Alef Logo
يوميات
              

سوبر هايد بارك!!

محمد مراد أباظة

خاص ألف

2016-10-22


ثمة دافع فيزيولوجي اضطراري قد يدهم، أو لِنقُلْ دهم، ذات يوم أحدَنا، وهو خارج البيت، وحشرته في زنقة لا تطاق، فأُجبرَ على اللجوء إلى أحد المراحيض العامة، كما أُجبرتُ وأُجبرتَ وأُجبرَ الكثيرون من أمثال الـ(أحدنا) ذاك، بغض النظر عن تبعية المرحاض، فقد يكون لمشفى أو جامعة أو مقهى أو دار سينما أو حديقة عامة أو.... والأمور إلى هنا طبيعية، ولا شيء يستحق الحديث عنه.
لكن الـ(أحدنا) بعد لحظات، وأثر الزنقة يتلاشىى والأزمة تنفرج، انتبه إلى وجود كتابات ورسوم وشخبرات مختلفة على السطح الداخلي لباب المرحاض وجدرانه -لا تَقُلْ إن هذا لم يحدث معك أنت أيضاً ذات زنقة!- ومؤكد، بل من الطبيعي، أنها، في البدء، لم تثر اهتمامه، ولم تعنِ له شيئاً بسبب ضبابية التركيز في ذلك الحيّز الكيميائي. ثم بدافع الفضول أو بلا أيّ دافع، دقق النظر في تلك الشخيرات فوجد أنه يقبع قبالة ظاهرة فريدة من نوعها، ظاهرة لو أن أحداً من جهابذة علم النفس، الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، عاينَ ما اطّلع عليه الــ(أحدنا) لفوجئ باكتشاف حالة، بل حالات، جديرة بانتهاز الفرصة لدراستها وتناوُلها بالبحث والتحليل والتفكيك والتركيب والاستنباط والاستنتاج والاستدلال والتعميم، ولأنجز مجلداً ضخماً، أو مجلدات عدّة، تتضمّن دراسة مطوَّلة في غاية الأهمية والخطورة، تضاف إلى مكتبة التحليل النفسي محلياً وعربياً وعالمياً.
وحين دفع الفضول الـ(أحدنا) إلى متابعة تصفُّح تلك الكتابات والرسوم وتأمُّلها اتضح له مدى الكبت الذي يؤرق ويقلق ويكاد يفلق محرريها ورساميها، وتشرح المصاعب الحياتية التي يعيشونها، وتطرح العقد النفسية المركَّبة التي يعانونها، وتعكس ماهيّات ثقافاتهم وإيديولوجياتهم ومواقفهم السياسية وقناعاتهم الاجتماعية، وتترجم طبيعة همومهم وطموحاتهم وأحلامهم، وتعرّي رغباتهم المكبوتة وغرائزهم المقيَّدة، ونزعاتهم الشاذة، وتكشف عشرات المصائب والمواجع والحالات التي تنخر كياناتهم، بغض النظر عن مستوياتهم الفكرية واللغوية والفنية.
وتلك المستويات، بالإضافة إلى طبيعة معاناتهم وأشكالها، تتناسب مع ذلك المكان وتبعيته، فما يعانيه محررو المراحيض الجامعية، مثلاً، يختلف عمّا يعانيه زملاؤهم في مراحيض المشافي والمقاهي والحدائق العامة و... و...
وقد فوجئ الـ(أحدنا) ذاك، كما فوجئتُ وفوجئتَ وفوجئ بعضنا أكثر من مرة، بمخطط لجريدة حائطية على الباب وقد قُسّم إلى مساحات إخراجية مختلفة، مُلئ بعضها بكتابات ورسوم، وتُرك بعضُها الآخر فارغًا لمن ستحثه قريحته على المساهمة في التحرير. فباب المشاركة مفتوح على مصراعيه للجميع بلا استثناء، ومن كل الشرائح الاجتماعية، فلا شروط مسبقة، ولا ضرورة للمؤهل الثقافي أو الفني، إذ يستوي خريجو الجامعات والذين لم تَبْلَ مؤخرات سراويلهم على أيّ مقعد دراسي، ويتساوى خريجو كليات الفنون الجميلة وهواة الرسم البدائي والذين لا يميِّزون بين قلم الرصاص وقضيب المعكرونة.
وللجميع حرية مطلقة لا حدود لها في الكتابة والرسم، والسرّية مضمونة، فلا موانع رقابية، ولا اختراقات قرصنة (هكرية)، ولا اجتياحات فيروسية، ولا نقد لموضوع أو مضمون أو أسلوب، ولا محاسبة على أخطاء نحوية وإملائية، والكتابة مسموحة بالفصحى وباللهجات العاميّة كافة، ولا حواجز تحول بين المشاركين واستخدام المفردات مهما كانت جرأتها وصراحتها وعدوانيتها واستفزازيتها ودرجة انحطاطها ودونيتها وسوقيتها وقباحتها ووقاحتها ورذالتها وبذاءتها كتلك التي نسمع نماذج منها أحياناً، للأسف، في الأسواق والشوارع والحارات الشعبية وبين الشرائح الأسرية التي يغرّد أولياء أمورها راقصين خارج المفاهيم التربوية وفضاءات العصر الديجيتالي وسخريات التاريخ المتناسلة تعبيراً عن مشاعر وأفكار وغرائز ومواقف وتوصيفات تَكِنُّ في أعمق أعماق بعض النماذج البشرية.
إن الكثيرين، بالمناسبة، لا يتلفظون بمثل تلك المفردات عادةً في المواقف المستفزّة المثيرة للنوازع البدائية الكامنة فيهم، إلا بينهم وبين أنفسهم ربما، ولاسيما إذا كانوا ممن روّضتهم بيئاتهم منذ الطفولة فحصّنتهم مكتسباتهم التربوية ضدّ التلفّظ بها، ولو ظاهرياً بالنسبة إلى بعضهم، أو حالَ تكوينهم الثقافي والفكري دون التضحية برزانتهم واتزانهم وتوازنهم خلال تحركّاتهم وسكناتهم. وبالمناسبة فإن كثيراً من هؤلاء يروِّجون أحياناً، بضائع أخلاقية في العلن ومجاناً، ويسوِّقون نصائحهم الأبوية أو الأخوية أو الأستاذية أو السلطوية، وقد -أقول قد- تكون تلك البضائع والنصائح مجرَّد لوحات تزيينية لتغطية جوانب من شروخ الشخصيات وتصدّعاتها أو الشعور بهامشيتها.
في تلك الجريدة المراحيضية سوف تقرأ -كما قرأ ذلك الـ(أحدنا)- بدافع الفضول البحت طبعاً: تعليقات نابية وبيانات ناريّة متمرّدة وهتافات سياسية شتائمية، ومصارحات واعترافات مجنونة واستباحات -لنسمِّها اللاأخلاقية أو الشوارعية أو الزعرناتية– تخترق كل التابوهات والأعراف والقيم والتقاليد. وستُجبَر على مشاهدة رسوم إيروتيكية بدائية خادشة للذوق العام والخاص لم يجرؤ على نَقْش مايشابهها حتى رسامو كهوف أل كاستلو وألتميرا وسائر الكهوف الأخرى قبل عشرات آلاف السنين مع أن مفاهيم الرقابة والنقد والحَجْر والقمع والمنع والحظر والمصادرة لم تكن موجودة.
فهل يستطيع هايد بارك لندن أو أيّ برلمان أو مجلس شيوخ أو دوما أو أعيان أو تكتُّل عشائري أو تجمُّع معارض أو اجتماع مكاشفة ديمقراطية ونقد ذاتي في أيّ حزب راديكالي أو ليبرالي أو كولونيالي أو معتدل أو متطرِّف أن يتلطَّف ويتكرَّم ويتفضَّل فيجود، على أمثال هؤلاء المحررين، بمساحة من حرية التعبير والتنفيس والحصانة الخرافية التي تمنحها مراحيض أقصد "هايدباركات" المجتمعات القابعة، أو المضّجعة، أو المنبطحة، أو المتكئة على هامش التاريخ أو المعتقلة في مضائق الجغرافيا وخارج قاعات بورصة المؤامرات تهتف وتصفِّق بمناسبة ودون مناسبة؟!
أقول قولي هذا منهياً إياه بعبارة صلاح جاهين المشهورة (عجبي!!!)

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

بين بين

22-كانون الأول-2016

لِهذا أَكتُبُ عنها

21-تشرين الثاني-2016

سوبر هايد بارك!!

22-تشرين الأول-2016

انفلونزا الضحك..!

15-تشرين الأول-2016

حبّات كرز حمراء

17-أيلول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow