Alef Logo
المرصد الصحفي
              

الثورة السورية انتصرت!

محمد ديبو

2016-12-22

لا شك في أنّ الحديث -اليوم- عن انتصار الثورة السورية، يبدو أشبه بمن يؤكد أنّ الشمس تشرق من الغرب، أو أنّ مياه النهر أكثر ملوحة من مياه البحر، نظرًا لثقل اليأس القابض على النفوس، وكثرة الأرواح الصاعدة إلى سماء لا أحد فيها، وحجم الدمار والخراب الحاصل في البنى الاقتصادية والبشرية للمجتمع السوري؛ ما يجعل من سؤال: إلام يستند هذا الكلام عن النصر فيما الواقع لا يقرّ إلا بالهزائم التي لا تنقصها الأرواح؟ أمرًا مشروعًا.

لم تكن الثورة يومًا ابنة الخسائر أو الأرباح، ولم يكن انتصارها يومًا ابن لحظتها الزمنية، ففي هذا المعيار كانت كلّ الثورات التي تسلّحت خاسرة، ففي الحرب الجميع خاسر، ولحظة ما بعد الحرب بالمعنى العسكري هي هزيمة (سواء انتصرت الثورة أم رحلت)؛ لأنّ حجم الخراب والدمار يشكّل خسارة للجميع، إلا أنّ الثورة لم تكن يومًا في هذا وحسب، بل كان الأمر دائمًا يشكل أقلّ الأمور اهتمامًا في جوهر الثورات التي لا تأخذ معناها العميق، إن لم تنشب مباضعها في أحشاء المجتمعات والسلطات والعقول؛ فتخلق زمنًا ليس قبله كما بعده، أي تكون لحظة تاريخية تأسيسية، بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فهل ينطبق هذا على الثورة السورية؟

لا أعتقد أنّ أحدًا يمكن أن يجادل، في أنّ الربيع العربي -بمجمله- شكّل حدثًا تاريخيًا من تلك الأحداث التي تشكّل منعطفات حادة في التاريخ، ولا يمكن لأحد أن يجادل -أيضًا- في أنّ الثورة السورية شكّلت حدثًا تاريخيًا، ليس ضمن مسار الربيع العربي فحسب، بل ضمن مسار العالم بأكمله، إذ إننا أمام حدث اختلف حوله العالم، بدوله وأيديولوجياته، جنوبه وشماله، يساره ويمنيه…، وجرى -ويجري- على ظهر هذه الثورة صراع دولي – إقليمي حاد، سيتوّلد عنه نظامان جديدان: إقليمي ودولي، يبدو أنّ تشكلهما النهائي بعيد بعض الشيء؛ لأنّ السياسة الأميركية الجديدة لم تتضح بعد؛ ولأنّ فائض القوة الروسي – الإيراني لم يرتوي -بعد- من استعراض القوة والتبجّح بها؛ إذ ما زال أمامهما مزيدًا من التوّسع، سيزيده ما يحصل في حلب -اليوم- فجورًا على فجور، وإغراءً؛ لمتابعة “الانتصارات”، فسورية ليست أكثر من رقعة صغيرة في الحسابات الإيرانية والروسية، الباحثة عن مجد أفل، وهذا -بحدّ ذاته- كاف لإدراك أنّنا أمام مشروعين مهزومين مستقبلًا، وإن تقدّما عسكريًا؛ إذ لا يمكن لماض أن يبني مستقبلًا، فما بالكم حين يكون مشبعًا بعقلية وروح الماضي والانتقام، إذ سبق للنازية أن جربّت شيئًا كهذا، وتقدّمت عسكريًا في كلّ أوروبا، إلا أنّها كانت مشروعًا محكومًا بالانهيار من داخله، كما هو مشروع ترامب، وكلّ اليمين الأوروبي أيضًا، فهذه المشروعات لا تتنفس إلا في ظلّ الحروب والخوف، واللحظات التاريخية الحرجة التي تسمح لها باقتناص الفرص، والتقدّم على مسرح التاريخ.

تحتاج السلطات الدكتاتورية إلى أبعد وأكثر من العنف؛ لتتمكن من الحكم وبسط سيطرتها، فالشرعية في النظم الدكتاتورية، وعلى خلاف ما يُظنّ، لا تستند إلى “شرعية” العنف وحده، بل تحتاج شرعيات تعمل النظم على ركوبها، أو استغلالها، أو اختراعها وإيهام الناس بها، فتشكّل -إلى جانب عنفها- الشرعية التي يحكم النظام بموجبها، أو ما يمكن تسميته بـ “العقد الاجتماعي المضمر” الذي يحدّد أسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالنظام السوري الذي حكم سورية منذ عام 1970؛ حتى عام 2011، لم يحكمها بقوة العنف والإجرام فحسب، إذ كانت الثورية الاشتراكية واحدة من تلك الأيديولوجيات، فهو (النظام) السليل الشرعي لتلك المرحلة التي دشنها عبد الناصر في سورية، حين قُبرت الشرعية الدستورية لصالح “الشرعية الثورية”، وهي كانت تحظى بقبول فئات سورية عريضة، نلمح اليوم بقاياها من موقفها “الصامد” خلف نظام الاستبداد (الحزب الشيوعي السوري بأقسامه، القومي الاجتماعي، الاشتراكيون…)، وأيضا كانت “الممانعة والمقاومة” و”محاربة الإمبريالية” واحدة من تلك الأيديولوجيات التي استثمر فيها نظام الأسد، وكانت تحظى بقبول السوريين وتأييدهم، وليس أدل على ذلك من موقف كلّ السوريين من حزب الله؛ حتى عام 2011، كما شكلت السياسات الاجتماعية الاقتصادية إحدى شرعيات النظام؛ حتى عام 2005 حين بدأت ثمار عملية اللبرلة تظهر، وقد رأينا كيف أثر هذا الأمر على وضع النظام وشرعيته، وكان أحد مولّدات الثورة السورية، ودون أن ننسى ركوب النظام موجة العلمانية، و”محاربة” النعرات الطائفية، وأيضًا “مكافحة الإرهاب” التي شكلت واحدة من روافعه الدولية، بعد أحداث سبتمبر، كما هو حال كلّ الأنظمة. أضف إلى ذلك أنّ عنف النظام وإجرامه لم يكن ظاهرًا بمثل هذا الوضوح الذي هو عليه اليوم، إذ لم تشكّل أحداث الثمانينيات (على عنفها وإجرامها) كسرًا في وعي السوريين تجاه نظامهم؛ لأسباب كثيرة ليس مجال ذكرها كلها هنا، ومنها قدرة النظام على التعتيم، وضعف السوريين في فضح ما جرى وتوثيقه والكتابة عنه، والأهم أنّها جاءت في وضع دولي مختلف كليًا؛ ما يعني أنّه في ذهن كثير من السوريين لم يكن إجرام نظامهم واضحًا، وهو ما يمكن تبيّنه من التعويل على إمكانية الإصلاح عبر عبارات كانت تتردّد، مثل: إنّ “بشار غير أبيه”؛ ما يشير إلى قدرة النظام (عبر المرحلة البشارية) على بناء شرعية جديدة له، هي شرعية “التطوير والتحديث” التي صدّقها قسم كبير من السوريين آنذاك.

يبقى السؤال: ما الذي تبقّى من هذه الشرعيات اليوم؟ فإجرام النظام بات أمرًا عالميًا وليس محليًا فحسب، والمقاومة والممانعة وصلت حدّ الإيغال في دماء السوريين؛ ما يعني استحالة إعادة تعويمها مرة أخرى، فيما استغلال النظام للطائفية واستعانته بالمليشيات الطائفية من كلّ حدب وصوب بلغت حدًا من الوضوح يجعل إمكانية تعويم “علمانية النظام” مرة أخرى أمرًا شبه مستحيل، فيما بدّدت الحرب كلّ التراكمات الحاصلة في الشقين: الاقتصادي والاجتماعي، والأرقام وحدها تقول كثيرًا، كما تبدّد كلّ الدور الإقليمي السوري؛ بحيث تحولت سورية من لاعب إلى ملعب، وصل حد فرض الانتدابين الروسي والإيراني، فيما تبقى يافطة “محاربة الإرهاب” ورقة النظام التي يلعبها دوليًا/ إقليميًا، مستغلًا خوف اليمين الصاعد أوروبيًا؛ ما قد يشكّل نقطة التقاء إلى وقت لن يطول، على الرغم من أنّ هذه الورقة سقطت شعبيًا إلى غير رجعة أيضًا؛ ما يعني أنّ الثورة السورية نجحت عمليًا في تعرية كلّ مرتكزات النظام، وهذا ليس أمرًا قليلًا حين ندرك أنّنا إزاء شرعيات بنيت على مدى أربعين عقدًا، ومن هنا ندرك أنّ الثورة السورية انتصرت عمليًا، حين أزالت كل الحجب والأوهام السائدة، لنكون أمام سؤال آخر: هل يعني هذا أن النظام ساقط لا محالة؟

على المدى الزمني القصير، لا يبدو أنّ النظام سيسقط سريعًا، وهذا ليس لأن النظام قوي، بل الأمر عائد إلى قوة الدعم الخارجي، وعدم قدرة الثورة على تشكيل البديل عن السلطة، وصعود اليمين الأوروبي الذي سيتقاطع مع الدكتاتوريات خلال المرحلة المقبلة؛ ما يعني أن العالم بأسره (وليس النظام السوري فحسب) يعيش مرحلة انتقالية، لا أحد يعرف خاتمتها حتى الآن، إلا أنها ستنتهي مهما طال الزمن، وهذا ما يحتم على المعارضة العمل -خلال هذه المرحلة- على إعادة بناء نفسها، وتكوين بديلها الديمقراطي، وأن تتقدّم ساحة السياسة، مراهنة على قدرتها على العمل، بكلّ ما يعني ذلك من الاضطرار إلى تجرّع الكأس المرّ، والدخول في عملية سياسية مع النظام، أو جزء منه؛ لتفكيك ما تبقّى منه تدرّجًا، وعبر مسار طويل؛ لنقل الثورة إلى مكان آخر، لا خوف منه عليها، طالما أنّ النظام فقد عمليًا كلّ المشروعيات التي تحدّثنا عنها أعلاه، ولكن مع الأخذ في الحسبان أنّ تلك المرحلة أصعب من السابقة، فهي تتطلب رجال سياسة ودولة في آن، رجالًا يدركون كيف تخاض معارك البناء الديمقراطي والمجتمعي والسياسي، بكلّ ما يتطلبه ذلك من شجاعة تجرّع كأس السم في لحظة
أولى، والجلوس في حضن التنين، انتظارًا للحظة دفنه، ما يقودنا إلى أنّ النظام ساقط حتمًا على المدى الطويل، فالجثة تحتاج الدفن مهما تأخر دفنها

هن موقع جيرون
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

الثورة السورية انتصرت!

22-كانون الأول-2016

ربيع تقسيم: هل أحرق أسطورة «الديمقراطيّة الإسلاميّة»؟

04-تموز-2013

الصراع الأمني في سوريا وعليها

26-حزيران-2013

عندما تصبح المقاومة ستاراً للاستبداد والطائفية

18-حزيران-2013

إخوان سورية: حكاية فشل طويل

21-أيار-2013

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow