Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

لوحتان

علا شيب الدين

خاص ألف

2017-01-06

اللوحة الأولى: جارة السماء

حين كانت تفيض روح أمي قصصاً وحكايات، في كلٍّ من الليالي العاصفة الزمهريرية والهادئة الحانية، لم يكن قد انقضى من عمري أكثر من عشر سنوات. كانت أمي تقصّ حكايات يتمحور بعضها تارة حول صعود إلى عالمٍ ما علويّ عبر ارتقاء مائة درجة، وطوراً حول نزولٍ مخيف إلى عالم ما آخر سفليّ مظلم عبر هبوط مائة درجة. غالباً ما يكون الارتقاء في تلك الحكايات بمثابة مكافأة على فعل ما، أو عفو ما أو ما شابه، أما النزول فقد يكون بمثابة عقوبة على فعل ما، وأحياناً أخرى يكون بمثابة كدح يبتغي ملء جرّة مثلاً بسائل الحياة (الماء) الذي ينزّ في الأعماق، والصعود من ثم، رويداً رويداً برفقة الجرة المملوءة، إلى حيث ينكشف النور في الأعلى. موهوبة أمي في رواية الحكايات، فقد كان أسلوبها يدفع بمخيلتي صوب الاتقاد، لتستحيل مشاعري أمواجاً تعلو وتهبط، تجزر وتمتد متناغمة وإيقاع أسلوبها.

تأخذني "جارة السماء" إلى الأدراج في حكايات أمي، كلما نزلتُ وكلما صعدتُ، منها وإليها. مضى على صداقتي و"جارة السماء" هذه، حتى لحظة كتابة هذه السطور، نحو سبعة أشهر. أخرج مرات عديدة في اليوم، نازلةً أقل بقليل من مائة درجة، وأدخلها في المقابل، مرات عديدة في اليوم، صاعدة أقل بقليل من مائة درجة. يبدو صعود الأدراج وهي تُشاهد أمام النواظر كيف تتلاشى في الوراء، واحدة في إثر أخرى، كمثل تطور إنسانيّ خلاّق صاعد صوب تحقيق كينونته المتمثلة في "الفوق"، في العقل، في الضمير، في الاستشراف، في الكلمة، في الفن والجمال والمخيلة المجنّحة، في التفرد والفرادة. يبدو هبوط الأدراج في المقابل، كأنه نزول إلى ماضٍ سحيق، إلى ذاكرة غابرة، أو إلى الـ"هو" حيث تقبع هناك أسرار مهولة.

***

نتقاسم أنا و"جارة السماء"، هدوءاً وموسيقى وسماءً وغيوماً ورذاذاً وأمطاراً تسيل على الزجاج، وخيوط شمسٍ لا تُرى من شدة ميلان نافذتين مفتوحتين على الداخل أكثر بكثير من انفتاحهما على الخارج، كمثل عينين مغمضتين نصف إغماض، مفتوحتين على كون الذات الفسيح العميق. نتقاسم أيضاً عيشاً ونبضاً وقصصاً وحكايات، أفكاراً وتأملات وذكريات واستشرافات وإشراقات. لمَ لا وهي غرفتي في "الصعق" المجهول هذا؟ هي كوخي الخشبي البسيط هنا، في مدينة كولونيا الألمانية. يسمونه "منفى" وأسميه "صعقاً"؛ لاعتبارات تخصّ حياتي من حيث هي صعق وعشب، كنت قد نثرت بعضاً من هذه الحياة في مخطوط كتاب، تحت عنوان "الزوبعة". هو نصوصٌ من سيرة، وأنا ليس عندي ما أحكي عنه سوى "المشي" بوصفه فلسفة حياة جسدية وعقلية روحية دفعة واحدة. سلوا الدروب إن شئتم، ستقول لكم كم أنا سؤال ملتهب، يكتوي بناره مَن يجرؤ على الإجابة عنه إجابة قاطعة. منذ أيام، بينما كنت أحاول لملمة كلماتي المتشردة لإيوائها في دفتري؛ ركلتُ هاوي كرة، اكتشفتُ أنه كاذب كرة. "اكتشفت"؟! منذ البداية أعرف أنه يكذب، لكني أحياناً "أهوى" لعبة تصديق الكذب التي تفضي إلى حرقه لاحقاً حرقاً لا تقوم للكذب قائمة من بعده. ناري ليست كأي نار. كهربائي ليست كأي كهرباء!. يسمونه "منفى" وأسميه "صعقاً"، منسجمةً وشجرة يتيمة ما انفكت تطير وتستحيل عشباً وصعقاً. لم تعرف هذه الشجرة يوماً حضن الوطن بوصفه أمّاً، ولا حضن الأم بوصفه وطناً. متقاطعةً ولوحة تشكيلية يتنازعها تمزيقاً ضدٌّ ومع، لا ضد ولا مع، شرق وغرب، صعق وصعق، غربة وغربة في آن واحد. لوحة جميلة آسرة، تعبّ من "العتمة" زاداً ربما يكفي لألف عام أو أكثر.

***

على النقيض مما يثيره فيّ الهبوط من "جارة السماء"، يثير فيّ الصعود إليها خيالات أدراج لا متناهية، تدور حلزونياً وصعوداً صوب السماء، مقتربة أكثر فأكثر من صوت كوني إلهيّ مهيب. كلما صعدت درجة، اقتربتُ أكثر من وحدتي التي أحب، لا تلك التي تعكّر صفو العقل والقلب. أبتعد بالوحدة الجميلة عن الوحدة القاتلة القتيلة، عن عدوانية الخارج والخارجيين، وعن ملل الهبوط اليومي. اليوم(15كانون الأول 2016)، وأسوة بأيام قليلة سبقتْه، لم أهبط (أذهب) إلى حيث يُفترض تعلُّم "الاندماج". اندماجٌ وسعيٌ لوأد روح حرة وأداً "مغلَّفاً بالأناقة" كيف يستقيمان يا ترى؟!. حسناً.. لكني سأواصل بقدر ما أستطيع، تعلّم لغة بلدٍ لجأت إليه وأبقاني في حمايته، وأعيش "مع" ناسه و"بينهم"، خصوصاً أنه ما من شيء يجعلك تفهم عوالم الآخر المختلفة أكثر من فهم لغته، فاللغة ليست فقط أداة للتواصل، وهي ليست مجرّد إشارة إلى حالات شعوريّة، بل هي أيضاً تشكيل للعقل.

فضّلتُ اليوم بدلاً من الهبوط (الذهاب) أن أقرأ في رواية رفيق الشامي "يدٌ ملأى بالنجوم". قرأت في الرواية عن "عصابة اليد السوداء"، تلك التي شكّلها ثلاثة فتيان. في الحقيقة، هي عصابة أرادوا لها أن تكافح بالقلم من أجل العدالة، أعداؤها المخبِر والبقّال الذي لا يكفّ عن غش أمهاتهم. كان أول منشور خطّته هذه "العصابة" وألصقَ على باب منزل المخبِر هو:"إنذار من عصابة اليد السوداء! إذا قدمت إخبارية على أحد سكان هذه الحارة مرة ثانية، فسيكون حسابك عسيراً أيها الجاسوس". سرحتُ بينما كنتُ أقرأ عن هذه "العصابة"، في قصة مشابهة واقعية وحقيقية ليس فقط من جهة وقوعها فعلاً، بل هي حقيقية من جهة بُعدها الإنساني والجمالي والأخلاقي. هي قصة حدثت يوماً ما قبل اندلاع ثورة الحرية والكرامة السورية عام2011، في بلدتي صلخد جنوب السويداء، حيث قام فتيان لم يُنهوا بعدُ المرحلة الثانوية، تملأهم الحماسة والشغف بحياة يمهرها طابع المغامرة والمخاطرة، بكتابة حقيقة مدير المدرسة بوصفه فاسداً ومستبداً، على جدران مدرستهم. ثم بدأ تداعي القصص يتوالى في رأسي، فسرحتُ مجدداً في قصة واقعية حقيقية أخرى، أعني تلك التي كانت بمثابة شرارة الثورة المذكورة، حين كتب بعض من الأطفال في درعا على جدران مدرستهم حقيقة مَن يرأس البلاد بوصفه الفاسد الأول، والمستبد الأكبر. سرحتُ في ذلك كله، وأنا أفكر في كم هي ملهمة مثل تلك القصص الحقيقية الواقعية لإنتاج أدب خالص رفيع وخالد(إن الكاتب خالق، والقارىء نافث الحياة في الخالق). في اليوم نفسه، فكرتُ في أن أكتب مقالاً نقدياً أقول فيه رأيي في "الاندماج"، وماذا يعني بالنسبة إليّ، بعدما سئمت هذه المفردة المكرورة بشكل آليّ إلى درجة يُفقدها أحياناً معناها. بالنسبة إليّ أفضّل مثلاً أن تكون المسألة "تفاعلاً ندّياً"، لما قد يجرّ إليه "الاندماج" من حيث يدري المنخرطون فيه أو القائمون عليه، أو لا يدرون، إلى معانٍ من قبيل "الإذابة" مثلاً، حيث تذوب الخصوصية والفرادة في السائد، وما السائد بالنسبة إلي سوى سلطة وتسلط، اختزال واختصار أو شطب. مؤلمة بعض مشاهد التزلف والاسترضاء من جانب بعض اللاجئين المستعدين لتنفيذ كل ما يمكن أن يُطلب إليهم، حتى لو اقتضى الأمر أن يكونوا متواطئين أو مخبرين عن لاجئين آخرين هم من أبناء الوطن الأم نفسه (يالهذا ما أقساه!) أو العكس، حيث يمور عداء أعمى حيال الآخر الغريب، واستعداء تام لقيمه وتقاليده ومعتقداته وتصوراته وحميمياته وخصوصياته. غير أني، ومن دون تخطيط، أراني منبثقة وصادقة. سجيّتي مجلوّة في سرّائها وضرّائها، في صوابها وخطأها. ولأني أحترم الآخر بوصفه ذاتاً؛ أتعاطى معه بوصفي ذاتاً حرة، بندّية وبكرامة وكبرياء. تزيل الندّية هذه مشاعر الدونية والعدوانية حيال الآخر في آنٍ واحد، لأنها أخذ وعطاء، جدل، حوار منتج، فرادة في مقابل فرادة، وخصوصية في مقابل خصوصية، لا انصهار ولا استعداء ولا تصورات أو أحكام مسبقة.

***

يظن بعض الفقراء روحياً، منطلقين من "صورة نمطية" عن اللاجىء، أن شراء هذا الأخير تحفة فنية مثلاً، هو مما يدعو إلى الاستغراب، أو في الحد الأقصى إلى التندّر، ولأني ثرية الروح؛ آثرتُ إهداء "جارة السماء" ما إن ولجتُها، نحاسيات اشتريتُها من سوق "أنتيكا" مقتطعةً ثمنها مما هو مخصص للطعام والشراب. نحاسيات عادة ما يُظنّ أنها تصلح لمنزل كبير، لا لغرفة كمثل "جارة السماء". لماذا مثل هذا الإهداء؟ لأن مكاناً أكون فيه، يعني إمكان أن يصير ركني الحميم في هذا العالم. وإذا كان المكان، يشكو البؤس في المعنى الماديّ، فمن شأن انوجادي فيه، منحه كرامة الجمال، وجمال الكرامة، فـ"مالي ومال" سخريات فقراء الروح وتقريعاتهم! مصرّة أنا على زركشة أركاني في هذا العالم بما أحب وبما يمنح للأمكنة المهمَلة والمهمشة أجنحة عادلة. وأكاد أقول "إني أعيش كل الأمكنة التي عشتها سابقاً مرة أخرى كحلم يقظة"، فتكتسب الأمكنة بهذا الحلم ملامح إنسانية، وتستيقظ الطفولة كلما استغرقت في النوم إلى حد الظن بالموت.

***

"جارة السماء" هي سقف، يقي من غضب الرعود وقسوة حرارة الشمس. يقي كذلك من الحضيض، لأن الحياة والأفكار الصافية تصير محمية في الأعلى. في يوم 5تشرين الأول عام 2013، نُشر لي في الملحق الثقافي لجريدة "النهار" اللبنانية، مقال تحت عنوان "اللجوء السوري: رحلة العذاب والكشف من اليقين إلى الممكن"، تساءلتُ فيه: "تُرى كيف يشعر اللاجئ، في خلوته الداخلية، الجوّانية، العميقة، الفريدة. هناك، حيث تكون الذات خالصة، في حد ذاتها ولذاتها، مجرّدة؟ كيف يشعر مَن اعتاد ممارسة وحدته الخالصة في حجرته الخاصة، ثم فجأة، صار لزاماً عليه أن يكون كائناً عاماً، يتقاسم والجموع خيمةً واحدة، غرفة صف واحدة في مدرسة، مهجعاً واحداً، أغطية مشتركة، وأدوات طعام أو تنظيف مشتركة؟". ما كنت لأتصور، حين كتبتُ ذلك المقال، باذرةً فيه تلك الأسئلة الممضّة، أن الأيام ستروح وتجيء، لأصير أنا نفسي في موضع مَن كنتُ أكتب عنهم!.

أحبُّ "جارة السماء" لأنها أيضاً وخصوصاً، كانت السقف/العلو الذي خلصني أخيراً من الحضيض، من محنة الاشتراك مع الجموع في التفاصيل اليومية والمكان. محنة على هيئة "Camp" مثلاً أو ملجأ. بخبث شديد وسرّي، كان يجري إرسال "حثالات" البشر إليّ، لكي تتسلل إلى معناي. ولأني كنتُ، طوال سنوات طويلة سابقة، في حلّ من تعب هو أقرب إلى الانهيار جراء الصراع المديد في بلدي؛ كانوا ينجحون أحياناً في النيل من معناي، قبل أن أعود وأستعيده، وهكذا على طريقة الكر والفر. ما السبب "الكامن" خلف ذلك، الذي يدفع إلى ربط الأحداث كلها بعضها ببعض؟ السبب هو نفسه مستمر من سوريا حتى هنا، هو كوني كاتبة ثائرة، وثائرة كاتبة، مثلما أن "المصدر" الحقيقي للأحداث هو نفسه أيضاً. في معنى ما، جرجرتني تلك المحنة إلى قاع كان بمثابة برهان جديد بالنسبة إليّ يدلل على تهافت كل ما من شأنه أن يفضي إلى تبديد الفردية والحياة الشخصية والحرية الشخصية وإهراق هذا كله على قارعة العمومي والمشترَك. هناك، في سوريا، في بيتي النائي في الكروم، في غرفتي، كنت أعيش وحدة من طراز رفيع وعزيز(بصرف النظر مؤقتاً عن أيام العزلة العصيبة الممنهجة التي قاسيتها. العزلة ليست نفسها الوحدة). في وحدتي الجميلة النبيلة تلك، كنت أقرأ الكتب وأكتب نصوصي. حتى أمي ما كنت لأتقبّل أحياناً ولوجَها تلك الوحدة إذا ما حاولتْ. فجأة، وجدتُني في "الضوء الفاجر"، متروكة وحدي أواجه مصيراً أعمى!. أحدٌ لم يصدّق كم كنت محتاجة إلى مَن يحميني ويكون معي. أحدٌ لن يصدّق أن كل "التخبيصات" على المستوى الشخصي، كان سببها عدم وجود حماية وسند.

مذ أوقفتُ عن الكتابة النقدية الثائرة، المتفكرة المتفلسفة في الصحف، في فرع "الأمن العسكري" في السويداء في الأول من نيسان عام2014؛ صارت حياتي الشخصية عرضة لـ"الضوء الفاجر"، ومذ رحلتُ وللمرة الأولى في حياتي، مهشَّلة هاشلة ومكرهة عن سوريا في يوم12أيار عام2015، بتخطيط خبيث مخابراتيّ سرّي مدروس؛ صارت حياتي الشخصية عرضة لـ"الضوء الفاجر" أكثر فأكثر، جرّاء استمرار الخبث المخابراتي نفسه والملاحقة والمتابعة. إنها جريمة سرية ارتُكبت عن سابق تصوّر وتصميم. يتربص العملاء صغار النفوس في كل مكان بالمثقف الحقيقيّ، ينسَّقون فيما بينهم وينقضّون متناتشين حياة شخصية، مفترسين كل نبيل وأصيل وذي قيمة ومعنى ومغزى وفحوى. (أحياناً يكون جديراً بما مات في داخلنا، ألا يُستذكر إلا في صمت وتأمل وخشوع).

لا شك في احترامي النور إذ يكون عقلاً، والأنوار إذ تكون عصوراً ونهضات وانتفاضات وانبثاقات وإشراقات، غير أنه ليس لمثلي احترام "الضوء الفاجر" أو هواه. لقد أعماني هذا "الضوء الفاجر" وشلّ عقلي وروحي وبصيرتي، وسرق اختبائي وكنكنتي. هذا "الضوء الفاجر" هو خصمي القبيح وعدوّي ما حييت،(ولتنتبه الحياة إلى أن ما أعنيه هو الضوء الفاجر تحديداً، لا الضوء). لماذا أحب العتمة في المعنى الفلسفيّ وأميل إليها، بل أحترمها؟ ربما يتعلق الأمر بلغز من ألغاز الحياة الأنثوية، أحدسه ولا أهتم كثيراً بكشف الستارة عنه. لكن يمكنني القول، إنه بقدر ما يكذب "الضوء الفاجر"، تصدق العتمة. في العتمة المنيرة يكنكن جوهرنا الحقيقي اللامرئي، الصعب والشاق، الذي يحتاج إلى مغامر فذ، ومتزوّد حقيقي بالحكمة والمعرفة والبصيرة لكي يستطيع النفاذ إليه، وقد لا يستطيع. ما ينمو بخفَر في حنايا العتمة الخصبة "يعبّر" عن نفسه أخيراً بطريقة ربما تشبه الطبيعة التي لا تقدر على الكلام لكنها "تعبّر" عما تودّ الإفصاح عنه بطرقها(قوانينها) الخاصة. إنما التشويش كل التشويش، والاستسهال والابتذال والتسرّع في الأحكام قادم من "الضوء الفاجر". العتمة صديقة للحمامة و("تصطفل" الدول التي تختار النسر(القوة) شعاراً. في بلاد العتمة، بلادي، سأحتضن الحمامة والعصفور شعارَين(أغنيتين)، رقيقتين على غصنَي نهرٍ رقراق).

***

على طريقتي، أحدّثُ "جارة السماء" أحياناً، عن بعض ذكرياتي وذاكرتي، عن رحلاتي ومشاويري. منذ فترة علّقت لها على الحائط صورة غالية عليّ أحتفظ بها منذ سنوات طويلة، وشاءت الأقدار أن ترافقني في الرحيل. هي صورة لإحدى اللوحات الفسيفسائية، حصلت عليها ذات زيارة لـ"متحف شهبا" في محافظة السويداء. تمثل اللوحة ربّة البحر تيتس، وهي حورية بوسيدون إله البحر عند الإغريق. تتوسط الربة بعينيها الذاهلتين اللوحة التي تمثل البحر، إذ في "الوسط" هنا ثمة إشارة رمزية تفيد المعرفة في عالم البحر وأسراره. تلعب أسماك البحر دور شَعر تيتس، وعلى جبينها تتلألأ نجمة البحر بوصفها إحدى تجلياته الجليلة الثمينة.

أحدّث "جارة السماء" أيضاً عن بعض مشاويري هنا في كولونيا. عن زياراتي مثلاً إلى متاحف هذه المدينة. حدثتُها بفرح النبيذ الأحمر عن "ديونيسيوس" الذي زرتُه منذ حوالي شهرين في المتحف الروماني. وكلّمتُها عن حزني حيال الصورة النمطية المكرورة أو الفكرة الواحدة الوحيدة المسبقة والمنطبعة في ذهن "الآخر"عن العرب وعن الثقافة العربية. قلت لها إني شاهدتُ الثقافة العربية، معروضة في أحد المتاحف إلى جانب ثقافات شعوب كثيرة أخرى. شاهدتُها مختزَلةً في محض جَمل وخيمة وأوانٍ ملقاة بضجر، وامرأة مستكينة متشحة بالسواد تقف خلف رجل تبدو عليه علامات التسلط والاستبداد في وسط صحراء قاحلة!. أخبرتُها عن هستيريا البكاء التي اجتاحتني حين رأيت صورة جدارية كبيرة لمدينة تدمر في متحف آخر، وكيف رحتُ كمثل مجنونة أكلّم المحيطين بي من الزائرين عن آلام هذه المدينة العظيمة وعذاباتها، وما يصيبها الآن على أيدي أعدائها ممن يتناوبون على ذبحها بالسيوف تارة، وقصفها بالبراميل المتفجرة طوراً. أخبرتها كيف رحتُ كمثل مجنونة أقول للزائرين إني سوريّة وإن تدمر هذه تسري في شراييني، وتجوب نسغي وخلاياي. كيف؟ كيف تُعرض صورتها هنا في هذا المتحف، بكل ما يمهرها من عظمة وجلال، وتُدمَّر هناك، في بيتها ومطرحها، على أرضها؟!

أخبرتُ "جارة السماء" عن تلك الصورة المعلقة على الجدار في متحف ثالث. صورة مدينة كولونيا وهي محروقة ومسحوقة في الحرب العالمية الثانية. محروقة ومسحوقة بالكامل، وما من شيء فيها باقٍ على قيد الوقوف سوى كاتدرائيتها الـ"Dom"، ورحنا نقلّب معاً صور المدن والبلدات المحروقة والمسحوقة الآن في بلدي سوريا: حمص، داريا، حماة، إدلب، دير الزور، درعا، المعضمية، الزبداني، حرستا، دوما، مضايا.....حلب. حلب هذه المدينة العريقة المذهلة التي أبادها مؤخراً الروس والإيرانيون بمعية النظام الأسدي، أمام هذا "المجتمع الدولي" المتواطىء. ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الشعب السوري أن تُرى؟! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الـ"ذات" أن تتنصر؟!. كلابٌ هنا لديها بطاقات هوية، وتتمتع بكامل الحقوق. وبشرٌ هناك، أطفال ونساء ومسنّين وشباب كمثل الورود والرياحين، يجوعون، يبردون، ينزفون، يُقصفون، يُعتقلون، يُعذَّبون، يُذبحون، يُهجَّرون، يُسلبون يُنهبون يُغتصبون..! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الشعب السوري أن تُرى؟! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الـ"ذات" أن تنتصر؟!.

ناهيك بالتظاهرات الساخطة في المدن الألمانية الأخرى، وحول العالم، كنّا ألوفاً أمام "الـDom" هنا في كولونيا يوم 16كانون الثاني2016. ألوفٌ ترفع أعلام ثورة الحرية السورية، تحمل الشموع لأجل السلام في سوريا، تهتف لإسقاط النظام، وتقول لحلب "يا حلب حِنّا معاكي للموت"، وكان في سوريا، من قبلُ، ملايين الثائرين السلميين التائقين إلى الحرية. ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الشعب السوري أن تُرى؟! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الـ"ذات" أن تنتصر؟!

قبل أشهر، مررتُ بتظاهرة كبيرة في إحدى الساحات الشهيرة بمركز مدينة كولونيا، يشارك فيها ألمانيون وألمانيات، عمال وعاملات، مضربون ومضربات، مريدون ومريدات رفع الأجور، وتحسين الأوضاع الاقتصادية حسبما قالت لي إحدى المشاركات. كانوا يعبّرون بحرية عما يريدون، ولهم ساحة ومنبر إعلامي، وكل شيء. هؤلاء كانوا يطالبون برفع الأجور، لا بالحرية، كون هذه مسألة بدهية يكفلها الدستور أو القانون هنا ومفروغ منها، إذ لا شخص هنا ولا حزب في إمكانه أن يكون فوق القانون. المتظاهرون السلميون المدنيون في سوريا، الذين كانوا يخرجون إلى الشوارع حاملين الورود وأغصان الزيتون، توّاقين إلى حق مقدس من حقوق الإنسان، أي الحرية، لماذا قُتلوا، واعتُقلوا، وقُصفوا، وهُجروا، وشُردوا؟! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الشعب السوري أن تُرى؟! ألهذه الدرجة لا يُراد لثورة الـ"ذات" أن تنتصر؟!




اللوحة الثانية: الفراشة

يتسلل الهدوء إليّ شيئاً فشيئاً. الأسباب التي كانت تدفع نحو تدمير الذات، ربما بدأ تأثيرها يتلاشى. ويبدو أنه لدينا فرصة كبيرة في خضم هذا الهدوء، وهذا الجو العام المسالم، من أجل إجراء مراجعة نقدية على مستوى الحياة الشخصية والحفر فيها عميقاً فلسفياً أو أدبياً أو علمياً. لِمَ لا طالما أن الوجود هو أولاً وخصوصاً وجود شخصيّ؟. يمكنني القول إن جواً عاماً ذا صفات أمومية، ربما يسود هنا في معنى ما. لا أتحدث طبعاً، عن مثالية وملائكية وقداسة ونبوة وطهارة وما شابه، إذ البشر هم البشر في كل مكان، والمجتمعات البشرية هي المجتمعات البشرية، والشعوب هي الشعوب، إنما ما يمكنه أن يُحدث فرقاً هو وجود الناس في دولةٍ هي دولة حق وقانون. ماذا يعني أن الجو العام هنا، وبصرف النظر عن التفصيل أو الجزء، يتمتع بصفات أمومية؟ يعني وبشيء من الإيجاز، أن ثمة روحاً تغلف المكان أو الفضاء العام والأشخاص، هي روح "البيت" في معنى ما. يسود مناخ عام "أمومي" ممهور بالصرامة أو الحزم واللا تهاون في التجاوزات، إلى جانب التعاطف والتعاون والرأفة دفعة واحدة، وفي آن واحد. قليلٌ الكذب هنا، كثيرٌ الصدق(أنّى انوجدت الحرية؛ انوجد الصدق مع الذات ومع الآخر بوصفه ذاتاً أيضاً، في جلّ مناحي الحياة). قليلٌ التجاهل هنا، عميقٌ الإصغاء ومركّز(أنّى انوجدت روح أنثوية؛ انوجد الإصغاء، وهذا مفتاح حل لأي مشكلة، مهما بدت كأنها مصيبة كبرى لا تصغر). قليلٌ النبذ هنا والإقصاء والإلغاء، كثيرٌ الحرص المعقول(أنّى انوجدت ديموقراطية؛ انوجدت آفاقٌ من شأنها الإمعان في قيمة كل شيء مادياً ومعنوياً، وانحسر الغيب الثابت لصالح حركة العلم والتفكير العلمي والنقدي). أما في ظل الاستبداد، فلا قيمة لشيء، والطاقات البشرية والمادية منذورة للهدر والتبذير، بل للموت. الحرية والديموقراطية، كانتا ولا تزالان حلمين في بلادنا الأم.

***

إذا كانت بنفسي حاجة ملحة الآن للتفكير قليلاً ومؤقتاً، في غير القهر والحرب والمأساة والرعب والظلم والحزن والألم والفقر والجوع والتشرّد والبؤس والقتل والدمار والخراب العميم في بلدي الأم سوريا. إذا كانت بنفسي حاجة ملحة الآن للتفكير قليلاً ومؤقتاً، في غير الأطفال المعذبين، المقتولين جسداً أو روحاً وعقلاً ونفساً في الأصقاع؛ وإذا كانت بنفسي حاجة ملحة الآن للتفكير قليلاً ومؤقتاً، في غير الأطفال الذين سيولدون، أو اللذين لم يُولدوا ولن؛ فإني أميل إلى التفكير في "الفراشة" مع الاستسلام لخفة ألوانها وبريقها السحريّ.

إن لحظةً خلاّقة، تكون أحياناً أهم بما لا يقاس من دهرٍ "ممعوس وبلا طعمة". على مقعدٍ وحيد في حديقة "كولونيّة"، كنتُ جالسة. عينايَ ذاهلتان تنظران في كل شيء ولا تريان شيئاً. فقط تريان أن لا شيء يستحق أن تعبّه. كنت ساهمة وغارقة في التفكير في اللاشيء، أشرد فيَّ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً؛ فأكتئب. أشرد في المحيط فتزداد الكآبة. أكلّم الهواء والخواء. فجأةً هدَّتْ فراشة بجانبي على المقعد. راحت تنظر إليّ بعينين ساحرتين تطلان قليلاً من تحت خوذة من شأنها الوقاية من الصدمات، وراحت شفتاي تفترّان عن ابتسامة تتسع ببطء كذراعَي راقصة باليه تنفردان برقّة وترتفعان لتلتقيا فوق الرأس قبالة وجه مرفوع كمثل بدر فضيّ. لم أنبس بكلمة، غير أني كنت أتلقى بحكمة وشغف كل ما كانت الفراشة ترسله من عينيها. كانت تقول: "لا شيء يستحق هذا الحزن المسكوب من عينيكِ". صرت أرقب وجهي في وجهها، فأرى كيف تودّع ملامحه حزنها وكآبتها، لتمتزج في ملامح البراءة والحب والسعادة القصوى. صار جمال وجهي الحقيقي يظهر من خلف القضبان، متوحداً وجمال وجه الفراشة. ما كنت لأتصور أنه صاف ورائق إلى هذا الحد!. وقبل أن تحطّ الفراشة على روحي مستولية عليها، كنت قد نسيت الدنيا وما عليها. نادتها أمها، فأحببتُ لو وسعني أن أُوقف الزمن، لكن الفراشة طارت مستسلمةً لنداء أمها في السرعة، بعدما دثّرت روحي ببريقها الدافيء. رافقتها عيناي في الرحيل، وظلت مشدوهتان إلى أن توارت عنهما. تمنيت أن أتحول إلى فراشة مثلها أرف وأحوم حولها على الدرب، قبل أن أستسلم أخيراً لوداعها، قائلةً في سرّي:"مع السلامة يا صديقة الوجود. فلتحرسكِ موسيقاه".

يحلو لي الآن ما دامت روحي تلتحف هناءة الفراشة، أن أشبك أجنحة رام وريان بجناحيها، وليكن (هذا النص) مرْجاً لهؤلاء الأطفال، ولكل الأطفال، يركضون فيه، يلعبون، يضحكون ويمرحون، فتتورّد معهم الملهاة الإنسانية الكبرى. يحلو لي الآن مذاق الحلويات الملونة الشهية التي كنت أوزعها خلسةً توزيعاً ماكراً في تجاويف صخرة تتوسط الكرْم أمام بيتنا في سوريا، قبل أن أنده بصوت طفوليّ على طفلَي شقيقي ريونة ورمرومة: تعالا.. تعالا بسرعة وانظرا ماذا تركَ لكما الثعلب هنا. فيركضان تسابق أقدامهما الريح. يقفان أمام الصخرة، وبذهول يرنوان إلى الحلويات المختبئة. يلتفتان متسائلَين بمكر:أين الثعلب؟ ثم، وكمَن يستدرك أن الآن ليس وقت الأسئلة الماكرة، بل وقت التلذذ بالأطايب؛ يروحان يفتحان العلب والأكياس بفرح غامر، وربما يدور في ذهنيهما البرّاقين: "تباً لما يقولونه عن الثعلب"(وربما عن كل الحيوانات).

شيءٌ ما يجعل روحي تهتزّ الآن، وأنا أتأمل في "صندوق بريدنا" أنا وريونة حين كان في غمرة سنواته الأربع. صندوق بريدنا كان "تنَكة" عالقة بنزق فوق شجرة يابسة في الكرم خلف بيتنا. كنت أكتب بين الفينة والأخرى أسئلة على صفحات الورق، أضع إحداها سراً في "التنَكة"، ثم أقول لريونة: ما رأيك أن نلقي نظرة على صندوق بريدنا، لربما تكون البقرة قد تركت لنا رسالة ما؟. ذات مرة، فتحنا الرسالة فإذ بها تسأل:"ما الذي يميّز الإنسان عن باقي الكائنات؟"، ورحنا نهيم معاً في البحث عن إجابة، على مرأى ومسمع من شجرة ربما كان بريدنا المملوء أسئلة، يساندها لكي تقاوم اليباس.(إن ادّعيتُ لنفسي أن ثمة ما لن يفارقني يوماً، فليس عندي من سبب سوى تلك اللقطات).

































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow