Alef Logo
ابداعات
              

لِهذا أَكتُبُ عنها

محمد مراد أباظة

خاص ألف

2016-11-21


خشنيَّةُ* ما كانتْ فينِسْيا أو لندنَ أو باريسَ،
وما كانتْ رِفْييرا الشَّرقِ،
ولم يَعبرْها نهرٌ كالدّانوبِ،
ولم يتوسَّطْها بُرجٌ مشهورٌ،
أو هَرَمٌ أُسطوريٌّ أو تِمثالٌ لِلحُريَّهْ.

لم تجتَذِبِ الخشنيَّةُ سُيّاحَ العالَمِ في زمنٍ ما كأَثينا أو روما أو هاوايَ.
ولم تتفاخرْ يوماً بِنوادِرِ مخلوقات كالكَنْغرِ والنَمِرِ الأبيضِ والباندا.
لم تَشتهرِ الخشنيَّةُ مثلَ الصينِ بِسورٍ عِملاق ٍ
أو مثلَ اليونانِ بأعمدةٍ تُذهِل
أو مثلَ الآمازونِ بغاباتٍ حُلُميَّهْ.

خشنيَّةُ لم تُنجِبْ أعلاماً ونوابِغَ تَسطَعُ في ساحِ الإبداعِ كَدافِنْشي أو دِسْتويِفِسْكيْ أو أَيْنِشْـتَيْنَ.
ولم تُبْهِرْ أَحَداً بِشبيهٍ لِلْجوكَنْدا،
أو مَنحوتةِ داوودَ أوِ الجُرْنيكا.
لم تَتْرَفْ بِنجومٍ تتلألأُ في شُرَفِ الشُّهرةِ كَبرِجِتْ باردو أو مادونا أو مارادونا.
خشنيَّةُ لم تدخلْ من أوسعِ بابٍ أو أَضيَقِ بابٍ تاريخَ البشريَّهْ.

لم تتضَمَّنْ موسوعاتُ العصرِ إشاراتٍ تُفصِحُ عن أنَّ الخشنيَّةَ كانتْ،
ذاتَ زمانٍ، تحتلُّ مِساحةَ حُسْنٍ خضراءَ على أيَّةِ خارطةٍ.
لم يصدَحْ وَتَرٌ كَلِفٌ مُنتشياً بِبَهاءِ ملامحِها، لم يَتغَزَّلْ أحدٌ من شعراءِ الدنيا بِتُراثِ بدائعِها.
لم يتسَوَّلْ ملتاعٌ، من عُشّاقِ الأرضِ المهزومينَ على قارعةِ الخيبةِ، نِسيانَ هزائمِهِ في فردوسِ عطاياها الجولانيَّهْ.

خشنيَّةُ لم تتصَدَّرْ في أيِّ زمانٍ صُحُفِ العالَمِ بالأحمرِ أو بالأسودِ.
لم تتجَلَّ شِعاراً يومياً يُرفَعُ عبرَ مُظاهرةٍ تَنحازُ إلى قلبي في أيَّةِ عاصمةٍ مُتحضِّرةٍ.
لم تُثبَتْ في جَدولِ أعمالٍ يُطرَحُ في أيَّةِ قاعةِ مؤتمراتٍ دوليَّهْ.

فالخشنيَّةَ كانتْ بِضعَ بيوتٍ تَعتمِرُ القرميدَ وتحضُنُها أشجارُ الكينا
وتُزَوِّقُ نَعماءَ مواسمِها أسرابُ أغانٍ وحكاياتٍ وقصائدُ تهطِلُ في أفئدةِ العشّاقِ نديَّهْ.
كانتْ رَحْبَ فضاءاتٍ خُضرٍ يغمُرُها بَوْحُ الأزهارِ
وشَدْوُ الأطيارِ
وفَوْحُ نشيدِ الفرحِ الأشهى من كلِّ دَواوينِ الكَوْنِ الغَزَليَّهْ.

خشنيَّةُ كانتْ أصداءَ صِغارٍ يَختَلِسونَ الوَلْدَنَةَ الشَغَبيَّةَ من هامِشِ أعمارٍ
تُرهِقُها أغلالُ وصايا وظلالٌ لِحكاياتِ الجِنِّ تُؤَرِّقُهمْ فوقَ وسائدِهِم ليلاً.
كانوا ينفَلِتونَ خُطىً تَتَسلَّلُ من قَيْدِ الممنوعِ
إلى صهواتِ خَيالٍ يَجمَحُ نحو عوالِمَ أرحبَ مِن أرحب خارطةٍ نعرفُها.
يَقتطِفونَ مواعيدَ اللّهوِ بِعَفْرَتَةٍ من أشجارِ الحُلُمِ المزدانِ بأَجوبةٍ بارِعةٍ
عن أسئلةٍ تنبتُ في لحظتهم متماديةً في الخُبْثِ الأبيضِ.
يبتكِرونَ لِرغبتِهِمْ أقماراً أُخرى وشُموساً أُخرى
ونُجوماً تَتَأَرجَحُ في بستانِ الأسرارِ أساطيرَ مُلَوِّنَةً ساعاتِ تأَلُّقِهِمْ.
يبتدِعونَ ملاهيَهُمْ خارجَ كلِّ مفاهيمِ المنطِقِ والمعقولِ وأسوارِ الأعرافِ الأرضيَّهْ.

خشنيَّةُ كانتْ مَيْسَ صبايا يَتهادَيْنَ كواكِبَ مُرهَفةً بينَ حَفيفِ النَّجوى وأَريجِ الوقتِ
وأَلواناً تَتَواثَبُ فوقَ ندى الأيامِ فَراشاتِ صباحٍ يسخو بِرحيقِ الضوءِ.
صبايا يتَفتَّحْنَ على شَفَةِ الأسطورةِ آياتِ جمالٍ عَتَّقها ثَمَلُ اللحنِ،
وزوَّقَها خَفَرُ الوردِ،
فترجمَها العشقُ إلى لغةِ الرّوحِ
صبايا اختصرَ اللّهُ بِهِنَّ رشاقةَ أُغنيةٍ تَغْنَجُ في ملكوت الخشنيّهْ.

خشنيَّةُ كانتْ همسَ مواقِدَ تتلو صلواتِ الدِّفءِ هَسيساً غيبيَّ الإيحاءِ
وتهدِجُ في قصصِ الجدّاتِ كإيماءاتٍ غامضةٍ تفضحُ وَجْسَ الأطفال على عَتَباتِ الإغفاءِ.
وكانتْ ليلَ شتاءاتٍ يوقِظُ في مرثيّاتِ الأجدادِ مزيداً من غابرِ أحزانٍ لم تهدأْ يوماً
فتلوذُ وجوهُ السُّمّارِ بِنَوحٍ مكتومٍ لِيَحُطَّ الصمتُ ثقيلاً،
تتلاقى الأعينُ في شَجَنٍ لحظاتٍ، ثمَّ تعالى ثانيةً في خلجاتِ السهرةِ مرثيَّهْ.

خشنيَّةُ كانتْ عُشّاً من دفءٍ وأمانٍ آوى بُسَطاءَ أَحَبّوا الجولانَ،
وهاموا بفنونِ تبَرُّجِها المنحازِ إلى سحرِ اللّهِ.
وكانتْ أبهى من حُلُمٍ يتَسامى بتألُّقِهِ الرّاعِشِ في قُزَحِ الألوانِ
وكانتْ أوسَعَ من أوسعِ مملكةٍ تتربَّعُ مُعجِزَةً فوقَ سُفوحِ الأبديَّهْ.

ولكنّ الخشنيَّةُ صارتْ أعمقَ من أعمقِ جُرحِ نبيٍّ في فاجعةِ الصَّلْبِ،
تَوارتْ تَنزِفُ يَخضور القلبِ وتذبلُ خلفَ الأسلاكِ هناكَ،
ونحنُ هُنا نمضُغُ جَمْرَ الوقتِ،
ونَجْرَعُ من آنيةِ السُّهدِ حميمَ الصَّبرِ،
لِهذا أكتبُ عنها،
وألوذُ بما يُحييني من ذكراها في حُلكَةِ مِحنَتيَ اليوميَّهْ.

أَكتبُ عنها بالمتيَسَّرِ من كلماتٍ لا تَرقى بِتفاصُحِها المحدودِ إلى حجمِ فجيعتِها،
أو حجمِ هزيمتيَ القُصوى في حَلَباتِ العُمرِ،
وجُمهورُ قصائديَ المحمومةِ ليسَ كبيراً،
هوَ بعضُ الأصحابِ المسكونينَ برائحةِ الجولانِ
وليلتيَ المنصوبةُ خيمةَ وجدٍ خارجَ أوقاتِ الهَمِّ اليوميِّ
وهذا القلبُ المتَهَدِّلُ فوقَ رُؤاهُ
كَعجوزٍ جافَتْه دنياهُ
فَباتَ تُناوِشُهُ الكَبوةُ في ساعاتِ تَوَتُّرِهِ الليليَّهْ.

أكتبُ عنها في الوقتِ الفائضِ من هرولتيْ في تيهِ اليومِ الباهظِ.
قد لا يقرَاُ أَشعاريَ غيري حينَ يفرُّ الأصحابُ إلى أنفسِهِمْ من أنفسِهِمْ في اللحظاتِ المأْزومةِ.
قد لا تسمعُني الخشنيَّةُ،
لكنْ لا بُدَّ من الشِّعرِ لأنَّ الشِّعرَ يَحُدُّ قليلاً من عَثَراتِ الجسدِ المتداعي
ويَمُدُّ قليلاً من نَفْحِ الرَّجْوِ،
ولابُدَّ من الشِّعرِ لِقلبٍ لا يملكُ غيرَ بقايا خَفْقٍ،
ينقادُ إلى غُصَّتِهِ في منتصفِ القهرِ
وينهارُ على قارعةِ الغُربةِ في كلِّ مساءٍ يبزغُ ليْ فيهِ
وجهُ الخشنيَّةِ مَزهوَّاً بِبدائعِ فتنتِهِ وطِلاوةِ طَلَّتِهِ السحريَّهْ.

وأبوحُ الآنَ بِشيءٍ من وَقَدِ الرّوحِ وصَدْعِ القلبِ
لَعلّي أقطِفُ من شجرِ البوحِ قصيداً يَغسلُ بعضاً من تعبي
فأُتابعَ يوميَ مسكوناً بِفصولِ الجولانِ وروحِ الخشنيَّهْ.
دمشق 1985
• الخشنية بلدة في الجولان السوري المحتل.













تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

سحبان السواح

كثيراً ما فكَّرْتُ في موضوعِ الصَّلاةِ، وقصَّةِ مُحَمَّدَ معَ ربِّهِ وموسى، وطلبِهِ تخفيفَ الصَّلواتِ الَّتي فرضَها اللهُ على المسلمينَ في المرَّةِ الأولَى؛ وكانَتْ خمسينَ صلاةً، فلو قَبِلَ النَّبِيُّ بهذا العددِ...
المزيد من هذا الكاتب

بين بين

22-كانون الأول-2016

لِهذا أَكتُبُ عنها

21-تشرين الثاني-2016

سوبر هايد بارك!!

22-تشرين الأول-2016

انفلونزا الضحك..!

15-تشرين الأول-2016

حبّات كرز حمراء

17-أيلول-2016

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow