Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ــ ج 1 المؤلف : ابن الفوطي

خاص ألف

2016-12-29

تابع لسنة 626هـ


أحد خدم الخليفة إلى المارستان العضدي ومعهم عبد العزيز ابن القبيطي، واعتبرت الحوائج التي في المخرن فسأل صاحب المخزن خازن المارستان والطبيب والقوام كم تكفي هذه الحوائج مرضى المارستان، فاتفقوا علي أن تكفيهم سنة، فقال قد أنهى ابن القبيطي أن المارستان خال من الحوائج وأنه يشتري ما يحتاج إليه المرضى ثم أمر به فصفع إلى أن وقع الى الأرض وتقدم بحمله الى حجرة المجانين فحبس بها مسلسلاً وأفرج عنه بعد شهر.


وفي غرة رجب المبارك فرقت الرسوم بالبدرية وفتح الرباط المستجد بدار الروم الذي أنشأه الخليفة المستنصر بالله مجاور المسجد ذي المنارة الذ أمر بعمارته وأسكنه جماعة من الصوفية وجعل شيخهم الشيخ أبا نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر وخلع عليه وعلى الجماعة وعملت به الدعوة.


وفيه استدعي شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني مدرس النظامية إلى دار الوزارة فأخذ وهو على السدة يذكر الدروس وعزل وتوجه إلى داره بغير طرحه، ورتب عوضه عماد الدين أبو بكر محمد بن يحيى السلامي المعروف بابن الحبير وخلع عليه وأقره على تدريسه بمدرسة فخر الدولة ابن المطلب يعقد المصطنع وعلى المدرسة الاسبهبذية بين الدربين.


وفيه أحضر أبو القاسم علي ابن البوري إلى باب النوبي وضرب مائة عصا وقطع لسانه وحمل إلى حبس المدائن وكان شابا حسن الصورة

تام الخلقة جميلاً نقل عنه ما اقتضت السياسة أن يعمل به ذلك، نعوذ بالله من طوارق الليل والنهار.


وفي شعبان تكامل بناء المسجد المستجد المعروف بقمرية بالجانب الغربي على شاطىء دجلة المقابل للرباط البسطامي ونقل إليه الفرش والآلات وقناديل الذهب والفضة والشموع وغير ذلك، وفتح في شهر رمضان ورتب فيه مصليا الشيخ عبد الصمد ابن أحمد بن أبي الجيش وأثبت فيه ثلاثون صبياً يتلقنون القرآن عليه. ورتب فيه معيد يحفظهم التلاقين ورتب أيضا فيه الشيخ حسن بن الزبيدي محدثاً يقرأ عليه الحديث النبوي في كل يوم اثنين وخميس. ورتب أيضا قارىء للحديث وجعل في المسجد خزانة للكتب وحمل إليها كتب كثيرة، وفيها نفذ فخر الدين أبو طالب أحمد بن الدامغائي والشيخ أبو البركات عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ والأمير فلك الدين محمد بن سنقر الطويل الى جلال الدين منكوبري بن خوارز مشاه محمد بن تكش مع رسول كان وصل منه وهو يومئذ على خلاط محاصراً لها ونفذ له معهم تشريفات وكراع ولباس الفتوة. ووكل فخر الدين بن الدامغار في فتوته من الخليفة المستنصر بالله والشيخ أبو البركات نقيب الفتوة وكان ذلك بموجب سؤاله.
وفي غرة ذي القعدة خلع على الأمير شمس الدين أصلانتكين وأخرج نائباِ عن أمير الحاج فورد الخبر الى بغداد أن قوماً من عرب البطنين خرجوا على الحاج وعدلوا بهم عن الطريق المسلوكة في كل سنة وطلبوا منهم خفارة واختطفوا من أطرافهم وأسفرت الحال الى تقرير أثني عشر ألف دينار تسلم إليهم وينصرفون عنهم فصححت لهم نفقات السبل ومال المخزن المعد للصدقة من غير الزام أحد من الحاج بشيء وانفصلوا عنهم فتقدم الخليفة بالتعيين على الأمير جمال الدين قشتمر وأن يخرج معه خمسة الآف فارس ويقصد الاعراب المذكورين فتوجه في ثاني عشر ذي الحجة فلما وصل الكوفة عين على جماعة نفذهم طلائع فلما وصل لينة عاد منهم من أخبره أن مددهم من الثعلبة الى زرود وهم يرقبون وصل الحاج فرحل من لينة على غير الطريق المسلوك فوصل من الطوالع من أخبره أن بينه وبين العرب نحو مرحلتين وهم نزول بالحضرا والثعلبية فجعل امراء العسكر ومشايخ العرب وعين لهم وقت اللقاء ثم ركب وسار ليلته أجمع حتى وصل إليهم فاقتتلوا أشد قتال فانهزمت العرب وقتل منهم خلق كثير فاحتوى العسكر على أموالهم دون أولادهم ونسائهم وأقاموا بالموضع المذكور إلى أن وصل الحاج الثعلبية واجتمعوا بهم واصطحبوا راجعين إلى بغداد.

وفيها عزل محيي الدين يوسف ابن الجوزي عن النظر بخزانة الغلات بباب المراتب ورتب عوضه كمال الدين عبد الرحمن بن ياسين ثم عزل أيضاً عن ديوان الجوالي ورتب عوضه محي الدين محمد بن فضلان وتقدم إليه باعتماد الشرع المطهر في أخذ الجزية من أهل الذمة فزاد على من عليه دون الدينار لأنه لا يجوز في مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يؤخذ من أحد أقل من دينار إذا كان فقيراً وأن كان متوسطا أخذ منه ديناران وأن كان غنيا أخذ منه أربعة دنانير، لايجوز أن ينقص أحد من أهل هذه الطبقات الثلاث عن هذه المقادير اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه جعل أهل السواد ثلاث طبقات على ما تقدم شرحه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لما بعث معاذاً الى اليمن قاضياً أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وفي رواية ومن الغني أربعة دنانير ومن المتوسط دينارين ولا تقدير لاكثر الجزية فإنه لو طالب الامام أو نائبه أضعاف ذلك جاز حتى لو امتنعوا من اداء الزيادة كانوا ناقضين للعهد، وفيها توفى يعقوب بن صابر الحراني الأصل البغدادي المولد المنجنيقي. كان شيخاً فاضلاً مقدماً على أهل صناعته وعنده أدب ويقول الشعر فمن شعره:
هل لمن يرتجي البقاء خلود ... وسوى الله كل حي يبيد


والذي كان من تراب وأن عا ... ش طويلاً الى التراب يعود


ومصير الانام طرا الى ما ... صار فيه آباؤهم والجدود


منها:
أين حواء أين آدم اذ فا تهما الخلد والثوى والخلود


أين عاد بل أين جنة عاد ... ارم ابن صالح وثمود


وهي طويلة، آخرها:


لا الشقي الغوي من نوب الأ ... يام ينجو ولا السعيد الرشيد


ومتى سلت المنايا سيوفا ... فالموالي حصيدها والعبيد


ومن شعره:


كلفت بعلم المنجنيق ورمية ... لهدم الصياصي وافتتاح المرابط


ونظم القوافي والمديح لشقوتي ... فلم أخل في الحالين من قصد حائط


وكان كثير الدخول على الوزير ناصر بن مهدي، ثم صار اذا جاء يجلس ظاهر الستر، فقال:


قولوا لمولانا الوزير الذي ... أضاع ودي ونوى هجري


وصوت إن جئت إلى بابه ... أجلسني في ظاهر الستر


ان كان ذنبي إنني شاعر ... فاصفخ فقد ثبت من الشعر


ثم انقطع عنه مدة، فلما دخل إليه أنكر عليه انقطاعه، فقال:


وقالوا قد صددت وملت عنا ... فقلت أبيت تكرار المحال


أنفت من الوداد إلى إناس ... رأوا حالي ولم يرثوا لحالي


ثم هجاه فقال:


خليلي قولا للخليفة أحمد ... توق وقيت السوء ما أنت صانع


وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... صنيعك ياخير البرية ضائع


لئن كان حقا من سلالة حيدر ... فهذا وزير في الخلافة طامع


وأن كان فيما يدعي غير صادق ... فاضيع ما كانت لديه الصنائع


وله في غلام ثقيل الروادف:


يقعده في النهوض ردف ... قيامتي دونه تقوم


أفديه من مقعد مقيم ... عندي به المقعد المقيم


وله في زامر:


وزامر بات نديما لنا ... ما بين سكران ومخمور


تقتلنا الخمر ونحيا به ... كأنه ينفخ في الصور


وأنشد يوما قول القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني:


القني في لظى فإن غيرتني ... فتيقن ان لست بالياقوت


شمل النسج كل من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت


فقال في جوابها:


أيها المدعي الفخار دع الفخر ... لذي الكبرياء والجبروت


نسج داود لم يفد صاحب الغا ... ر و كان الفخار للعنكبوت


وكذلك النعام يبتلع الجمر ... وما الجمر للنعام يقوت


وبقاء السمند في لهب النار ... مزيل فضيلة الياقوت


وفيها، توفي أبو الفضل جبريل بن زطينا كاتب الديوان كان أولاً نصرانياً وأسلم في أيام الخلفية الناصر لدين الله وكان ذا فضل وأدب وله نظم ونثر وأشياء مستحسنة، ومن شعره:


ان سهرت عينك في طاعة ... فذاك خير لك من نوم

أمسك قد فات بعلاته ... فاستدرك الفائت في اليوم


وأن قسا القلب لاكداره ... فصفه بالذكر والصوم


وله:
اذا أعيا عليك الامر فارجع ... الى رب عوائده جميلة


فكم من مسلك مع ضيق سلك ... تجلى واستبان بغير حيلة


وله:
اريد من نفسي نشاط الشباب ... ودون ما أبغيه شيب الغراب


فكيف والسبعون جاوزتها ... ومذهب العمر رمى بالذهاب


ومطلبي عز وما دونه ... تأباه نفسي واموري صعاب


وقد تحيرت ولا غرو أن ... يحار من يطلب ما لايصاب


وفيها توفي الاستاذ سعد الدين محمد بن جلدك خازن دار التشريفات، كان شيخاً عاقلاً تولى خدمة الخليفة الناصر لدين الله مدة عمره وصحبه سفرا وحضرا وكان يتولى حمل مطالعاته إلى الوزير وغيره ممن تبرز إليه مطالعته.


وفيها، توفي الملك المسعود أبو الظفر يوسف ابن الكامل الملك محمد ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي، لما ملك أبوه الملك الكامل اليمن، واستولى على مكه، ولاها ابنه الملك المسعود هذا فاستناب بها أميراً، وكان هو يتردد إليها ومقامه باليمن ولم تكن سيرته حسنة ولا طريقته محمودة. قيل أنه دخل مكة في هذه السنة فأساء السيرة في أهلها ثم رمى طيور الحرم الشريف بالبندق فشلت يده وأدركه أجله بها، فمات ودفن بالمعلى، وكان شابا.

سنة سبع وعشرين وستمائة

في غرة المحرم، جلس محي الدين أبو عبد الله محمد بن فضلان في ديوان الجوالي واستوفى الجزية من أهل الذمة، فكان أحدهم يقف بين يديه الى أن توزن جزيته ويكتب به ورق وهو صاغر فلقوا من ذلك شدة وكان أبو علي ابن المسيحى رئيس الطب. له اختصاص ودخول إلى دار الخليفة فأظهر المرض واعتذر وسأل أن تؤخذ جزيته من يد ولده، فلم تقبل منه، فحضر، وأداها ومضى ابن الشويح رأس مشيئة اليهود إلى داره ليلاً وسأله أن يأخذ الجزية منه فلم يلتفت إليه، وقال له لابد أن تحضر نهاراً إلى الديوان وتؤديها، وشدد في ذلك ولم يسامح أحداً.
وفيه، ولي شمس الدين أبو ال؟أزهر أحمد بن الناقد استاذية الدار، وخلع عليه وذلك إضافة إلى وكالة الخلفة المستنصر بالله.


وفيها، وصل فخر الدين أحمد بن الدامفاني وشمس الدين عبد الرحمن شيخ الشيوخ، والأمير فلك الدين محمد بن سنقر الطويل، وسعد الدين حسن بن الحاجب علي المقدم ذكر توجههم في السنة الخالية، إلى جلال الدين منكوبرتي، وكان اجتماعهم به ظاهر خلاط وهو نازل عليها ومحاصر لها، فخلعوا عليه وألبسوه سراويل الفتوة، ووصل بعدهم بأيام، رسول منه برسالة، مضمونها شكر الإنعام عليه والأخبار بفتح خلاط وملكها. فخلع عليه وعلى خواصه، وأنزل دار الأمير محمد بن االنباري على دجلة فأقام أيام ثم عاد.
وفيها، نقل عن عبد الله بن اسماعيل صاحب ابن المنى الواعظ ما اقتضى أنه أحضر الى دار الوزرة وضرب مائة عصا وقطع لسانه وحمل إلى المارستان العضدي، وحبس في حجرة المجانين وأفرج عنه بعد ثلاثة أشهر.


وفي غرة شهر رجب المبارك، فرقت الرسوم من البر على أربابها جاري العادة، وأبرز من دار الخليفة الى استاذ الدار شمس الدين أحمد بن الناقد ما أمر بتفرقته على الفقراء والمحتاجين ببغداد.


وفيها، قلد قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطى أبا عبد الله محمد بن أبي الفضل الحنفي ويعرف بربيب الابرى، قضاء واسط وولاية الوقوف بها.


وفيها، تقدم الخليفة المستنصر بالله إلى فخر الدين أحمد بن نائب الوازارة مؤيد الدين القمى، بعمارة مساجد الكرخ فشرع في ذلك فلما تكاملت عمارتها، رتب بها الائمة والمؤذنون.


وفيها، تكامل بناء قصر مبارك، الذي أمر بعمارته بباب البصرة المشرف على الصراة.


وفيها، نقل ظهير الدين الحسن بن عبد الله، من أشراف الديوان إلى صدرية المخرن، ورتب العدل فخر الدين أحمد بن الدامغاني عوضه في اشراف الديوان.
وفيها، وصل رسول من محمد بن يوسف ابن هود، يخبر باستيلائه على معظم بلاد الغرب واستعادتها من أيدي غصابها بني عبد المؤمن، واقامة الدعوة بها للدولة العباسية، فأكرم الرسول ثم كتب على يده شيء إلى مرسله وخلع عليه وأذن له في العود.

وفيها، تكامل بناء سور الرصافة، الذي أمر بعمارته الخليفة المستنصر بالله.


وفيها، ولي الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصري، إمارة الحاج وحج الناس في هذه السنة.


وفيها، توفي عضد الدين أيو نصر المبارك بن الضحاك وكان شيخاً ديناً فاضلاً أديباً، وكان من المعدلين بمدينة السلام، ورتب ناظراً بديوان الجوالي، وكتب ديوان الانشاء، ثم نفذ رسولا إلى صاحب الشام، فلما عاد رتب أستاذ دار الخلافة، فكان على ذلك إلى أن توفي، وكان له شعر حسن، فمما نسب إليه ما رئى به بعض أصحابه وهو:


لئن مضى أحمد حميدا ... ما الموت في أخذه حميد


أو بخلت مقلة بدمع ... فهي على مثله تجود


وفيها، توفى الأمير نور الدين ككسنقر التركي المعروف بالحلقي كان أولا لبعض أمراء العراق، فلما توجه الوزير بن القصاب إلى هناك وأستولى على تلك الأماكن، حضر عنده بعض الأمراء فشاهد معه ككسنقر المذكور فاستحسن صورته وأعجبه قده وهيفه، فأشار إلى بعض المماليك بأن يتحدث إليه ويطمعه في سيده بحيث يطلب منه الانفصال عنه وبعده أن ينفذ به إلى بغداد ويصير بها أميراً أكبر من سيده، فاجتمع به المملوك، وفاوضه في ذلك ورغبه فشافه سيده بذلك، فقلق قلقاً شديداً وتضرع إليه في أن لا يفارقه فلم يرق له فمنعه سيده من الخروج فالقى نفسه من الدار ومضى هارباً إلى الوزير واستجار ببابه فأدخله إليه وسمع كلامه، وأحضر سيده وتحدث معه في بيعه فلم يجب إلى ذلك، فأمر الوزير بانفاذ ككسنقر إلى بغداد مع ثقة، فلما وصل، ورآه الخليفة فأحسن إليه وتلقاه بالقبول، ولم يزل في ارتقاء وعلو منزلة، وقربه حتى ولاه الإمارة وجعله أمير السلاح وأقطعه معاملة الحدادية، من أعمال واسط ثم أقطع قوسان، وأضيف إليه جماعة من الأمراء ولم يزل يداوم على الشراب حت غلب عليه البلغم وسمن سمناً عظيماً، عطله عن الحركة وامتنع من الركوب، فلم يزل على ذلك إلى أن توفي. وأما سيده فإنه لم بعد فراقه مشغوفاً به هائماً عليه. مفكراً فيه، حتى أخذه السل فأحرقه ومات.


وفيها، عاد الأمير مجير الدين جعفر بن أبي فراس الحلي إلى بغداد وكان مقيماً بمصر عند ولده، فلما وصل، وقع الرضا عنه من الخليفة المستنصر بالله، وكان سبب توجهه إلى مصر، أن الخليفة الناصر كان قد أمره، وجعل إليه شحنكية واسط البصرة، ثم عزله عن ذلك ولم يوله فانقطع إلى التعبد وحج في إمارة ولده حسام الدين على الحاج، فلما فارق ولده الحاج، وتوجه إلى مصر، مضى صحبته وأقام إلى الآن، وعاد إلى بغداد في غرة رجب، وأقام بداره فأدركته المنية في آخر ذي الحجة، فصلي عليه في جامع القصر وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام.


وفيها، توفي أحمد بن أبي السعود الرصافي الكاتب، كان يخدم ولي العهد أبا نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله وكان يكتب له أنساب الطير والحمام، وكان يكتب خطاً مليحاً على طريقة ابن البواب وكان معجباً بخطه. كتب نهج البلاغة بخطه ونادى عيه فدفع فيه خمسة دنانير فلم يبعه، ثم نودي في الحال على قوائم، بخط ابن البواب خمسة عشر دينارا، فاستشاط وقال يدفع في نهج البلاغة بخطي خمسة دنانير ويدفع في قوائم بخط ابن البواب خمسة عشر دينارا. وليس بين الخطين كبير فرق ولا سيما هذا التفاوت، ثم ذكر قصة ابن جيوس لما اجيز على قصيدة عملها، الف دينار وتسامع الشعراء فحضر منهم جماعة وعرض كل منهم قصيدة، فلم يعط أحد منهم شيئاً، فكتب أحدهم إلى الممدوح:


على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في امور المفاليس


وقد رضيت هذي العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس


وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس


فعجب الحاضرون منه.


سنة ثمان وعشرين وستمائة


في المحرم، وصل إلى بغداد مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل، ولم يكن قدم بغداد قبل ذلك، وكان معه محي الدين يوسف بن الجوزي، وسعد الدين حسن ابن الحاجب علي، وكانا قد توجها إليه في السنة الخالية فخرج إلى لقائه فخر الدين أحمد بن مؤيد الدين القمي نائب الوزارة، والأمراء كافة والقضاء والمدرسون وجميع أرباب المناصب، فلقوه على نحو من فرسخ، ولقيه فخر الدين بن القمى بظاهر السور واعتنقا راكبين ثم نزلا، فقال له فخر الدين لما انتهى إلى مقار العز والجلال ومعدن الرحمة والكرم والافضال: لا زالت الأبواب الشريفة ملجأ للقاصدين، والاعتاب المنيفة منهلاً للواردين، وصولك يامظفر الدين رسم أعلى المراسم الشريفة وأسماها، وأنفذ أوامرها في مشارق الأرض ومغاربها وأمضاها، قصدك وتلقيك وأحماد مساعيك أكراماً لك واحتراماً لجانبك، فيقابل ما شملك من الأنعم بتقبيل الرفام، والدعاء الصالح الوافر الأقسام المفترض على كافة الأنام والله ولي أمير المؤمنين. فقبل الأرض حيئذ مراراً، ثم دخلوا جميعاً إلى البلد فلما وصل باب النوبى، ساق فخر الدين ونزل مظفر الدين وقبل الأرض، وعضده الاجل نور الدين أبو الفضل بن الناقد أحد حجاب المناطق بالديوان، ثم ركب وقصد دار الوزارة فلقى مؤيد الدين القمى وجلس هناك، وركب نائب الوزارة وولده وجميع أرباب الدولة والأمراء، وتوجهوا نحو دار الخلافة.


فأما مؤيد الدين وولده وخواصه، فدخلوا من الباب القائمي بالمشرعة. وأما الولاه والأمراء فدخلوا من باب عليان وباب الحرم، وانتهي الجميع إلى تحت التاج على شاطىء دجلة، ووقفوا تحت الدار الشاطئية ذات الشبابيك، ثم استدعى مظفر الدين من دار الوزارة بالأمير عز الدين ألب قرأ الظاهري وبأحد خدم الخليفة، فحضر فرفعت الستارة فقبل الجميع الأرض. وكان قد نصب تحت الشباك الاوسط كرسي ذو درج، فرقي عليه نائب الوزارة واستاذ الدارابن الناقد. ومظفر الدين، وسلم مظفر الدين مشيراً برده إلى الشباك تالياً قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فرد الخليفة عليه السلام. فقبل الأرض مراراً ثم شكر الخليفة سعيه، فاكثر من تقبيل الأرض والدعاء فاسبلت الستارة وعدل بمظفر الدين إلى حجرة، فخلع عليه فيها، وقلد سيفين وقدم له فرس بموكب ذهباً ومشده ورفع وراءه سنجقان مذهبان وخرج من الباب القائمي المعروف بباب التمر المشرعة، وبه كان قد دخل ومضى والناس في خدمته إلى حيث انزل بدار شمس الدين علي ابن سنقر، بدرب فراشاً وأنزل جماعة من الأمراء الواصلين معه في دور، في عدة محال، وباقي عسكره في المخيم ظاهر البلد وأقيمت له ولاصحابه الاقامات الوافرة، ثم سأل زيارة المشاهد والربط ببغداد فعمل له في كل مكان وليمة، وصلى في جامع القصر جمعتين داخل الرواق إلى جانب المنبر، ثم حضر في منتصف صفر مؤيد الدين القمي نائب الوزارة وولده والجماعة الذين حضروا يوم دخوله وجرت الحال على ما تقدم شرحه، وخاطبه الخليفة بما طابت به نفسه، فقبل الأرض وابتهل بالدعاء، وتلا قوله تعالى (ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) ثم اسبلت الستارة وخلع عليه في تلك الحجرة، وأعطي كوسات وأعلاماً وخمسين ألف دينار، برسم نفقة الطريق، وبرسم حاشيته، وأصحابه عشرة آلاف دينار. وخرج من هناك إلى دار الوزراة وحضر جميع أصحابه فخلع عليهم بحضورة، وأقام بعد ذلك أياماً ثم خرج إلى مخيمه بظاهر سور سوق السلطان وتوجه إلى بلده، وكانت مدة مقامه ببغداد عشرين يوماً، ومضى معه محي الدين بن الجوزي، وسعد الدين حسن بن الحاجب علي، وعادا في ربيع الأول وأخبرا أن مظفر الدين حلف أمراءه وأعيان بلده، على طاعة الخليفة وتسليم البلد عند وفاته إليه.


وفيها، عزل قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، أبا عبد الله محمد بن أبي الفضل الحنفي عن قضاء واسط، وكان قد قلده القضاء في السنة الخالية فأقام بها شهوراً فلم يحمد مجاورة أهلها، واصعد ليقرر قاعدة تمكنه المقام بها من توفير الجاه، فلم يتهيأ له ذلك.

وفي صفر، دخل بعض الأتراك إلى دار الوزير مؤيد الدين القمي وطلب غفلة الستري وانتهى إلى مجلسه فلم يصادفه جالساً، وكان بيده سيف مشهور وكان آخر النهار، وقد تقوض الجامعة من الديوان فصاح عليه خادم، فتبادر الغلمان وأمسكوه، وانتهى ذلك إلى مؤيد الدين فجلس وأحضر التركي بين يديه وسأله عما حمله على ذلك؟ فلم يقل شيئاً، فضرب ضرباً مبرحاً، فذكر أنه له مدة لم يصله شيء من معيشته وهو ملازم الخدمة وقد أضر به ذلك، فحمله فقره وحاجته وغيظه على ما فعل فأمر بصلبه فصلب وحط بعد يومين.
وفيها، أنهى إلى الديوان، أن انساناً يهودياً أسلم وتزوج مسلمة ثم ارتد إلى دين اليهود، فأمر بقتله وفاحضر وصلب.
وقطع لسان إنسان جيء به من همذان تحت الاستظهار، نقل عنه أنه ادعى هناك اتصالا بالخليفة المستنصر بالله ثم حمل إلى المارستان فحبس به.


وفيها، اجتاز رجل بباب مسجد وقد نصب عليه خشب ليجعل عليه أضواء لاجل الختمة فوقع عليه جذع قمات وحمل إلى بيته فقال الجيران هذا تخاصم هو وزوجته اليوم فخرج وهو يقول (اشتهيت أن يقع علي شيء حتى أموت وأستريح منكم).
وفي ليلة عيد الفطر، فتح باب في حائط دار الوزارة وجعل عليه شباك حديد وجلس فيه مؤيد الدين القمي نائب الوزارة واستعرض العسكر.
وفي شوال، تكامل بناء المدرسة التي أنشأها شرف الدين أقبال الشرابي بسوق العجم بالشارع الأعظم بالقرب من عقد سور سوق السلطان مقابل درب الملاحين، وكان المتولي لبنائها شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد وكيل الخليفة المستنصر بالله وشرط الواقف، له النظر فيها وفي أوقافها، ثم بعده إلى من يلي وكالة الخلافة، وفتحت في آخر شوال ورتب بها الشيخ تاج الدين محمد بن الحسن الارموي مدرساً، وخلع عليه وعلى الفقهاء والعبيد وجميع الحاشية ومن تولى عمارتها، وحضر جميع المدرسين والفقهاء على اختلاف المذاهب، وقاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، فجلس في صدر الايوان وجلس في طرفي الايوان محي الدين محمد بن فضلان، وعماد الدين أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن عبد القادر فكلاهما قد كان قاضي قضاة وعمل من أنواع الاطعمة والحلواء ما تعبى في صحنها قبابا، وحمل من ذلك إلى جميع المدارس والاربطة، وقرئت الختمة وتكلم الشيخ محمد الواعظ ثم جلس المدرس بعده، وذكر دروساً أربعة فأعرب عن غزارة فضله وتوسع علمه، وفيها خلع على الأمير شمس الدين أصلان تكين، خلعة إمارة الحاج، وحج بالناس.
وفيها، توفي بركة بن محمود الساعي المشهور بالسعي والعدو وكان من أهل الحربية سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة.
ومن تكريت إلى بغداد، في يوم واحد، وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض، واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين الله وجعله أخيراً مقدماً لرجال باب الغربة، فكان على ذلك إلى أن توفي.


وفيها، توفي الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه أبن شاهنشاه بن أيوب شاه بن شادي صاحب بعلبك، كان قد ملكها بعد أبيه فانتزعها الملك الاشرف موسى بن العادل أبي بكر محمد بن أيوب منه قهراً، وأخرجه عنها فرحل إلى دمشق وأقام بها. فاتهم بعض مماليكه بسرقة منطقة وحبسه، فوثب عليه ليلاً وقتله فأخذ المملوك وقتل، وكان الملك الأمجد أديباً فاضلاً شاعراً، فمن شعره يقول:
يؤرقني حنين وأذكار ... وقد خلت المعاهد والديار


تناءى الظاعنون فلي فؤاد ... تسير مع الهوادج حيث ساروا


وليلي بعد بعدهم طويل ... فأين مضت ليالي القصار


فمن ذا يستعير لنا عيونا ... تنام ومن رأى عيناً تعار.


نهاية الجزء الأول

ألف / خاص ألف

يتبع ..




























































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ

21-كانون الثاني-2017

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow