Alef Logo
الفاتحة
              

حدوة قديمة ولكنها تجري الآن

سحبان السواح

2016-09-24


كان يا ما كان في سالف العصر والأوان وتصح الحكاية في كل الأزمان.. أن بائعا جوالا كان يعيش في مدينة في أطراف العالم حيث يسيطر ساحر شرير على تلك المدينة وعلى كل المدن المحيطة بها.. وحتى البعيدة عنها. وكان ساحرا قويا ويملك من أدوات القتل والبطش والسحر ما يمكنه من السيطرة على العالم كله. وكان حكام تلك المدن التي تقع تحت سيطرة الساحر الشرير يأتمرون بأمره ولا يخالفون له طلبا ومن يفعل ينتهي أمره بالقتل أو بالإبعاد .. أو تحت التعذيب غير المشروط.
حدث وبشكل لم يكن يتوقعه أحد أن هذا البائع الشاب أحرق نفسه احتجاجا على الفقر الذي يعيش هو وعائلته تحت نيره، حركت تلك الحادثة الأليمة مشاعر الناس في تلك المدينة، فتألموا.. وغضبوا.. وتعاطفوا.. وتحولت كل تلك المشاعر إلى ثورة ضد حاكم المدينة الذي حاول أن يقمع تلك الثورة.. ولكن الساحر الشرير ارتأى أن يترك الحاكم المدينة ويرحل وأن يستلم الحكم أناس يرضى بهم الغاضبون.. لم يستطع الحاكم أن يرفض طلب الساحر الشرير فغادر ممتثلا لأوامره. فكان على الساحر الشرير أن يتصرف بسرعة وكان يعلم وهو الساحر أن تحريك عاطفة الجشع في نفوس الحكام الجدد سوف تجعلهم يختلفون فبذر بذور الجشع والتفرقة بيين الرجال الذين استلموا مكان الحاكم وظلت تلك المدينة دون استقرار ولا راحة بال للناس التي كان يؤمنها لهم الحاكم السابق مقابل ضرائب باهظة، وبدأوا يقارنون بين وضعهم الحالي .. وكيف سيصير لو عاد الحاكم وعادت لهم راحة البال.

تقول الحكاية.. التي تصح لكل الأزمان منذ بداية الخلقية وحتى الآن، أن المدن التي تحيط بتلك المدينة، والتي يعيش فيها غابتها البعيدة الشاسعة الممتدة الساحر الشرير أغرتهم فكرة رحيل الحاكم، وأغراهم أنهم قادرون أن يفعلوا كما فعل جيرانهم، فثاروا أيضا على حاكمهم.. وهم يظنون أن جيرانهم يعيشون حياة أفضل في ظل الحرية التي نعموا بها فتحرك مدينة ثانية قريبة.. ونجحت كما نجحوا.. مما أربك الساحر.. وقرر أن يغير في تكتيكه.. بعد أن صار على يقين من أن هذه التحركات ستعم مدن غابته جميعها وسينتهي حكامها التابعين له والمؤتمرين بأمره، والذي يتحكم بمصائرهم وثرواتهم نهايات بشعة.. وكان عليه أن يتصرف.

فوجه أوامره أن تتم ثورة المدينة الثانية بهدوء وأمر الحاكم أن يتنازل عن الحكم ويسلم السطلة لأهل المدينة.. وكانت خطة الساحر أن يعلم جميع شعوب غابته بأن عليهم التوقف عن مثل هذه الثورات. لهذا غير تكتيكه وأعطى أوامره أن تسير الأمور بهدوء على أن ينتصر وعن طريق الانتخابات فريق متشدد وغير ديموقراطي حتى يجعل الناس تكتشف أن ما يجري ليس في مصلحتهم.. وبهذه الطريقة نجح الساحر بإيصال المدينة إلى عدم استقرار و دون إراقة دماء.. ولكن المشاعر ذاتها تكررت .. والمقارنة بدأت ترى من كان الأفضل الاستقرار في حكم الحاكم القديم أم الفوضى التي تعيشها تلك البلدان الثائرة.

ويبدو أن الثورات كالمرض تنتقل بالعدوى فثارت عليه مدينة ثالثة، وأراد الساحر الشرير أن ينفذ خطته مع الثورة الثانية ولكن حاكم المدينة الثالثة كان شريرا بقدر الساحر، فلم يستمع لأوامره بالمغادرة وقرر أنه سيقضي على ثورة أهل مدينته.. مما أغضب الساحر وأرسل من يعاون الشعب على القضاء عليه، فقضوا عليه بطريقة بشعة.. ولكنهم وبعد أن شعروا بالنصر أختلفوا فيما بينهم بتدخل من الساحر الشرير ولم تستقر الأمور بعدها لهم.. وصاروا أيضا يقارنون بين حاكمهم المستبد والأمان.. وبين حكامهم الجدد وفقدان الأمان ووجدوا أن الحل الأول هو الأسلم وتمنوا لو أن الحاكم لم يمت.

ثورة رابعة حلت بهدوء نسبي على خلاف الطبيع.. ولكن الثورة الخامسة كادت تطيح بالساحر نفسه.. وتطيح بملكه وجبروته وسيطرته على الغابة.. وكان عليه أن يتصرف بسرعة.. فهذه المدينة الأخيرة تختلف عن غيرها من المدن.. في مناح عديدة وعلم بخبرته السحرية القديمة قدم التاريخ أن هذه المدينة ستغير التاريخ لو نجحت في ثورتها.. ولحظتها اكتشف غلطته الأولى.. لو لم يأمر حاكم المدينة الأولى بالرحيل وساعده على قمع الثورة.. لما حدث ما حدث. لذلك قرر أن دمار المدينة الرابعة هو الحل.. يجب أن تدمر فوق رؤوس أهاليها، لتكون عبرة لمن يعتبر ولكن كيف؟؟؟؟

أعطى أوامره للحاكم أن يضرب بكل قوته، ثم أمره أن يستعين بمجرمين يدعون أنهم ثوار ولكنهم قتلة مأجورون، عاثوا فسادا في أرجاء المدينة التي خرجت من سلطة الحاكم.. وصار الناس في تلك المنطقة بين فكي الكماشة.. الحاكم يقصف مدنهم وأحياءهم.. وأطفالهم ونساءهم.. والمجرمون يهينونهم ويستبدون بهم مستغلين الدين غطاء لفسادهم.. كل ذلك لم يثن أهل المدينة عن متابعة ثورتهم.. فكيف تنجح ثورات المدن الأخرى وهم يفشلون.. وهذا أربك الساحر، فجاء من يهمس بأذنه أن دود الخل منه وفيه.. وعليه أن يغري قادة أهل المدينة بالأموال والقصور والنساء باهرات الجمال حتى يوقع بينهم ويجعلهم يقصرون في واجباتهم .. وكان له ما أراد.

لم تنته الحكاية.. ولن أقول توتة توتة خلصت الحدوتة.. لأن الحدوتة مازالت مستمرة.. ونهايتها غير محسومة.. وإن حسمت فلن تحسم لمصلحة الناس.. لأن المال غير النفوس وصار الأخ يخون أخاه.. والحي يهاجم الحي المجاور.. ولم يصب ذلك لمصلحة الحاكم.. بل لمصلحة الشرير.. نجانا الله منه قولوا آميييييييييييييييييين

تعليق



نادية خلوف

2016-09-27

الحتوتة مستمرّة ، والسّاحر لن يتخلى عن سحره إلى أن تعمّ القيم، وجيل الأطفال المقبل سوف يسجن الساحر في قفص ويكتب على القفص سيرة حياته. لا تحزن أستاذنا، فقد كنا واهمين حول الكثير من الأشياء. اليوم بدأنا نصحو

رئيس التحرير سحبان السواح

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

سحبان السواح

يخشى العالم المتحضر أن يحدث في سورية ما يحدث في دول الربيع العربي من انقسامات طائفية وعرقية ومناطقية في الدول التي سبقتها كتونس التي لم تستقر بعد رغم الفترة الزمنية...
المزيد من هذا الكاتب

سورية لا تشبه إلا السوريين

25-آذار-2017

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

يوميات سوري عادي

11-آذار-2017

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

وريث الخيانة

22-كانون الأول-2016

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow