Alef Logo
ابداعات
              

يوم شتوي قارص

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2016-12-29

ما أن دلفتا إلى شارع جانبي، استوقفت طفلتها ذات الأعوام الثلاثة، خلعت عنها جزمتها الرخيصة المصنوعة من صوف اللباد، وألبستها حذاءً جديداً اشترته للتو.
بقيت في المتجر قرابة الخمس عشرة دقيقة لتحسم أمر ترددها، جذبتها أناقةُ التصميم، السطحُ الأملس اللماع، اللونُ المشرق الممزوج بدفء الزهرِ والبرتقال، واندراجه ضمن قائمة التنزيلات إذ بلغ ثمنه العشرين دولاراً!
تأملت دينا طفلتها بحبور، وضغطت برفق على الأصابع الصغيرة المُمددة في كفها، هبت أنفاساً باردة منعشة في داخلها أشعرتها بالراحة، لاسيما حين فكرت بالإحراج، الذي حجّمته، جراء نظرات الجيران أو العابرين المحليين، أولئك الذين يلاحظون أدق التفاصيل ويرنون في السترة الوشاح الحذاء الاكسسوارات الموبايل الحقيبة، وحتى الأظافر.
وباستثناء اضطرابها المرافق لنظرات الآخرين وأحكامها، تفاجأت بالأمور التي يعتادها المرء عند وقوع الكوارث والحروب، فقد رحلت وزوجها عن حلب مع بدء اقتتال الجيش وفصائل اسلامية، وكشابين جامعيين خلّفوا وراءهم أعمالاً وأحلاماً، كانت لتثمر لولا تداعيها كجناح النصف الشرقي من المدينة المحطم. انتهى بهم المطاف في قرية نائية يقطنها شراكسة وروس وترك وكوريون في شمال القفقاس، ولكسب الرزق اليسير عملت مع زوجها في الزراعة، وصنع المخللات الحلوة وبعض أنواع السلطة، ووضعها في مرطبانات زجاجية، وبيعها.
راقبت الأم، في الطريق إلى البازار، انعكاسَ أشعة الشمس في حبيبات الثلج المتراكمة على الجنبات، والتماعها بألوان الطيف كالقصب المرشوش، ولجت دكاناً صغيراً في أحد مستودعات الأغذية، وبسبب الحذاء الطارىء، الذي لم تكن نفقته في الحسبان، اشترت الدُّخن والذرة المطحونة بالنقود القليلة المتبقية.
أثناء انعطافهما إلى شارع يفضي للمحطة، تعثرت الطفلة، وسقطت على ركبتيها فوق الإسفلت الخشن، سقط في اللحظة ذاتها قلب والدتها، انحنت ورفعتها بتؤدة، وبحدقتين تتسعان مع ارتفاع الطفلة إلى الأعلى راقبت قدميها، نظرت إلى سطح الحذاء، وأشاحت وجهها بصمت.
في حافلة القرية، وعلى امتداد الطريق، أسدلت الطفلة رأسها وأسبلت جفنيها إلى الأسفل، أما الظل الكثيف والداكن الذي زحف فوق عينيّ دينا، حالَ دون العثور على طريق تَعبُره زوراق الشمس المسافرة.
تعليق



كلام في الحب

17-شباط-2018

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

البلوكات التسع

17-شباط-2018

جعلوا لي قبرا

20-كانون الثاني-2018

الدفتر الأصفر

09-كانون الأول-2017

الدفتر الأصفر

25-تشرين الثاني-2017

العنكبوت

28-تشرين الأول-2017

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

من مذكرات سجين سياسي

20-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow