Alef Logo
الفاتحة
              

ذكريات من ستينات القرن الماضي

سحبان السواح

2017-05-20

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل الأسد.. الذي نتابعه يوميا على شاشات التلفزيون، لأعود بذاكرتي إلى ستينات القرن الماضي وأتذكر مرحلة عشناها بأبعادها جميعا ولن تعود مرة أخرى.

ما ستقرؤونه اليوم ليس من نسج الخيال، واعتقد أن كل من بلغ من العمر عتيا ، أي بلغ الخمسين أو الستين عاما عدا ونقدا ، أو وصل وتجاوز السبعين مثلي، وعاش كل ليلة وكل صباح من تلك السنوات يتذكر بالتأكيد ما سوف أحكي عنه في الأسطر التالية.

في ستينيات القرن الماضي لم تكن الحياة كالتي ترونها اليوم، كانت أكثر بساطة، وأقل تعقيدا، وأشد حنينا ومحبة.. وكان راتب الموظف على الشهادة الإعدادية 150 ليرة سورية .. وبهذا المبلغ كان يستطيع أن يعيش حياة رغيدة إذا ما قورنت بحياة هذه الأيام التي بقبض فيها موظف الشهادة الإعدادية كحد أدنى ستة آلاف ليرة سورية .. ليس لنا أن نتحدث عن هذه الأيام فالدكتور والمهندس وحامل الدكتوراه في اختصاصه يعتبر منتوفا وفقيرا بل وتحت خط الفقر حتى لو جمع راتبه وراتب زوجنه وحصل على مبلغ ما من دخل إضافي كأن يعمل سائق تاكسي أو ميكرو باص في أوقات بعد الظهر.. وهو ما يحدث في هذه الأيام.

هذه الأيام لا تعنينا فلسنا نعيشها.. بل ننتظر موتنا فيها . نحن موجويون فيها ..شهود عيان عليها ولكننا لا نعيشها.. نراقبها عن بعد ونصنف أثرياءها .. وأنصاف أثريائها وأرباع أثريائها .. أصحاب الملايين من المرتشيين واللصوص وكيفما حطت أنظارنا.

لهذا سأعود للماضي .. فالحديث عنه فيه من الجمال ، ومن الشعور بالرضا عن تلك الأيام الرائعة التي عشناها فقراء مترفين لننسى هذه الأيام التي نعيشها فقراء مدقعين.

قلت راتب شهادة الإعدادية كان يبلغ 150 ليرة حين جئت إلى دمشق لدراسة الأدب العربي في الجامعة وكنت موظفا على الكفاءة وهذا كان راتبي الذي لم يعدل بعد حصولي على شهادة الباكالوريا.. وكنت وموظفا مرموقا بطاولة ومكتب وهاتف ولا ينقصني شيء والحمد لله.

بهذا المبلغ البسيط وهو أقل مبلغ لأجرة تكسي في هذه الأيام .. كنت أعيش مع صديقين كانا قد سبقاني إلى دمشق التقينا مصادفة وعرضا علي مشاركتهما بيتهما في شارع العابد والذي تبلغ أجرته مبلغا ضخما جدا ليسا قادرين على دفعه بمفردهما والمبلغ هو ستون ليرة سورية في الشهر. ولأنني كنت صاحب راتب كبير وأحب راحتي فقد اشترطت عليهما أن أحصل على غرفة من الغرفتين وأدفع نصف المبلغ.

دفعت شهريا 30 ليرة للسكن .. و25 ليرة لطعام الغذاء و15 لطعام العشاء وعشر ليرات للفطور وثمن الشاي والقهوة في كافتيريا الجامعة .. و25 ليرة ثمن فنجان قهوة في مقهى الغاردينيا عند جسر فكتوريا والتي أزيلت في نهاية الستينات أو مطلع السبعينات. إذن سكنت وأكلت وشربت الشاي والقهوة وجلست مع مثقفي دمشق و فنانيها في كافتيريا الغاردينيا التي كانت ملتقى الأدباء والفنانين .. وبقي معي 45 ليرة سورية ولأن البيت كان في شارع العابد عند المطعم الصحي الآن لم أكن مضطرا لأية مواصلات لا إلى الكافتيريا التي داومت فيها أكثر من مما داومت في الجامعة فقد صنفت نفسي أديبا وكاتب قصة منذ وصولي إلى دمشق وتأخرت دمشق سنوات بعدها لتعترف بي كاتبا.

وإذا تساءل البعض ماذا كنت أفعل بالأربعين أو الخمس وأربعين ليرة التي تبقت معي أقول لهم لقد كانت مخصصة لحياة الليل . لكأس العرق في فريدي أو الواحة (الوازيس ) أو مطعم الصفا وكلها كانت في محيط واحد ما بين جسر فكتوريا وساحة المحافظة اليوم.. فقد كنا نشرب ونتعشى ونشرب ونتمزمز .. ونشرب ونحكي بأعلى صوتنا دون خوف من رقيب أو كاتب تقارير فقط ب ليرة ونصف أو ليرتين .. إلى جانب السهرة وهي في الحقيقة ليست سهرة وإنما في فترة ما بعد الظهر مع الصديقات في الجامعة أو من خارج الجامعة حيث كنا نرقص على أرقى انواع الموسيقى ونشرب الويسكي بمبالغ زهيدة . وهكذا عشت حياتي بالطول والعرض براتب متواضع جدا هو ال150 ليرة التي كنت أقبضها من مكتب الحبوب والذي تغير اسمه فيما بعد إلى الهيئة العامة للحبوب والمطاحن أو شيء من هذا القبيل .

لست بحاجة لأن أطلب منكم المقارنة بين اليوم والأمس .. ولست أروي هنا مذكراتي الشخصية .. ولكنه الحنين .. الحنين إلى البساطة، الحنين إلى الرفاهية دون تعقيد .. الحنين إلى المساواة .. ففي تلك الأيام لم يكن هناك رجال تمطر السماء عليهم الأموال ولديهم من يجمع لهم تلك الأمطار المالية وترتيبها وإيداعها في المصارف الخارجية.. مقابل جوع حملة الشهادات العليا والأعلى من العليا .

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow