Alef Logo
المرصد الصحفي
              

بين المواطَنة و«الدعشنة» الكامنة / خالد الحروب

2016-08-06


«داعش» لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة ثقافة هوياتية اجتماعية ودينية وسياسية سيطرت على الفضاء العام خلال نصف القرن الماضي على الأقل، واعتاشت على مناخات تردٍ ذريع ولدها فشل الدولة في منطقتنا، والتدخلات والحروب الخارجية العسكرية التي لم تنقطع. تتوقف هذه الحروب عند العامل الأول وهو الثقافة الدينية والاجتماعية المحافظة والمتسلفة التي اختطفت الجامع والمدرسة والإعلام، وأسست لمعيارية دينية صارمة في تحديد الصواب والخطأ، وترسيم مكان هذا الفرد أو ذاك في المجتمع ومنحه أو حرمانه الموقع أو الاحترام تبعاً لتراتبيات وأفضليات دينية وتدينية. ولا يعني التركيز هنا على هذا العامل التقليل من بقية العوامل الأخرى، وتحديداً فشل دولة الداخل وتغول دولة الخارج، ذلك أن المساحة المتاحة هنا لا تسمح بنقاش كل شيء.
انخرطت الثقافة الدينية الجمعية في تصنيع «داعشية كامنة» لا يمكن إنكارها تحكمت في المجتمعات، وأطبقت قبضتها بالتدريج على معظم مساحات الفضاء العام. وتعود الجذور الأولى لهذه «الداعشية الكامنة» إلى زمن انهيار الدعوات الإصلاحية والانفتاحية لتيارات ظهرت على يد الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي لمصلحة صعود سلفية وانغلاق حسن البنا ثم سيد قطب وبعدهما التيارات السلفية برمتها. تدعمت تلك «الداعشية» الكامنة المتصاعدة بعيداً عن المؤسسة الرسمية عبر المؤسسة الرسمية ذاتها في الدول العربية، حيث انجرت إلى مربع الدين كي تدافع عن شرعيتها السياسية. في المحصلة وبإيجاز قد لا ينجو من ابتسار، تنافست الأنظمة السياسية والمعارضات الإسلاموية ضد بعضها البعض في تكريس آليات تديين المجال العام في معظم البلدان، وإن بدرجات متفاوتة. وانعكست أشد تجليات ذلك التنافس تأثيراً وتدميراً على طبيعة وتعريف الصراع على الشرعية السياسية، وتديين الإعلام، وتديين مناهج التعليم. كل ذلك أدى إلى تسييد الخطابات الدينية بأطيافها المختلفة، وتحويلها إلى الناظم الأساسي للعقل الجمعي والمنظومة المعيارية التي تفصل على مقاسها الكثير من القوانين، ويتم استخدامها لتقييم الممارسات والأخلاق العامة والأعراف. المعنى التطبيقي لسيادة الخطابات الدينية أن الفرد في الدولة العربية صار له شخصيتان اعتباريتان تتصادمان في كثير من الأحايين: الشخصية الأولى دينية وهي مُعرفة بمدى تدينه والتزامه، والشخصية الثانية قانونية معرفة بكونه مواطناً بحسب الدستور. وقد طغى التعريف الأول على التعريف الثاني إلى درجة مُذهلة، حتى صار «الفرد المتدين» هو المعيار والمسطرة وهو «أفضل» من «غير المتدين» من دون نقاش. ولو كانت هذه التفاضلية محصورة في حيز آراء الأفراد ببعضهم البعض لما كان لها أهمية، لكنها تفاضلية ظلت تتضخم وتكبر حتى حشرت التعريف القانوني للفرد في الزاوية، ولأنها أعلت من قيمة «التدين» في المجتمع وأخرجتها من حيز الممارسة الفردية إلى المعيارية المجتمعية التي تتماس مع النظرة القانونية. الاصطدام الكبير بين النظرتين والتعريفين عندما يخرج التعريف الأول (التديني) إلى الحيز العام يأتي من تناقضه مع فكرة الدولة المواطنية الحديثة التي تقوم على اعتبار كل الأفراد مواطنين متساوين بحسب الدستور، لهم حقوق وعليهم واجبات «مواطنية» وليست دينية. بحسب الدستور يتساوى المسلم مع المسيحي، وحتى مع المواطن الملحد الذي لا يصرح بإلحاده. التعريف الأساسي لهذا الفرد هو «المواطنة»، وليس درجة التدين، فالتدين والالتزام الديني مسألة فردية خاصة بكل فرد يديرها كما يشاء.
الأطروحة الأساسية التي يرتكز عليها أنصار كل دعوة دينية في أي مجتمع في العالم هو أن الالتزام الديني يكرس الأخلاق الحميدة ويضاعف من الخير، ويقلل من الشرور. لكن هذه الأطروحة غير متماسكة لا من ناحية نظرية ولا من ناحية إحصاء، ذلك أن معظم الدراسات والمسوحات المعولمة حول القيم والأخلاق والالتزام الديني تشير إلى أنه لا علاقة مباشرة بين مستويات التدين والأخلاق الحميدة.
إن السؤال والتحدي الدائم والمُتجدد الذي يجب أن يواجهه الجميع، سواء في الحكم أو المعارضة، أو في أوساط المجتمع بشكل عام يتجسد في مفهوم المساواة المطلقة بين المواطنين بغض النظر عن أي معطى آخر، ديني، طائفي، عرقي، مسلكي أو سواه، وهو المفهوم المُنتظم في إطار الدولة المدنية التي لا تهتم بمدى تديين الأفراد، بل بمنحهم حقوقهم ومطالبتهم بالتزاماتهم بحسب الدستور.
الدولة المدنية القائمة على المساواة في المواطنة عليها أن تحمي حق مواطنيها في التمتع بحرياتهم الفردية والمسلكية، وليس فقط حرياتهم السياسية. ومن تلك الحريات الفردية التي من واجب الدولة حمايتها حرية الأفراد. التدين والالتزام بأي من الطقوس شأن فردي لا دخل للدولة فيه، وشأن الدولة هو أن توفر المناخ الصحي للمتدين في الحياة بشكل طبيعي ومن دون قمع.
عن جريدة الاتحاد

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow