Alef Logo
دراسات
              

أولوية الديمقراطية بقلم : محمد وقيدي

2016-10-29


-1-

ما الذي نعنيه بأولوية الديمقراطية؟ ومع أيّ أمر آخر تكون العلاقة التي تأخذ ضمنها الديمقراطية أولوية في النظام المجتمعيّ؟

ليس هناك في نظام المجتمع الذي تكون فيه العدالة مرغوبا فيها، والحقوق الفردية والجماعية مطلوبة، أمر آخر يمكن أن تكون له الأسبقية من حيث القيمة على الديمقراطية. فهذا النظام هو الذي يؤطر العمل المجتمعي في كل المجالات، وليس العكس. إنّه الإطار الشامل لكلّ الممارسات والأفكار والاختيارات العقيدية والفكرية المتباينة، ولكن المتعايشة في نفس المجتمع.

الحالات التي لم تأخذ فيها الديمقراطية مكانة الأولوية كثيرة في التاريخ الحديث والمعاصر ويمكن أن نأخذ نماذج منها، ونتبيّن من خلالها العواقب الناجمة عن استبعاد التنظيم الديمقراطي للمجتمع لصالح أولويات أخرى. وتظهر هذه النماذج في فترات التحوّلات المجتمعية الكبرى مثل انتقال المجتمع من نظام سياسيّ إلى آخر، ومن تنظيم اقتصاديّ ومجتمعيّ إلى آخر مثل الانتقال الذي تمّ في بعض البلدان إلى النظام الاشتراكيّ، حيث يتمّ تبرير إزاحة المطلب الديمقراطي عن مكانته ذات الأولوية. وغالبا ما يتمّ في مثل هذه الحالات إرجاء البناء الديمقراطيّ للمجتمع استنادا إلى أنّ هناك أولوية لبناء آخر



-2-

قد تكون الاشتراكية والديمقراطية قيمتين مطلوبتين في المجتمع في الوقت ذاته. غير أنّ التجارب التي مرّت بها بعض الشعوب دفعت إلى طرح السؤال حول إمكانية تواجد هاتين القيمتين : إذا كان بلوغ الاشتراكية مطلبا مجتمعيا من أجل تحقيق العدالة، فهل يصبح مطلب الديمقراطية غير ضروري على الصعيد السياسي؟

ظهرت الأفكار الاشتراكية، كما هو معلوم، في القرن التاسع عشر بتعبيرات مختلفة عنها أهمّها النظرية الماركسية التي عرفت تطبيقات لها، من حيث المبدأ والإعلان عن ذلك، انطلاقا من الثورة الاشتراكية التي قامت في روسيا سنة 1917.

لن نعود إلى تاريخ الثورة الاشتراكية لإبراز التعارض الذي ظهر في صيرورتها بين الاشتراكية والديمقراطية. سنترك فترة حكم زعيمها الأوّل لينين، إذ كانت فترة حكمه قصيرة، بل سنركّز على عهد خلفه ستالين الذي أصبح حكمه نموذجا لأشكال الحكم الديكتاتوري والشموليّ التي عرفها تاريخ الإنسانية بأكمله.

تولّى ستالين السلطة بعد لينين، فكان ذلك بداية لتحوّل في كيفية الحكم باسم الاشتراكية، وفي تسيير الحزب الشيوعيّ الحاكم وتدبير الدولة. تحوّلت السلطة باسم الحزب إلى هيمنة الشخصية التي توجد على رأس الدولة. تمّ اختزال كلّ شيء في شخصية فرضت نفسها على الحزب وعلى الدولة في الوقت ذاته، فتمّ بذلك فتح الطريق أمام نموذج تقديس الشخصية الحاكمة وكلّ ما يصدر عنها من أفكار وأقوال وأفعال.

كان الأمر يتعلق حقّا ببناء المجتمع الاشتراكي في تجربة تاريخية هي الأولى له. ولكن، هل كان ذلك كافيا لإقصاء الديمقراطية والابتعاد عنها باعتبار أنّ هناك أولوية أخرى؟

دلّت تجارب تاريخية مختلفة على أنّ الحكومات التي تكون ذات طبيعة مناقضة للديمقراطية كانت تجد دائما أولويات أخرى تتذرّع بها لإبعاد تنظيم العلاقات في المجتمع وفقا لمقتضيات التنظيم الديمقراطي : فترة الثورة وهي فترة انتقال، بناء الدولة على أسس جديدة، ثمّ مهمّات تنموية عاجلة تقتضي تأجيل الخلافات والصراعات المجتمعية، والحروب ووجود خطر خارجي يهدّد البلاد مما يتطلّب الوحدة، الخ. وأكثر من ذلك فقد تختلق الحكومات المتعارضة بطبيعتها مع الديمقراطية السياقات التي تسمح لها بتأجيل الديمقراطية أمام أولويات أخرى. لكنّ الشروط التي مرّت منها كثير من المجتمعات التي تركت الديمقراطية لصالح أولويات أخرى أوضحت أنّ تجاربها لم تكن ناجحة وأنّ الديمقراطية فيها تظلّ دائما مطلبا أساسيا.

يفرض الاستبداد إذا ساد في المجتمع المنطق الذي يلائم وجوده واستمراره، أي الولاء وتقديس شخصية المستبدّ. يصبح المستبدّ هو القيمة التي تعلو على كلّ قيمة أخرى في المجتمع، وتصبح أفعاله وقراراته أفضل ما كان يمكن القيام به بالنسبة للوضعيات التي تمّت فيها، وتصبح أقواله هي الحقيقة بعينها. وأمّا من حيث المجتمع، فإنّ امتداح شخصية المستبدّ يصبح هو الموقف الملائم والمطلوب من الأفراد والجماعات والهيئات، إذ القانون المجتمعي السائد في هذه الحالة هو مباركة ما يقوم به الزعيم. ولا غرابة في أن يصبح الرياء هو العلاقة التي تربط المجتمع بالسلطة، وخاصة منها الشخصية التي توجد في قمّة السلطة. تصبح تهمة الخيانة جاهزة في حقّ كلّ من يخرج سلوكه عن المنطق الذي يفرضه الاستبداد على المجتمع فيعبّر عن معارضته لفعل أو لقرار أو لقول يصدر عن القائد.

كانت الاشتراكية في حالة عهد ستالين هي القيمة التي تمّ حجبها لصالح نظام سياسي أصبح ينبني على تقديس الشخصية. لقد أوقعت سياسات ستالين المجتمع في الخلط بين البناء الاشتراكي للمجتمع، وهو ما يهدف إلى العدالة، وبين الحكم المستبدّ والمطلق لشخصية توجد في قمة السلطة. وحيث إنّ حكم سلفه لينين الذي كان قائدا للثورة لم يدم طويلا، فإنّ بناء أجهزة الدولة والحزب تمّت أساسا في عهد ستالين الذي جعلها على مقاس الطريقة التي اختار أن يمارس بها الحكم. وأمام ما كان يميّز نزعة ستالين في الحكم من أفكار وتصورات، ولكن أيضا من أجهزة ومؤسّسات، فإنّه كان من الصعب جدّا القيام بإعادة الإصلاح.

لقد بيّنا تعقد البناء الاستبداديّ للدولة في عهد ستالين، لكي نقدر حقّ قدرها المحاولات التي ستأتي بعده للتخلص من تبعات ذلك العهد. لقد وقع التداخل بين شخص ستالين العضو القيادي في أجهزة الحزب والدولة، وبين شخصية الحاكم المستبدّ الذي كانت له ممارسات منافية لكلّ المبادئ، بما فيها تلك التي تدعو إليها الاشتراكية. وكان من الضروري القيام بعملية فصل تستعيد الاشتراكية بوصفها قيمة من الممارسات الصادرة عن حكم فرديّ مطلق.

بدأت هذه المحاولات منذ الانتقادات التي وجّهت للنظام السابق في المِؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، وكان الزعيم السوفياتي خروتشوف هو من قاد السير في هذا الاتجاه. ولكنّ هذه الانتقادات لم تكن كافية لمحو الآثار السلبية للاستبداد على النظام السياسي، لأنه كان من الصعب القضاء على آليات الاستبداد نظرا لتغلغلها في كل أجهزة الدولة والحزب الحاكم.

بعد ما يزيد على العقدين من محاولة خروتشوف تجاوز سلبيات عهد ستالين ظهرت محاولة جادة أخرى لم تواجه ستالين نفسه، بل واجهت عواقب استمرار طريقته، ونقصد بذلك أفكار الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف. فقد دعا إلى ضرورة إعادة النظر في الطريق المتبع حتى وقته في بناء المجتمع الاشتراكي. وكان الحافز لعملية إعادة البناء، كما يصرح بذلك غورباتشوف في الكتاب الذي يحمل عنوانا هو هذه العبارة نفسها، البحث عن تجاوز أشكال التعثّر في بناء المجتمع الاشتراكي وعن أفضل الطرق للتقدّم نحو الاشتراكية.

رأى غورباتشوف أنّ بداية عملية إعادة البناء تكمن في الوعي بالعوائق ومظاهر التعثر التي عرفها التحول نحو المجتمع الاشتراكي، ومعرفة التناقضات التي حصلت خلال ذلك المسار. وقد وجد أن التناقض الأساسي كان يكمن في الاتساع المتزايد للفجوة التي أصبحت تفصل بين عالم الحقائق اليومية التي يعيشها الناس وبين عالم الازدهار الاستعراضي. أصبح الخطاب المتضمّن لأقوال جاهزة ومتكرّرة معارضا للواقع اليومي ومفارقا له. وبقدر ما تكرّر امتداح الواقع القائم، أصبح ذلك عائقا عن فهم ما يجري في حقيقته. ولم يكن ضحية ذلك هم متلقّي هذا الخطاب فحسب، بل من يصدر عنهم أيضا.

إذا كان التحوّل الاشتراكي، كما تمّ تطبيقه، يمرّ عبر ديكتاتورية الطبقة العمالية، فإنّ البديل عن ذلك في الواقع كان هو هيمنة بيروقراطية سيطرت على أجهزة الحزب والدولة ومارست الحكم واستفادت من عدد من الامتيازات لصالحها. وما ساد عند هذه الطبقة هو إيديولوجيا يغلب عليها امتداح نجاحات الواقع، وسياسة استخفاف بالمطالب الواقعية للطبقة العاملة التي يمارس الحكم باسمها. وهكذا، وجدت فجوة أخرى بين الإنسان الذي تتحدث عنه الإيديولوجيا الامتداحية المدّعية الاتجاه نحو إسعاده، وبين هذا الإنسان نفسه في واقعيته حيث لا يستطيع إسعاد نفسه.

أهمية كتاب غورباتشوف حول عملية إعادة البناء أنه لا يتحدّث عن الديمقراطية مزهوّا بحضورها على الصعيد الإيديولوجي رغم غيابها في الواقع، بل إنّه حاول أن يبحث في شروط غيابها وفي العواقب الناجمة عن ذلك الغياب بالنسبة لبناء المجتمع الاشتراكي.لاحظ غورباتشوف أنّ الاشتراكية في حدّ ذاتها ليست القيمة الإنسانية الوحيدة، لأنّ طابعها الإنساني لا يكتمل إلا بفضل التطبيق الديمقراطي لها. وقد كان بالإمكان تجنّب بعض المشكلات التي عرفتها مجتمعات كان لها الاختيار الاشتراكي لو أنّ الديمقراطية كانت حاضرة فيها. ولذلك جعل جوهر عملية إعادة البناء كامنة في إدماج الديمقراطية في الاشتراكية وأكد ذلك بقوله عن تحقيق اشتراكية أفضل يقتضي ديمقراطية أكثر. غير أنّ السلبيات التي أوجدها النظام السابق كانت أكثر وأقوى من محاولات غورباتشوف الذي انتهى مع عهده عهد أوّل دولة اشتراكية في العالم المعاصر. كان غياب الديمقراطية قد ترك عواقب صعب على المجتمع الاشتراكي تجاوزها. ولكن هذا الأمر لا يهمّ المجتمعات الاشتراكية وحدها، لأنّ تجارب أخرى عرفت تطوّرات مماثلة.

نستند إلى ما قلناه عن التجربة الاشتراكية لنؤكد المنطلق الذي بدأنا به وهو أن الديمقراطية هي الإطار الأشمل من كلّ المبادئ الأخرى، وأنها بالتالي هي الأولوية التي تسبق ما عداها في بناء المجتمع، كما نرى أن كل ما يعتمد عليه لتأجيل العمل بالديمقراطية يثبت في نهاية التحليل أولويتها.



-3-

تبينّا، ونحن نتناول الديمقراطية من زاوية أولويتها في المجتمع معتمدين نموذج المجتمع الاشتراكي، أنّ تغييب الديمقراطية في تطبيق بعض المبادئ والقيم يفقد تلك المبادئ طابعها الإنساني، من جهة، ويجعل الديمقراطية مطلبا أساسيا رغم النزعة الإنسانية للأفكار والتصورات المتبناة من جهة أخرى.

نرى من الملائم تنويع التجارب التي نفكر فيها، وهذا هو الاتجاه الذي نتناول فيه المسألة الديمقراطية وأولويتها في التجربة القومية العربية. فكلما نوعنا التجارب تعرفنا على جوانب جديدة من المسألة.

نشأت الحركة القومية العربية في زمن تراجع الإمبراطورية العثمانية التي كانت لها السيادة على بلدان عربية متعددة. ومن مظاهر جاذبية الحركة القومية العربية دعوتها إلى تحرير البلاد العربية من كل هيمنة خارجية: الأولى كانت باسم مفهوم الخلافة الإسلامية وكان ينبغي، من منظور الحركة القومية العربية التحرر فيها من شرط الوحدة الدينية بين العرب والأتراك للانتقال نحو التمايز بين هاتين القوميتين. وأما الهيمنة الثانية فقد كانت من الاستعمار الأوروبي. تظهر جاذبية فكرة التحرر التي تبنّتها الحركة القومية العربية في استجابتها لطموحات بناء دولة عربية حديثة ذات سيادة في سياستها الداخلية والخارجية.

تبنت الحركة القومية العربية كذلك فكرة الوحدة العربية، وهي بدورها فكرة ذات جاذبية إيجابية بالنسبة لفئات من المجتمعات العربية، وخاصة منها الطوائف المسيحية. ففكرة القومية العربية تجمع بين العرب من حيث هم كذلك بغضّ النظر عن الاختلافات الدينية ببينهم. ولم يكن المسيحيون ممّن تقبّل هذه الفكرة فحسب، بل كانوا من بين روّاد الحركة القومية العربية والمطورين للإيديولوجيا التي تقول بها. ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك لأن فكرة القومية تتأسس على فكرة الوطن لا على فكرة الدين. ومن الواضح أنّ القومية العربية بهذا الاتجاه تختلف عن الإيديولوجيا الإصلاحية الأولى التي كانت سلفية إسلامية. فالوحدة العربية إطار يمكن أن يتفاعل من أجله عرب مسلمون وغير مسلمين.

تبنّت الحركة القومية العربية كذلك الأفكار الاشتراكية، فكان المجتمع العربي الذي تدعو إلى بنائه، في كلّ بلد عربيّ توجد فيه، مجتمعا قطريا يسعى إلى التحرّر من كلّ هيمنة خارجية، ويطمح إلى التوحّد مع أقطار عربية أخرى، كما يتوق إلى تحقيق العدالة المجتمعية عبر سيادة النظام الاشتراكي فيه. وقد أصبحت الحركة القومية العربية بذلك حليفا لحركات التحرّر في كثير من جهات العالم المختلفة، وحليفا للحركات ذات التوجّه الاشتراكي في العالم من جهة أخرى.

إذا كانت فكرة القومية العربية كأساس للوحدة قد بدأت في الظهور منذ بدايات القرن العشرين مرتبطة بفكرة التحرّر من التبعية للإمبراطورية العثمانية، فإنّ وضوحها زاد بعد التطوّرات التي عرفها الانتداب البريطاني على أرض فلسطين وظهور الوعد بتقديم المساعدة للحركة الصهيونية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين. ففكرة القومية العربية هي الخلفية الإيديولوجية التي حارب بها العرب من أجل فلسطين باعتبارها جزءا من الأمة العربية.

لن ندخل في تفاصيل تاريخ البلدان التي بلغت فيها التيارات القومية العربية قمة السلطة وصار على عاتقها أمر تدبير المجتمع. ولكننا نكتفي من متابعة الخط العام لصيرورة ذلك التاريخ بأن نقول إنّ الحركة القومية العربية لم تنجح في تطبيقها لأفكارها، وهي في السلطة، في تطوير التدبير الديمقراطي للمجتمع، فبرزت كثير من مظاهر الاستبداد رغم الأفكار التحررية والوحدوية التي انطلقت منها. ونرصد في التالي بعض هذه المظاهر.

1) كان الوصول إلى موقع السلطة معتمدا على قوة الجيش والانقلاب على السلطة القائمة، وهو مايعني أن احتلال ذلك الموقع من المجتمع لم يكن تبعا لشروط الديمقراطية. وكان التبرير الطبيعي لذلك هو القول بأن الأمر يتعلق بثورة أزاحت عن المجتمع حكما فاسدا وطاغيا من أجل الاستعاضة عنه بآخر يعمل على نشر العدالة ويراعي المصالح الجماعية والقومية.

2) بدل أن يكون الانقلاب على السلطة القائمة حدثا استثنائيا في تاريخ البلاد ينقلها من ماضيها اللاديمقراطي إلى حاضر يتم الاعتماد فيه على التدبير الديمقراطي للمجتمع وعلى تداول السلطة وفقا لمقتضيات هذا النظام، فإن الانقلابات العسكرية أصبحت هي القاعدة المتبعة للوصول إلى موقع الحكم.

3) نظام الحكم الذي أقامته الحركة القومية عند توليها السلطة هو حكم الحزب الوحيد.وهذا نظام بعيد عن الديمقراطية، حتى لو وقع الإيحاء بوجودها بفضل إقامة مؤسسات شكلية تدل عليها. وفضلا عن ذلك ، فإن لهذا النظام سلبيات عديدة منها أساسا إفقار الحياة السياسية في البلاد التي يوجد بها، وذلك بجعل هذه الحياة مبنية على الولاء لتصورات بعينها عن المجتمع، مما يؤثر في الحياة الفكرية والسياسية ويدخلها في مجال ترديد مقولات معينة مقصيا بذلك إمكانيات الإبداع في الحياة السياسية، بل والفكرية والتربوية.كما أن هذا النظام القائم على الولاء أو على إظهاره، على الأقل، يصبح مصدرا للحصول على امتيازات غير موضوعية لأعضاء الحزب الحاكم، مما يفسد معايير التمايز في الحياة المجتمعية.

4) لا يسمح نظام الحزب الوحيد في السلطة، أو الذي يمارس الهيمنة السياسية على البلاد بالاستناد إلى بنود دستورية تمنحه الحق دون غيره في ذلك، بالاستفادة من كل الطاقات في المجتمع التي يدفعها نظام الحياة السائد إلى الهجرة خارج وطنها. وهذا فضلا عن طاقات أخرى تظل معطلة داخل البلاد نفسها نظرا للإقصاءات اللازمة عن منطق الولاء الذي يفرضه نظام الحزب الوحيد في الحكم. ويؤثر هذا على مسار التنمية ووتيرتها في المجتمع.

5) لم تنجح الحركة القومية العربية في بناء مجتمع تسوده ديمقراطية مجتمعية تتعايش فيها بشكل ديمقراطي المكونات المختلفة للمجتمع. وهكذا، فإن التركيز على عنصر العروبة وإضفاء صفة الإطلاق عليه في صيرورة الحياة السياسية والمجتمعية قاد إلى تهميش بعض المكونات غير العربية في المجتمع، ولم يتح لها الفرصة للمساهمة من حيث هي ذات انتماء لنفس المجتمع. لم تنجح الحركة القومية العربية في فرض عروبة تضفي النسبية على ذاتها لتعايش في إطار ديمقراطي المكونات الأخرى. وفضلا عن كون هذا الأمر يبدد الطاقات المجتمعية ويقصي جزءا منها، فإنّه يكون مصدرا لصراعات جانبية تخرج بالمجتمع عن سياق الغايات الأصلية التي قامت من أجلها الحركة القومية العربية ذاتها، وتفتح الباب لبعض التدخلات الخارجية. وقد كان لهذا الأمر أثره الفعليّ على استقرار المجتمع وتطوره.

6) زاد على المظاهر السالفة الذكر مظهر آخر أقوى تنافيا مع الديمقراطية وأكثر ابتعادا بالحركة القومية عن الغايات المعلن عنها، ونقصد بذلك انبثاق الحكم الفردي المطلق عن حكم الحزب الوحيد. لقد أصبح تركيز الهيمنة الفردية على أجهزة الدولة والحزب وجعلها تابعة لإرادة الحاكم هو ما يأخذ جزءا من سياسة الدولة. ابتعدت البلاد في هذه الحالة عن كل تدبير استشاري للمجتمع، وابتعدت الحركة القومية عن مبادئها، وحل محلها حكم ديكتاتوري حتى إن كان يحكم باسمها. لقد وقع الخلط بين المبادئ القومية وبين شخص الحاكم، وهو شبيه بذلك الذي وقع في حالة البلاد الاشتراكية في عهد ستالين.

7) كان من نتائج مثل هذا النمط من الحكم، كما اتضح ذلك في حالة العراق، دخول البلاد في صراعات وحروب غير مدروسة العواقب، وهو ما أدى إلى تراجعات كثيرة في وضع البلاد وأبعدها عن كل الغايات المرسومة، بما في ذلك غايات القومية العربية.

يوضح ما سبق أن غياب الديمقراطية من البرنامج الفعلي للحركة القومية العربية كان من أسباب فشلها في تحقيق هدفها القومي. فمع غياب الديمقراطية، وظهور الاستبداد باسم القومية غابت الأهداف القومية ذاتها. القومية، مثل الاشتراكية التي تحدثنا عنها قبل الآن، في حاجة إلى قيمة أخرى تضاف إليها هي الديمقراطية. وهذا دليل على الطريق الذي ينبغي أن يتجه إليه التفكير في هذا الموضوع، إذ أن غياب الديمقراطية يثبت بالخلف أولويتها.

-4-

انطلقنا منذ البداية من موقف يجعل الديمقراطية هي الاختيار الأول الذي يؤطر في المجتمع كل الاختيارات الأخرى. وقد بينا هذا الأمر بالنظر في تطبيق الاشتراكية كقيمة إنسانية مبرزين أن غياب التأطير الديمقراطي لتطبيقها حجب القيم الإنسانية التي تتضمنها .وتابعنا هذا الاتجاه بالبحث في التطبيق غير الديمقراطي لمبادئ القومية العربية بما تتضمنه من مبادئ الوحدة والتحرر والاشتراكية، مبرزين التناقضات التي عرفها تطبيق تلك المبادئ عند وصول القوميين إلى الحكم. وقد فضلنا أن نخص الناصرية كتجربة قومية بنظر خاص بها لتمايزها عن التجارب الأخرى ذات نفس التوجه لتميز تأثيرها في مصر وفي البلاد العربية والإسلامية والإفريقية عامة.

يرتكز الحديث عن الناصرية على شخصية جمال عبد الناصر الذي تحمل اسمه، وعلى سياساته في عهد رئاسته لجمهورية مصر، كما يستند إلى تقييم الأفعال والقرارات التي صدرت عنه، والنتائج والعواقب التي لزمت عن ذلك كله.

لم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيس للجمهورية، بل كان قائد ثورة أحدثت تغييرا كيفيا في المجتمع المصري، وكان هذا الأمر شرطا من شروط عمله، وهو كذلك شرط من شروط تقييم خلاصات عهده. فقد أظهرت حكومة الثورة عزما على سن سياسة تكون ثمراتها لصالح قطاع واسع من المجتمع. وتحققت فعلا إنجازات لا يمكن نكرانها في مجال السياسة الزراعية، وتأميم بعض القطاعات الحيوية، وتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية.

لا نرى أن المطلب الديمقراطي، وهو مطلب كل شعب، كان غائبا بصورة مطلقة عن عبد الناصر وعن الحكومة التي كانت تحت قيادته وتوجيهه، ولكنه كان مؤجلا لأن هناك مهمات أخرى كانت لها الأولوية في نظر هذا القائد ومن كان معه. كانت الأولوية لدى عبد الناصر، كما قد تكون لدى أي قائد آخر لتغيير ثوري، لمهمة التحولات المطلوبة في المجتمع لنقله من عهد إلى آخر. كانت الأولوية معطاة أيضا لمواجهة الصعوبات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد في ضوء الغايات التي يراد بلوغها : رفع مستوى الحياة لدى عامة الشعب، إنجاز مشاريع تحرر الاقتصاد في البلاد وتجعله في خدمة الأهداف الوطنية، تحقيق الغايات القومية في مصر وفي البلاد العربية، إقامة توازن جديد في العالم تأخذ به البلدان العربية والإسلامية ضمن مجموعة عدم الانحياز مكانة يستحقها تاريخها.

كان قائد الثورة المصرية ومن معه منشغلين عن الديمقراطية بمهام كبرى أخرى ظنوا أن إنجازها أولى من الاهتمام بإنجاز شكل الحكم الديمقراطي. ولكن ما تم إهماله بدا بعد ذلك أساسيا. وقد ظهر هذا الأمر بعد هزيمة1967 أمام إسرائيل، ثم بعد وفاة عبد الناصر حيث لم تكن البنيات الديمقراطية الحقيقية قائمة وقوية، فكان ذلك عاملا سمح بالسير بالبلاد في اتجاه مضاد للغايات التي كانت الثورة قد رسمتها للمجتمع المصري.

قد يقال في هذه الحالة : إنه فضلا عن السياقات الدولية، فإن صعوبات أخرى داخلية واجهت عبد الناصر، وهي متعلقة بصفة خاصة بالمعارضة التي قامت ضد حكمه. وهناك اتجاهان أساسيان للمعارضة: الإخوان المسلمون، من جهة، مع أنهم أيدوا الثورة في بدايتها وأخذوا مواقع منها، ثم الشيوعيون من جهة أخرى، مع أن الثورة المصرية تبنت فكرة تحقيق مجتمع اشتراكي. وقد كانت هذه الصراعات عاملا داخليا ذا تأثير قوي مانع لظهور الديمقراطية بوصفها أولوية في برنامج الثورة المصرية وقائدها.لكننا، مع مراعاة هذا الأمر لا نعتبره كافيا لتغييب الديمقراطية بوصفها أولوية ضمن برنامج التحولات التي كان على الثورة المصرية إنجازها للابتعاد بفضلها عن النظام الذي قامت ضده والتمايز عنه. وهكذا، فإنه لم تتخلص الثورة المصرية مما دعاه المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي من النظام الأبوي. لقد كانت الثورة ضد نظام أبوي كان يتضمن، مع ذلك، بعض مظاهر الديمقراطية مثل وجود أحزاب وانتخابات وبرلمان. ولكن الثورة أصبحت بدورها نظاما أبويا بصيغة جديدة وبأهداف معلنة مختلفة. وأكثر من ذلك فقد أدى الصراع إلى حل الأحزاب التي كانت قائمة مما أضعف الحياة السياسية في البلاد وجعل الممارسة فيها وحيدة الاتجاه. وهكذا غابت الديمقراطية لأنها لمتكن أولوية، ومع غيابها كان من الصعب تحقيق غايات أخرى.



-5-

لم تكن غايتنا أن نبين عواقب الاستبداد في المجتمعات الإنسانية بصفة عامة، بل انحصرت تلك الغاية في إبراز التعارض الذي عاشته، أو تعيشه، مجتمعات تبنت قيما سامية ذات طابع إنساني، لكنها بإهمالها للبناء الديمقراطي أو تأجيلها له بدعوى وجود أولويات أخرى، وضعت موضع السؤال حتى تلك القيم ذاتها. وقد ركزنا على نموذجين : البناء الاشتراكي للمجتمع، ثم تحقيق غايات قومية. لكننا نعلم أن تحليل هذين النموذجين من المجتمع غير كاف، وأنه يمكن النظر في نماذج أخرى للخروج بخلاصات أوسع وأكثر مصداق. نترك هذا التوسع لدراسات أخرى



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow