Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الآباء المتوارون/ ميا غوارنيري ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2016-12-22

وقفت في المطبخ، وضعت الكوعين على المنصة، ورفعت بيدي وجهي. نظرت إلى ساعة الميكرويف، كانت تشير إلى ١٠ صباحا. ستغادر روتيدو عائتها الآن. وستركب في هول يو ، وسيدير والدها المحرك، وسيبتعدون عن باب الجيران وستتابع السيدة شوستير وأخت روتي المشهد.

سيغادرون بلا مراسم، فهم في طريق العودة إلى البيت. ولوحة الترخيص من بنسلفانيا، تعني أنهم غرباء ولا منتمون هنا في فلوريدا، وستتضاءل صفة الاغتراب كلما اتجهوا إلى الشمال. وفي الوقت الذي يصلون به إلى فيلادلفيا، لن يكون هناك شيء غريب. سيكونون سيارة تدب بين السيارات الأخرى. مجرد عائلة يهودية أخرى.

وقفت لعدة لحظات، أراقب الساعة. كان البيت هادئا. يمكنني أن أسمع ضحك الوالدة في غرفة النوم، كان صوتها يتسلل عبر الباب المغلق. منذ أن أتينا إلى بيت بيل، استبدلت صلوات صباح السبت بالاسترخاء في السرير. عما قريب ستنهض، وستغسل وجهها، وتكون جاهزة ليوم حافل.

جاءت نانا من غرفة المعيشة. كانت تنام على الكنبة المطوية منذ زواج الوالدة وبيل.

"لماذا هذا الوجه الحزين يا ألما".

"لأن روتي رحلت".

" آه، يا لهذا الخبر المزعج، ستبني صداقات في مكان آخر". فتحت الخزانة وأخرجت النسكافيه. لو أن الوالدة في المطبخ، ستصنع رغوة على وجه القهوة. كانت نانا تكره أن تستعمل القهوة سريعة الذوبان. قالت:" كل تلك الكيماويات، ولم تعتادي على شربها".

سكبت نانا المسخوق البني في الكوب ووصلت الإبريق بالكهرباء. وقالت:" ما دمت غير مشغولة، لماذا لا ترافقينني إلى الاجتماع . سيخلص ذهنك من الوساوس".

ولكن الوالدة حذرتني من المشاركة، قالت لا تسمحي لنانا أن تصحبك لواحد من تلك الاجتماعات، فهي تشبه الطقوس. ثم رأت بعين خيالها هذا الصباح الجامد. روتي على الطريق وفلوريدا تنطوي صفحتها وتنسحب إلى الخلف. والوالدة تغادر الغرفة برفقة بيل، ووجناتهما وردية اللون من الإثارة.

لذلك ردت بقولها:"حسنا، إنما رجاء لا تخبري الوالدة".

كان المكان في مركز محلي كئيب. هناك طاولة تحمل صفا من أكواب الفلين، والملاعق البلاستيكية، والنسكافيه، والحليب المجفف، وأكياس زهرية اللون من "حلو قليل الحريرات". كل الموجودين بحركة دائية، ويشربون القهوة سريعة التحضير. ويتبادلون التحيات بالأسماء، ويتصافحون ويتعانقون بحرارة. كانت نانا تأتي إلى هنا من أسبوعين فقط. ومع ذلك نادى الموجودون عليها ولوحوا لها بأيديهم. وتنتقلت من مجموعة إلى مجموعة. وتكلمت مع الجميع بالطريقة التي يتبعها الناس كلما دخلوا في مرحلة جديدة. واستطردوا بالكلام حول الكفلاء. ولم تكن لدي فكرة عن معنى كفيل، لذلك اكتفيت بالإصغاء، ولكن خمنت أنه نوع من القسس أو الحاخامات. كان الجميع يتكلمون بنفس الطريقة:" كان يوما صعبا. أنا بحاجة لشراب. اتصلت بالكفيل. ولكنه قرأ لي من كتابه الكبير".

أخذنا موقعنا على صف الكراسي المعدنية المطوية، ثم وقفنا وتماسكنا بالأيدي، كانت نانا ناعمة وطرية. والمرأة المجاورة لي، نحيفة وبعمر الوالدة، ولها يد عجينية لا يبدو أنها تلائم قوامها.

أنشد الحضور الكلمات الأولى من صلاة الرب. لم أكن أعرفها، لذلك تجولت ببصري في أرجاء الغرفة، نظرت للرؤوس المنحنية بخضوع، وللعيون المغلقة الخاشعة، بينما الشفاه وحدها تتحرك. رأيت نافذة كبيرة. في الخارج كان كل شيء أاخضر ومضيئا. فهو مطلع فصل الصيف، والأوراق وورود الأضاليا لا تزال رقيقة، قبل أن تنكسر تحت حرارة الشمس. وفكرت: علينا أن نكون جميعا هناك، نسير في الغابات، أو نتنزه، أو نلعب الكرة. وتساءلت كم الظروف هناك قاسية ليضطر الناس للاختباء في هذه الصالة الهامدة.

صعد شاب على المنبر، وكان يلمع بشكل مثلث، مثل القلادة التي ترتديها نانا، وقال: مرحبا، اسمي والتر وأنا مدمن على الحكول" .

ورد الموجودون بقولهم:" مرحيا يا والتر".

شهق وقال:" حسنا، هذا موقف صعب، هذه أول مرة أتكلم فيها علنا". وصمت. صفق له بعض الحضور للتشجيع، مسح والتر يديه بالجينز، وقال:" بدأت بالشراب وأنا صغير. وكان والدي يثمل. كان سكيرا، لكن الوالدة تظاهرت أنها لا تعرف. كما تعلمون- حسب الأصول".

وضحك الحضور بتفهم.

"ولكن والدي ليس كحوليا فقط، هو طبيب جراح كذلك. شيء مرعب، أليس كذلك؟. شيء جيد أننا لا نستعمل أسماء الكنية هنا ولربما يقول أحدكم' اللعنة ذلك الرجل هو طبيبي'سأقاضيه عما قريب ".

قهقه بعض الحضور.

"في كل حال كانت لدى والدي وهو الجراح المعروف، أمال معلقة علينا أنا وأخي. وحاولنا أن نحققها، كلها. ولكن كان الضغط هائلا. ولذلك بدأت برشفة هنا ورشفة هناك. هذا حصل في المدرسة الثانوية.

وأول مرة تعاطيت فيها الكحول حينما انفصلت عن صديقتي. لم تكن هي السبب حقا. ولكنه الخوف من الوالد وحساباته. لم أكن الولد المثالي للبنت المثالية. ولأتغلب على هذه المشاعر، شربت زجاجة جاك دانييلز".

بعض الموجودين ابتلعوا أنفاسهم من بين أسنانهم، بعضهم فرقعوا بألسنتهم. وتابع يقول:" كنا نعيش في مجتمع يلعب الغولف. كنت أقوم بدور حامل للجعبة وتابع بنصف دوام، كما تعلمون، لبناء شخصيتي. امتطيت عربة في تلك الليلة وانتهى بي الأمر لقيادتها والسقوط في بركة البيت. كان والدي منزعجا بسبب النقود التي عليه أن ينفقها لاستبدال عربة الغولف وليس بسبب المشكلة التي تورطت بها. واكتفت الوالدة أن تقول:" يا لهؤلاء الصغار، يتصرفون كالصغار".

أضاف والتر: كانت الجامعة معقولة. " لأن الجميع يثملون". ولكن بدأت المشاكل لاحقا، في كلية الطب. كنت أثمل. وأغيب عن بعض الحصص، وتفوتني الامتحانات. وفقدت بعض الدرجات. كنت في حالة سلبية، سكت ثم لأضاف "حتى اللحظة الراهنة".

وتابع:" وذات يوم استيقظت وأنا على الأرض. وهناك امرأة لا أعرفها في سريري. ذهبت إلى المطبخ ونظرت في المرآة. كان وجهي منفوخا وبدينا، وعيناي متورمتين. وكنت أحملق بنفسي. وأفكر بتلك المرأة. من تكون؟. هل نمت معها؟. وتذكرت فجأة يوم كنت أوضب نفسي للاشتراك في حفل المدرسة الراقص وأنا صبي صغير. رأيت نفسي- أقصر، شابا حقا، وأرجو أنكم تفهمون ما أقول. نظرت إلى نفسي وفكرت: هذا ليس ما أريد أن أكون عليه. أنا أرغب أن أكون طبيبا جراحا، وليس سكيرا".

ارتفعت همهمات، وأومأت الرؤوس. وتابع:" وهكذا أتيت إلى الموسسة، هذا من حوالي عام، وأنا الآن أواصل تعليمي في كلية الطب".

صفق الحضور واقترب رجل من المنصة، وقال والتر وهو يسحبه من يده نحوه:" هذا هو كفيلي السيد غاري" .

وانحنى غاري مثل أب فخور، وقدم لوالتر "وسام عام الصبر" وهو ميدالية صغيرة من البرونز. وذكرتني بالقطعة الصغيرة التي يقدمونها في العماد والتي رأيتها حينما تسللت إلى الكنيسة مع جيزيلا.

صفق غاري وورقف كل الحضور مبتهجين.

وتماسكنا بالأيدي لنصلي صلاة الشكر للرب. وأصغيت بكل جوارحي. وحينما انتهوا جميعا، جمعوا قبضاتهم المتكاتفة وهم يقولون:" نحن بانتظارك، الإنسان ينجح إذا حاول". ووقفوا جميعا متراصفين بانتظار كوب من القهوة سريعة الذوبان.

حركت نانا النسكافيه، والتي تلاشى البخار منها من فترة. وأصدرت الملعقة البلاستيكية صوت احتكاك هامس حين لامست أسفل الكوب. كانت الصالة تفرغ من الحاضرين. وعدد من الأشخاص يطوون الكراسي، ويجمعون بقايا القهوة والحلويات والمشروبات منخفضة الطاقة.

أخذت رشفة وقالت:" أمك على حق،قطرة قطرة أفضل من دفعة واحدة".

" هل لهذا السبب تكرهها".

أشارت نانا بملعقتها إلى والتر، الواقف في الناحية المقابلة من الغرفة وقالت:" أمك مثله، تريد مني أن أشرب القليل ولا أواجه هذا الحال". رفعت كأسها وأضافت:"وهو يفضل هذا على إقناع والده. وهذا هو الجانب الذي لم ينتبه له هذا الشاب. أنه لن يكسب سنتين من عمره".

"هل تعتقدين أنه سيشرب مجددا؟".

"أنا متأكدة، مشكلته ليس الخمر. ولكن والده. وحتى يفهم ذلك، سيسقط من عربة الغرلف مجددا".

"وماذا عنك؟. ما هي مشكلتك؟". لو أخبرت الوالدة قد تهددني بالتعامل مع لوح دوفي. فقد قالت نانا فورا:" إنهارحكاية معقدة".

قلت لها:" تصوري أنك والتر وأنا مؤسسة الرعاية".

نظرت لي. وشعرت كأنها تقيسني بنظراتها، وتحاول أن تخمن إذا كنت بعمر مناسب لأستمع لها وأفهمها.

" هيا يا نانا. ما هو أول شيء يخطر في الذهن إذا قلت لك أنت أم؟".

كانت معلوماتي لا تدعو للسؤال عن والدها. فقد توفيت حينما كانت صغيرة. واحتفظت له بصورة بالأبيض والأسود وهو بجوار سريرها في بروكلين. وقد صحبتها معها إلى فلوريدا وتركتها على المنضدة قرب كنبة قابلة للمد والطي.

ضحكت نانا وقالت:" أيتها المعالجة الشابة" ,

جرعت بقايا النسكافيه وألقت الكوب في علبة النفايات. وشرعنا بالتوجه إلى الباب. وقالت:" كان لدي صديق سافر إلى كوريا خلال الحرب. واتفقنا على الزواج حالما يعود".

فتحت الباب وتركته مفتوحا لي وأضافت:" كانت والدتي تأخذ رسائله من صندوق البريد وتخبئها. واكتشفت ذلك بعد سنوات، بعدما تزوج من غيري".

فكرت بنانا الكبيرة، أرملة، تخفي مغلفات الرسائل. وتخيلتها وهي تضعها تحت وسادة الكنبة، وفي علب البسكويت، وخلف الثياب، تخبئ نفسها وابنتها في ذلك البيت، وتكدس فيه الأسرار.


٢٧ نيسان ٢٠١٠



ميا غوارنيري Mya Guarnieri كاتبة وصحافية تعيش في القدس.



















































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

هذا هو لحم الخنزير - اعترافات نباتي متمرد / فلورين بيكان ترجمة:

17-حزيران-2017

الآلية و المنتوج: علاقة ما بعد السرد مع نظرية الرواية باعتبار أنها جنس في المحاكاة / ليندا هتشيون - ترجمة

10-حزيران-2017

الدين وتوريث الأفكار

27-أيار-2017

الحظ / قصة كريسبين أودوبيوك ترجمة:

20-أيار-2017

دمشق: من يوميات الرحالة هنري موندريا / ترجمة :

13-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow