Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ــ الجزء الأخير: ابن الفوطي

خاص ألف

2017-01-27

سنة أربع وثلاثين وستمائة

في خامس صفر، وصل إلى بغداد نور الدين أرسلان شاه بن عماد الدين زنكي صاحب شهر زور فخرج موكب الديوان إلى لقائه وفي صدره عارض الجيوش أبو الحسن علي بن المختار وخادمان من خدم الخليفة، فلقيه بظاهر السور ودخل معه وقصد باب النوبي وقبل العتبة ثم دخل إلى نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة فرفع قدره وخلع عليه ثم خرج ومضى إلى دار عينت له بمحلة المقتدية منسوبة إلى النقيب الطاهر معد الموسوي وأسكن أصحابه في دور مجاور لها، وكان جميل الصورة ظريف الشكل لطيف القد، واستدعي في حادي عشر الشهر إلى البدرية فحضر عند شرف الدين أقبال الشرابي فشرفه بلباس الفتوة نيابة ووكالة عن الخليفة وخلع عليه، وفي رابع عشرية، عمل له دعوة بالمدرسة المستنصرية وحضر إليها وجلس على طرف أيوابها الصغير وفرقت الربعات وقرئت الختمات وذكر المدرسون بها الدروس ثم نهض فدخل دار كتبها فجلس بها ساعة، ثم خرج متوجهاً إلى داره، واستدعي في خامس عشري الشهر إلى دار الوزارة وخلع عليه وقلد سيفاً وحمل على فرس بمركب ذهباً وعدة كاملة وأعطي خمسة أحمال كوساة ونقارات وما يناسب ذلك من الآعلام وغيرها وأنعم عليه بخمسة آلاف دينار، وأذن له في العودة إلى بلده فتوجه في ذلك اليوم.
في ربيع الأول، ختم الأمير أبو القاسم عبد العزيز ولد الخليفة المستنصر بالله القرآن المجيد، على مؤدبه العدل أبي المظفر علي بن النيار وجرت الحال في الدعوة وخلع على ما تقدم شرحه في ختمة أخيه.
وفيه، عزل تاج الدين علي بن الدوامي عن صدرية المخزن مراسلة بحاجب وكان في عقابيل مرض ورتب عوضه أبو فضلة هاشم بن علي بن الأمير السيد العلوك ثم ولي تاج الدين في شهر رجب حجبة باب النوبي وأمر الشرطة.


وفيها، قصد جماعة عيادة مريض وهو على سطح دارة فقعدوا عنده ساعة فوقع السقف ووقعوا كلهم فماتوا جميعهم إلا المريض.


كم من مريض قد تحاماه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود


وفيها، وصل أمير الحاج أبو فراس أبن أبي فراس ومعه العرب الأجاودة الذين تعرضوا لأذية الحاج ومنعوهم الحج في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وكل منهم قد كشف رأسه وجعل على عنقه كفنه وبيده سيفه ومعهم نساؤهم وأولادهم فقصدوا باب النوبى وقبلوا الأرض ورمى النساء براقعهن وضججن بالبكاء والتضرع فعرفوا قبول توبتهم والعفو عنهم وأنعم عليهم باكسوات وغيرها وعادوا إلى أماكنهم.
وفيها، حضر عبد الله الشرمساحى مدرس المالكية بالمدرسة المستنصرية بالبدرية عند شرف الدين أقبال الشرابي وأنعم عليه بلباس الفتوة نيابة ووكالة عن الخليفة.


وفي هذه السنة، قصد ملك الروم مدينة آمد وحصرها وضيق على أهلها وجرى بين العسكرين قتال وقتل من الفريقين خلق كثير وقلت الأقوات وتعذرت على أهل البلد فأرسل صاحبها إلى الخليفة يعرفه ذلك ويسأله مراسلة ملك الروم في الكف عنه فأمر الخليفة بانقاذ أبي محمد بن الجوزي فتوجه نحوه، وقال: لما وصلت إليه وجدت عساكره قد أحاطت بمدينة آمد وأهل البلد في ضر عظيم فعرضت عليه مكتوب الديوان فذكر أن أولئك هم الذين ابتدأوا وقتلوا أصحابه، قال: فأخرجب خط الخليفة بقلمه وتلوت قوله تعالى (كتاب أنرلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) وقبلته وسلمته إليه فقام ووضعه على عينه ورأسه وقرأه وأمر في الحال بالكف عن القتال والرحيل عن البلد.


وفيها، أمر الخليفة بعمل مزملة بالقرب من قبر أحمل بن حنبل رضي الله عنه لاجل الزوار الواردين فلما تكامل بناؤها فتحت وجعل فيها الحباب وملئت من الجلاب، ورتب فيها قيم يقوم بمصالحها ونظم الشعراء في

ذلك قصائد منها: ما قاله جعفر بن مهدوية الكاتب من قصيدة يمدح بها الخليفة:


وقبر أحمد قد طرزت حليته ... بحلية زينت منه مبانيه


ثم أتخذت لنا فيه مزملة ... ندل أنك يوم الحوض ساقية


فاسلم فدتك الرعايا يا أمام هدى ... تهدي إلى الحق من قد ضل في البته


وفيها، قلد أقضى القضاة عبد الرحمن بن المغاني علي بن البصري قاضي دجيل قضاء واسط وأعمالها.

وفيها، وصل الأمير عز الدين قيصر الظاهري مخبراً بوصول ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان قد نفذ لاحضارها لنزف على زوجها مجاهد الدين أبيك المستنصري المعروف بالدويدار الصغير فخرج إلى تلقيها بدر الظاهري المعروف بالشحنة أحد خدم الخليفة وفي صحبته ثلاثون خادماً والأمير بدر الدين سنقر جاه أمير آخور الخليفة وجماعة من المماليك والحاجب، أبو جعفر أخو استاذ الدار ومؤيد الدين محمد بن العلقمي فتلقاها بدر الشحنة في المزرفة وعادوا الجماعة معه وانحدرت هي في شبارة، حملت لها إلى هناك في جماعة من خدمها وجواريها وصعدت في باب البشرى ليلاً، وقد أعد لها بلغة فركبت واجتازت بدار الخلافة وخرجت من باب النوبي إلى دار زوجها مجاهد الدين - بدرب الدواب - وهي الدار المنسوبة إلى أحمد بن القمي فنثر عليها خادم لزوجها ألف دينار عند دخولها الدار.


وفي رابع جمادي الآخرة، خلع الخليفة علي مجاهد الدين بين يديه وقدم له مركوب بعدة كاملة فخرج وقبل حافرة وركب من باب الأتراك ورفع وراءه أربعة عشر سيفاً إلى غير ذلك من الحراب والنشاب وأشهرت السيوف من باب دار الضرب وخرج معه جماعة من خدم الخليفة والحاجب أبو جعفر بن العلقمي أخو استاذ الدار ومهتر الفراشين وحاجب ديوان الأبنية وغيرهم، وتوجه إلى داره فلما اجتاز بباب البدرية، نشر عليه خادم من خدم الشرابي أربعة آلاف دينار ولما اجتاز بدرب الدواب، نثر عليه في عدة مواضع من دار الأمير جمال الدين قشتمر ودار ابنته زوجة الأمير نصرة الدين كنج أرسلان، وكان ورائه الاعلام والطبول والكوسات.
في عشية هذا اليوم، نفذ له أحد عشر طبلاً، للخلق وأحد عشر قصعه وزوج صنج برسم طبل النوبة في الصلوات الثلاث، وزفت عليه زوجته فاجتمع له فرحتان فرح الإمارة وفرح العرس ولم يبلغ أحد من أبناء جنسه مع حداثة سنة ما بلغ ومن الغد عرضت عليه الهدايا من رقيق الترك والخدم والحبوش وأنواع الثياب والطيب والخيل وآلة الحرب وغير ذلك، من جميع الزعماء وأرباب الدولة وخدم الخليفة وسائر المماليك، ثم الوزير والشرابي واستاذ الدار والديودار الكبير، ولم ينفذ له أحد شيئاً إلا وخلع على المنفذ على يده، ثم ركب وبين يديه الأمراء والمماليك ورفع وراءه السلاح وقيدت بين يديه الخيل المجنونة وشهرت حوله السيوف وسعى السكيانية وبأيديهم الحرب والاطبار، والجاووشية بأيديهم الجوالكين الذهب والفضة وقصد دار الخلافة فخدم وعاد، ثم ركب عشية هذا اليوم وقصد دار الخليلة فخدم، وخرج وقت عشاء الآخرة في الأضواء والشموع واستمر دخوله إلى دار الخليفة في كل يوم بكرة وعشية على هذا الوضع.


وفي عاشر الشهر، خلع على أخواجته أبي الحسن علي بن المختار العلوي وعلى وكيله ماري بن صاعد بن توما النصراني وعلى نواب ديوانه وجميع الأمراء الذين أضيفوا إليه أيضاً ثم على أتباعه وحواشيه وغلمان البلدرية ومقدمها، وبوابي دار الخلافة الذين جوازه عليهم ولم يزل مقيماً في هذه الدار إلى أن تكاملت عمارة الدار المنسوبة إلى علاء الدين تتامش على دجلة وما أضيف إليها مما جاورها فانتقل إليها في ذي القعدة من السنة، وأنعم الخليفة عليه باصطبله المقابل لها على دجلة.


وفيها، أستحجب عبد الرحمن بن يحيي بن المخرمي أخو صاحب الديوان وجعل أسوة بحجاب المناطق.
وفيها، قصد الخليفة مشهد موسى بن جعفر عليه السلام في ثالث رجب فلما عاد أبرز ثلاثة آلاف دينار إلى أبي عبد الله الحسين بن الاقساسي نقيب الطالبيين وأمره أن يفرقها على العلويين المقيمين في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسين وموسى بن جعفر عليهم السلام.


وفي رجب، أعيد فخر الدين أبو طالب أحمد بن الدامغاني إلى أشراف المخزن وخلع عليه.


وفيها، وصل بشر خادم الأمير ركن الدين اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ونفران من رماة البندق ومعهم طائر قد صرعه ركن الدين وانتسب ذلك إلى شرف الدين أقبال الشرابي فقبله وأمر بتعليقه فعلق تجاه باب البدرية وأن ينثر عليه ألفا دينار، ثم خلع على الخادم والواصلين صحبته وأعطاهم ثلاثمائة آلاف دينار.
وفيها، توفي محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن العجمي وهو من بيت رئاسة... قديمة.. وله شعر حسن فمنه: سقى الله ذا العيش غض والحبيب قريب لح في رياضه ويدعوننا داعي..

وفيها، توفي الملك العزيز محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب ابن شادي صاحب حلب، كان قد توفي أبوه الملك الظاهر غازي وهو طفل فعهد إليه وجعل أتابكه ومربيه والقائم بأمره وتدبير دولته خادماً اسمه طغرل ولقبه شهاب الدين فقام بتربيته وبالغ في حراسة دولته وأحسن السيرة في الرعية إلى أن كبر وصار من أحسن الشباب صورة فاختر منه المنية في عنفوان شبابه وقد جاوز عشرين سنة من عمره وخلف ولدا صغيراً فعهد إليه، ومن العجب أن الملك الظاهر غازي لما مرض أرسل إلى عمه العادل أبي بكر محمد صاحب مصر والشام رسولاً يطلب منه أن يحلف لولده محمد هذا فقال العادل: سبحان الله أي حاجة إلى هذه اليمين؟ الملك الظاهر مثل بعض أولادي. فقال الرسول: قد طلب هذا ولا بأس باجابته فقال العادل: كم من كبش في المرعى وخروف عند القصاب. وحلف له فتوفي الظاهر والرسول عند العادل ولم تطل أيام الملك عبد العزيز محمد.
وفيها، توفيت ست شمائل وأسمها شجرة الدر التركية، كانت حظية الخليفة الناصر لدين الله مقربة إليه وكانت تكتب خطا جيداً وكانت تقرأ له المطالعات الواردة عليه لما تغير نظره ويملي عليها الأجوبة، ودفنت في تربة الخلاطية.
وفيها، توفي الملك كيقباذين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان السلجوقي صاحب قونية وآقصراي وسيواس وغير ذلك من بلاد الروم، وملك بعده أخوه كيكاوس وكان كيقباذ أول مالك كبكاوس فلما مرض أحضره وا.. بأولاده.
ذكر حصر أربل

في سابع عشر شوال، وصل الخبر من أربل على جناح طائر بنزول عساكر المغول على أربل والأحاطة بها وتحصن أهل البلد بغلق الأبواب وصعود القلعة وأمر شمس الدين أصلان تكين الناصري بالتوجه إلى هناك جريدة ونفذ معه ثلاثة آلاف فارس بغير ثقل فتوجهوا في العشرين من الشهر وتوجه بعدهم الأمير مجاهد الدين أيبك الدويدار في جماعة من مماليكه جريدة ونفذ صحبته ابن كر الأربلي ثم خرج شرف الدين الشراب ومعه جماعة من الأمراء والمماليك وتوجه أيضاً نحوهم. وأحضر نصير الدين نائب الوزارة المدرسين والفقهاء واستفتاهم: إذا اتفق الجهاد والحج أيهما أولى؟ وأفتوا بأن الجهاد أولى، فأبطل الحج في هذه السنة، وأمر المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية برمي النشاب والاستعداد للجهاد وولي الأمير أيدمر الأشقر الناصري شحنة بغداد ووقع الاستظهار بنصب المناجيق على سور بغداد وأصلح الخندق، وأما المغول فأنهم نزلوا على أربل وحصروها ونصبوا المناجيق عليها، وقصدوا جهة من السور فهدموا جهة من السور فهدموا منه قطعة كبيرة ودخلوا البلد عنوة وقهراً فتحصن أهله ومعظم العسكر بالقلعة وقاتلوهم أشد قتال، وأمد المغول بدر الدين صاحب الموصل بما يحتاجون إليه من ميرة وآلة وغيرها، وأعوز أهل قلعة أربل الماء، فتلف منهم ألوف كثيرة بالعطش ولم يمكن دفنهم لضيقة الموضع ولا القاؤهم لئلا يسدوا الخندق فأحرقوا بالنار، ثم عاثوا في البلد أشد العيث نهباً وأسراً وأحراقاً وتخريباً، ثم اهتموا بالقلعة وجدوا في نصب المناجيق عليها فبلغهم وصول عساكر الخليفة فرحلوا راجعين إلى بلادهم في سادس ذي الحجة فورد الخبر بذلك إلى الشرابي فرجع والعساكر والأمراء في خدمته إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر المحرم سنة خمس وثلاثين.

سنة خمس وثلاثين وستمائة

وفي المحرم، عزل علاء الدين هاشم بن الأمير السيد من صدرية المخزن ورتب عوضه فخر الدين محمد بن أبي عيسى نقلا من صدرية دجبل.


وفيها، حضر أسد الدين شير كوه صاحب حمص عالة وأخذها صلحاً ورتب بها نائباً.


وفيها، ولي أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني تدريس الطائفة الحنفية بالمدرسة المستنصرية عوضاً عن أبن الانصاري الحلبي فإنه سأل الأذن في العود إلى بلده بأهله وأولاده فأذن له، وكانت مدة تدريسه بالمدرسة المذكورة أحداً وعشرون شهراً.


وفيها، في تشرين الأول جاء رعد هائل وبرق عظيم ووقعت صواعق كثيرة: منها صاعقة أصابت أنساناً بظاهر سور سوق السلطان قريباً من سوق الخيل كان على بغل فأحرقت بعض صدره ونصف البغل فوقعا ميتين ووقعت صاعقة أخرى في دار يهودي بخربة ابن جردة، وأخرى على نخلات بباب محول فأخرقتها، كل ذلك في ساعة واحدة، ووقعت صاعقة أخرى في شباط على الرواق بالمدرسة المستنصرية فشعثت منه موضعاً.

وفيها، رد أمر حجر البيع إلى تاج الدين علي بن الدرامي حاجب باب النوبي يومئذ، وعين الأمير شمس الدين أصلان تكين زعيما ببلاد خوزستان، عوضاً عن الأمير علاء الدين ايلدكز المعروف بطاز، وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وخمسة أشهر.


وعزل، منصور بن عباس عن صدرية لديوان المفرد بنهر الملك ونهر عيسى وهيت، ورد أمرها إلى صاحب الديوان فخر الدين أبي سعيد المبارك بن المخرمي.


وفي ربيع الآخر، تقدم إلى المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية وأرباب الدولة من الصدور والأمراء بحضور جامع القصر لأجل الصلاة على ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل زوجة الأمير علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير وصلي عليها في القبلة وشيع الكل جنازتها، إلى المشهد الكاظمي ودفنت إلى جانب ولدها في الايوان المقابل للمدخل إلى مصف الحضرة المقدسة في ضريح مفرد، قيل أنها كانت نفساء، عن نيف وعشرين سنة ومدة مقامها في بغداد عشر سنين، وعمل العزاء في دار الأمير علاء الدين وحضر النقيب الظاهر الحسين بن الاقساسي وموكب الديوان وأقامه من العراء، ونفذ المحتسب أبو الفرح عبد الرحمن بن الجوزي إلى بدر الدين لؤلؤ ليقيمه من العزاء.


وفي جمادي الأولى، عقد العقد في دار الوزارة على ابنة سليمان شاه بن برجم بمظفر الدين محمد بن الأمير جمال الدين قشتمر، وأحضر أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني ونوابه وكان مبلغ الصداق ألف دينار.
فيها، كثر شغب العوام ببغداد وقتل جماعة من الناس في عدة أماكن فولي عماد الدين طغرل الناصري شحنكية بغداد فسكن الناس.


وفيها، دخل دار الوزارة مملوك من مماليك الخليفة وهي مغتصة بالزحام لاجل السلام فقصد صفة المسند وأطبق دواة الوزير فانزعج الحاضرون ولم يشكوا أنه مأمور، وذلك عنوان العزل وتطالت الأعناق إلى ما وراء ما فعل، فبدأ منه مايدل على تغير عقله، فقام إليه أحد الحجاب ودبه بيده وأنزله من الصفة، وعرف الوزير هذه الصورة، فأنهى ذلك إلى الخليفة، فتقدم بهلاك المملوك فشفع الوزير فيه، ووقع الاقتصار على حبسه بالمارستان أسوة بالمجانين.


وفيها، اتصل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي وولده عز الدين أبو الفضل أحمد بابنتي الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد القمي وكان الاجتماع بهما في شعبان وكان قد أفرج عنهما وردت عليهما أملاكهما وما اجتمع من اجرتها وهو سبعة آلاف دينار في صفر من السنة.


وفي شعبان، رتب شمس الدين عبد العزيز بن محمد بن خليد مشرفاً بدار التشريفات نقلاً من الكتابة بها،

ورتب مجد الدين علي ابن أبي الميامن بن أمسينا الواسطي كاتباً بها، وقلد العدل الخطيب أبو طالب الحسين بن أحمد بن المهتدي بالله نقابة العباسيين.


وفي آخر شعبان، انتهي من عمارة باب جامع القصر مما يلي الرحبة وفتح، وفتحت المزملة التي عملت بالجامع المذكور أيضاً.


وفيه، نهض على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل نفران من الباطنية ليقتلاه فجرحه أحدهما في يده فقبضا وقتلا وأخذ في التحرز بعد ذلك والاستتار.


وفيها، نقل العدل أبو طالب أحمد بن الدامغاني من أشراف المخزن إلى ديوان عرض الجيش المختص بالغرباء، وتفرد أبو علي الحسن بن المختار العلوي بديوان عرض العساكر البغدادية فصار حينئذ للجيش عارضان، وكان قد جعل لديوان المجلس حاجبان فقيل في ذلك:


هذه دولة حوت كل حسن ... وجهها مشرق بديع المعاني


فلها حاجبان زيدا جمالا ... ولها من جمالها عارضان


وفيه، علق طائر بباب بدر، قيل أنه رماه كيخسرو بن كبقباذ ملك الروم ونثر عليه ألف دينار، تولى ذلك عبد الله بن المختار.


وفيها، توفي شمس الدين التمش بن قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين محمد بن سام الغوري ملك الهند، وملك بعده ولده ركن الدين فيروز شاه فلم يستقم له الأمر، وتفرق عنه العسكر فقبضت عليه اخته وملكت بعده وأطاعها الجند والرعية وتلقبت - رضية الدنيا والدين - واستقام لها الأمر.

وفيها، توفي الأمير شرف الدين علي بن الأمير جمال الدين قشتمر، امه ايران خاتون ابنة أبي طاهر ملك المر، كان قد مرض وشفي وركب وخلع على الطبيب، فلما نزل، عرض له ألم في فؤاده واعقال طبع، فمات وكان شاباً جميلاً كريماً شجاعاً، قد أمر وأضيف إليه عدة من المماليك ورفع وراءه سيفان وتوفر اقطاعه، فاخترمته المنية في عنفوان شبابه، ودفن عند والدته بمشهد الحسين عليه السلام، واستدعي جمال الدين قشتمر إلى دار الوزارة، ومعه ولده مظفر الدين محمد وولده شرف الدين علي المتوفي، وهو فخر الدين مغدي فخلع على مظفر الدين وجعل أميراً على مائة فارس وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة، وخلع على فخر الدين مغدي وجعل أميراٍ على عدة خمسين فارساً، وعمره يومئذ خمس سنين، ثم خلع على الأمير جمال الدين قشتمر، كل ذلك جبراً لقلبه، من فجعته بولده.


وفيها، توفي الملك الاشرف أبو الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب دمشق، ملك بعد وفاة أبيه ديار الجزيرة وميا فارقين وخلاط، واستقر ملكه بها، ثم ملك سنجار صلحا، وقصد بلاد الموصل وسار يريد أربل، فراسله الخليفة الناصر لدين الله بالرجوع عنها والصلح، فأجاب إلى ذلك على أن يخطب له ويضرب الدينار باسمه، فأجاب مظفر الدين كوكبري إلى ذلك، فلما عاد إلى حران، راسل الخليفة يسأل تشريفه بالفتوة فنفذ إليه من فتاه بطريق الوكالة، وكان عنده أدب وفضل مع ظرافة ولطافة وكرم فائض، وكان متعففاً عن أموال الرعية منعكفاً على ملاذة، مشتهراً بحب الغلمان الأتراك والميل إليهم، مستهتراً بهم وله فيهم أشعار كثيرة، ليست بالجيدة: فما قاله في غلام تركي كان على خزانته:
أفدي قمراً تحار فيه الصفة ... يسخو بدمي وهو أمين ثقة


ماذا عجب بحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت


وكانت وفاته بدمشق في المحرم، وقد جاوز الستين سنة من عمره واستولى أخوه الملك الصالح اسماعيل على دمشق بعده.


وفيها، توفي ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد الله من أعيان المتصرفين خدم أولاً خواجة الأمير علاء الدين تتامش، ثم تولى عرض ديوان الجيش ثم عين عليه في وزارة بلاد خوزستان، ثم عزل واعتقل هناك في سنة ست وعشرين، فكان على ذلك إلى أن توفي الخليفة الناصر لدين الله فأفرج عنه ووصل إلي بغداد فولي صدرية ديوان عرض الجيش ثم نقل إلى صدرية ديوان أربل فكان بها، ثم سأل أن يعفى من الخدمة بها فأعفي، ثم أعيد إلى بلاد خوزستان فكان بها إلى أن مات.


وفيها، توفي المللك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب مصر والشام، وكان فاضلاً أديباً متفقها وسمع الحديث ورواه وكان معظماً لأهل العلم محباً لهم يحضرهم مجلسه في كل اسبوع ويبحثون عنده ويتناظرون ويتكلم معهم، ويشركهم في بحثهم ويلزم معهم أدب المناظرة ويخاطبهم أحسن خطاب، وله شعر جيد، منه: ما كتبه إلى أخيه الاشراف حيث كان على دمياط:


يامسعفي أن كنت حقاً مسعفي ... فأرحل بغير تفند وتوقف


واطو المنازل والديار ولا تنخ ... إلا على باب المليك الاشرف


قبل يديه لا عدمت وقل له ... عني بحسن تعطف وتلطف:


أن تأت صنوك عن قريب تلقه ... ما بين حد مهند ومثقف


أو تبط عن أنجاده فلقاؤه ... يوم القيامه في عراص الموقف

ولما توفي أبوه، حذا حذوه في التيقظ والحراسة وحسن التدبير وسياسة الملك، فأخذ اليمن ومكة وتغلبا، ونفذ إليها ولده الملك المسعود بالمظفر يوسف، ولما أخذ الفرنج دمياط وتملكوها، جرد عزما ماضياً، وخرج بنفسه وجمع العساكر، وانتقل بهم وبجميع أهل البلد وبني مدينة مستأنفة وبنى بها جامعا ومدارس وأربطة وحمامات وخانات، ونقل إلها الناس على اختلافهم، ولم يزل محاصراَ لها مضيقاً على من بها حتى أخذها، وقبض على الفرنج وأخذهم اسرى ودخل القاهرة وهم بين يديه، ثم من على من أسرهم من ملوكهم وأحسن إليهم، وأطلقهم على أشياء قررها، ولو لم يكن له إلا هذا لكفي، فأنهم لما ملكوا دمياط أشرف باقي البلاد على الأخذ ولو أخذت مصر لما بقي بالشام معهم ملك لأحد، وكانت وفاته في شعبان بدمشق، وقد جاوز الستين من عمره، وكانت مدة ملكه منذ ملك مصر أربعين سنة، وعهد إلى ولده العادل حمد.


ذكر وصول عساكر المغول نواحي العراق

في صفر، وصلت الأخبار إلى أهل أربل، أن عساكر المغول عادوا إلى قصدهم في جمع كثير، فانتزح من كان بها وبالقلعة أيضاً، فلما رأى زعيمها الأمير شمس الدين باتكين خلو البلد، أمر بخروج العسكر المقيم هناك إلى ظاهر البلد ثم الاستعداد للحراسة فعدلوا حينئذ عن أربل فقصدوا دقوق، وانبثوا في أعمال بغداد وعاثوا بها أشد العيث، فوصل الخبر إلى بغداد فخرج شرف الدين اقبال الشرابي مبرزاً إلى ظاهر البلد، وأمر خطيب جامع القصر أبا طالب بن المهتدي بأن يحرص في خطبته على الجهاد ففعل ذلك، فبكى الناس لما سمعوا كلامه، وأجابوا بالسمع والطاعة، وقدم أهل السواد من دقوق وغيرها إلى بغداد، معتصمين بها وتضاعفت أجرة المساكن، وانزعج الناس لذلك، وتتابع خروج الأمراء والعساكر إلى ظاهر البلد، وركب الخليفة المستنصر بالله إلى الكشك، فنزل به وظهر للأمراء، وأمرهم المشورة، فقال كل واحد ما عنده، وسهل الأمير جمال الدين قشتمر الأمر في لقائهم، وعين الشرابي على جماعة من الأمراء لقصدهم، فتوجهوا إلى القليعة ونزلوا بها، فبلغهم أن المغول في جمع كثير وهم بالقرب من الجبل، فساروا نحوهم فلما قاربوهم تعبوا ميمنة وميسرة وقلباً، فلما شاهدت عساكر المغول ذلك ولوا راجعين، فتبعهم جماعة من العسكر فقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأسروا منهم جماعة، وغنموا من دوابهم وأثقالهم، وأرسلوا إلى الشرابي برؤوس كثيرة، فضربت البشارة عند مخيمه وخلع على الواصلين بالخبر واستأذن الشرابي في دخول البلد فأذن له، فدخل في مستهل ربيع الأول، هو والأمير جمال الدين قشتمر والعسكر، وأذن لنور الدين أرسلان شاه بن عماد الدين زنكي صاحب شهر زور في العود إلى بلده، وخلع عليه وعلى أصحابه، وتقدم إلى تاج الدين محمد بن الصلايا العلوي بالتوجه إلى أربل وتجديد سورها وعمارة ما خرب من دورها ونفذ معه كركر الناصري ليكون مستحفظاً بقلعتها، وعين على الأمير ايدمر الأشقر الناصري زعيما بها وكان زعيمها الأمير شمس الدين باتكين قد فارقها.

ثم تقدم، بعمارة سور بغداد وقسم بين أرباب الدولة فسلم إلى نواب ديوان الأبنية منه قطعة مما يلي دار المسناة وقسم العمل بين ثلاثة، وهم فخر الدين المبارك بن المخرمي صاحب الديوان، وابن أبي عيسى صدر المخزن، وتاج الدين علي بن الدوامي حاجب الباب ووقع الحث على ذلك.

ثم وصل الخبر في شهر رجب المبارك أن عساكر المغول قد سارت نحو بغداد، فتقدم إلى الأمراء بالخروج إلى ظاهر البلد فخرج الأمير جمال الدين بكلك الناصري، والأمير جمال الدين قشتمر وغيرهما من الأمراء، وخيموا ظاهر البلد، وكاتب الخليفة ملوك الأطراف يستنجدهم ويعرفهم الحال، فوصل في شهر رمضان ولدا الملك الأمجد فرخشاه صاحب بعلبك، وهما الملك السعيد شاهنشاه والمظفر عمر ومعهما ألف فارس، فخرج الموكب إلى لقائهما فدخلا وقبلا العتبة فخلع عليهما، وعلى الأمراء الواصلين صحبتهما ثم خرجا وأنزلا في المخيم بظاهر السور.

ثم وصل بعده، الملك المشمر خضر بن صلاح الدين صاحب دمشق ومعه ستمائة فارس، وتلقي ودخل البلد وخلع عليه وعلى أصحابه وخرج إلى ظاهر السور، وخرج شرف الدين أقبال الشرابي أيضاً إلى مخيمه وتكملت العساكر عنده، فأمرهم المسير إلى لقاء المغول فساروا في شوال، وكانت عدتهم سبعة آلاف فارس، فوصلوا قريباً من جبل خانقين، فبلغ جمال الدين بكلك، أن عدة عساكر المغول خمسة ألف فارس، فسار ليله أجمع ليدركهم نازلين فكبسهم فلما أسفر الصبح، عبر هو والأمراء الذين معه والعسكر قنطرة هناك فلما تكاملوا عبور القنطرة، بان لهم غبار عساكر المغول وهم سائرون نحوهم فواقعوهم على تعب وسهر، واقتتلوا قتالاً شديداً وانكسرت ميمنة المغول وميسرتهم ولم يبق إلا القلب فحينئذ ظهرت كوامن كانت لهم وأحاطوا بعسكر بغداد وكانوا قد لحجوا وراء المنهزمين، فانهزمت حينئذ عساكر بغداد وقتل منهم خلق كثير فالتجأوا إلى دجلة؟ قريبة من موضع الوقعة فهلك معظمهم جوعاً وعطشاً، وعاد من سلم منهم إلي بغداد، وقتل جمال الدين بكلك وطبرس وطغرل الحلبي وقيصر الظاهري وبهاء الدين علي الأربكي وكيكلدي بن قرغوي، وجماعة من كبار الزعماء يطول ذكرهم، وكانت هذه الوقعة يوم الخميس ثالث ذي القعدة، ووصل الخبر على جناح طائر يوم الجمعة رابعه، فانقلب البلد وماج بأهله ووصل أثر الطائر أهل طري خراسان، والبندنيجين، وغيرهم منتزحين عن أوطانهم، وقدم ابن أبي عيسى صدر المخزن ومشرفه والعمال والنواب، وكثر الرهج وضج الناس، فتقدم الخليفة إلى كافة الأمراء بالتبريز وفتحت أبواب السور، فخرجوا في تلك الليلة وخرج الشرابي، وخيموا جميعهم بالقرب من الملكية، وخرج الخليفة لينظر المخيم والعسكر، فبلغ الشرابي ذلك فركب عجلا للقائه، فظن الناس أن ركب الشرابي لأمر حدث، فركب العسكر منزعجين ووصل الخبر إلى عوام البلد وخواصه، فخرج أكثرهم متسلحين، فلما عرفوا حقيقة الحال سكنوا واطمأنوا، أما المغول فإنهم حازوا الغنائم وعادوا راجعين من خانقين وراسلوا الخليفة فوصل رسولهم في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وستمائة، فانفذ العدل جعفر بن محمد بن عباس البطائحي ناظر التركات، صحبة الرسول الوارد من جرماغون مقدمهم، وكان عوده في سنة سبع وثلاثين. واجتمع به بالقرب من قزوين، وأذن للشرابي والأمراء والعساكر بالدخول إلى البلد، فدخلوا في آخر ربيع الآخر،،لم يحج أحل في هذه السنة أيضاً.


نهاية الكتاب.

ألف / خاص ألف

























































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

تعويذة عشق

18-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow