Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

العطلة الشتوية /هيلاري مانتيل / ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2016-11-30

حين وصلا إلى المحطة الأخيرة، كانا بحالة صعبة ولم يتعرفا حتى على اسميهما. لوح سائق السيارة في الهواء بعصاه بينما هما عند الخط الأحمر يذرعانه بخطواتهما.إلى أن أشار فيل قائلا: نحن هنا.

كان حرف (ت) مدورا قليلا في اسم الكنية المسجل على اللوحة، والهمزة فوق الألف انحرفت قليلا كأنها جزيرة. حكت خدها، كان مخدرا بسبب لفحة الهواء من جهاز التهوية الموجود فوق المقعد. وشعرت ببقية جسمها مجعدا ولزجا، إلى أن اندفع فيل نحو الرجل، ولوح بيده، حملت قميصها الخفيف المرمي وراءها، وترنحت وراءه. نحن نرتدي ثياب الفصل الذي نرغب به، وكأننا نلهو، مع أننا سمعنا نشرة الأحوال الجوية.

وضع السائق يدا متمرنة يغطيها الشعر على عربة الأمتعة. كان رجلا مدمجا بشنب نمطي، ويرتدي سترة ذات سحاب مع بطانة مزركشة تظهر من الأطراف، كأنه يقول: انسوا أوهام السماء المشرقة بالشمس. تأخر القادمون وكان الليل قد خيم. فتح بابا خلفيا من أجلها وقذف الأمتعة في المقعد الخلفي من سيارته المغلقة. وكل ما قاله:" الطريق طويل".

قال فيل:" نعم لكننا دفعنا مسبقا".

تكوم السائق في مقعده وسمعا صوت الجلد، وحينما أطبق بابه اهتزت كل العربة. وارتعشت وسائد الرأس الأمامية، وحينما حرك جسمه ليعود إلى الخلف ألقى ساعده على المقعدين الخلفيين ونظر لما وراءها دون أن يطرف بعينيه، كان يبعد مقدار بوصة عن وجهها، ولكنها رأت شعيرات أنفه على ضوء السيارة ، قال لها فيل:" اجلسي في مكانك يا عزيزتي، وثبتي الحزام، سننطلق حالا".

كيف أقلم نفسه مع ظروف الأبوة. يا لها من حالة، انتبه، افتح عينيك، لم يحصل ضرر بعد.

و لكن أفكار فيل ليست كذلك. هو مختلف دائما. إنه يفضل عطلة الشتاء خلال الفصل الدراسي. حينما تنخفض تكاليف الفنادق. من سنوات كان يمرر لها الصحف، يطويها على صفحة "تقارير وأخبار" وفيها يمكن الاطلاع على نفقات الصغار ، تبلغ ملايين الجنيهات حتى قبل الوصول لعمر ثماني عشرة عاما، كان يقول:" حينما تتضح لك الصورة ينتاب الإنسان الرعب، يعتقد الناس أنهم سيتدبرون معاشهم بنصف النفقات، ولكن الواقع ليس كذلك".

وكانت تقول:" لكن يجب أن لا يكون ابننا مدمنا. ليس على هذا النحو، هذا لن يفيد إيتون، يمكن أن يقود ذلك إلى شارع هيل سايد كومب، سمعت أنهم يعانون هناك من القمل".

قال لها:" طبعا لن يسعدك ذلك" ، كان الرجل يكشف ورقته الرابحة.

عندما تقدموا في البلدة، كانت الأرصفة مبتهجة، والبارات الرخيصة تلمع بيافطاتها البراقة، وقال فيل، كما توقعت: "أعتقد أننا اتخذنا القرار الصحيح". كان أمامهما رحلة تستغرق ساعة، شقا خلالها دروب الضواحي الممتدة، ثم شرع الطريق ينحني إلى الأعلى وأصبح صاعدا. وحينما تأكدت أن السائق لا يبحث عن مؤانسة ألقت رأسها على مقعدها نحو الخلف.

يوجد نوعان من رجال السيارات العامة: الشباب الذين لديهم أقارب في داغينهام، ويتكلمون طوال الطريق حتى الوصول الى الشاطئ البعيد والحديقة الوطنية؛ وأولئك الذين يتكتمون جدا، الذين لا يخبرونك أين تجد أقاربهم حتى لو أنهم تحت العذاب.

صدر عنها إشارة أو إشارتين لهما علاقة بالسياحة:

كيف هو الطقس؟.

قال الرجل: "ماطر، والآن أنا أدخن".

ألقى سيجارة من العلبة في فمه، ولعب بولاعة وفي لحظة من اللحظات رفع يديه عن المقود. كان يقود بتهور، وتعامل مع كل منعطف في الطريق كأنه إهانة لحقت به شخصيا، وكان يلتهب بالدخان حينما ينهب الطريق. كانت تشعر بكلام فيل وهو يتأهب وراء أسنانه المضمومة: هذا لن يفيد علبة السرعة، ألست معي؟. في البداية ترنحت من جانبهم عدة سيارات، وزحفت نحو أضواء المدينة. ثم قل عدد السيارات واختفت. وكلما ضاق الطريق، كانت التلال السود والصامتة تسقط وراءهم. وبدأ فيل يشرح لها عن الغطاء النباتي والحيواني لهذه المرتفعات.

كان عليها أن تتخيل رائحة الأعشاب التي تتهشم تحت الأقدام. كانت نافذة السيارة محكمة الإغلاق بوجه الليل الخامد والبارد، التفتت عمدا برأسها بعيدا عن الزوج وغطت الزجاج ببخار أنفاسها. الحيوانات من حولها غالبا من الماعز. كانت تتدحرج على السفح للأسفل، والحجارة خلفها، وكانت تفر من أمام طريق السيارة، والأولاد يجرون وراءهم. كان القطيع مخططا، وبشكل جماعة من زعيم. أحيانا كانت عين تلمع في ضوء السيارة. ثم جرت حزام الأمان، فقد كان يضغط على بلعومها، وأطبقت عينيها.

كان فيل في هيثرو مصدرا للألم، وهو يقف في صف التفتيش. وحبنما انحنى الشاب الواقف أمامهما ليربط حذاء التسلق بصعوبة، قال فيل بصوت مرتفع:" عليه أن يتخلص من حذائه، ولكن لا يمكنه أن يتحرك خطوة، مثلنا جميعا".

همست تقول:"فيل، هذا لأنها أحذية ثقيلة، البوط مثل الحقائب".

"هذه أنانية، ها هو الصف يستطيل. وهو يعلم ما سيحصل".

نظر المتسلق من طرف عينه وقال:" أسف يا أصدقاء".

قالت له:" ذات يوم ستحصد ثقبا في رأسك".

قال فيل:" هذا ما سيحصل أليس كذلك". ترنم بصوته، مثل طفل في ساحة اللهو واألعاب.

وجود الأولاد الصغار يثير الأعصاب بدرجة لا تحتمل: الصخب غير المنضبط، ودمى البلاستيك المحطمة، والطلبات الصامتة لتقديم شيء ما، كل ذلك يمهد لشيء ولكن لا تعرف ما هو.

تقول:" على العكس، إنهم يطلبون العصير بإلحاح".

وافق بيأس وقال:" هذا هو العمر، هكذا هي كل الحياة".

على أية حال، هذه مشكلة أكاديمية. لقد وصلت إلى تلك المرحلة من حياتها الخصبة، وتشابكت الخيوط الوراثية، وأفلتت الكروموزومات ثم انتظمت مجددا. قال:" ثلاثيات، تناذر، نقص غذائي، لن أختبرك بهذه الطريقة". والتقطت أنفاسها، وتحسست ذراعها العارية، مال فيل نحو الأمام. نظف حنجرته، وقال للسائق:" زوجتي تشعر بالبرد".

قال السائق:" لتلبس المعطف". وألقى سيجارة أخرى في فمه. كان الطريق الآن صاعدا ويمر بمنعطفات خطيرة، وفي كل منعطف كان يعصر الدواليب، وينحرف بمؤخرة السيارة نحو الهاوية.

سألته:" كم طول المسافة؟ تقريبا؟".

"نصف ساعة".

وانتابها الشعور أنه سيختم كلامه بالبصاق لو بمقدوره أن يفعل ذلك.

قال فيل مشجعا:" لا يزال الوقت مناسبا للغداء". ودلك لها ذراعها، كأنه يشجعها. وضحكت بقهقهة، وقالت:" انظر كيف يهتز ذراعي".

"هراء. ليس لديك دهون تهتز".

كان القمر غائبا تحت الغيوم، ومشهد طويل من الأراضي المنخفضة على يمينهم، وفوقهم صف من الأشجار المتراصفة، وحالما احتضن كوعها، ، انتبه لانزلاقات ، ولمطر من الصخور التي تطن بلا ترتيب وتتدحرج على الطريق. قال فيل:"أحتاج لدقيقتين لفتح علبة الطعام". وبدأ يشرح لها نظامه الخفيف في السفر. ولكن صرف السائق بأسنانه، وضغط على المقود، وضرب المكابح وجمد بالسيارة في مكانه. ارتمت نحو الأمام ، واستندت بمعصمها على المقعد الأمامي. ولكن حزام الأمان جرها إلى الخلف، لقد امتصا الصدمة ولكن لم يشاهدا شيئا. فتح السائق الباب ورمى نفسه في بحر العتمة، وهمس فيل يقول:" هذا مجرد ولد".

ربما انبطح السائق تحت السيارة؟. وبدأ يسحب شيئا من بين الدولابين الأماميين.

انطوى على نفسه، وأصبح بقدورهما رؤية ارتفاع مؤخرته، وخيوط التطريز عند خصره، وجلسا داخل هيكل السيارة صامدين كي لا يلفتا انتباه أحد لما يجري. ولم يتبادلا النظر، ولكنهما راقبا السائق وهو ينتصب بقامته، ويحك ظهره، ثم يدور حول السيارة ويرفع شيئا من الخلف، ويسحب شيئا قاتما، حزمة، أو معطفا ضد المطر. كان برد الليل يضربهما بين عظام الكتفين، وتقريبا التصقا لتصغير مساحة الفراغ. حمل فيل يدها. فسحبتها منه بعيدا، ليس لأنها ترفض، ولكن لأنها شعرت أنها بحاجة للتركيز.

ظهر قوام السائق أمامهما، وهو مضاء بنور مصابيح السيارة، والتفت برأسه ورمق امتداد الطريق الفارغ. كان يحمل شيئا في يده، صخرة. رماها، بم، بم، بم. توترت. ورغبت لو تصرخ. بم، بم، بم. نهض الرجل بكامل قامته، وكانت بين يديه رزمة.

فكرت: هذا غداء اليوم التالي. بنكهة البصل وصلصة الطماطم. لا تعلم لماذا خطرت لها كلمة نكهة. تذكرت لافتة في وسط المدينة: مدرسة سوفوكليس لقيادة السيارات. الإنسان لا يعرف السعادة الحقيقية أو الراحة. وضع السائق الرزمة في مؤخرة السيارة، قرب حقائهما. وأغلق الغطاء.

هذا اسمه تدوير للنفايات. لو أمكن فيل أن يتكلم سيقول:" صيد ثمين". ولكن يبدو أنه قرر أن لا يعلق. وكان محقا، لن يرغب أي منهما أن يذكر هذه البداية المقيتة في استراحة الشتاء.

احتضنت معصمها بحنان وبرفق. هذه حركة تدل على القلق. كأنها تغسله أو تدلك لحظة الألم كي تزول، وفكرت: سأستمر بسماعها كل الأسبوع. بم، بم، بم. وربما نحولها إلى نكتة، ربما. كيف جمدنا، وكيف سمحنا له أن يواصل لعبته، وهل بمقدورنا أن نعترض... لا يوجد أطباء بيطريون يشرفون على المرتفعات في الليل. صعد شيء إلى حلقها. وحاولت أن تنطق، وتحرك لسانها، لكنها همدت مجددا.

***

قال الحارس " أهلا وسهلا في شمس أثينا الملكية". وأشرقت الأنوار من الرخام في الداخل، وبالقرب منهما وقفت بعض الأعمدة المكسورة والباردة، كانت في دائرة الإضاءة. والنور يتحول من الأزرق إلى الأخضر وبالعكس. وفكرت: هذا هو المشهد التاريخي كما وصفه. ومجددا كشرت أمام المباشرة الواضحة للمشهد.

لكن هناك مشكلة الهواء الخانق والحادثة...

غادرت السيارة ومدت قامتها نحو الأعلى، دون ابتسامة رخيصة، ويدها على سقف السيارة. تخطاها السائق من غير كلمة واحدة. ورفع غطاء المؤخرة. وكان الحارس الجاهز للعمل خلفها. اقترب من الحقائب ومد يديه. وتحرك السائق بتعجل. وبلا تفكير قفزت إلى الأمام وقالت:"كلا". وكذلك فعل فيل: "كلا".

قال فيل:" أقصد ، لدينا حقيبتان فقط". كأنه يريد أن يؤكد أن متاعهما خفيف، وقبض بيده على حقيبته، وسحبها بحركة مغتبطة. وأضاف:" أنا متاكد..". غير أن بقية العبارة خرجت بصوت مخادع حينما قال:" ليس لدينا أمتعة كثيرة".

هز الحارس كتفه وقال:" كما تشاء يا سيدي".

و تراجع إلى الخلف، ورددت العبارة في ذهنها، كما لو أنها تتكلم مع صديق. ولكن في وقت لاحق، بعد هذه اللحظة بفترة كافية: ألا ترى، لقد أصبحنا بسطاء. ولكن السائق لم يقترف خطأ، وتصرفاته لائقة.

و وافق صديقها الخيالي بقوله: لا بد أن ينتابك شعور غريزي، ستشعرين أنه لديك شيء تخفينه وتتسترين عليه.

قال فيل:" أنا جاهز لكأس شراب". كان يئن من الشوق لجلسة مع طبق الطعام: والبراندي يلعب برأسه، ومكعبات الثلج تسبح كالأسماك وتضرب جدار الزجاج، ومعه صوت الكعب العالي وهو يطرق على الرخام في أرض مجهولة، ومنحوتات من الحديد المسبوك، وملاءات الفندق، والوسادة الطرية.

لا يمكن للإنسان أن تغمره السعادة ما لم يهبط في قبره ويرقد بسلام. أو على الأقل أن يتمدد في بذة شبابه، ويمكنه أن يمحو هذا اليوم ويستيقظ في الغد جائعا. مال السائق على سيارته ليحمل الحقيبة الثانية. وبينما يفعل ذلك، حرك المعطف الواقي، ولمحت على الفور، ولكن لم تصدق عينيها- ما تراه ليس حوافر ماعز، ولكن يد طفل مضمومة.



* القصة مترجمة من مجموعة (اغتيال مارغريت تاتشر) للروائية هيلاري مانتيل Hilary Mantel الصادرة عام ٢٠١٤. هيلاري مانتيل حائزة على البوكر البريطانية لمرتين متتاليتين. ومن أهم أعمالها: ثمانية شهور في شارع غزة، قاعة الذئاب، هات الرجال حالا وغيرها ...



















































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

قصيدتان للشاعر الأمريكي سكوت ماينار ترجمة:

22-تموز-2017

معنى التعريف والتنكير في قصص وليد إخلاصي

01-تموز-2017

هذا هو لحم الخنزير - اعترافات نباتي متمرد / فلورين بيكان ترجمة:

17-حزيران-2017

الآلية و المنتوج: علاقة ما بعد السرد مع نظرية الرواية باعتبار أنها جنس في المحاكاة / ليندا هتشيون - ترجمة

10-حزيران-2017

الدين وتوريث الأفكار

27-أيار-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow