Alef Logo
دراسات
              

هاجس الأب الفقيد في رواية "الخائفون"

2017-02-11

في غمرة الحرب المشتعلة في سورية، تكتب ديمة ونوس رواية "الخائفون" (دار الآداب، 2017)، تنقل فيها أجواء البلاد المجتمعية والعائلية والذاتية. والرواية مكتوبة بضمير المتكلم الذي ينطق بلسان الكاتبة نفسها، والتي لا تتلطى وراء أية شخصية متخيلة أو موهومة. وشخصيات الرواية قليلة لأن الكاتبة أرادت أن تحصر نصها في إطار عائلي وذاتي غير متشعب.
تبدأ الرواية بوجود الكاتبة – ذات الواحد والعشرين ربيعاً – في عيادة طبيب نفسي اسمه كميل، وتنشأ صداقة بينها وبين ليلى سكرتيرته، التي تسكن في حي الـ86 العلوي في المزة. وابن رئيس فرع من أفرع المخابرات أراد قنص حبيبة الأخ، فرفضت عرضه. فخطف الأخَ وعذّبه حتى فقد صوابه. ومعظم مرضى العيادة مصابون بأمراض نفسية تشبه مرض الأخ. وفي العيادة تتعرف الراوية على شاب جسيم أتى للمعالجة هو أيضاً، مع أنه طبيب. وتنشأ علاقة حب بينهما، إلى أن يُعتقل نسيم ثلاثين يوماً بتهمة تعامله مع فؤاد، أخي الراوية المعارض. فقرّر بعدها الهجرة إلى ألمانيا. وترك للراوية شقته القريبة من حي عش الورور العلوي، الواقع في الضاحية الشمالية لدمشق.


وتنقلنا الكاتبة إلى جو عائلتها: أبوها طبيب هاجر حماة قبل مجزرة 1982 واستقر في دمشق قرب حي عش الورور، أمها مولعة بالأعشاب الطبية التي كانت تجمعها لتداوي بها زوجها المريض بالسرطان، أخوها فؤاد أستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية وهو مؤيد للثورة، فيعتقل ولا يعرف مصيره وتصف الكاتبة علاقتها الوثيقة بأبيها المريض قائلة: "لا أذكر أنني فعلت شيئاً آخر في طفولتي غير الالتصاق به وتأمله والاستماع إلى أنفاسه والتقاط نظرته ومحاولة تفسيرها. حفظته، وصرت أعرف ما سيقول قبل أن ينطق. لم يكن ذلك صعباً. ثمة ذاكرة مشتركة عشناها سوية بتواطؤ حزين. ثمة صراحة مرهقة. كل الأحاديث مسموحة. لا حدود تؤطر أية فكرة من الأفكار. لا وجود للمحرمات ولا لفكرة الخطأ والصواب. لا وجود للمطلق. وكل الأفكار تخضع لنقاش مستفيض لا ينتهي".


وتستطرد الراوية الكلام عن عائلة أبيها قائلة إن حياتها مليئة بالنسوان بسبب كثرة الإناث على الذكور فيها، وإن أباها هو الرجل الوحيد. وكان غريباً في غربته، كما يقول التوحيدي: "كثير الصمت، حاسم... يخاف من تفاصيل غريبة. يخاف من البرد مثلاً ومن الرشح ومن التهاب الحلق. يخاف من السفر والانتقال من مكان إلى آخر. يخاف الزحام، وترهقه التجمعات الكبيرة. كان يخاف مثلاً أن أختنق وأنا أتناول طعامي، فيظل يراقبني طوال الوقت". وعلى القارئ أن يلاحظ عدد المرات التي وردت فيها كلمة "خوف"؛ وهي بالعشرات. ولا يفوتها أن تذكر – وهي التي تعبد أباها – أن أمّها السنيّة الدمشقية سرقته وسرقتني، تقول: "حرمتني أمي من أبي، فحرمتني من الامتلاء به؛ كان والدي هو ظلي". أما أبي "فلم يترك لي عائلة قبل رحيله كان هو العائلة بأكملها، ورحل". ولأن الكاتبة لا تريد أن تسمي هذا الأب [سعد الله ونوس] باسمه، فإنها أبقته مُغْفَلاً؛ ولكي تخلق جواً من التمويه المكشوف، تكلمت عن أخ لها اسمه فؤاد يعمل في المسرح واعتقل واختفت أخباره؛ وقالت إن الأب حموي وطبيب يعمل في عيادة دمشقية يعلّق على جدارها صورة الرئيس توجساً. والكل يعلم أن سعد الله لم ينجب سواها.


ولكي تبرر الكاتبة عنوان روايتها، راحت تتكلم كثيراً عن هذا الخوف. تقول إن هناك 23 مليون سوري خائفون. وتتساءل: "ألا تكفي السنوات الخمس لإزاحة الخوف من يومي؟ في الواقع، هي لم تزحه ولم تستبدله بمخاوف أخرى، بل راكمت فوقه مخاوف جديدة، حتى بات دماغي معملاً لإفراز كل أنواع القلق والخوف والهلع والوحشة وضيق التنفس واضطراب نبضات القلب وكل ما من شأنه العبث بطمأنينة عابرة لا تزورني إلا في الليل مع انقضاء يوم جديد. أخاف، فأفكر بالخوف. وإذا فكرتُ بالخوف، أخاف. وربما يكون الخوف هو الشعور الوحيد الذي يصعب توطين الروح فيه. يصعب التعايش معه أو التصالح [...]. يتأجج خيالي في إنتاج الخوف والقلق ويتلكأ أمام الطمأنينة، ربما لأنه يدافع عن نفسه بالخوف". وتقول عن صديقها الطبيب نسيم: "هل أحببتك لأنك كوالدي، طبيب، وتخاف من أن تخاف؟" في حين أن نسيم يرى "أن الخوف ليس سوى حالة دفاع ووسيلة حماية" اخترعتُها لأستطيع العيش... إنه محرض على الحياة، ولولاه لخسر دافعه للعيش.


وتعيدنا الكاتبة إلى طفولتها وإلى ذكريات المدرسة الأليمة وإلى خوف الأب من تغوّل السلطة، فشاركتْ في تنظيمي "الطلائع" و"شبيبة الثورة" وغنّت مع الهتّافين: "أبو باسل قائدنا يا بو الجبين العالي" و"سورية يا حبيبتي أعدتِ لي كرامتي، أعدتِ لي حريتي" واحتفلت بالحركة التصحيحية. وتذكر التشبيحَ في المدرسة، وكيف أن بنت أحد المسؤولين شدت لها شعرها وصفعتها على وجهها. وتعلّق قائلة: "المدرسة كانت ذلك المكان الذي يختبر فيه الطلاب أنواع الحياة في بلد كسورية الأسد. المكان الذي يدجَّنون فيه، ويتعلمون تلقي الإهانة بصمت، ويدرَّبون على الطاعة وعلى احترام القوي والمتسلط". وتذكر أن مدربة الفتوة (التربية العسكرية) استدعتها ذات يوم لتسألها: ماذا أخبرك والدك عن الأحداث [أحداث حماة]؟ فاستفزّها السؤال وأجابت: "الأب القائد لوّث يديه بالدم عن الشعب السوري كله". فابتسمت لها المدربة وصرفتها، وتوقّعت التلميذة أسوأ النتائج قائلة: "انتظار الخوف أصعب من الخوف ذاته. السجن أسهل من الخوف منه. الخوف بحد ذاته أقل قساوة من الخوف منه".


وتقفز اللهجة العلوية في الحوارات مع أقارب الراوية؛ وتعلّق ديمة ونوس قائلة: "اللهجة كانت هوية. وليست أية هوية، إنها هوية السلطة المطلقة وهوية الظالم والمتجبّر. هوية الرعب والهلع والمجهول. من يتحدثها بإتقان يختصر وقتاً وجهداً وطاقة، يتطلبها العيش في بلد كسورية الأسد". وتتوقف عند حرف القاف السلطوية المرعبة، وعند بعض الكلمات الخاصة بمنطقة الساحل. ولا تنسى أيضاً سلطة المشايخ شبه "الإلهية"، وتستنكر جهلهم ونفاقهم ودجلهم.

وفي طريقها ذات مرة من دمشق إلى الضيعة [حصين البحر، التي لا تسميها] تنتبه لتماثيل الرئيس المزروعة على الطريق، ولا سيما تمثاله فوق تلّة مشرفة على دير عطية وقربه لافتة تقول: "ابتسم، فأنت في دير عطية". وهذه التماثيل باهتة، من الناحية الفنية، يشوبها كثير من التشوهات والتفاصيل الفنية، كما تذكر الكاتبة.

وتنتقل الراوية إلى بيروت، ولكنها في البداية تشعر بغربة كبيرة فتعود إلى دمشق. وفي الحدود السورية يسألها الضابط: "وين بيّك". فأجابت: "بابا راح من زمان". فأردف: "لوين راح؟ هرب مع الخونة اللي هربوا". فقالت له: "راح يعني مات". وتوضح له أنه توفي منذ خمسة عشر عاماً فيرد: "أبوكي مطلوب عالاعتقال، وبدنا نعرف وينه". وعندما وصلت إلى البيت قالت لأمها "إن زوجها مطلوب للاعتقال، وعليها أن تجد حلاً". وتلاحظ أن البيت مراقب هو وهاتفه، وأنها بعد أن انتقلت إلى بيروت صارت ممنوعة من الذهاب إلى دمشق.


وتنتهي الرواية بفضاءات سوريالية: نسيم حبيب الراوية، ترك لها كل شيء في شقته، فبحثت في الجوارير عن أشيائه، ووجدت أنه يجمع أوراق نعوات كثيرة، ولدهشتها تقع على ورقة نعوتها فتمزقها وتدفن قطعها في تراب شجرة الزيتون الوحيدة عندهم على الشرفة، وتنتهي الرواية بمشهد غريب: كانت أمها في الحمّام فتصورت خرطوم الماء يتحول إلى لحم، كان أحمر قانيًا، يلتمع لحمه وينز من شدة طزاجته. فصرخت من الرعب. فنهضت ابنتها (الراوية) مذعورة، ولكنها وجدت أمها تحتسي قهوتها الصباحية وتدعوها إلى مشاركتها قهوتها. وتنتهي الرواية بهذه العبارة: "وتوجهت إلى المطبخ متفادية النظر باتجاه حمّام الضيوف حيث يتدلى خرطوم اللحم الطازج".



التقنية الروائية


ثمة أشباه فصول في الرواية تحمل ست مرات عنوان "أوراق نسيم"، ثم تتداخل "أوراق نسيم" بـ"دفاتر نسيم"؛ ومجموع هذه العناوين يتكرر إحدى عشرة مرة تسبقها 24 صفحة هي كناية عن مقدمة تأطيرية. واللافت في الرواية أنها مكتوبة بضمير المتكلم الأنوي، ولكنها مع ذلك متعددة الأصوات: صوت الأب المعبود، صوت الأم التي كبرت في ليلة واحدة، صوت كميل المحلل النفسي الذي يعالج الراوية، صوت نسيم الذي يتكلم بخاصة من خلال الرواية غير المكتملة التي كتبها ومن خلال أوراقه الشخصية التي نبشتها الراوية. ولكن الأب يحتل مركز الصدارة في موسيقى الحجرة هذه.


تراوح الرواية بين المتخيّل والواقع، وكلاهما يُفضيان إلى تلك الشخصية المركزية وهي الأب الكاتب الذي يكشف هويته ضابط الحدود. ولأن الراوية لا تريد أن تكتب سيرة أبيها بأسلوب تقليدي، فإنها لجأت إلى أسلوب مسرحي أو سينمائي: هو الظهور والتخفي، في لقطات متباينة ولكنها متصلة.

إنها تروي في المحصلة سيرتها، ولكنها لا تستطيع أن تخفي ظل ذلك الأب الديمقراطي العلماني الدمث الذي تجاوز طائفته العلوية المسيطرة على البلاد، والتي تحتقر طائفة زوجته السنية، وترى أن "رحمها السني قذر" يستحق السرطان، كما تقول ابنة عمتها الكبرى. وتعلّق قائلة: "صرت أفهم كيف يقتلون الناس ويعذبونهم ويستلذون. إنهم لا يرون بين أيديهم المتوحشة أجساداً، بل نطفاً قذرة يجب سحقها". في البداية لم تكتشف عائلة الراوية أن أمها سنية، ولكنها بعد أن اندلعت الثورة تبدّت الأصول الطائفية: "أصلاً هي كل عمرها بلا أصل، سنّية".


الرواية طافحة بالكلام عن الذاكرة: استذكار الأب طبعاً ثم العائلة ثم نسيم، استذكار الأمكنة (الضيعة، دمشق، بيروت) والأزمنة (تحديد الأعمار، وخاصة مراحل حياتها، الانتقال من الضيعة إلى دمشق وهي بعمر 5 سنوات، أعوام الدراسة في المدرسة، تاريخ مجزرة حماة، سنوات الثورة، اللجوء إلى لبنان). "الزمن ينفلت من بين أصابعنا كالماء"، "ما يزال أمامنا ثلاثة أشهر" [يقولها الأب المريض بالسرطان لابنته كي يختزل الزمن ويكثفه]. وتضيف الكاتبة "الهوية ليست مجرد اسم أحمله أو مكان ولدت فيه أو أهل أنتمي إليهم. إنها ذاكرة بأكملها". الرواية أيضاً تذكّر بمدينة اسمها دمشق، تلك "المدينة التي صارت مرعبة" بعد الثورة. ولكن "عن أية ثورة تكتب يا نسيم؟ لقد انتهت الثورة، يوم رحلتَ ورحلوا". وتقصد بهذا الجمع مئات الآلاف من السوريين الذين اضطروا إلى الهجرة واللجوء أو الغرق في زوارق الموت.

***


رواية برعت في التداعيات والتواشجات بين الأشخاص والأزمنة والأمكنة. وتبقى صورة الأب [سعد الله، وإن لم يُذكر اسمه] مهيمنة على النص لا لأنه كاتب مجيد فحسب، بل لأن الراوية استطاعت أن ترسم له صورة بهية، ما أروعها!



عنوان الكتاب: الخائفون المؤلف: ديمة ونوس
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow