Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ــ ج 2 المؤلف : ابن الفوطي

خاص ألف

2017-01-07

سنة تسع وعشرون وستمائة


وفي هذه السنة، وردت الأخبار بانتشار عساكر الغول في بلاد أذربيجان وتطرقهم إلى ما يقاربها من النواحي والأعمال إلى نحو شهر زور، فأخرج الخليفة المستنصر بالله الأموال وجهز العساكر وأرسل إلى سائر البلاد للجمع والاحتشاد، فورد كتاب مظفر الدين كوكبري صاحب أربل ويسأل انجاده بالعساكر، ليتفق معهم فتقدم الخليفة بخروج العساكر، فبرزوا إلى ظاهر البلد وتجهزوا وساروا ومقدمهم جمال الدين قشتمر الناصري، ومعه من الأمراء، شمس الدين قيران، وعلاء الدين ايلدكن وبهاء الدين ارغش، وفلك الدين زعيم البيات. فساروا قاصدين مظفر الدين كوكبري صاحب أربل فالتقوا به في موضع قريب من الكرخيتي فأقاموا هناك بقية شهر رجب وشعبان، فجرى بين بعض مماليك الخليفة وبيطار من أصحاب مظفر الدين صاحب أربل خصومة، فعاونه جماعة من أصحابه فانتشب بسبب ذلك بين العسكرين فتنة أدت إلى قتل وجراح، فركب مظفر الدين بسلاحه وكذلك أصحابه، ثم وقف في باطن دهليز سرادقة، وكادت الحرب تنشب بينهم، فركب جمال الدين قشتمر بغير سلاح ولا مداس، ومنع غلمانه ومماليكه من متابعته، ودخل في غمار الوقعة وقصد خيمة مظفر الدين صاحب أربل، فوجده راكباً بالعدة الكاملة، يحرض أصحابه على القتال فلاطفه وخجله وقبح له ذلك، فعرف وجه الصواب، فرجع عما كان عزم عليه، وسكنت الفتنة، ثم اتفقوا على الرحيل إلى مدينة شهر زور لأنهم بلغهم أن المغول قد وصلوا ساميان وحاصروا حاصبك، فنفذ جمال الدين قشتمر جماعة طلائع، وجعل مقدمهم ارتر العراقي، ثم رحلوا في ثامن شهر رمضان ونزلوا في موضع يعرف بالاكراد، فورد الخبر إليهم بوصول أمين الدين كافور خادم الخليفة المستنصر بالله فركب جمال الدين قشتمر ومظفر الدين صاحب أربل، وجميع الأمراء للقائه فاجتمعوا به وعرفهم ما أمر به الخليفة ثم عاد في سحرة تلك الليلة إلى بغداد وأحضر في تاسع رمضان عند جمال الدين قشتمر، ثلاثة نفر وامرأة من المغول فسألهم عن أخبارهم، فذكروا أنهم فارقوهم راجعين من مراغة فأخذ عليهم شروط الاسلام فأسلموا فضمهم إليه ثم رحلوا وساروا حتى عبروا الدربند، فوصل إليهم الدكز مخبرا أنهم صادفوا يزكا منهم على غرة، وجرت بينهم هوشة وأن المغول استظهروا عليهم لكثرتهم ومعرفتهم بالأرض، وقتلوا مقدم الطلائع وجماعة من العسكر، فعند ذلك جدوا في السير فوصلوا شهر زور ونزلوا بقرية يقال لها موغان غربي شهر زور فلم يمكنهم المقام هناك لعدم الماء العذب فيه، ومات في ذلك المنزل خلق كثير بهذا السبب فعند ذلك أظهر مظفر الدين صاحب أربل المرض وشدته، فدخل إليه جمال الدين قشتمر عائدا فوجده ملقي على ظهره، فقال لا غناء لي عن التوجه إلى بلده، وطلب منه ولده شرف الدين علي وقال يكون معي إذا مت يتسلم البلد، وطلب أيضاً الأمير سعد الدين حسن بن الحاجب علي، ليسلم إليهما خفيتان، فأجابه إلى ذلك فتوجه مظفر الدين قاصداً بلده وتوجه قشتمر إلى الكرخيتي. وأما مظفر الدين فإنه وصل إلى أريل وأقام شرف الدين وسعد الدين عنده أياماً ثم سرحهما فعادا إلى الكرخيتي، وأخبراه أنه في أتم عافية وأن ذلك كان حيلة منه، وكان جمال الدين قشتمر قد نفذ الأمير ابن حسام الدين طرغل ونور الدين الدكز إلى الدربند يزكا، فذهبا يتصيدان فما أحسا إلا وقد أحاط المغول بخيمهما فأخذوها وما فيها، فلما بلغ ذلك جمال الدين قشتمر ركب بمن معه وصعد رأس الجبل هناك واعتبر العساكر فلم يجد إلا الأمراء والمماليك ومتميزي الأجناد، وترقب وصول المغول فأسفرت الحال عن يزك كان لهم، وأن قطعة منهم بالدربند فاقتضى رأيه الرجوع، والنزول في المنزل تطييباً للناس من النفور والانزعاج، فحضر جميع الامراء عنده وظهير الدين الحسن بن عبد الله عارض الجيش، ودارت المشورة بينهم في كيفية لقاء عدوهم فكل منهم أشار بشيء، إلا عارض الجيش فإنه قال: الرأي معكم فاتفقوا على الرحيل ليلاً من غير طبل ولا شغل، والمسير إلى شهر كرد فهناك وطأة واسعة وأرض فسيحة تصلح للحرب فرحلوا همسة من غير حركة تسمع، فصبحوا شهر كرد: وأما من كان معهم من العساكر الغرباء فأنهم رحلوا متفرقين كل منهم طلب بلده، وأقام جمال الدين قشتمر ومن معه من العساكر فلم يقدم أحد المغول إلى محاربته فأنهى ذلك إلى الديوان فتقدم إليه بالعود فرحل قاصداً مدينة السلام فلم يؤذن له في دخول البلد

فأقام بظاهره إلى صفر، سنة ثلاثين وستمائة، ثم أذن له الدخول.فأقام بظاهره إلى صفر، سنة ثلاثين وستمائة، ثم أذن له الدخول.


وفي هذه السنة، نقل عبد الله بن ذبابة، ما اقتضى ضربه على باب النوبى، وقطع لسانه واحضاره إلى البصرة، والزامه المقام بها.


وفيها، جرت فتنة بين أهل باب الازج وبين أهل المختارة وتراموا بالبندق والمقاليع والآجر وتجالدوا بالسيوف فقتل من الفريقين، وجرح جماعة فتقدم في عشية اليوم التالي بخروج الجند وكفهم عن ذلك، فخرج نائب باب النوبي ومعه جماعة من الجند وكفهم وقبض على جماعة منهم فضربهم وقطع أعصابهم، فسكنت الفتنة.


وفيها، صعد إنسان إلى الشيخ محمد الواعظ وهو على منبر وعظه بباب بدر ومعه سمان وقال أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وقال لي لا أحمل هذا السمان إلى محمد الواعظ وقل له يعطيه للخليفة، فاستيقظت وهو في يدي، فقال له أمسكه معك إلى حين فراغ المجلس، فانهيت الحال إلى الخليفة فتقدم بأن يعزر ويوكل به على كذبه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيها، قلد قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطي أحمد ابن عنتر الهمامي، قضاء واسط وخلع عليه فخرج والبسملة بين يديه متوجها إلى داره فاجتاز على دار الوزارة وكان مؤيد الدين القمي جالساً في الشباك فانكره وسأل عنه فعرف الصورة ولم يكن قاضي القضاة استأذنه في ترتيبه، فانكر الحال على قاضي القضاة، فنفذ في الحال إلى المذكور وكيلا شافعاً بالعزل، ثم أنه بعد ذلك شفع إلى الوزير في ابن عنتر فتقدم إلى قاضي القضاة باعادته، فأعاده.


وفيها، أذن الخليفة المستنصر بالله لولده الأمير المؤيدي أحمد عبد الله أن يوكل العدل، عبد الوهال بن المظفر وكالة شرعية فوكله، وأشهد على نفسه بذلك العدلين على بن النيار مؤذبه، ومحمد بن حديد.
وفيها، تقدم الخليفة إلى الأمير شمس الدين باتكين زعيم البصرة بعمارة جامعها وتجديده وأحكامه وتشييده، وانشاء مارستان هناك وأن يكون الغرامة عليه من خالص مال الخليفة وآن توقف عليه وقوفاً سنية موفرة الحاصل.

ذكر عزل الوزير مؤيد الدين القمي

وولاية نصير الدين أبي الازهر أحمد بن الناقد

في يوم السبت سابع عشر شوال، تقدم إلى مؤيد الدين أبي طالب محمل بن أحمد بن العلقمي مشرف دار التشريفات يومئذ أن يحضر عند استاذ الدار شمس الدين أبي الأزهر أحمد بن الناقد ويتفقا على القبض على نائب الوزارة مؤيد الدين القمي فجمع استاذ الدار رجال النوبتين وأمرهم بالمبيت في دار الخلافة ولم يشعر أحداً منهم بشيء فلما أغلق بابا النوبي والعامة، عين على جماعة مع ابن شجاع مقدم باب الأتراك، بالقبض على القمي إذا فتح باب النوبي، وعين على جماعة مع حسن بن صالح المعمار للقبض على ولده في الساعة المعينة، وعين جماعة للقبض على أخيه وجميع أصحابه وخواصه، فلما فتح باب النوبي خرج الجميع بالسيوف وهجموا عليه وعلى ولده وأخيه وجميع أصحابه في ساعة واحدة فلم يفلت منهم صغير ولا كبير. فأما هو وولده فنقلا ليلا إلى باطن دار الخلافة فحبسا هناك. وأما بناته ونساؤه فنقلن إلى دار بالقصر من دار الخلافة. وأما أخوه ومماليكه وأصحابه فحملوا إلى الديوان.


وفي يوم السبت المذكور. استدعي استاذ الدار شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد إلى دار الخلافة، وخلع عليه نيابة الوزراء وقلد سيفا وقدم له مركب بمركب ذهباً وركب من باب البستان المقابل لدار التشريفات وبين يديه جميع الحجاب وقد تقدمه إلى الديوان جميع أرباب الدولة فدخل إليه وجلس في الموضع الذي جرت عادة نواب الوزارة بالجلوس فيه، وكتب والأنهاء وبرز الجواب فقرأه قائماً على الحاضرين، وأمر الخليفة بأن يخاطب بخطاب الوزير أبي الحسن ناصر بن المهدي العلوي وهو المولى الوزير الأعظم الصاحب الكبير المعظم، العالم العادل، المؤيد المظفر المجاهد نصير الدين صدر الإسلام، غرس الإمام، شرف الأنام، عضد الدولة، جلال الملة، مغيث الأمة، عماد الملك، اختيار الخلافة مجتبى الأمانة المكرمة، تاج الملوك، سيد صدور العالمين، ملك وزراء الشرق والمغرب، غياث الورى، أبو الأزهر أحمد أبن محمد أبن الناقد ظهير أمير المؤمنين، ووليه المخلص في طاعته، الموثوق به في صحة عقيدته.

وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال ولي مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي استاذية الدار، وخنع عليه في دار الوزارة وركب في جمع كثير واسكن في الدار المقابلة لباب الفردوس، ولما قبض على القمي، قال الشعراء في ذلك أشعار كثيرة منها ما قاله الحاجب محمد بن عبد الملك الوظائفي وحرض الخليفة على قتلهما بألفاظ رمات البندق. وهو:


لقد انتحى المستنصر المنصور ... يوم المكين كما انتحى المنصور
ملك الخراساني ذاك ببغية ... وكذا خراسانينا المأسور
لا تبقه ياخير من وطىء الحصا ... فالحزم أن لا يهمل الموتور
وأفصم عرى عنق القصير فدونه ... في المكر والكيد الوكيد قصير
مولاي في وجه العداة صرعت ... مصطحباً وطير المخر فيه وكور
أخليت منه الجو في ندب وكم ... حامت عليه ولم تنله نسور
خيشته لكن مفيقا فاتبع ... ما سنه في البندق الجمهور
والرأي تذكية المفيق فإنه ... مازال يملك روعة ويطير
فالكي مخلفه لديه واضع ... في حده عضد له وظهير
لا تأمنن عليهما في محبس ... ضنك فعندهما له تدبير
كم هارب من قلة في قلعة ... ولكم نجا بقيوده مطمور
فاقتلهما بالسيف أحوط حارس ... لهما وهذا أول وأخير
ضل المكين بكل ما صنعت به ... آراؤه في دسته المغرور
وتر الخلافة بالخلاف ولم يكن ... قد رد تدبير الملوك وزير
فعزمت فيه عزمة نبوية ... كادت لسطوتها السماء تمور
حرست ثغور المسلمين بعزلة ... وتبسمت للعالمين ثغور
وفيها، ولي جمال الدين علي ابن البوري حجابة باب النوبي، وفيها، قطع الشيخ محمد المعروف بالواعظ عن الوعظ ومنع من الجلوس بباب بدر، وكذلك العدل اسماعيل بن النعال الواعظ.
وفي ذي القعدة، استناب نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد نائب الوزارة أخاه جمال الدين عبد الله في الوكالة ليتوفر هو على أمر الوزارة، وفيه، انعم الخليفة على الأمير علاء الدين الطبرسي المعروف بالدويدار، الكبر بالدار المقابلة لباب الحرم المجاورة لداره، وانتقل عنها معلى بن الدباهي.
وحج بالناس في هذه السنة الأمير شمس الدين أصلان تكير الناصري.
وفيها، توفى أبو بكر محمد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة وكان على طريقة حميدة وقاعدة جميلة، عني بعلم الحديث وسماعه، وسافر البلاد في طلبه.
وفي خامس شوال، توفي جمال الدين محمد بن علي بن خالد الكاتب شيخ فاضل عالم بالسير والأخبار، كتب بخطه كثيراً وجمبع عدة مجاميع، واختصر كتاب الأغاني للاصفهاني وخدم في عدة أعمال. منها كتابة المخزن وخزانة الغلات بباب المراتب، وأشراف البلاد الحلية وغير ذلك، وصنف كتاباً في علم الكتابة وسماه جوهر اللباب في كتابة احساب.

سنة ثلاثين وستمائة

في المحرم، قلد العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الله بن المنصوري الخطيب، نقابة نقباء العباسيين والصلاة والخطابة وخلع عليه قميص اطلس بطراز مذهباً ودراعة خارا اسود، وعمامة ثوب خارا اسود مذهب بغير ذوابة، وطيلسان قصب كحلي، وسيف محلى بالذهب وامتطى فرساً بمركب ذهباً، وقرىء بعض عهده في دار الوزارة وسلم إليه، وركب في جماعة إلى دار أنعم عليه بسكناها في المطبق من دار الخلافة وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وهو من أعيان عدول مدينة السلام وأفاضل أرباب الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة. كان يصحب الفقراء دائماً ويأخذ نفسه بالرياضة والسياحة والصوم الدائم والتخشن التباعد من العالم، وكان الموفق عبد الغافر ابن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتاً طويلة، لما انتهى حالها إلى الديوان أنكر ذلك عليه ووكل به أياما ولم يخرج إلا بشفاعته، وأول الأبيات:
في دسته جالسا ببسملة ... بين يديه أن قام في أدب
وركبة منه كنت أعهده ... يذم أربابها على الرتب
وكان أبناؤها لديه على ... سخط من الله شامل الغضب
أصاب في الرأي من دعاك لها ... وأنت لما أجبت لم تصب

أول صوت دعاك عن غرض ... لبيته مقبلا على السبب
ويقول فيها:
قد كنت ذاك الذي تظن به ... لو لم تكن مسرعاً إلى الرتب
شيخي أين الذي يعلمنا الز ... هد ويعتده من القرب
أين الذي لم يزل يسلكنا ... إلى خروج عن كل مكتسب
أين الذي لم يزل يعرفنا ... فضل العتري بالجوع والتعب
ومنها:
أين الذي لم يزل يرغبنا ... في الصوف لبسا له وفي الجشب
وأين من غرنا بزخرفه ... متى اعتقدناه زاهد العرب
وأين ذاك التجريد يشعرنا ... أن سواه في السعي لم يخب
وأين من لم يزل يذم لنا ... الدينا وقول المحال والكذب
وأين من لم يزل بأدمعه ... يخدعنا باكياً على الخشب
وأين من كان في مواعظه ... يصول زجراً عن كل مجتذ ب
ويقطع القول لا يتممه ... منظبا بالسماع والطرب
يقسم الغمر أنه رجل ... ليس في الوجود من أرب
لو كانت الأرض كلها ذهباً ... أعرض عنها أعراض مكتئب
أسفر ذاك الناموس مختيلاً ... عن راغب في التراث مستلب
وكان ذاك الصرخ يزعجنا ... شكوى فقير على الدنا وصب
شيخي بعد الذم الصريح لما ... أبينه جئته على طلب
نسيت ما قلته على ورع ... عني لما اكتسبت بالدأب
ويل له أن يمت بخدمته ... يمت كفوراً وليس بالعجب
ما كان مال السلطان مكتسباً ... لمؤمن سالم منالعطب
هذا ورزقي من وقف أربطه ... قدر طفيف أعطاه بالتعب
ولست في ثروة أسر بها ... دنياي منها موفورة النشب
فليت شعري ماذا أقول ... وقد حلت منها في مرتع خصب
أعطيت كراثة فتهت بها ... عن طلب كان أشرف الطلب
لو أنها نجمة خشيت على ... دينك شركا يكون عن كثب
وأن ذاك الحنيك منعطفا ... لجام من يدعي ولم ينب
شيخي بعد التفضيل منتقيا ... ثوباً قصيراً مجاوز الركب
اختلت في ملبس ذلاذله ... تسحب من طولها على الترب
يرفعها كل شادن غنج ... يفتن نساكنا على الرهب
واعتضت من عصي الزهادة من ... حولك مشي الغلمان بالقضب
لو كنت والله زاهداً ورعاً ... لم ترضى دنيا الغرور باللعب
وكان في الله شاغل أبداً ... عما تراه بعين محتجب
لا يغتر بعد ذا أخو ثقة ... بمحسن في جميل مطلب
وليتعظ مدعي تقريه ... بحال شيخي الفتون وليتب
فكتب النقيب قطب الدين الحسن بن الاقساسي إلى النقيب مجد الدين المذكور أبياتاً كالمعتذر عنه والمسلي له، يقول في أولها:


أن صحاب النبي كلهم ... غير علي وآله النجب
مالو إلى الملك بعد زهدهم ... وضطربوا بعده على الرتب
وكلهم كان زاهدا ورعاً ... مشجعاً في الكلام والخطب.


فأخذ عليه فيها مآخذ فيما يرجع إلى ذكر الصحابة والتابعين وتصدى له جماعة وعملوا قصائد في الرد عليه، وبالغوا في التشنيع عليه، حتى أن قوما استفتوا عليه الفقهاء ونسبوه إلى أنه طعن في الصحابة والتابعين ونسبهم إلى قلة الدين فافتاهم الفقهاء بموجب ما صدرت به الفتيا.


وفيها، قدم راجح بن قتادة مكتة شرفها الله تعالى في جمع كبير ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عساكر الكامل أبي المعالي ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عسكر الكامل أبي المعالي محمد بن العادل صاحب مصر، فلما بلغ الكامل ذلك أرسل إلى مكة عسكرا فلما علم راجح بقدومهم نزح عنها فدخلها العسكر بغير محاوبة، وطبيوا قلوب أهلها وأحسنوا إليهم، بخلاف ما فعل راجح لما وليها

وفيها، حصر الكامل أبو المعالي المذكور مدينة آمد، وضيق على أهلها وأضعفهم بقلة الميرة وغيرها، واستولى عليها وملكها عنوة، وكان صاحبها الملك مسعود الدوادار الملك.


وفيها، رد النظر في أوقاف مدارس الحنيفة والربط وجامع السلطان إلى فخر الدين أبي طالب أحمد ابن الدامغاني مشرف الديوان وكفت يد نواب قاضي القضاة ابن مقبل عنها.
وفيها، وصل الأمير حسام الدين أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس الذي كان أمير الحاج في الأيام الناصرية وقد تقدم ذكر مفارقته للحاج مسيره إلى الشام، ومصر، ملتجأ إلى الكامل أبي المعالي محمد بن العادل، هرباً من الوزير القمي وحدراً من قصيدة أياه، فلما بلغه عزله كاتب الديوان واستأذن في العودة فأجيب سؤاله فلما وصل إلى مدينة السلام، حضر عند نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة فخلع عليه ومضى إلى داره بسوق العجم ثم استدعي بعد أيام وخلع عليه وأعطي سيفاً محلى بالذهب وأمطي فرساً وأعطي سبعة أحمال كوسات وأعلاماً، وضم إليه جماعة من العسكر وأقطع بلد دقوقاً.


وفيها، صرف تاج الدين أبو الفتوح علي بن هبة الله بن الدوامي، عن أشراف دار التشريفات وخرج راجلاً إلى داره، ورتب عوضه تاج الدين أبو المظفر محمد بن الضحاك.


وفي جمادى الآخرة، فرج عن ولد مؤيد الدين القمي وجميع أصحابه وأتباعه.


وفي شهر رمضان، فتحت دور الضيافة بجانبي مدينة السلام جرياً علي العادة في كل سنة وزيد فيها داران أحداهما بدار الخلافة لاولاد الخلفاء المقيمين في دار الشجرة، والأخرى بخربة ابن جردة، للفقراء الهاشميين.
وفي هذه السنة، سير جمال الدين بكلك الناصري إلى قلعة زرده ومعه عدة من العسكر، فحصرها وضيق على من بها وجرت بينهم حروب كثيرة وقتال شديد، فملكها عنوة وقهراً واستولي عليها وأرسل إلى الخليفة يعرفه ذلك، فاستبشر به ونظم الشعراء في ذلك أشعاراً كثيرة.

ذكر فتح أربل

في سابع عشر شهر رمضان، ورد الخبر إلى بغداد بوفاة مظفر الدين أبي سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل فتقدم الخليفة بتعيين جماعة من الأمراء يكون مقدمهم الأمير أرغش الناصري الرومي، وعلاء الدين الدكز الناصري للتوجه إلي أربل وتقدم إلى ظهير الدين أبي علي الحسن بن عبد الله عارض الجيش بالتوجه أيضاً فتوجهوا مصعدين في خامس عشر الشهر.

وفي ثالث شوال، توجه شرف الدين أبو الفضائل أقبال الشرابي بالعسكر فوصلوا في ثالث عشر شوال، وكان في القلعة خادمان أحدهما اسمه برنقش والآخر اسمه خالص، كانا قد كتبا إلى الخليفة وإلى عماد الدين زنكي صهر مظفر الدين والي بني أيوب حيث ثقل مظفر الدين في المرض يعرفانهم ذلك وقالا: من سبق إلينا كانت منتنا عليه. وكتبا إلى الملك الصالح أيوب بن الكامل أبي المعالي محمد يعلمانه بموته ويحثانه على المجيء فلما شاهدا عساكر الخليفة سقط في أيديهما وعلما أنه قد انتهى إلى الخليفة ما فعلا فامتنعا من فتح البلد فلما رأى الشرابي أنهم أغلقوا أبواب المدينة دونه، استدعى الأمير جمال الدين قشتمر وقال له: ما لهذا الأمر سؤال وإذا فعلت شيئاً لا يسع غيرك إلا موافقتك فركب في الحال من غير استراحة ودار ليله أجمع حول البلد وهم على السور، بالاضواء والطبول ثم قسم أبواب البلد على الأمراء وضرب هو خيمة مقابل باب عمكا واللونه أعظم الأبواب وأكثر المقاتلة هناك، ونصب البيت الخشب مقابل الباب بالقرب منه بحيث يسمع كلامهم ويسمعون كلامه، ويصل نشاب الجرخ إليه ولم يزل نهاره أجمع يرقب ما يعملون ويشاهد ما يصنعون وفي الليل يدور على العساكر ويحرض على الحراسة والحفظ، والشرابي يراسل الخادمين المذكورين ويخوفهما عاقبة العصيان فسألا أن يؤخرا يومين فأجيبا وكان وغرضهما أن يصل الملك الصالح أيوب المقدم ذكره، فلما انقضى الامد نفذ جمال الدين قشتمر إلى أحد زعمائهم وقال له: أخلفتم الوعد، وخوفهم وحذرهم، فرد عليه جواباً غير مرضي ثم رمى وراء رسوله بالنشاب فوقع قريباً من الاطناب فقال قشتمر لجماعة من مماليكه أقربوا منهم وتحرشوا بهم فأخذوا في سبهم ورموا بالنشاب إلى جهتهم فما زال الأمر يزداد حتى وقع الزحف على البلد وقت العصر واشتد الرمي من فوق السور بالنار وأنواع السلاح، وكثر في الفريقين القتل والجراح وسار قشتمرحتى وقف على الخندق فاشتد القتال حينئذ وقوي جأش المقاتلين بوجوده فركب الشرابي في لامة حربه ووقف على نشز فأخبر قشتمر بركوبه فقصده ووقف إلى جانبه، فساعة اجتماعمها أخبرا بالنصر والفتح وتسليم القلعة، ونهب أوباش العسكر بعض دورها، واستولى العسكر على البلد عنوة، وكتب الشرابي على جناح طائر إلى الخليفة بصورة الحال فحصل الاستبشار بذلك وضربت الطبول على باب النوبي، وأفرج عن جميع المعتقلين في الحبوس وحضر الشعراء في الديوان و أوردوا قصائد تتضمن الهناء بهذا الفتج والنصر. فمن أورد القاضي أبو المعالي

القاسم بن أبي الحديد المدائني قصيدة أولها:


مايثبت الملك بين الخوف والخطر ... حتى يقام ويسقى من دم البشر
لكل شيء طريق يستفاد به ... وليس للعز غير الصارم الذكر
ومنها:
مافتح أربل عن بخت لذي دعه ... ولا اتفاقاً كبعض النصر والظفر
لكنه كان قصد القادرين وأف عال المطيعين عن قصد وعن فكر
فليسمح الاشعري اليم لي فأنا ... في فتح أربل لا الوي على القدر
وقال أخوه عز الدين عبد الحميد الكاتب قصيدة، اتفق له فيها أن الوزير كان ترتيبه يوم سابع عشر شوال سنة تسع وعشرين وفتح أربل يوم سابع عشر شوال سنة ثلاثين فقال:
يا يوم سابع عشر شوال الذي ... رزق السعادة أولا وأخيرا
هنئت فيه بفتح أربل مثلما ... هنئت فيه وقد جلست وزيرا


وتقدم الخليفة، باحضار الأمير شمس الدين باتكين أمير البصرة فكوتب بالحضور فوصل من البصرة إلى رابع ذي القعدة، وحضر نصيرالدين أبن الناقد نائب الوزارة فشافهه بولاية أربل وتقدم إليه بالتوجه إليها على فوره، فتوجه من وقته فوصلها في تاسع عشر الشهر وحضر عند شرف الدين أقبال الشراب في المخيم يظاهر أربل، فخلع عليه وقلده سيفاً وأمطاه فرساً وأعطاه كوسات واعلاماً، فركب في جمع كثير من الأمراء والأجناد ودخل الجامع فقرىء عهده به بمحضر من أهل البلد وغيرهم، تولى قرأته ظهير الدين الحسن بن عبد الله، وكان قد عين عليه لوزارته، وركب إلى القلعة ونزل في دار الإمارة التي كان يسكنها مظفر الدين، ثم خلع الشرابي على ظهير الدين الحسن بن عبد الله ثم على ظهير الدين الحسن بن المصطنع وجعله مشرفاً عليه، ورتب معها كاتباً الاجل ابن عبدان النصراني ثم رتب جمال الدين أبن عسكر الانباري عارضاً للجيش هناك، وجعل عليه مشرفاً عز الدين محمد بن صدقة وخلع عليهما فلما قرر القواعد وفرغ مما يريده، رحل عائداً إلى بغداد والأمراء والعساكر في خدمته، فوصل ظاهر إلى الخالص في عاشر ذي الحجة فنزل بقرية تعرف - بقرية أبي النجم - فخرج الخلق الكثير إلى تلقيه فصلى هناك ونحر وضحى ومد سماطاً عظيماً، ثم رحل في حادي عشر ذي الحجة متوجها إلى بغداد فلما وصل ظاهر سوق السلطان خلع على جميع أصحابه ومن كان في خدمته من النواب والاتباع والحاشية، وخرج إليه جميع الولاة وأرباب المناصب والاماثل والاعيان فلقوه بظاهر السور ولم يخلف أحد من الخروج سوى الوزير، ثم سار حتى وصل دجلة ونزل عند المسناة في شبارة الخليفة وقبلها وتضرع بالدعاء وبكى فخشع الحاضرون لبكائه ثم نزل فيها وانحدر إلى دار الخلافة فتلقي بالاكرام ثم خلع عليه وقلد سيفين وقدم له فرس فركبه من باب البستان ورفع وراءه سنجقان، وأما الأمراء جميعهم فأنهم دخلوا البلد وقصدوا دار الخليفة، ودخلوا من باب الحرم بموجب ما رسم لهم وجلسوا في باب الأتراك إلى أن خرج راكباً فقبلوا يده ومشوا بين يده إلى باب الباتني ثم ركبوا وساروا في خدمته إلى داره بالبدرية فلما نزل عن مركوبه خدموا وعادوا قاصدين دار نصير الدين نائب الوزارة فلقوه فخلع عليهم اجمعين، وأعطى كل واحد فرساً بمركب وخمسة آلاف دينار وأنعم على من دونهم على قدر مرتبته من الالفين إلى الخمسمائة، ثم خلع على جميع المماليك الناصرية والظاهرية والمستنصرية وأعطى كل واحد خمسين ديناراً، ثم أنعم على جميع الجند ومماليك الأمراء والعرب من ثلاثين إلى خمسة عشر، ثم أحضر علاء الدين أبو طالب هاشم بن الأمير السيد العلوي وولي عارض الجيش، وخلع عليه بدار الوزارة عوضاً عن ظهير الدين بن عبد الله، وولي الأمير أرغش الرومي الناصري إمارة البصرة وخلع عليه وتوجه إليها.

ذكر عدة حوادث

وفي هذه السنة، دخل قوم على رجل يعرف بابن اللؤلؤي داره بالعنوتين وقتلوه، ظناً أنه معه ذهباَ فلم يروا معه شيئاً ولم يعرف لهم خبر.
وفيها. خنق إنسان يعرف بمحمد الخياط نسيب لبني ياسين نفسه بحبل في داره باللوزية قيل أنه كان شديد الضائقه وعنده تعفف وعزوف نفس عن الطلب.
وفيها، توفي أبو محمد عبد الله بن الشيخ أبي النجيب السهروردي، من بيت التصوف وأولاد المشائخ، ذكر أنه خرج عن جميع ماله ووقفه، فلما قدم الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي قدم على غاية الفقر مجردا من الدنيا فضاق صدر الشيخ أبي النجيب كيف لم يرضخ في الوقف بنصيب، فسأل ولده أن يعطيه شيئاً من نصيبه فلم يوافق فقال له الشيخ أبو النجيب وقد احتد: والله لتحتاجن إليه، ومضى على ذلك برهة فتقدم الشيخ شهاب الدين وأثرت حاله وفتحت عليها الدينا فأحتاج عبد الله هذا إليه واسترفده وما زال يواصله إلى أن مات.
وفيها، توفي أبو المحاسن محمد بن نصر الأنصاري المعروف بابن عنين الكوفي أصلا، ولد بدمشق ونشأ بها، وهو شاعر مشهور سافر إلى الآفاق في التجارة ومدح الأكابر في كل البلاد، وكان ظريفاً حسن الأخلاق جميل المعاشرة ذا ثروة، وكانت وفاته بدمشق، وحج بالناس في هذه السنة، الأمير شمس الدين أصلان تكين.


نهاية الجزء الثاني

ألف / خاص ألف

يتبع ..








































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow