Alef Logo
دراسات
              

شِعريّة التَّمويه والالتباس ج3

مازن أكثم سليمان

خاص ألف

2016-12-12

في جدَليّة دازِن المُؤلِّف المُنفصِم والذّوات الشِّعريّة الافتراضيّة للشُّعراء في عوالمِهِم النَّصِّيّة

تستمدُّ الآليّات التَّخارُجيّة في هذه (الحوارات _ السِّيَريّة) سماتِها الخاصّة، من تعدّد طبقات بسط أساليب الوجود النِّسْيَاقيّة المُحايِثة، ومن تراكُبها الغنيّ عبر تخليق عوالم النصوص وانزياحاتِها الشِّعريّة تأسيساً على تشظٍّ دلاليّ بِنيويّ ينطلِقُ أوَّليّاً من الصِّراع الجدَليّ بين ذات المُؤلِّف الوقائعيّة، بما تنطوي عليه من معلومات ورُؤىً ثقافيّة وأفكارٍ مُسَبَّقة تخصُّ الشعراء المُحاوَرين _وتُمارِسُ شهوة حُضورِها التَّملّكيّ الاستحواذيّ على النصوص، بوصفِها شهوة طُغيان سُلطة الذات المُطابِقة_ وذات المُؤلِّف النَّصِّيّة، بما يفرضُهُ عليها صراعُ التَّخارُج الجدَليّ من تفاعُلات ثرّة مع شهوة تمويه الحُضور القَبْليّ، ومدِّهِ بروح الالتباس الشِّعريّ عبر ألاعيب توليد المَجازات، وتشويه الثَّوابِت واليقينيّات،والتحرُّك الحُرّ المُتراقِص مع العلامات تزويراً وتشويشاً وإرجاءً للمَعاني وتحريراً للدَّوال من قبضة المَدلولات المُسَبَّقة. ويتمُّ اختبارُ هذه الآليّات المُعقَّدة بتأثير التّصادُم والتَّزاحُم الجدَليّ عبر التَّفاعُل مع مُستويين مُتراكبين من جهتهِما أيضاً: أوَّلهُما قارَبناه في المحورين السابقين من القراءة، ويرتبط بصِلة دازِن المُؤلِّف المُنفصِم مع الذّوات الشاعِرة للشعراء في عوالمهم الوقائعيّة، وثانيهما مُرتبط بصِلة ذلكَ الدّازِن مع الذّوات الشِّعريّة الافتراضيّة للشعراء في عوالمهم النَّصِّيّة، حيثُ إنَّ تفاعُلالمُؤلِّف المُنفصِم جدَليّاً مع الذوات الشعريّة الافتراضيّة في قصائِدها المُنجَزة، أو بمعنىً أدقّ: في تجارِبها النَّصِّيّة، يزيدُ من التباس قصديّات التَّخارُج، ويُعمِّق من تعدُّديّة طبقات الدَّلالة، وينزاحُ بالحوارات من مُستوى الوثيقة التّاريخيّة، إلى مُستوى الوثيقة الفنِّيّة الجَماليّة، ولا سيما أنَّ أيَّ غوص في فَجوات أساليب الوجود المُنبسِطة في عوالم هذه النصوص، سيزدادُ حيويّةً وخُصوبةً وتوليداً للحركيّات والتَّحوُّلات والتَّغيُّرات نسْيَاقيّاً طالما أنَّهُ يقودُ أو يُقادُ تخارُجيّاً جَرْياً خلفَ كثافة مَجازيّة أعلى تتعلَّقُ في أصولِها بذوات الشعراء في قصائدها، وما ينطوي عليه ذلكَ من أسئلة وخلافات وتأويلات ودلالات مَفتوحة وقابلة للتَّنقيح الدائم والتَّقليب التّأويليّ الرّحب ووضع الكثير من الأحكام بينَ أقواس الإرجاء، وهيَ العناصِرُ التي تُعزِّزُ إلى حدٍّ بعيد بثَّ الحوارات طاقاتٍ شِعريّة لا تكفُّ عن أُغواء المُتلقِّي بالحفر في دُرَر المَعنى الهارب باستمرار. لنقرأ من حيث المبدأ كيفَ تُعرِّفُ الذات الشِّعريّة الافتراضيّة للشاعرة غابرييلا مسترال الشاعرَ انطلاقاً من أساليب وجوده الراسِخة تجربةً وتجريباً في عوالم قصائده:

"س: هل يليقُ بالشاعر أنْ يُشبِهَ بقرةً؟ ألَا يُشكِّلُ ذلكَ انتقاصاً ما بحقّ الشِّعر؟

ج: لا أعتقدُ أنَّ ثمَّةَ خطأً فيما ذهَبْتُ إليه بذلكَ التَّشبيه. الاثنان حيوانان. واحدٌ ناطِق بالكلام والثاني ناطق بأسرار الخوار. فإذا كانَ الشاعر بقرة أدبيّة تدِرُّ قصائدَ، ولا ينتفِعُ منها الناس إلّا في حالاتٍ نادِرة تخصُّ ضرورات صيانة أذواقهِم من الروتين والرتابة والتَّصحُّر والقلَق، باعتبار الشعر من عَوامِل تخريب الأجسام الهادِفة لإعادة بناء الحواسّ وفقاً للذوق الأدبيّ، فإنَّ البقرة، هيَ الأُثخرى شاعرة حقل، تُدِرُّ حليباً لفائدة مليارات من البشر. حليباً يُرمِّمُ العِظامَ من الكُساح ويطردُ الأمراضَ".

لعلَّ اصطدام دازِن المُؤلِّف المُنفصِم اصطداماً جدَليّاً بحُضور الذات الشعرية الافتراضيّة في عوالمها النَّصِّيّة يستدعي تلقائيّاً تشغيل عنفات التخييل، ليس فقط لبسط أساليب وجود شعرية مُموَّهة ومُلتبِسة في (الحوارات _ السِّيَريّة)، إنَّما أيضاً لإعادة قراءة اليقينيّات السّائدة حول قصائد هؤلاء الشعراء وتنقيحها وتأويلها، ومُلامَسة كيفيات وجودهم الذّاتي في فضاءاتها، بغية استنطاق الغائِب مسكوتاً عنه أو غير مُفكَّرٍ فيه، حيث يتمُّ التَّحرُّكُ تخارُجيّاً بإشباع النِّسْيَاقات بروح الارتياب المُفتِّت لسكونيّة الاسترداد المُنجَز، وهوَ الأمر الذي يفتَحُ أفقَ الصراع على أفق المُتلقّي الذي يلتحِقُ بمناطق نزع الألفة كالمُنتشي سُكْراً، أو كالمُسَيَّر المُتلذِّذ خلفَ تسارُع خُطى اللّعب الحُرّ للجُمَل (بوصفها كما قلنا من قبل وَحدة العلامة القابِلة للتأويل عند ريكور)، لتستمرَّ نسْيَاقات الحوارات بتخليق مسافات توتُّر مَجازيّة تُشوِّشُ الدَّلالات من ناحية أُولى، وتُعمِلُ الإيحاء المَفتوح من ناحية ثانية،مُمعِنةً في إدارة الظَّهر في مُعظَم الحالات للزمن الحقيقي أو (المنطقي _ الخطِّيّ)، حيث تتداخَل المُستوياتُ الزمكانيّة في الحوارات مُتوزِّعةً بين التاريخ الأرضيّ الوقائعيّ والتاريخ الأُخرويّ الغيبي، وإلحاقهِما بالتاريخ العابر للأزمان. ولنقرأ الآن هذا الجزء من حوار المُؤلِّف مع المُتنبِّي:

"س: هل أدرَكَ المُتنبّي يوماً، بأنَّهُ كانَ يُؤسِّسُ لمدرسة سينمائيّة في الشعر العربي؟

ج: قبلَ أنْ تأخذَني بهذا السؤال إلى تكنلوجيا المَجاز، فقد كنتُ أقومُ بتطعيم شعري باللُّقاحات اللّازمة المُضادّة للتّصحُّر وأمراض الرّاحة. فالشعر، يجب أنْ يستمرَّ مُقلِقاً، لا مُصاباً بعاهة القلَق.

س: يا أبا الطَّيِّب: أيصحُّ القول إنَّ الشعر عند العرب، ليسَ أقلّ من ترويض الخيل، ولا أعظم من تربية الماء بقلب الصّحراء؟

ج: لا يُمكِنُ ضبطُ سلوكٍ في أثناء عمليّات التّرويض أبداً، أوّلاً، لأنَّ الشعر ليسَ بالحيوان المَتروك لعمليّات التّرويض وحدها. وثانياً، ما كُلُّ مُروِّضٍ يقدر على كسر جبروت الشعر، ويجعَلُ منه كائناً مُطيعاً.

س: وأنتَ. كيفَ كانت صنعةُ الشعر لديكَ؟

ج: صنعةُ مَنْ فجَّرَ في اللُّغة نبعاً، وصعَدَ به طُلوعاً إلى أعالي الجبال".

وهكذا، يُعمِّقُ دازِنُ المُؤلِّف المُنفصِم عبر جدَليَّتِهِ التَّخارُجيّة مَفاعيلَ الحُرِّيّة المُتخفِّفة نسْيَاقيّاً قدر المُستطاع من سُلطة الذات الوقائعيّة المُسَبَّقة له، بتركِ ذاتِهِ النَّصِّيّة تُراقِصُ في الحوارات الذوات الشعرية الافتراضيّة للشعراء في قصائدهِم على وقع خُطى تلكَ الذّوات، وعلى هواها المُشبَع برغبة إحضار حياتِها الشعرية في قصائدها، وبسط أساليب وجودها المُتنوِّعة كما كانتْ تعيشُها في عوالمها النَّصِّيّة، لتنطويَ نسْيَاقات الحوارات تخارُجيّاً على مُحصِّلة جدَليّة مُتراكِبة بقدر ما تُعيِّنُ صورةً ما للذات الشعرية الافتراضيّة للشاعر في قصائدِهِ، تُشتِّتُ هذا التّعيين، وتُفتِّتُ وَحدَتَهُ وتُبعثِرُها عبر آليّات مَجازيّة تحتفي بالتَّحوُّل والتغيُّر والاختلاف، وتتحاشى إلى حدٍّ بعيد فخَّ السقوط في ثنائيّة (الحقيقة _ اللّاحقيقة)، إذ يتلاعَبُ فنُّ الحذف بالدَّلالات عبرَ توليد سوء فَهم عالي التّكثيف المَجازيّ والرمزي، ولا يخشى ألاعيب التّمويه والالتباس للفوز في النسْيَاقات بشعرية تُشوِّه وتُزوِّر أكثر ممّا تُفسِّر وتوضح وتؤكِّد.ولنلاحِظ في هذا الموضِع أساليب الوجود المنفتِحة في الجزء الآتي من حوار المؤلِّف مع الشاعر لوتريامون:

"س: أنتَ شاعرٌ صادِمٌ، لا تغفرُ للقارئ أنْ يتولَّى حتّى رعايتَكَ بشيءٍ من الشفقة. لا تريد منه إلّا أنْ يقذفَكَ بحجارةٍ من سجيل أو قنبلة فراغيّة. فهل كنتَ ساديّاً إلى ذلكَ الحدّ يا جَناب الكونت لوتريامون؟

ج: لأنَّني لمْ أرَ أمامي قارِئاً واحِداً مُطهَّراً من اللّعنات والذنوب، وهوَ على قيْد الحياة. كانوا جميعاً من رُكّاب الجحيم، يومَ كنتُ سائقَ قطارِهِ على سكك لُحوم، تصلَّبَتْ، فأخذَتْ من الحديد قوَّتَهُ وصلابتَهُ على تحمُّل دَوْس العجلات.

س: ألذلكَ قلتَ مُحذِّراً: (ليسَ من المُستحسَن أن يقرأَ الجميع هذه الصّفحات التي ستجيء... إنَّها مليئة بالسُّموم... ومليئة بالكُفر والإلحاد). أهوَ الاستغراق في السّاديّة أم التَّلويح بالإنذارات؟

ج: أنا لم أُحذِّرْ. أنا أخذْتُ القارئَ إلى غرفة الإعدام اللُّغويّ، وأقفلْتُ عليهِ الأبوابَ ليمتلِئَ برائحةِ الجيَفِ وبرائحةِ اللُّحومِ التي غادَرَتْها الأرواحُ إلى مُستوطنات الأبَد. أمّا السّاديّة التي تتحدَّثُ عنها، فهيَ من خردوات المَعنى النَّظَريّ للألم ليسَ إلّا. بينما عمَليّاً، فأنا أسَّسْتُ لهذا المرَض في الكتابة حتَّى قبلَ ظُهور (الماركيز دي ساد) من رحم تلكَ الخنفساء الشريرة".

وعلى هذا النحو، تتموَّهُ وتلتبِسُ الصِّلةُ التَّخارُجيّة المُتراكبة جدَلياً بحِنكة بين ما يُريدُهُ دازِن المُؤلِّف المُنفصِم، أو بين ما يقودُ إليه بطريقة زائغة حركيّةَ النِّسْيَاقات، وما تبسطُهُ بحُرِّيّة الذواتُ الشعريّة الافتراضيّة الموجودة في عوالِمِ قصائدِها من أساليب وجود تخلقُ بُؤراً دلاليّة ارتيابيّة، وتفتَحُ فضاءات الحوارات،ولا سيما عبرَ تحالُفٍ مُحايِثٍ وخفيّ بين السّائل والمُجيب، أو عبرَ تفاوُضٍ جدَليٍّ مُتراكِبٍ يتبادلانِ بواسطتِهِ المَواقِعَ، مُولِّدَيْنِ انزياحاتٍ تتصارَعُ فيها إرادات القوى، وتتفاضَلُ فيها التأويلاتُ التي تتنقَّلُ بين الفَجوات كي تُقلِّبَ المَعاني، وتنتخِبَ بعضها _ولَوْ آنيّاً_ بما يبدو استجابة لألاعيب الإيحاء والترميز والتَّشفير التي تمتَحُ في مَواضِعَ كثيرة من الاعترافات المُخلخِلة لنمطيّة صورة الأيقونات الشعريّة، والمُنطوية إلى حدٍّ كبير على مُفارَقات ذكيّة وصدمات باذخة. وهذا ما يُمكِنُ أن نتلمَّسَهُ في الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر محمود درويش:

"س: ولكنَّ الحشمة في الشعر هيَ الأمِّيّة في جانبها المُظلِم والمُدمِّر؟

ج: الحُرّيّة في الشعر نوع من الانتحار أحياناً. تأكَّد من ذلكَ كما أقول.

س: هل هيَ بمثابة الشيطان برأيكَ؟

ج: وأهمّ من الشيطان نفسه، لأنَّها الصَّيرورة التي يستمرُّ فيها كُلُّ بناءٍ عبرَ التَّحوُّلات العميقة.

س: وتخافُ على القصيدة فيما لو تستمرّ؟

ج: كُلُّ ما كتبتُهُ كانَ تعبيراً عن خواصّ ما تزالُ تئنُّ في باطني. وأنا خائف منها حتّى الآن.

س: خواصّ تعمَلُ ضمنَ نوع من الدّيالكتيك النَّفْسي تقصد؟

ج: أنا أعتقدُ بأنَّ منشأ كُلّ شعريّة، إنَّما هوَ صراعٌ خفيّ بين مُختلَف التّيّارات العاطفيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة. ولكنَّ الكثير من الشعراء لا يُدركونَ أنَّ حقيقة الشعر هيَ بالأصل لاهوتيّة. وأنا تعلَّمْتُ الشعر من سِفْرِ التكوين ومن الأساطير والألواح أكثر ممّا تعلَّمتُهُ من مدارس الشعر الواقعيّة أو الاشتراكيّة أو السورياليّة أو الرّمزيّة".

وفي المَنحى نفسِهِ، أستشهِدُ بالجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر ت.س.إليوت:

"س: هل تُؤمِن بالعرّافين؟

ج: بكُلِّ تأكيد. فالشاعر الذي وُلِدَ وترعرَعَ في كُهوفي الباطنيّة، يُؤمِنُ بأنَّ الشعر قراءة في المَجهول وتأويل لأحداث الشاعر الدّاخليّة المُتلاطِمة مع حركة سير الكائنات في الخارج. وإذا ما حدَثَتْ خربطةٌ بين الدّاخِلِ والخارِجِ، فإنَّ الاحتكام للعرّاف ضرورةٌ لابُدَّ منها. أتعرف لماذا؟ لأنَّ العرّاف أشبه بمُدير مصرف، عادةً ما يملكُ القُدرةَ على إقراضِنا أحلاماً يُمكِنُ التَّصرُّفُ بها، ولَوْ بشكلٍ وهميّ".

إنَّ المُحصِّلةَ التَّخارُجيّة النّاجِمة في هذه النِّسْيَاقات عن تراكُبيّة الجدَل بين دازِن المُؤلِّف المُنفصِم الذي تتصارَعُ في حركيّتِهِ التَّخارُجيّة هذهِ سُلطة ذاتِهِ الوقائعيّة ورغبة انفكاكِهِ التخييلي الافتراضيّ من قيودِها، لا تكتفي باستنطاق الذوات الشعريّة الافتراضيّة للشعراء في قصائدهِم بوصفِهِ استنطاقاً لأساليب وجودهِم فيها فحسب، إنَّما يلتقي ذلكَ بعُمق مع بِنياتِهِم المعرفيّة والثقافيّة المُؤسِّسة لنظرياتِهِم الشعرية، وهو العامل الذي يُغني الحوارات، ويفتحُها على شهوة اقتحام أيقونات الشعراء ليسَ لخلخلتِها عبر المَجاز والرَّمز الناهضين على التشويه والتزوير المُبدِع فحسب، إنّما أيضاً لسبر مَعالِم الصراعات التي تنطوي عليها أساليب وجودهِم المُتنوِّعة في قصائدهِم بين مُسَبَّقات وقائعيّة وشعريّة وتنظيريّة، وفَجوات يُمكِن التسلُّل منها بحِنكة اللعب بين المُتحجِّب وغير المُتحجِّب (المُنكشِف)، وذلكَ لمُحاوَرة المسكوت عنه أو غير المُفكَّر فيه تمويهاً والتباساً يُحرِّر الدَّوال من قبضة المَدلولات القَبْليّة من جانب، ويُبقي النِّسْيَاقات مُغوِيةً في حركيّة مَخض الغِياب القلِق، والذي قد تُؤدّي مُحاصَرة ذوات الشعراء الافتراضيّة بتلبُّس دور المُحقِّق من قِبَل المُؤلِّف الذي يطرحُ كثيراً من الأسئلةً الصِّداميّة،إلى انتزاع اعترافات ثرّة لا تَعني بطبيعة الحال تسلُّط دازِن المُؤلِّف المُنفصِم تملُّكيّاً أو استحواذيّاً على ذوات الشعراء، ولا تمنعهُم في الوقت نفسه من الدِّفاع عن ذواتهِم الشعرية بصلابة جَماليّة عارِمة. وأظنُّ أنَّ الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر أنسي الحاج يُظهِرُ بعض مَعالِم ما أرمي إليه هُنا:

"س: هل واجَهَتْكَ اللُّغةُ ذاتَ يومٍ باعتراضٍ على شعركَ؟ بمعنى هل سبَقَ وأنْ أسمَعَتْكَ مرّةً، وهيَ تقول: ما تكتبُهُ يا أنسي ليسَ شعراً؟

ج: ليسَ من حقّ اللُّغة أنْ تقولَ ذلكَ لأحد. فالخوف من اللُّغة، ليسَ قراراً بإلغاء أعمال التّأليف، أو استبدالِها بمُمارَسة مِهَن أخرى. ولولا الشِّعر لأصبَحَتْ جميعُ اللُّغات مَدافِنَ للشُّعوب.

س: هل سبَقَ وأنِ اعتقَدْتَ بوجود شروط تخصُّ التأثُّر بالآخَر؟

ج: أنْ تتأثَّرَ من دون انحناء، ففي الشعر موادّ خام من السِّحر، وعليكَ ألّا تستعمِلَ ذلكَ التّأثُّر عن طريق الحشو بتلكَ المَعادِن.

س: أنتَ حرَّرْتَ الشعر من الأقفاص في البدء. ولكنَّكَ وقَعْتَ في مطبِّ الخواتم. ألا تفرضُ كتابات من ذلكَ القبيل، نمَطاً لا ينسجِمُ معَ الرُّؤية الانفتاحيّة الأُولى لمَسيرتِكَ الشِّعريّة التي بشَّرْتَ بها؟

ج: في بدايات حياتي، عشْتُ مُراهَقةً شِعرية نادِرة. كانتِ اللُّغةُ عندي مجموعةً أسماكٍ تتقافَزُ في سلّةِ الرَّأس فوقَ بعضِها. وكنتُ ميّالاً لضرب كُلِّ المَخاوِف التي عادةً ما يخشاها الشعراء. تلكَ المُتعلِّقة بالأوزان وبالقوافي وبالرَّتابة وبالنَّمطيّة. وهكذا مضيْتُ من دون أنْ ألتفِتَ لأحد".

وكذلكَ يُمكِنُ أنْ نقرَأَ هذه الروح التَّخارُجيّة (التَّحقيقيّة _ الاتّهاميّة) التي تستدرجُ الذوات الشعرية الافتراضيّة في حياتِها النَّصِّيّة إلى كراسي الاعتراف، من دون أن تنتزِعَ منها حُقوقَها في بسط أساليب وجودها النِّسْيَاقيّة بحُرِّيّةٍ مُفاجِئةٍ ومُباغِتةٍ وكثيفةِ الدّلالات الشعرية الصّادِمة من جانبٍ أوّل، والزّائِغة من جانبٍ ثانٍ، في هذا الجزء من حوار المُؤلِّف مع الشاعر محمّد الفيتوري:

"س: هل يعتبرُ الفيتوري نفسَهُ مُجدِّداً؟

ج: لا أبداً. لقد أبقيْتُ على نفْسي طائعاً داخِلَ الشعر. وأنا أشعرُ بلذّة في هذا الخُصوص. الحُرِّيّة تتطلَّبُ حركات تمرُّديّة ضخمة. وأنا كسول. وربَّما لأنَّ أحداً لم يُسعِفْني بالتَّخلُّص من تلال التُّراث الشعري والدّيني على حدٍّ سواء.

س: وهل وَجَدَ الفيتوري في الشعر ما يُشبِهُ الفلك بمعناه اللُّغوي؟

ج: وجدْتُ ذلكَ في الأساطير وحدها. أمّا في المَغزى العميق، فالشعر العربي لم يستطِعْ توظيفَ الأسطورة شعرياً، إلّا بشكلٍ سطحيٍّ عابِر.

س: وأنتَ؟

ج: أنا استَجْلَبْتُ السِّياسةَ للشعر، حتّى بلَغْتُ العمى.

س: وهل فعَلْتَ ذلكَ من أجل أنْ تُعبِّئَ جُيوبَكَ بالمال تحتَ غطاءٍ عُروبيٍّ. أليسَ ذلكَ صحيحاً؟

ج: يُمكِنُكَ أنْ تقولَ ذلكَ. وهيَ ليسَتْ تُهمة في كُلِّ الأحوال.

س: كيف؟

ج: كُلُّ ما قبَضْناهُ من مَبالِغَ وامتيازاتٍ على الأرض، كانَ من المَبالِغ التّافِهة لمالِنا الوطنيّ بالأساس. في حين كانَ مِنَ الأحقِّ، أنْ يجلسَ كُلّ مُبدِعٍ على بئرِ نفطٍ، لأنَّهُ الأجدر بذلكَ من بقايا الرُّعاع الذينَ لم يُؤسِّسوا بتلكَ الثروات سوى صناعة الفضائح والحُروب".


حولَ التَّقليب التَّأويليّ لنظَريّات الشِّعر

يُؤدي تأسيس الحركيّة التَّخارُجيّة الجدَليّة في حوارات أسعد الجبوري على التَّزاحُم والصِّراع والتَّفاعُل بين دازِن ذاتِهِ المُنفصِمة، والمُستويات المُتراكِبة والمُتوزِّعة بين الذوات الشاعرة الوقائعيّة والذوات الشعرية الافتراضيّة إلى فَتْحِ نسْيَاقات الحوارات على النَّظَريات الشعرية لهؤلاء الشعراء، أو بمعنىً ثانٍ: على البُعد التَّنظيريّ الذي ينهَضُ عليه فَهمُهُم لنظرية الشعر، ذلكَ أنَّ صِلة البُعدين الوقائعيّ الحياتيّ والافتراضيّ النَّصِّيّ، وارتباطِهِما الحركيّ مع عالم الغيب والمَجهول، لا يقبَلُ فصْلاً حدِّياً بطبيعة الحال عن الرُّؤى والأفكار والخلفيّات المَعرفيّة الخاصّة بنظريات الشعر، والتي تنطوي عليها أساليب وجود أولئكَ الشعراء الراحلين في نسْيَاقات النصوص، حيث تبسطُ هذه الأساليب في مَواضِعَ واسِعة ومُتشابِكة حركيّات الجدَل التَّخارُجيّ المُتعلِّق بهُوِيّات الشعراء النظَريّة، وكيفيّات التَّقليب التَّأويليّ للبِنى المَعرفيّة التي انطوت عليها تجاربهُم، بين دازِن المُؤلِّف المُنفصِم وذوات الشعراء الوقائعية والافتراضيّة في آنٍ معاً، لكنَّ هذا الاستنطاق للأبعاد التنظيريّة الخاصّة بأشعارهم وخلفياتها المُختلِفة، لا يتمُّ في مُعظَم الأحوال بطريقة الكتابة الفكريّة المحضة الشبيهة بتأليف الكتب النقديّة أو الدراسات النظريّة، وإن كانت النِّسْيَاقات لا تخلو من بعض تلكَ الملامح، لكنَّهُ يأتي في الأغلب على حامِلٍ مَجازي فنتازي تكون بُؤرتُهُ الأثيرة مُتوضِّعةً في المُستوى التَّخييلي المُحتفي بالخطأ والشذوذ والتشويه والتزوير الفنِّي الذي يُعيد تشييد تلكَ النظريات الشعرية استناداً على أساليب وجود مُموَّهة ومُلتبِسة وزائِغة أكثر منها أساليب يقينيّة مُنجَزة، وهو الأمر الذي يقودُ المُتلقّي من جديد للالتحاق بحركيّة انصهار الآفاق بين المُحاوِر والمُحاوَرين لتلقُّف المُفارَقات الشعرية مَنزوعة الألفة، والتي وإنْ استفادَتْ من تأويل الاسترداد المُتكِئ على بعض المُسَبَّقات النظرية والتنظيرية الشّائِعة، غيرَ أنَّها توظِّفُهُ نسْيَاقيّاً لصالح تأويل الارتياب المُنفتِح تخارُجيّاً على قصديّات مُتراكِبة ومُشوَّشة لا تُرجِئُ فرصةً سانِحةً لاقتحامِ المسكوت عنه أو غير المُفكَّر فيه. ولنقرأ هُنا هذا الجزء من حوار المُؤلِّف مع الشاعر محمّد الماغوط:

"س: هل كانَ شعره (المقصود هُنا أدونيس) عائقاً يَحولُ دونَ التَّواصُل بينكُما؟

ج: كُنّا على تناقُض دائم، ولو بشكلٍ سِرِّيّ. هوَ يحرثُ بحثاً في العدم اللُّغويّ والجوائز والعلاقات الماورائيّة من دون تعب، وأنا أحرثُ في الطّين مُتسلِّياً، أتسكَّعُ معَ الحشرات والزهور والخراف.

س: هل مَعنى ذلكَ أنَّ عديلَكَ العائليّ أفنديّاً في الشعر، بينما أنتَ من مملكة الصّعاليك؟

ج: قد يكونُ ذلكَ صحيحاً، ولكنَّني أُشعِلُ في النُّصوص ناراً من دون الاستعانة ببنزين، بينما يستعينُ أدونيس بكافّة الموادّ الحارِقة التي تُسَهِّلُ إنارةَ نُصوصِهِ أمامَ القارئ، بدءاً بكريم الفازلين، وانتهاءً بقنابل تصريحاتِهِ الفراغيّة التي يُريدُ منها أنْ تُحدِّدَ موقعَهُ من هذهِ الحادِثة أو من تلكَ الأزمة.

س: ألا تعتقدُ بأنَّكَ كثيراً ما تقومُ بالتَّضخيم لتجعَلَ من قصيدتِكَ غراباً يجتمِعُ في حُنجرَتِهِ كُلُّ نقيق غربان العالم؟

ج: قبلَ قليل.. كنتُ عندَ الشاعر الفرنسيّ جاك بريفير، وتحدَّثنا عن دمِ الشعر، وكيفَ يجري في القُرّاء. قالَ لي بأنَّ الشعر مثل حرباء، تستبدِلُ ثيابَها للسَّيطرة على عين القارئ، فيما أنا، أعتقِدُ غير ذلكَ. أظنُّ بأنَّ القارئَ حرامي يسطو على الأشياء الخفيفة والأقلّ خُطورة على حياتِهِ من الشاعر. ولذلكَ يجب إخافتُهُ بالنَّعيق، باعتبارِهِ قوّة تدميريّة للأعصاب، ويستحقُّها القارئ الحسَّاس بجَدارة".

وهكذا، تتموَّهُ نظريات الشعر في هذه النِّسْيَاقات، أو تلتبِسُ تنظيراتُ شعرائها ما دامَتْ شعريةُ (الحوارات _ السِّيَريّة) تُؤسَّسُ تخارُجيّاً على تقليبٍ تأويليٍّ تفاعُليٍّ يخلقُ مسافات توتُّر مَجازيّ وإيحائيّ بقوّة المُتخيَّل الذي تنطوي عليه أساليب الوجود المُنبسِطة في عوالم هذه الحوارات، حيثُ يُؤدّي تشويشُ الدَّلالات وإرجاءُ المَعاني والتلاعُبُ الحُرّ خارج المنطق الميتافيزيقيّ لثنائيّة (الحقيقة _ اللّاحقيقة)، إلى توليد مُفارَقاتٍ شعرية لا تخلو من عوامل الجِدَّة والإدهاش التي تمنَعُ المُستوى الإيديولوجيّ الذي قد تنطوي عليه نظريّات الشعر أحياناً من افتراس المُستوى اليوتوبيّ المَفتوح على الأبعاد الفنتازية والغرائبية التي تُخلخِلُ وَحدات الذوات النظرية للشعراء عبرَ خلخلة أيقوناتهِم النّمطيّة انطلاقاً بطبيعة الحال من الذوات الشعرية الوقائعية والذوات الشعرية الافتراضية، وهيَ الآليّات التي تبثُّ في النصوص حبكات مشهدية ثرّة، ومَضبوطة في مَواضِعَ كثيرة على إيقاع فنّ الحذف. فها هو ذا جانبٌ من حوار المُؤلِّف مع الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي:

"س: هل القصيدة بنظر ماياكوفسكي آلة على سبيل المثال؟

ج: وأكثر من ذلكَ بالطَّبع. فهيَ بنظري ونظريتي الحتميّة، ليسَتْ إلّا مُجنزَرة شبيهة بالدّبّابات تخوضُ معارِكَها على تُراب اللُّغة. أنا أفهَمُ الشعر كحركة لا كرسيّاً لجلوس الكلمات.

س: أنتَ تأخذُ الشعرَ إلى التَّعبير الأقسى. تأخذُهُ إلى الصِّدام بنفسِهِ، فيما لو لم يجِدْ أحداً يتعارَكُ معَهُ، ألا تعتقدُ بأنَّ في ذلكَ عسكرة للقصيدة؟

ج: وما العيبُ في ذلكَ، إذا كانتِ الوردةُ التي يُقدِّمُها العاشِقونَ لحبيباتِهِم بلون الدَّم!!".

تبدو آليّة تحرير النِّسْيَاقات التَّخارُجيّة من سُلطة الإيديولوجيّات النظريّة المُسَبَّقة عبر فتحِ نظريّات الشعر على الأبعاد اليوتوبيّة لا تعني تجاهُل المَفاهيم المُتنوِّعة والخاصّة بعَوامِلِ خَلْقِ الشعر المُحيطة بكُلّ شاعر في عصره، كمَفاهيم الحداثة مثلاً أو غيرها، إنَّما تعني توظيف تلكَ الخلفيّات النظريّة المَعرفيّة للانتقال بالحوارات من خطر السُّقوط في فخّ أنْ تكون وثائقَ نظريّة بحتة، أو وثائقَ تاريخيّة ساكِنة، إلى أنْ تكون وثائقَ فنِّيّة جَماليّة تُعيدُ إنتاج الدَّلالات بفَتحِها على آفاق رحبة وبهيّة وغير قابِلة للحَصْر أو التَّعيين النِّهائيّ، وهُنا يكمنُ أسُّ الانزياح الذي تبسطُ أساليبُ وجودِهِ في النصوص أسئلةً تحتفي بتوسيع مَسافات توتُّر الفَجوات أكثر ممّا تسعى إلى سدِّ تلكَ الفَجوات، ولا سيما في ضوء التَّراكُب المَجازيّ الإيحائيّ لجدَليّات التَّخارُج المُحتفِية بعوالم عابِرة للأزمنة، ومُلتحِقة بزيَغان الحُضور المُسَبَّق للشعراء ونظريّاتهِم بوصفِهِ في الوقت نفسِهِ إحضاراً للغائِب والمَجهول والقلِق بما هوَ خلخلة للصُّوَر الأيقونيّة السائدة من قبل. ولنلاحِظ المثال الآتي المأخوذ من حوار المُؤلِّف مع الشاعر آرثر رامبو:

"س: هل كنتَ شابّاً رائياً يقودُ كتيبةَ جُند الحداثة على سبيل المثال؟

ج: في ذلكَ الوقت لم أشغَلْ نفسي بالنظريّات. كنتُ كنزاً وانكسرَتْ أقفالُهُ على حين غرّة. وما تقولُهُ أنتَ عَنِ الحداثة وكتيبة المُحدثين، هوَ شيء كانَ غائباً عنِّي تماماً. فأنا كرَّسْتُ الشعرَ في نفسي نجمةً ثمِلة بخَمْرٍ أحمَر، ولم أظنّ يوماً بأنَّ الشعرَ عندي بمثابة فانوس، يُمكِنُ أنْ يتعرَّضَ لأي حركة من حركات هُبوب الرّيح، فيموتُ ضوءاً ومعنىً.

س: هل كانَ رامبو خدعةً شعرية على سبيل المثال؟

ج: يُمكِنُكَ قول هذا. لأنَّ الشعراء الضِّعاف المُستَهْلَكينَ الذينَ ليسَ لديهِم أسلاكاً كهربائيّةً، تربطُهُم بعَوالِم الثُّقوبِ السَّوداءِ للشِّعريّات الفوّارة، هُم بلا مَعنى بلا مَبنى، ما دامَ الرُّهابُ يُصيبُهُم منِّي".

وفي هذا المَنحى، يحرصُ دازِنُ المُؤلِّفِ المُنفصِم على ضبْطِ إيقاع انزياحاتِهِ الخاصّة بنظرية الشعر انطلاقاً من الأسُس المرجعيّة المُسَبَّقة كما ذكرْتُ من قبل، لكن بعدَ انْ يكبَحَ في آليّات فعل التَّخارُج شهوةَ سطوة ذاتِهِ السُّلطويّة التَّملُّكيّة من ناحية أُولى، وبعدَ أنْ يطمئنَّ إلى أنَّ الجدَل التَّفاعُليَّ مع الذوات الشاعرة الوقائعيّة للشعراء، ومع الذوات الشعرية الافتراضية لهُم، قد أفضى إلى نمَطٍ مُقنِعٍ من الانزياح القائم على نزع الألفة، وذلكَ عبرَ عمليّة تنقيح وتدقيق وإعادة قراءة وتشييد نظريّات شعر تلكَ الذوات، حيثُ تضخُّ أساليبُ الوجود النِّسْيَاقيّة المُنفتِحة في الحوارات مزيداً من طاقة التَّخييل المُتجدِّدة باستمرار، مُتراقِصةً بين انطواء السَّطح البصَريّ الخارجيّ على تقليبٍ تأويليّ استرداديّ، وانطواء السَّطح البصَريّ العميق على تقليبٍ تأويليّ ارتيابيّ، يتركُ للقارئ فضاءً شاسِعاً من اللعب الحُرّ للعلامات كي يُلامِسَ المسكوت عنه أو غير المُفكَّر به، وكي يستمرَّ في اللُّهاث التَّأويليّ خلفَ مَجازات وإيحاءات تنهَضُ على شعريّة التَّمويه والالتباس، مهما بدَتْ استعادة الصُّورة النَّمطيّة السّائدة مُستقرّة وساكِنة، إذ _قد_ يكفي أحياناً لخلخلتِها بسْطُ الأسئلة التي تفتَحُ الحوارات على حتميّة المُراجَعات، ولا سيما بما يخصُّ نظرية الشعر في هذا المحور الذي نحنُ بصدَدِهِ هُنا. ولنلاحِظ كيفَ تنبسِطُ أساليب الوجود الخاصّة بمَفهوم الشعر في الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر محمّد مهدي الجواهري:

"س: كما يبدو فإنَّ إيمانَكَ بقصيدة النثر ما زالَ غائماً أو مَعدوماً بشكلٍ نهائيٍّ. كيفَ ينظرُ الجواهري إلى حركة هذا الشكل الشعري وصعودِهِ الشَّرِس في العالم العربي؟

ج: لا أريدُ أنْ أطيلَ في البَحث والتَّأمُّل عن قصيدة النثر في الوطن العربي، غيرَ أنَّها بجُملةٍ قاطِعة: جزء من مؤامَرة الغرب في الشرق. لذلكَ فهيَ في فيضانٍ زائدٍ لتخريب ذائقة العرب.

س: ألا تُريدُ أنْ تُغيِّرَ رأيَكَ القديم، وخاصّةً بعدَ وصولِكَ إلى العالم الجديد الآخَر؟

ج: لم يتضِحْ لي بعد، بأنَّ قصيدة النثر شأنٌ فروسيّ. بل هيَ من ألاعيب بودلير ولعنات الغرب الذي يُحاوِلُ دسَّ السُّمّ في عسَل ما يُسمَّى الحداثة.

س: ولكنَّ الحداثة التي تُحاوِلُ إلغاءَ دورِها في حركة الشعر العربي، ربَّما تنالُ من الجواهري أيضاً. ألَمْ تعمَل أنتَ على الخُروج من قفص الكلاسيكيّة القديمة، فجدَّدْتَ الشعر بكلاسيكيّة غير نمَطيّة، تحملُ رؤىً وعلاقاتٍ ووشائجَ لُغويّة لم تكُن في حُسبان الشعر القديم من التُّراث العربي؟

ج: أنا عملْتُ على تحسين شروط البلاغة في القصيدة وتنزيل المَعاني بالزخارِف الثقيلة. حدَثَ ذلكَ، عندما قمْتُ بتعضيد أعمِدة الشعر الأصليّة في قصيدي، بأعمِدة الظِّلّ من أجل أنْ لا ينكسِرَ البيت، أو يسقطَ المَعنى في الغوغائيّات".

إنَّ براعة أسعد الجبوري في بسط نظريّات الشعر في نسْيَاقاتِهِ الحواريّة، لا تتعلَّق فقط بالتّوازن الفنِّيّ الدَّلاليّ بين ما يُمكِنُ إرجاعُهُ إلى دازِنِه التَّخارُجيّ، وما يُمكِنُ إرجاعُهُ إلى ذوات الشعراء المُتوزِّعة بين المُستوى الوقائعيّ المَعيش، والمُستوى الافتراضيّ النَّصِّيّ، إنَّما بقدرتِهِ على المُوازَنة بين أسئلتِهِ المُحكَمة والمُتواجِهة بصلابة وعُنف أحياناً مع أولئكَ الشعراء، والتي تستندُ في أحيانٍ كثيرة على كليشيهات قديمة وقَبْليّة، وقُدرة هؤلاء الشعراء في أجوبتِهِم على الحركيّة الحُرّة والرَّحبة والمُوارِبة، وهيَ الأمور التي تُعزِّزُ صدمةَ الاعترافات، لا بوصفِها إذعاناً أو سُقوطاً في فخّ نصبَهُ المُؤلِّف للشعراء الموتى، لكن بوصفِها جزءاً حيويّاً من حركيّة الذوات الوقائعيّة والافتراضيّة المُنطلِقة خارجَ أيّة قيود مُسَبَّقة كي تُعبِّرَ عمّا يجول في خواطِرِها، وكي تبسطَ في تفاعُلِها الجدَليّ مع دازِن المُؤلِّف المُنفصِم أساليبَ وجودٍ تنطوي على جَماليّات مُتجدِّدة وقادِرة على انتزاع الدَّهشة عبرَ ألاعيب المُفارَقات ونزع الألفة وتخليق الصَّدمات لمُتلقٍّ يجِدُ نفسَهُ في خضَمِّ صراعٍ مُتراكبٍ نسْيَاقيّاً، ويضجُّ بالحيوية والتَّحوُّل والتَّغيُّر والاختلاف بينَ ما هوَ مُتحجِّبٌ وما هوَ غير مُتحجِّب (أي مُنكشِف). فها هو ذا جزء من حوار المُؤلِّف مع الشاعر شارل بودلير، والذي يُضِيءُ إلى حدٍّ ما مُستويات هذا التَّقليب التَّأويليّ المَذكور هُنا:

"س: هل تعتبِرُ نفسكَ ناظِراً أم رائياً؟

ج: لا أهمِّيّةَ عندي لذلكَ. ربّما لأنَّ كُلَّ نوعٍ من الخمر، يخلقُ لكَ طاقةً لاختراع الشعر. ولكنَّ تعاطِيَ المُسكِرات بشكلٍ عُموميٍّ، يقومُ بإرسال البرقيّات من النفس إلى الرأس. وكذلكَ فهوَ من يقومُ بالتقاط الشيفرات من الفضاء، وتخزينِها تحتَ القحف، باعتبارِهِ الملجأ الخاصّ لتكوين جميع مُوبقات القصيدة.

س: لماذا صنَعْتَ من الشعر مجموعة ألغام بحشوات مِنَ اللُّغة الفاسِدة المُوغِلة بالبذاءة؟

ج: لم أرَ مانِعاً يَحولُ دونَ ذلكَ. كتبْتُ كُلَّ ذلكَ من أجلِ أنْ تتمتَّعَ القصيدةُ بالطّاقة على البقاء خارِجَ المدجنة الفرنسيّة. ذلكَ أنَّ (فرنسا تمرُّ بمرحلةٍ من السُّوقيّة. فباريس، مركزُ وإشعاعُ الحَماقة الكونيّة)، وإنَّ (الفرنسيّ حيوان قنّ، مُدَجَّنٌ إلى حدِّ أنَّهُ لا يجرؤ على عُبورِ أيِّ حاجزٍ. انظروا إلى ذوقِهِ في الأدَب والفنّ. إنَّهُ حيوان مِنَ السُّلالة اللّاتينيّة. لا تُزعجُهُ القذارة في بيتِهِ، وفي الأدَب هوَ آكِلُ براز. إنَّهُ مُولَعٌ بالغائط).

س: تقصدُ أنَّ اللُّغةَ الفاحِشة، تُموِّلُ القصيدة بتأثيرات أوسَع لدى القُرّاء؟

ج: لا. لم يكُنْ هذا القصد بالضَّبط. إنَّما رأيْتُ أنَّ القصيدة المُثقَلة بالأخلاقيّات، لا تُوفِّرُ لنفسِها الحِمايةَ من الوحوش، عندما تجري بينَهُم أو تُقيمُ".


بخُصوص جَماليّات النَّقص والنَّصّ المفتوح(بمَنزِلة خاتِمة)

لعلَّ العامِلَ الحاسِمَ الذي يُعمِّقُ كون حوارات "بريد السَّماء الافتراضيّ" وثائقَ فنِّيّة جَماليّة يرتبطُ حسبَ زعمي بما قُمْتُ بسَبْرِهِ وتفكيكِهِ في هذه القراءة عبر منهجي النَّقديّ المَدعو: "التَّخارُجيّة النِّسْيَاقيّة"، والذي أظهَرَتْ آليّاتُهُ التَّطبيقيّة كيفيّات بسط أساليب الوجود النِّسْيَاقيّة في هذه الحوارات انطلاقاً من تراكُبيّة العلاقة الجدَليّة التَّفاعُليّة المُحايِثة داخلَ دازِن (أسعد الجبوري) المُنفصِم بينَ مُسَبَّقات ذاتِهِ الوقائعيّة (الثقافيّة والمَعرفيّة)، وشَهوة تحرير النُّصوص من سُلطة هذه الذات القَبْليّة عبر تحرير الدَّوال من قبضة المَدلولات المُغلَقة استناداً على أفعال تخليق شعريّة تمويهيّة والتباسيّة زائِغة، تتعمَّقُ مُحايَثتُها التَّخارُجيّة بأصالةٍ بفعلِ الرّقصات الجدَليّة القائِمة بدورِها بينَ هذا الدّازِن المُنفصِم وذوات الشعراء الوقائعية والنَّصِّيّة، وهوَ الأمرُ الذي لا يكفُّ عن توليد مَسافات التوتُّر التي تُشوِّشُ الدّلالات، وتُعلِّقُ المَعاني، وتفتَحُ فضاءات انصهار الآفاق النِّسْيَاقيّة على نظريّات الشعر المُنطوية في أساليبِ وجودٍقائِمةٍ على قصديّات مُتراكِبة وناجِية إلى حدٍّ كبير من قبضة الاستحواذ التَّملُّكي للمُؤلِّف، والذي ينحازُ لصالح خلخلة أيقونات الشعراء السّائدة نُهوضاً على الحُرِّيّة المَمنوحة لها في الحوارات كي تتلاعَب بالعلامات وتُواكِبَ جَماليات التّشويش والتَّشويه والتَّزوير بينَ حركيَّتي التَّقليب التَّأويليّ الاسترداديّ والتَّأويل التَّقليبيّ الارتيابيّ.

إنَّ جَماليّات الخطأ والشذوذ التَّمويهيّة المُلتبِسة في نسْيَاقات النُّصوص تمتَحُ من فيضٍ فنتازيّ غرائبيّ يُديرُ ظَهرَهُ للزمن الخطِّيّ الحقيقيّ، فتأتي الحوارات عابِرةً للأزمان، ومُتحرِّكةً ذهاباً وإيّاباً بلا هوادة بينَ العالم الأرضي الماضي للشعراء، والعالم الأُخرويّ الغائِب والمَجهول الذي باتوا ينتمونَ إليه، وبهذا المَعنى تتداخَلُ الأبعاد الزَّمكانيّة تخارُجيّاً لا كي تسدَّ الفَجوات التَّأويليّة بشكلٍ مَحدود، بل بالأحرى لتفتَحَ تلكَ الفَجوات على أسئلةٍ جديدة تغرفُ من أساليب وجود الصِّراع المُتراكِب بين عوالم مُختلفة لذوات مُختلفة، وهوَ الأمر الذي يُرَسِّخُه فنُّ الحذف الذي يُبقي اللوغوس البصَري بوصفِهِ مُحصِّلة التَّخارُج في النُّصوص مُحتفياً بالنَّقص والشكّ وعدم الاكتمال أو الانغلاق، حيثُ لا يُؤدّي استنطاقُ الأيقونات الشعرية إلى حبسِها في سجن ثنائيّة (الأسئلة/المُحاوِر _ الأجوبة/المُحاوَر)، إنّما تجيءُ تسلسليّة أساليب الوجود مُتجاوِزةً لمبدأ العلّة السَّببيّة، ومُؤسَّسةً على تحالُفٍ ضمنيّ يقومُ على الائتلاف والاختلاف من ناحية أُولى، وعلى تبادُل المَواقِع والتَّفاوُض من ناحية ثانية، بينَ المُحاوِر والمُحاوَرين.

وعلى هذا النَّحو، تبسطُ قوّةُ المُتخيَّل نسْيَاقاتِها التَّخارُجيّة مُشبَعةً بالمَجاز والإيحاء والتَّرميز، ليجِدَ المُتلقّي نفسَهُ مُنتمِياً من دونِ وعيٍ إلى أساليب وجود تتحرَّكُ خارِج التَّقابُليّة الثُّنائيّة الميتافيزيقيّة لـِ (الحقيقيّ _ غير الحقيقيّ)؛ أي بما هوَ ليسَ انتماءً إلى المَعرفة اليقينيّة المُستقرّة، لكنْ بما هو انتماءٌ إلى البَحث والتَّساؤل والشُّكوك التي تُحبِطُ أطماعَ أيّة مُطابَقة نهائيّة، وتُعلِي من شأن حركيّات التَّشتُّت الدَّلاليّ والتَّبعثُر المَعرفيّ والتَّباعُد نحوَ المُختلِف المُشبَع بجَماليّات النقص، والهائِم على وجهِهِ في انفتاحِ قصديّات التَّخارُج المُحايِثة على المُمكِن والمُستحيل من ناحية أُولى، وعلى الحُضور والغِياب من ناحية ثانية.

وهكذا، تستمرُّ الحركيّة الدَّوريّة للفَهم في تبادُل الأدوار مع اللَّعب الحُرّ للعلامات من دون الرُّكون إلى مَسْكَنٍ دلاليٍّ حاسِم _إلّا فيما ندَر_، وهوَ الأمر الذي يتعزَّزُبتوظيفٍ لافتٍ للاشتغال البراغماتيّ المُوارِب على محوري التَّركيب والاستبدال، وبتوليدٍ ثريّ للمُفارَقات المُدهِشة التي تسيرُ باتّجاهيْن مُتلازميْن بينَ السَّطح البصَريّ الظّاهريّ والسَّطح البصَريّ العميق، فيما يبدو مُراجَعةً تنقيحيّةً تأويليّةً لتاريخ الشِّعريّة ليسَ بلُغة المَنطق العقلانيّ للمَعرفة، إنّما بلُغة المَجاز والحَدْس والنَّقص الخالِد والمَهيب، وقد فاضَ بشِعرية التَّمويه والالتباس التي تضخُّ في النِّسْيَاقات التَّخارُجيّة للحوارات لُقاحَ الانفتاح الدّائم على آفاق القراءة والتَّأويل والزّيَغان بينَ المُتحجِّب والمُنكشِف، وبما هوَ انفتاح يُجذِّرُ قُدرةَ أولئكَ الشُّعراء على إقلاقِ راحة العالم من جديد، وباستمرار.

دمشق في آب 2016.
























































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

قنّاص ورصاصة ووردة

05-آب-2017

وثائقيات

21-تموز-2017

أنا أو الشُّهرة

24-حزيران-2017

خَوارزميَّات

03-حزيران-2017

الكينونة عند مارتن هيدغر بينَ الحُضور والغِياب

20-أيار-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow