم وشاء لان لغته نعم وقيل لعمر بن لجاء قل إنا من المجرمين منتقمون قال إنا من المجرمون منتقمين وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال
( عجبا ما عجب أعجبني ... من غلام حكمي أصلا )
( قلت هل أحسنت ركبا نزلوا ... حضنا ما دونه قال هلا )
( قلت بين ما هلا هل تزلوا ... قال حوبا ثم ولى عجلا )
( لست أدري عندها ما قال لي ... أنعم ما قال لي أم قال لا )
( تلك منه لغة تعجبني ... زادت القلب خبالا خبلا )
قال أبو الحسن قال مولى زياد لزياد أهدوا لنا همار وهش قال أي شيء تقول ويلك قال أهدوا لنا ايرا يريد أهدوا لنا عيرا قال زياد ويلك الاول خير وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء
( أول ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الانثى وتأنيث الذكر )
( والسوأة السواء في ذكر القمر ... )
فزياد قد فهم عن مولاه وصاحب الجارية قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من إفهامها لهما ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام.

نهاية الجزء الخامس
ألف / خاص ألف
يتبع ..

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow