Alef Logo
الآن هنا
              

الأشياء تتداعى والعالم أيضاً...

وائل السواح

2016-11-30

في 1958، كتب الكاتب النيــجيــري تــشيـــنوا أتشيبي رواية بعنوان «الأشياء تتداعى»، صوّر فيها انهيار قيم القبيلة في وجه الحضارة القادمة من الغرب وانهيار أوكونوكو، زعيم القبيلة وبطلها أمام الحضارة الجديدة. اليوم يبدو أن هذه الحضارة الجديدة نفسها قد بدأت تتداعى. وصول ترامب إلى رئاسة أقوى بلد في العالم وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومعالم وصول اليمين المتطرف في غير بلد أوروبي وحدوث أكبر دمار بشري منذ الحرب العالمية الثانية في بلد صغير هو سورية: كل ذلك يدل على أن العالم بدأ يتهاوى بالفعل وربما كان صعباً جداً وقف هذا الانهيار.
قبل أيام توّج معجم أكسفورد البريطاني كلمة جديدة بلقب كلمة العام 2016. الكلمة هي ما بعد الحقيقة (post-truth)، وهو عرفها بأنها «الحالة التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من استثارة العواطف والمعتقدات الشخصية». وقد برر محررو المعجم هذا التتويج بأن استخدام هذه الكلمة زاد بنسبة 2000 في المئة. وهم عزوا ذلك إلى ظاهرتي بريكزيت وترامب.
والحال أن فوز ترامب بالانتخابات الأميركية الذي هزّ العالم مرشح لمزيد من التفاقم. ولا يبدو أن الترمبية في طريقها إلى التلطف بل إلى مزيد من الجلافة. واليوم، بدأت ظواهر أميركية قديمة كانت مستترة بالإعلان عن نفسها بقوة بإلهام من فوز ترامب. فقبل أيام رفعت على الجدران في بروكلين بنيويورك شعارات الصليب المعقوف، الشعار النازي الأشهر، قبل أن يقام على مرمى حجر من البيت الأبيض اجتماع ضمّ مئات من أنصار حركة «اليمين البديل» (Alt-right) ليستمعوا إلى زعيمهم ريتشارد سبينسر الذي حيا ترامب بالعبارة النازية المعروفة «هايل ترامب. عاش النصر. عاش الشعب». وارتفعت عشرات الأذرع ممدودة إلى الأمام بحركة التحية النازية المعروفة.
وللأمانة، اضطر ترامب إلى التنكر لهذه الجماعة التي نصبته فوهرراً عليها، ولكنه تنصلٌ لم يدعمه أي من إجراءاته الأخرى. بل على العكس، فبينما دان تصريحات جماعة «بديل اليمين» قام بتعيين أحد رموزها كبيراً لموظفي البيت الأبيض وهو ستيفان بانون، الذي وصفه بيرني ساندرز بالعنصرية والكراهية.
ولم يكتف الرجل بذلك، بل زاد عليه تعيين متطرفين يمينيين آخرين في منصبين رفيعين آخرين، فعن الجنرال مايكل فلين مستشاره للأمن القومي، وفلين عنصري وكاره للأقليات عموماً والإسلام والمسلمين خصوصاً، وهو كان قد صرح مراراً بأن «الخوف من المسلمين منطقي». أما مرشحه لمنصب النائب العام للولايات المتحدة فهو السناتور جيف سيشن، الذي كانت اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ قد رفضت ترشيحه عام 1986 بسبب «سلوكه وتصريحاته العنصرية». ثم أتبع ذلك بتعيين داعية كبيرة للتعليم الخاص هي البليونيرة بيتسي دوفوس وزيرة للتعليم.
هذه التعيينات جعلت كاتباً معروفاً في «نيويورك تايمز» هو تشارلز بلو يكتب عموداً بعنوان: «ترامب يجعل أميركا بيضاء من جديد»، في لعب على شعار ترامب: «لنجعل أميركا عظيمة من جديد». لكنه بالمقابل أثار حماسة متطرفين أميركيين كثر من مثل المؤمنين بتفوق العرق الأبيض ومن بينهم منظمة «الفيديرالية من أجل إصلاح الهجرة الأميركية» التي أيدت تعيينات ترامب العنصرية.
وبينما تغرق أميركا في انقسام شعبي حاد، نجد أن العالم لم يفق بعد من حالة الذهول. ويسأل كثير من المتابعين: «كيف وصلت الإنسانية إلى هذا الدرك؟ وما الخطأ الذي ارتكبناه؟» كيف يمكن لنظام ديموقراطي ن ينتخب رجلاً عنصرياً كارهاً للثقافات والقوميات الأخرى ومحتقراً للمرأة والمعاقين ومحتالاً يغش موظفيه والطلاب الذين يدرسون في جامعته رئيساً لأكبر ديموقراطية في العالم؟
في المقلب الآخر سياسيون هنا وهناك يحاولون تجاهل هذا المنحدر الذي وصلنا إليه مختارين الحل الفاوستي ببيع أنفسهم للشيطان. هؤلاء، وبينهم سياسيون سوريون معارضون، يرون مثلاً (كما رأى قيادي في الائتلاف السوري) أن ترامب يعبر عن «ميول الأكثرية الأميركية بأخذه أكثرية أصوات الناخبين، ومنهم أكثرية أصوات الأميركيات (53 في المئة)». طبعاً هذا الكلام غير دقيق: فترامب لم يفز بغالبية الأصوات كما بات معروفاً، بل إن كلينتون تفوقت عليه بمليوني صوت. ولم يفز ترامب بـ 53 في المئة من النساء، بل بنسبة 53 من النساء البيض، وفي هذا فرق كبير.
ثم يتابع السياسي المعارض أن تصريحات ترامب جاءت في إطار معركة انتخابية، «يقال في كثير من محطاتها ما لا يقال في مواقع وأماكن وأزمان أخرى خارج المعركة». واستشهد الكاتب بخطاب النصر للرئيس المنتخب الذي أبدى فيه «روحاً عالية من المسؤولية، بخلاف كل محتويات مناظراته وخطاباته في المعركة الانتخابية».
ورأى الكاتب أخيراً أن «سياسة ترامب في القضية السورية ستكون أفضل من سياسة سابقه أوباما، التي قامت على التخلي عن دورهم، بل تسليم الملف إلى روسيا على رغم أنها طرف في القضية السورية».
مثل هذه المواقف فيها خطأ وخطيئة. فأما الخطأ فهو أن سلوك ترامب برمته بعد الانتخابات لا ينم عن أنه سيتراجع عن وعوده الانتخابية في سياساته الداخلية والخارجية. فداخلياً هو ماض في مشروعه للتضييق على المهاجرين والمكسيكيين والمسلمين، وخارجياً هو ماض في تقليصه للوجود الأميركي في الناتو والتخلي عن أصدقاء الولايات المتحدة التاريخيين مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والخليج العربي وتعزيز علاقته بدلاً من ذلك ببلطجي الكرملين.
وأما الخطيئة فأن الأمور لا يمكن حسابها فقط من منطق الربح والخسارة المباشرين في ما يتعلق بأي ملف من الملفات. نحن أمام عالم يتداعى وقيم تنهار ومبادئ تتهاوى، وسيكون من الخطأ الأخلاقي التلاعب براغماتياً مع هذا الواقع لتحقيق مكسب هنا أو هناك. والحق أن حتى الفاوستية ينبغي أن تكون مجزية: فأن تبيع روحك للشيـــطان لقاء 24 سنة من المعرفة والقوة والمتعة الحسية (كما فعل فاوست الأصلي) شيء أما أن نبيعها لقاء مكتسبات ضئيلة وتافهة، فهي فاوستية تهريجية قميئة في أحسن أحوالها.
عن الحياة اللندنية

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

تعويذة عشق

18-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

قالت: " أستحلفُكُنَّ، يا بناتِ أورشليمَ، أنْ تُخْبِرْنَ حبيبيَ حينَ تَجِدْنَهُ إنِّي مريضةٌ منَ الحُبِّ." "قالَتْ: قبِّلْني بقبلاتِ فمِكَ."، وترجَّتْ أيضاً: لامِسْنِي هُنا .. وهُنا.. هُناكَ، وهُنالكَ أيضاً. فمُكَ، شفتاكَ غايتي، ولسانُكَ...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow