Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

سبات طويل/ هيلاري مانتيل ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2016-11-09

كان في الخامسة والأربعين حين انتهى زواجه، بشكل قطعي، وذلك في يوم خريفي هادئ، قرابة آخر موسم الشواء. لم يخطط لشيء من أحداث ذلك اليوم، لم يتعمد أي شيء، ولكن لاحقا انتبه أن كل شيء من تفاصيل تلك الكارثة كان في مكانه بعناية وانضباط. وعلاوة على ذلك، كانت لورين في موقعها الصحيح، تقف قرب الثلاجة الأمريكية الخاصة باللحوم، وتنقر على بابها الفولاذي بأصبع واحد مدهون بالطلاء وتقول:" هل يمكنك أن تجلس هنا؟ أقصد في يوم حار جدا".

قال لها:" لن أكون في أمان، قد ينطبق الباب خلفي".

"ولكن ستفتقدك جودي، وستحررك".

"لن تشعر جودي بغيابي" ، أدرك معنى ما يقول بعد نهاية الجملة والتفكير بها. ثم أضاف:" عموما الطقس ليس شديد الحرارة".

قالت له:" ليس حارا؟. هذا مؤسف". ومدت عنقها وطبعت قبلة على فمه.

كانت زجاجة النبيذ لا تزال في يدها وشعر بها تلامسه في مؤخرة عنقه ، باردة ورطبة، حتى أن عموده الفقري شعر بالقشعريرة. ضمها إلى صدره، بحركة امتنان حانية، ووضع كلتا يديه على مؤخرتها. همهمت بشيء خافت، ومدت أحد ذراعيها لتفلت الكأس. ثم منحته كل اهتمامها، بفمها المفتوح.

كان يعلم دائما أنها جاهزة من أجله. ولكنه لا يجد الفرصة ليختلي بها، في أمسية دافئة، حين يحمر وجهها، بعد ثلاث أكواب من فينو فيردي بسبب التوتر. لم تكن وحدها أبدا ، لورين من النساء اللواتي يتحركن بين زرافات من النساء. كانت في الجوار كل الوقت، في السوق ، حيث كل أبناء الحي يبدي إعجابه بها. فهي طيبة المعشر بكل سهولة. وكانت الكلمات على لسانها غالبا ناعمة. قالت:" من المؤسف أن تحصل بعد وليمة". وكانت رائحتها عذبة ويفوح منها عبق المطبخ، الخوخ والفانيللا والشوكولا.

أفلتها وحينما خفف من قبضته سمع صوت كعب حذائها الصغير وهو يطرق على الأرض. قال لها:" يا لك من دمية ناعمة". ووقف بكامل قامته أمامها. كان قادرا على التحكم بتعابيره الشخصية وهو ينظر إليها. كان منضبطا ورقيقا ومغمورا بالدهشة؛ وبالكاد تعرف على نفسه. كان لا يزال بعينين مطبقتين. وهي تنتظر قبلة ثانية منه. في هذه المرة عانقها برشاقة، اليدان على خصرها، وهي على أطراف أناملها، واللسانان مشتبكان معا. ببطء ويسر، قال لنفسه. لا داعي للتسرع. ولكن لاحقا لف ساعداه بقوة حول ظهرها. كما لو أنهما يتحركان بشكل مستقل عن إرادته. وبحث عن شريط حمالة الأثداء. ولكن حركة منها، طرفة عين أخبرته أن الوقت غير مناسب. ليس هنا. أين إذا؟. كان لديهما وقت قصير للإسراع من بين الضيوف والصعود إلى الطابق الثاني معا.

كان يعلم أن جودي تحوم حول البيت. يعلم - وأقر بذلك لاحقا- ويمكن لها أن تقتحم المكان في أية لحظة. فهي لا تحب الحفلات التي تكون الأبواب فيها مفتوحة، والضيوف يتجولون بين البيت والحديقة بلا استئذان. قد يأتي أغراب، أو دبابير. ويمكنك بسهولة الوقوف على عتبة الباب والسيجارة تشتعل في فمك، وأنت تثرثر، بمعنى أنك غير موجود لا هنا ولا هناك. وقد تتعرض للسرقة حيث تقف.

كانت تحمل الزجاجات، وتشق طريقها بين مجموعات من الضيوف، ضيوف يضحكون ويتبادلون الموبايلات بين بعضهم البعض، ضيوف، يا المسيح، يحاولون الاسترخاء والاستمتاع بأمسيتهم. ضيوف يحرجونها بشرب آخر جرعة في كؤوسهم ليتسنى لها استعادة الكأس. وإن لم يسارعوا بذلك تسأل:" عفوا، هل انتهيت مما معك؟". وأحيانا يحركون الكأس، بروح مرحة ويقولون:" تفضلي يا جودي". ويبتسمون لها بكسل واضح، وهم يعلمون أنهم يساعدونها بطريقتهم لتنتهي مما تفعل.

تراها وحيدة في عالمها الخاص، ظهرها للآخرين، وهي تضع الأطباق في غسالة الأطباق. ولم يكن غير مألوف أن تشغل نفسها بدورة غسيل قبل مرور ساعة على الحفلة. وسيحل وقت ، بعد الظلام، حينما تنفخ الزوجات الحياة والبهجة في الأزواج، وحينما يبدأ الكلام عن المدارس الخصوصية وجذور الأشجار ورخصة السيارات. ثم يسمعونها تقول: كلما كانت الأطباق المتراكمة أقل كلما كان ذلك أفضل. ويرد عليها: كأننا في بار يعمل في البيت. ويضيف: كرامة لله، يا امرأة اخفضي صوت الدبور قليلا.

مر في ذهنه كل ما سلف، وهو ينقر لورين بفمه. انكبت عليه وفككت أزرار قميصه ووضعت يديها على صدره الدافئ، واستقرت بأصابعها فوق قلبه. لو دخلت جودي الآن، سيطلب منها بهدوء أن لا تصنع شيئا من لا شيء، وأن تأخذ نفسا عميقا وتتصرف كالفرنسيات. وبعد انصراف المدعوين يمكنه أن يوضح لها: حان الوقت لتخفيف شد الرسن. فهو رجل في ذروة رجولته ويجب أن يحصل على مكافأته.

هو وحده بطاقاته المهنية احتفظ بمستوى مطبخه الراقي. كان يكسب مبلغا لا يمكنها التنبؤ به، ولكنهما كانا دائما بسبب حالته النفسية أشبه بدليل ضائع، من يمكنه أن يقول هذا الكلام بالنيابة عنهما؟. وفي النهاية هو مستعد ليكون عادلا، الطريق ليس باتجاه واحد. هي إنسانة حرة، وهو مثلها. وربما تبحث عن مغامرتها الخاصة. لو بمقدورها كذلك.

قرب رأسه ليهمس في أذن لورين:" متى يمكن أن انكح؟".

قالت:" ما رأيك بعد أسبوع يوم الثلاثاء؟".

وهنا وصلت زوجته، ووقفت عند مدخل الباب. كانت ذراعاها مثل غصنين يتدليان من جذعها، والكؤوس تشبه الثمار المعلقة بنهايات أصابعها. كانت لورين تتنفس أنفاسا حارة على صدره، ولكنها شعرت بتوتره. وحاولت أن تسحب نفسها، وهي تهمهم: " أيها السافل، ها هي جودي، أسرع وادخل في الثلاجة". لم يكن راغبا بالانفصال عنها، مد كوعيه، ووقف لدقيقة وهو يحدق بزوجته من وراء رأس لورين المنفوش، واقتربت جودي خطوة أو اثنتين، ودخلت إلى المطبخ. ثم توقفت، وعيناها عليهما، ويبدو أنها تجمدت. رنة خفيفة ضاعت في الأجواء، حين كانت الكؤوس ترتعش بين أصابعها. ولم تنطق بحرف واحد. وتحرك فمها كأنها تحاول أن تتكلم، ولكن لم يصدر منها غير تنهيدة رفيعة.

ثم فتحت يديها. كانت الأرض من الرخام ولذلك انفجرت الكؤوس. ارتطام، وصراخ المرأة الثانية، والضوء الحاد والنفاذ عند قدميها: يبدو أن هذا صدم جودي ودفعها لردة فعل. صدرت عنها أنة قصيرة، ثم صرخة ملتاعة، ووضعت يدها اليمنى، الفارغة الآن، على منصة الطهي؛ وبعد ذلك ركعت على ركبتيها. قال لها:" انتبهي". فقد غاصت في الشظايا المكسورة برفق كأن الزجاج حرير، كأنه ثلج، وبدأ الرخام يلمع من حولها. حقل جليدي، كل قطعة رخام لها أطراف منتبجة، كل منها بخيال باهت مثل أنفاسها. وشخرت. كانت تشبه المنومة المصابة بالدوار، مضطربة، كما لو أنها كسرت نافذة صدمتها برأسها. ومدت يدها اليسرى، كانت مجروحة، ونبع من الدم يسيل بخطوط متشابكة على راحتها. نظرت إليها، بالصدفة تقريبا، وتألمت بصوت مرتفع. ثم انثنت على نفسها واستندت على كعبي حذائها، وسقطت على جنبها، وفمها مفتوح.

قفز فوق الزجاج ليحملها، وهو يطأ عليها كأنها ثلوج. واعتقد أن هذه هي فرصته ليلطمها، فهي تمثل دورا لتخيفه، ولكن حينما جر ذراعها كان هامدا، ثقيلا، وحينما صاح أيها المسيح القدير ، لم تطرف عينا جودي. كانت عيناها تلتهبان كالزجاج.

هكذا تذكر المشهد لاحقا، حينما انتهت أحداث تلك الليلة. رغب لو يبكي على كتف طاقم الإسعاف ويقول، الفضول والرغبة الطفيفة هما اللذان قادا خطواتي، مع نوع من المكابرة الطفولية، وقناعتي أنها موجودة هناك من أجلي على طبق من ذهب، هل تفهمون ما أقول؟. وقال: كنت أنوي أن أطلب منها أن تتحلى بأخلاق الفرنسيات. ربما هي ليست مستعدة لذلك، ولكن لم أعتقد أنها ستتداعى بهذه الطريقة وتنهار.. أقصد، كيف يمكنها ذلك؟. هل بمقدورك أن تتخيل ما حصل؟. الركوع، والارتماء على الركبتين فوق الزجاج المكسور.

في اليوم الأول أو قرابة أول يوم فقد رشده. ولكن لم يهتم أحد بحالته العقلية، ليس بالطريقة المفروضة، لو أنه في السجن بتهمة قتل زوجته لكان الموقف أوضح. وشرح له الطبيب المسألة، حينما اعتقد أنه جاهز ليسمع. هذه أعراض سبات طويل. اضطراب يصيب نشاط كهرباء القلب، ويقود إلى خلل في النبضات، وهذا بدوره يتسبب في بعض الظروف، بكسل وعائي. وربما له أصول وراثية.

وهو ما لا يحظى بالتشخيص اللازم ونهمله على نطاق واسع. ولو انتبهنا له مبكرا، يمكن للأطباء معالجته: ببطارية تنظم ضربات القلب، أو استعمال عقاقير بيتا. ولكن الآن لا يوجد ما نفعله، بالأخص لو أن أول أعراضه الموت الفجائي. إن أية صدمة تسببه، وحتى العواطف القوية تؤثر، أية عاطفة قوية من أي نوع. الرعب مثلا. أو القرف. ومجددا، ليس بالضرورة أن تكون مشاعرك سلبية.

قال: أحيانا بعض الناس يموتون من الضحك.


هيلاري مانتيل Hilary Mantel: روائية بريطانية، حازت على المان بوكير مرتين عن روايتيها (بلاط الذئاب) و(هات الرفاق). وهما من ثلاثية عن جمهورية كرومويل. هذه القصة من مجموعتها القصصية: اغتيال مارغريت تاتشر، ٢٠١٤.


























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

قصيدتان للشاعر الأمريكي سكوت ماينار ترجمة:

22-تموز-2017

معنى التعريف والتنكير في قصص وليد إخلاصي

01-تموز-2017

هذا هو لحم الخنزير - اعترافات نباتي متمرد / فلورين بيكان ترجمة:

17-حزيران-2017

الآلية و المنتوج: علاقة ما بعد السرد مع نظرية الرواية باعتبار أنها جنس في المحاكاة / ليندا هتشيون - ترجمة

10-حزيران-2017

الدين وتوريث الأفكار

27-أيار-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow