Alef Logo
يوميات
              

البرازيل وأحمد دحبور

ميخائيل سعد

خاص ألف

2017-04-15

حدث هذا قبل أربعين عامًا تمامًا، فقد أُطلق سراحنا من السجن في مثل هذا الشهر من عام 1977. من الصعب تفسير السبب، ولا يمكن ربطه “بالربيع الموؤد” أو “بميلاد البعث”، فسلطة الأسد لم تكن معنية بالمناسبتين أصلًا إلا للتجارة، ونحن لم نكن السلعة الملائمة؛ لذلك، فقد كان الوقت وقت صعود الأسد نحو القمة، على جماجم السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، برضا الأميركيين والروس، ومباركة إسرائيل، وإلا لما كانت قد ووفق على دخول الجيش السوري (الأسدي) إلى لبنان، للقضاء على الحركة الوطنية، وتدمير تل الزعتر، ثم تدمير وذبح حماه.

وهكذا خرجنا من السجن “بمكرمة” من القائد، صاحب القلب الكبير. هذا ما ردده أبناء قريتي عندما وصلنا إليها. فعلى الرغم من كوننا “مجرمين”، فقد عفا عنا “القائد”، وواجبنا، لرد معروفه، أن نتحول إلى عملاء له ضد “المجرمين” من جماعة الفكر السلفي التكفيري (الأخوان والطليعة المقاتلة)، وضد كل سوري ليس مع القائد؛ لذلك، قال لي أبي، عندما زارنا باكيًا، أنا وأخي، في السجن: إن الناس يقولون عنه إنه أب لمجرمين، فلا أحد يعرف معنى السجن السياسي، في مرحلة صعود حافظ الأسد، وخاصة في منطقة مصياف.

أمضيت أسبوعًا طويلًا في القرية، قررت بعدئذ التوجه إلى حمص، حتى لو تضايق أبي، مساء اليوم الذي وصلت فيه إلى حمص، توجهت إلى مقهى (التوليدو)، وهو مكان يجتمع فيه المثقفون والفنانون كل يوم، لتبادل “النميمة”، فالكلام في السياسة مُحرّم، إلا إذا كان مديحًا للقائد وهجومًا على “الأخوان”. وما إن دفعت الباب ودخلت حتى وقف عشرون شخصًا، تقريبًا، كانوا يجلسون في زاويتهم، قرب الباب، وبدأ السلام والترحيب والتقبيل. هذا المشهد الذي لن أنساه طوال عمري دفع بأحد الجالسين إلى أقرب طاولة من طاولاتنا، لسؤال من يجلس معه: مَن هذا الشخص، وأين كان، ليُرحّب به والسلام عليه بهذه الطريقة؟

كان الصديق الشاعر الفلسطيني – الحمصي المرحوم، أحمد دحبور، يجلس إلى أقرب طاولة من طاولة السائل، فأجاب: إنه أحد الأصدقاء عاد من السفر، وكانت الحكومة قد أرسلته في بعثة إلى البرازيل لصيد الحيوانات المتوحشة، فقيادتنا الحكيمة بصدد إنشاء حديقة للحيوانات، لتكون مصدر معرفة وتسلية وترفيه للسوريين المتعبين. ابتسم بعض من كان يعرف أنني كنت في السجن، ولكن سخرية أحمد دحبور اللطيفة ذهبت مثلًا بين السوريين، فكان كلما خرج سوري من السجن، كان الحماصنة يبادرونه بالقول: الحمد لله على عودتك من البرازيل بالسلامة. ولم يكن بإمكان أحمد، في ذلك الوقت، تصور إمكانية أنه سيكون شخصيًا “الولد الفلسطيني” في برازيل “رام الله”، إلى ساعة موته، قبل أسبوع تقريبًا.

بعد أسبوع من طرفة (التوليدو)، كنت في دمشق لإجراء معاملة قبض تعويضات عملي، بعد أن جرى تسريحي من التعليم بناء على المادة 85، فصادفت في مقصف (الأرزوني)، في جامعة دمشق، أحد الزملاء الحماصنة، جمعنا معًا قسم اللغة العربية في الجامعة لعدة سنوات. قال لي: مضى زمن طويل لم أرك فيه، لا في حمص ولا في الجامعة، فأين كنت؟

أول ما خطر ببالي طرفة أحمد دحبور في حمص، فقلت له ما قاله أحمد لزبون (التوليدو). إلا أن الفضول دفع صاحبنا هذا إلى طرح مزيد من الأسئلة؛ لمعرفة سبب اختياري لهذه المهمة، فشرحت له الأمر، مستفيدًا من الجو الساخر الذي توحي به الطرفة، وقلت: أنت تعرف أنني فلاح، وكنت صيادًا ماهرًا للعصافير في قريتنا؛ لذلك، اختارتني الحكومة لهذه المهمة دون أي واسطة، بل إنها تجاوزت شرط عضوية الحزب، فالأفضلية هي لتحقيق شعار القائد الأسد الذي قال: “الرجل المناسب في المكان المناسب”، وقد وجدوا أنني الرجل الملائم لهذه المهمة الوطنية، فكلفوني بها. سألني عن الزمن الذي استغرقته رحلة الصيد، وهل كان مردودها المالي جيدًا لي، وهل جرى صيد العدد الكافي من الحيوانات، وأين هي الآن، ومتى ستفتتح الحديقة، وعشرات الأسئلة الأخرى، ولما مللت منه ومن أسئلته، قلت له: بما أنك حمصي، يعني أننا نعيش في المدينة نفسها، أستغرب أنك لم تعرف أنني كنت في السجن لمدة 13 شهرًا! فبادرني بسؤال يحمل طنًا من الدهشة: لماذا، ماذا فعلت؟ قلت له، وقد وصل حنقي إلى أقصاه، ليس بسبب الأسئلة فحسب، وإنما “لخيبة أملي” من الناس، على عادة المثقفين، فقد كنت أزعم أنني ضحيت بعملي وجزء من عمري من أجلهم، وإذ بهم لا يعرفون أنني كنت في السجن، ولا يعرفون لماذا كنت هناك، فقلت له: لقد اغتصبت فتاة قاصر، وحكمني القاضي بسنة سجن. عندما أراد الاستفسار عن الفتاة وأصلها وفصلها، أثار غضبي أكثر، فقلت منفعلًا: يا بني آدم، أنا كنت في السجن لأسباب سياسية، يعني كنت سجينًا سياسيًا.

دفع كرسيه إلى الوراء قليلًا، ونظر إليّ بدهشة ممزوجة بالغضب، قائلًا: هل تعلم أنني ضابط مجند في المخابرات، وعليك أن تخاف مني.

قلت له وأنا أهم بالانصراف: وماذا يمكنك أن تفعل إذا لم أخف منك، لقد مضى أسبوع واحد على خروجي من السجن، وتم تسريحي من عملي، فبلّط البحر وافعل ما تشاء.

بعد سنوات، عدت من جديد إلى السجن لأسباب تجارية، ولكن بتهمة سياسة طائفية، فقد اتُهمت بأنني متعاطف مع حزب القوات اللبنانية، لمجرد أنني من أصول مسيحية، خرجت من السجن بعد 7 أشهر، وهربت بعدها من البلد لأنجو بجلدي، قبل أن يفعل ذلك بسنوات آلاف الناشطين والسياسيين المعارضين. وذهب أحمد دحبور وراء حلمه إلى رام الله، فأصبح سجين الوهم، ومات من القهر والعجز، ودُمرت حمص وقُتل أهل سورية بالسارين “الروسي”، واعترفت روسيا بوتين بالقدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي لم يفعله ترامب اليميني الإمبريالي، كل ذلك في نيسان/ أبريل، شهر الربيع السوري الموؤد، وميلاد “البعث”.

رحمك الله يا أحمد دحبور، ورحم شهداء الثورتين: السورية والفلسطينية.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

الجحش أفهم من صاحبه!

07-تشرين الأول-2017

جيمس بوند وحلم السوري المقهور

30-أيلول-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow