Alef Logo
ابداعات
              

بُوذيّ في مِحراب القلق ..

مازن أكثم سليمان

خاص ألف

2016-07-23


تصوَّري ياحبيبتي
أنا الغريب البردان
كعُصفور صغير
فقَدَ عُشَّهُ
في تحويمة فُضول
أنا الغاضب
في أنياب الحِصار
والوحيد ..
بِحياة تَنسُجُها
عناكبُ الحُزن
وأُخطُبوطات تسكُّع
لذيذة وخانقة
أدعو الآلهة كلَّ لحظة
أن تمضَغني أضراس
هذي المدينة السَّكرى
] حُوريّةُ البحر المسعورة [
أن تطحَنني في رحى ثدييها
وتحرُقني بِعُيونها الزّرقاء
كجُثمان بُوذيّ
تناثَرَ رمادُهُ
وتهادى ..
في جحيم غلاصمها

تصوَّري ..
كيفَ أتعلَّق كطِفل
بِلُعبة تُؤذيني
أنتشي كلّما دغْدَغَني
بُكاءُ أصابِعها
كلّما أثارني عُريُها
وأرهَقتني أُنوثتُها
كلّما نسَّكني مُجونُها
وكفَّرني صمتُها
فأَغرَقَني رِضابُها
في جَذوة المجهول
إذا عطِشتْ
أعصُرُ لها عُمري
إذا جاعتْ
أذبَحُ لها كَبدي
إذا أطلَقَتْ : أُوف
وحدي أقول : أَلله
وبعدَ ذلك ..
تشُدّني من أُذُني مُؤنِّبةً
كتِلميذ أخطأَ
في إملاء قوس قزح
أو نسِيَ وظيفةَ الإضاءة
في يوم شَتوي مُشمِس

... تحكي لي أسرارها
فأُودِعُها كلّ ما أملُك
] هواجسي وأشباحي وقصائدي السّاهرة
كعُمّال البلديّة في حارات جسدها [
وفي جَلسة سَمر مع جاراتها المُدُن
تنثُرني كقُشور الموالِح
رُتوشاً لِلثّرثرة
تُنكِرُ كم مشَيتُ في عينيها
سجيناً معصوبَ العينين
كم هرَبتْ قدمايَ مِنِّي
لِتغوصا في رحيق أزهارها
كم ردَّدتْ شَفَتايَ المُقرّحتان بِالحُبّ
درسَ الجغرافيا بِفَرح
مع صِغار الأمواج
العائدة من مدرسة الأُفُق :

] كلَّ غُروب ..
تطهو المدينةُ قالبَ الحلوى الشَّمسي
خِلسة وراء ظَهر اليمّ ..
يلتبِسُ بهِ قلبُ طائرٍ مُهاجِر
ويبتلِعهُ الماءُ المُجرَّح
كقُرص أسبرين ..
كلَّ غُروب ..
منارةٌ هائمة على وجهها
تكشِفُ كلَّ تلكَ الحقائِق .. [
تصوَّري ..
هيَ أُنثى
والبحرُ ذكر
وعلى سرير الشّاطئ
يتَّحِدان ..
لكنْ , تصوَّري أيضاً
وَسْطَ قداسة كلّ هذي الإباحيّة
دِماء روحي مُحجَّبة ..!!

... تصوَّري أنَّ البحرَ اشتكى لي في آخر سهراتنا :

] تهجُرني طويلاً, فأكاد أنساها
كأيّة مدينة داخليّة
وفي قَيْلولة على هامش الظّهيرة
تقتحِمُ خُلوتي بِكِبرياء الأميرات
تدَّعي أنَّ الشَّوقَ فعَلَ فِعْله
وأنَّهُ - أبداً -
لم تغمُرْها وُحولُ التّعَب
ولم تُوَسِّع فِئرانُ الوَحْدة
نُدوبَها العميقة ..
تُكابِرُ على قسوة الأهل
وخِيانةِ آخِرِ عُشّاقها
وبِحَركة مسرحية مُتقنة
ترتمي بِكامل سُكّانها في أحضاني
فأُقرِّرُ إغراقَها
تحتَ قدميَّ المالحتين ..
أو الانحسارَ عنها
لِتموتَ من الجفاف والإهمال ..
لكنّها تُجمِّدني بِعينين
أمضى من دُوار أعماقي
تصنَعُ لي أُرجوحةً من ضفائرها
تُغريني بِسِفاح القُربى
تقلي لي عُصفورتَيْ وجنتيها
وتغمُسُهُما في النّبيذ
تُداعِبُ رِمالي بِمجاذيفها الخائبة
وتنامُ كسمكة حارّة
في شُقوق نفْسي
تُداوي ثآليلَ كآبتي
بِأعشاب بحّارة
تفلَّتوا من خُرْم الأُسطورة
وفي الفجر
تنهَضُ مُسرعةً
تفتَحُ خِزانة قلبي
وتأخُذُ فُستانها الذي أحفَظهُ لها
ثمَّ تُغادِرُ مضاربي
لِتعودَ كما كانت
كأيّة مدينة داخليّة
ولا تنتبِهُ ككلِّ مرّة ..
أنّها نسيَتكَ مُختبِئاً في حمّالة ثدييها
تمُدُّ رأسكَ المُرتجفَ يميناً وشِمالاً
كأنّكَ كنغر صغير في عُبِّ أُمِّه ..!!
. . .
. . .
لِكَيْ تُدخِّنَ سيجارة
تسرِقُ عُلْبةَ ثِقابكَ
وترميها في رغوتي ..
لِكَيْ تُعطِّرَ جسدها
تكسِرُ مِرآتكَ
وتُحدِّقُ في القمر المعكوس على وجهي ..
ولِكَيْ تنتشيَ بِأُنوثة السُّلطة
تقتَصُّ نيرانها
من مراكبكَ المُحمَّلة
بِتوابل الشِّعر
وذهبِ الوهم الطّويل .. [

تصوَّري ياحبيبتي
أنَّني هُنا :
على الأرصفة التي عجَنتني بِغُبارِها حتّى نضَجتُ ثمَّ يبِستُ
كرغيف في الهواء
وفي الحدائق التي لَسَعَتني بِأشواكِها حتّى امتلأتْ روحي
بِالثُّقوب
وشفَفْتُ فشُوهِدَ نيْزكُ الحِيرة يهطُلُ خلفَ رِئتِي
ناهِباً بِعباءَتِهِ ياسمينَ العاطفة
مُطبِقاً عينيَّ كقوقعةٍ على الدِّفء
حيثُ يستيقِظُ بَدْوُ الذّاكرة حَزانى
لِيغيبَ رَحْلُهم بينَ كُثبان الشّوق
هُنا تماماً..
أُمدِّدُ أعصابي أسلاكاً على أعمدة الكهرباء
وأنتظِرُ العاصفة لِتَشْبُكَها
أو تصنَعَ منها عكاكيزَ
لِوَردٍ سيلوذُ بِسِياطي يومَ تشتعِلُ الكارِثة :

] أرتمي في غيمةٍ مُسرعة
كشاحنةٍ تحمِلُ خُضار الرّيف ..
وأبيعُ لُغتي
في أسواق مُدُنٍ ليستْ على الخريطة [

] أحفُرُ اسمي على رُطوبة الصّيف
تُحفةً مُرصّعة بِالأصداف
وأُهديها لِمَتحف التّائهينَ
في نُقطة على سطر العِناق [

] أمسَحُ دُموعَ المطر عن وجهي مِراراً
كما تمسَحُ المُراهقات المُبتدِئات
طِلاءَ الأظافر
فتحصُدُني نجمةٌ تحتَ قصفِ مشاعرها [

... رافِعاً رايةَ التّلاشي
مُتعبِّداً النَّسيمَ الرّائب فوقَ نواصي البُيوت
غارِقاً في النُّبوَّة الفائضة من زَهْر اللّيمون
وعلى عجَلٍ..
ساكِباً الرّبيعَ في صُحون المُولَّهين
كحساء الجنود في فُطور ما قبل المعركة
مُنتخِباً في ذُروة الرّغبة
الرّحيلَ البائسَ يا حبيبتي
فلْيصفَعِ الزّبدُ وسائدَ الهوى
ولأُضيِّعْ جناحَيَّ في قِياس ضَغْطِ الإسمنت
لأمحو خُطُواتي الوثنيّة عن أفخاذ الشَّوارع
وأغسِلْ بصَماتي عن الأبواب والنَّوافذ والحَلَمات
لِيكُنْ كلُّ طابع بريد بِساطَ ريح
ولأعترِفْ أنَّ لعنةَ الحُرّيّة
ريشةٌ تأسِرُني في فراغِها
وأنّني سأبقى في إضبارة الله والشّيطان
صائدَ الحنين المخدوع :

] .. بِوجهٍ لفَحتهُ الشّمسُ طويلاً
وقُبّعة قشّ عريضة كطاحونة هواء ..
بِزَنْدين أملسين ومفتولين
وساعدين يتوازَيان كنعشين في جِنازة
أو يتصالَبان كشجرتَيْ نخيل ..
لا تصطادُ قواربي المُثابِرة
إلا الحصى المَلول
وأسماك السّراب .. [

... أنا الخائف المُطارَد
كنشّال العُيون السّاحرة
من حافلة الأعمار ..
كمُزوِّر جواز سَفَر الخَيال
على المقهى البحري ..
كالمحكوم بِالإعدام
في منفىً بعيد ..
والمركول من أحلامِهِ العالية
كشُعاعٍ ليليّ
أترَعَ الشّللُ عضلاتِه ..
أنا المُزدحِم
بِعربات الرُّعب
وحِقدي مُكدَّس
كحبّات الطَّلْعِ
فوقَ أشجار الكِينا
أخشى إنْ طُعِنْتُ في قلبي
أنْ أنزِفَ اللاذقيّة
من الكورنيش الجنوبيّ
حتّى الشّاطئ الأزرق
ومن
نهديّ
الحبيبة
حتّى رصيف الميناء .

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

رائحتك

18-شباط-2017

كَتَبَتْ على صَفْحَتِهَا في الـ"فِيْسْ بُوْكْ": " لِلغيابِ رائحةٌ كما لِلحُبِّ. ولِكُلِّ رائحةٍ زمنٌ حَيٌّ تولَدُ مِنْهُ، وتعيشُ فيهِ، ومعَ استنشاقِها في زمنِها الَّذي بَزَغَتْ فيهِ تسكُنُ في الذَّاكرةِ كالأيَّامِ، ببساطةٍ...
المزيد من هذا الكاتب

ما بعدَ حلب.. ما قبلَ حلب..

06-كانون الثاني-2017

شِعريّة التَّمويه والالتباس ج3

12-كانون الأول-2016

شِعريّة التَّمويه والالتباس/ ج 2

04-كانون الأول-2016

شِعريّة التَّمويه والالتباس / ج1

30-تشرين الثاني-2016

هل ......؟!

09-تشرين الثاني-2016

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow