Alef Logo
ابداعات
              

حدَثَ في شوارع العاصمة

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2016-11-21

كان المدير الأكرَش، من شغل منصبه عشرين عاماً، يجلس على كرسي رمادي من الجلد اللماع حين دخلت فريال إلى مكتبه، وبالرغم من وجود خزائن خشبية على اليمين وفي الواجهة لا تزال الغرفة واسعة، والخزائن البنية تعج بملفات وجرائد ومجلات وكتب، أربع نوافذ كبيرة مفتوحة على الجدار الأيسر تدلق الضوء، وستائر بيضاء على جانبيها تتحرك بخفة مع نسيم الصباح الطازج، توزعت على طاولته أوراق وبريد وكتب صدرت حديثاً في عام 2001. عبرت فريال الصندوق المفتوح الذي يشكله المكتب والكراسي المصنوعة من الخشب الدمشقي المحفور، ألقت التحية على كاتبتين في العقد السادس، ثم سلمت على المدير وطلب منها الجلوس، تعذرت بعملها إذ لم تكن على ما يرام، وقدمت له ملف حوار مع أحد الكتاب السوريين سعيد نوح، على قرص ممغنط.
- توجد مساحة للمادة في العدد القادم، أليس كذلك؟ قالت غامزة ومبتسمة بشفتين مطليتين باللون الأحمر.
- ولو يا ست فريال
أغلقت الباب وراءها بهدوء، سألت الكاتبة زميلها في المهنة والحزب الواحد الحاكم في البلاد:
- أليست فريال اللحام المذيعة؟
- هي بذاتها
- وهل يقربها وزير الداخلية السابق محمد اللحام؟
- عمها، ومن غيره سيوظفها في المؤسسة
لَحدث جلل وجسيم في العائلة استلام قريب فريال منصب وزير الداخلية، ولم تك لتصدق حتى في أشد أحلامها تخيلاً ووردية تبدل أدوار حياتها المهنية، الانتقال العجل من فصول الدهمة والظلمة إلى اللمعان والإشراق، ومن الإهمال والإغفال للرعاية والاهتمام.
جلست فريال في سيارتها الروسية الصغيرة ذات البابين، فتحت النافذة وأشعلت سيجارة جلواز ورمت بالعلبة على المقعد المجاور، نفثت الدخان بيدها اليمنى، وبأصابع اليسرى نقرت إيقاعاً رتيباً فوق حافة الباب وأمعنت في التفكير. عيناها العسليتان الضيقتان تحدقان في نقطة ما، غير أنهما غبشتان وتائهتان في سحابة الضباب التي تلفها، وبُعيد تهيج الأمعاء الذي أصابها مذ أن سمعت بالخبر المشؤوم، انقضت ذئاب الأرق على مضجعها فلا تنام إلا وسنات خاطفة، وكنتيجة تاريخية تمقتها النساء أحاطت عينيها إطارات داكنة ومنتفخة.
خرجت من اوتستراد المزة باتجاه شارع الثورة وإلى منطقة ركن الدين. عند مدخل بناء قديم ركنت السيارة، نظرت في المرآة الأمامية المزينة بسبحة خرز، ساءها انتفاخ عينيها ففتحت علبة البودرة الجافة ووزعته على وجهها، ثم مسحت عن سنيها الأماميين، المتداخلين قليلاً، لطخة أحمر الشفاه، وأعادت طلائهما. وضعت الحقيبة على كتفها والنظارة السوداء فوق رأسها وخرجت بتباه. صعدت الطابق الرابع من البناء ورنت الجرس، فتح الباب سعيد نوح بعد أن رآها من العين الساحرة.
- ألن تدعوني للدخول
- سأخرج بعد قليل
- لدي ما أقوله لك
- فيما بعد
- ستخرج للقائها، أليس كذلك؟
- ليس من شأنك
أغلق الباب ونزلت فريال الأدراج الحجرية، لكنها عادت للصعود مرة أخرى وطرقت الباب بقبضتها، فتح سعيد الباب محتاراً بشأنها، انتبهت إلى سماعة الهاتف المفتوحة فوق التربيزة عند نهاية الصالون، "أتتكلم معها؟ عليك أن تسمعني، دعني أمر"، وضع يده على الباب معترضاً طريقها، وطلب منها المغادرة بتهذيب فاتر، فتنهدت وعضت على شفتها السفلى ثم لوحت بيدها في وجهه "اسمع .. فتاتك هذه يقولون عنها الكثير، ولم تعتقد أنها تخرج مع من في عمرك؟" سألته وعيناها مصوبتان لاصطياد أي حركة، أي تعبير أو شعور يشي بما يجهد في إخفائه، لقد رغبت في إشعال فتيل ما قد يعيده للتفكير ملياً، وأن تلفظ الحصى من أحشائها، وتطفىء ألسنة التهيج اللائي سفعن حياتها في الآونة الأخيرة، إلا أن سعيد على دراية جيدة في التعاطي مع النساء، لم يعطها حقاً ولا باطلاً، وما سكب الملح في جرحها إن بدت له مسمومة.
صعد سعيد سيارة أجرة صفراء حديثة، لحقت بها فريال مواظبة على مسافة قريبة منها طوال شارع ركن الدين وشارع برنية وساحة الميسات، ولما ولجت إلى الجسر الأبيض تراصفت السيارات حتى إشارة المرور، وانتصفت الشمسُ السماءَ كسلطعون يقرص وجه المدينة، والمركبات بغير مبرد تكبد ركابها قيظ الصيف، وتصفدت أَجْبِنَتهم عن حبات عرق تسيل على الجانبين، ومن وراء الأذن، وعند خط العنق من الخلف في خيط رفيع، وارتسم على القماش أسفل الإبطين هلالين لهما رائحة نفاذة حمضية، خصوصاً لدى أولاء أصحاب الوزن الزائد، ومن يتغافلون عن استخدام مزيل العرق كفريال اللحام ابنة عبد العظيم بائع الخضار، الدرويش في العلن، والديكتاتور في العائلة، من كان "لا" مُطْلقة في حياتها، و "لا" سلبت منها قيماً كثيرة، كتقدير الذات على سبيل الإيجاز.
"لستُ بقليلة" قالت لنفسها عند انعطافها بالسيارة إلى اليمين نحو طلعة العفيف، ثم أكدت على وجوب انتقاء ألفاظها وإظهار قوتها لخصمتها، بالإضافة إلى تمرير رسالة شفهية وبأسلوبية خاصة تشدد على انعدام إمكانية استسلامها، أو اعترافها بهزيمة. ضغطت فريال البوق لسيارة خاصة تدخل من شارع جانبي وتمر أمامها، لكن سيارة ثانية انسلت أيضاً ولم تدع فريال لتعبر، فضربت بباطن كفها عجلة القيادة وأطلقت شتيمة، وما أن إنتبهت إلى فقدانها السيارة التي تقل سعيد حتى استشاطت حنقاً، فنزلت إلى شارع يؤدي إلى نادي الصحفيين، متنبأة بحدسها الأنثوي توجهه إليه. ركنت السيارة وسارعت خطاها إلى زقاق ظليل يفضي إلى مدخل النادي، ولجته وجلست على طاولة، تفرست وجوه الزبائن، ثم رحلت خائبة بعد انتظار دام عشرين دقيقة.
صعدت سيارتها مجدداً، ودارت في الأحياء والشوارع المجاورة بحثاً عنه، ودارت في زوبعة من الأفكار والسيناريوهات المحتملة، تجلت أمامها علائم رفضتها، علائم ستطوعها قسراً لإرادتها، وخير ما تعلمته، في المؤسسة الإعلامية الضخمة التي تعمل بها، أن الحق للقوة، فما ضرها استثمار منصب قريبها، وتحصيل ما لا يحق لها، وبكل الوسائل، كالوشاية منها.
تسللها الحزن ما أن هبط المساء على دمشق وتلونت السماء بزنابق البنفسج، عجلات السيارة لا تزال تدور في المدينة، ورأسها المسكون بأشباح الأفكار يحرك علبة السرعة، ينقل قدميها بين دواستي البنزين والفرامل، يجعلها تسرع وتبطء، تقف وتسير. خمنت فريال التوقف هزيمة، فاستمرت بالقيادة على أمل العثور على سعيد نوح.
أمام سينما الشام توقفت السيارة فارغة من الوقود، تهالكت على مقعدها، ثيابها الداخلية المصنعة من خيوط النايلون تشربت العرق، والبنطال الأسود الضيق أصابها بالحكة عند الجيوب، سال كحل عينيها و نفش شعرها الأشقر البلاتيني المصبوغ، أطبق على صدرها ركام التيه، وقلبها، الذي اعشوشب ما أن وطأه سعيد، صار ثقيلاً يدور كحجر رحى طاحناً حبوب الفراغ. لملمت حاجاتها وخرجت، وما أن قفلت السيارة حتى هبت ريح مفاجئة هزت الأشجار والأعمدة، نفخت في المداخل، رجت الأبواب والأغلاق المعدنية، فتحت النوافذ وحركت قواعد الأقراص اللاقطة، هبت الريح كما لم تهب أبداً في شهر آب، ارتجت واجهات المحال المفتوحة وعيون الناس من ورائها شاخصة مذهولة، دفعت بالمارين وطيرت الفساتين والتنانير والشعرَ، طيرت الأوراق وأكياس النايلون، ثم هطلت الأمطار بغزارة وقذفت بها الريح في كل الاتجاهات، ساطت الأبينة، المركبات، الناس والقطط الهاربة، عبرت فريال الشارع بسرعة وصعدت أول سيارة أجرة صامتة كظل شاحب.
في الشارع المقابل ووراء نافذة وستارة مطعم صغير، صدحت موسيقا جاز هادئة، واحترق لهب شمعة في منتصف الطاولة، في الجو فاحت رائحة نبيذ قرمزي دارت بسعيد وفتاته في كروم عنب متدلية عناقيدها الطازجة، وأمام تلك البساتين الكثيفة والممتدة ترقد تأويلات واحتمالات عدة.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow