Alef Logo
ابداعات
              

في سجن مديرية الأمن بالبصرة

حيدر محمد الوائلي

خاص ألف

2016-05-21


قالت له امه اذهب لترى اباك فلقد سمحوا لنا بمواجهته في سجن مديرية الأمن بالبصرة، لقد سعى لنا اولاد الحلال واستحصلوا موافقة لمواجهته ولكن لشخص واحد.

كان الأب مودعاً في سجن الأمن يسومونه سوء العذاب سجينا سياسياً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

امتلأ السجن بالسجناء، فقرروا تبييض السجون بسواد سرادق العزاء على ارواح المعدومين. صفوهم صفين طويلين شبه متساويين دون معرفة من هم وماهي دعاواهم المودعين السجن بسببها حيث جاء الأمر من مدير الأمن أن يصطفوا صفين وقد فعلوا.

هتف مدير الأمن: (اعدموا جميع من في الصف الأيمن وأرجعوا الصف الأيسر لزنازينهم).

هكذا بكل بساطة!

رجع الأب ميتاً بجسمٍ حي لزنزانته حيث كان من أصحاب اليسار. لم يحمد الله بل استغفره أن لم يطلقوا سراح روحه من سجن الأمن وسجن الجسد.

كان له ولدين وزوجة. تولى اخوة الزوجة رعاية الولدين. صار الخال اب واعتادوا على مناداته بالأب، بل هم لم ينادوه بالخال ولا مرة.

رعاهم فكبرا شابين يافعين.

لابد أن يقرر الولدين والأم الان ويحسموا امرهم.

من يذهب لمديرية الأمن ليحضر المقابلة؟! فيجب ان يكون واحداً لا شريك له.

قررت الأم التنازل عن حقها وطلبت من ولدها الأصغر أن يذهب وأقنعت الأكبر بأن أخاه الأصغر لا يتذكر اباه مطلقاً حيث كان طفلا صغيراً حين أودعوا أباه السجن.

مضى الولد الأصغر تلقاء ذلك الصرح المرعب مع تفاصيل المواجهة زوده بها واسطة ابناء الحلال. بعد اللتيا والتي دلف لداخل مديرية الأمن، كان أسم المكان كفيلاً بأن يدخل الرعب على قلوب الناس.

كانت التعليمات أن يذهب الزائر للزنزانة المودع فيها السجين ضمن مجموعة سجناء ويتكلم معه من خلف قضبان الحديد.

صاح به ضابط من ضباط الأمن الذي عرف أن رتبته صغيرة لصغر سنه فبالكاد يكون ملازم أو ملازم اول): (مع من مواجهتك)؟

رد الفتى: (سيدي أنها مع فلان بن فلان).

فأمره الضابط مزمجراً: (اذهب لزنزانه 25 وستجد مجموعة سجناء ينتظرون من يزورهم).

سار الفتى بضع خطواتٍ معدودة، يدفع الخطى دون أن يتقدم سوى بضع امتار لم تمضي به بعيداً.

توقف حائراً!

صرخ به الملازم انف الذكر عن أمره ولماذا توقفه؟

أجاب الفتى: (أنه لا يعرف شكل ابيه! لقد تم حبس أبي يا سيادة الضابط وأنا كنت حينها طفلاً صغيراً ومن حينها مُنعت زيارته وانقطعت أخباره ولا اعرف كيف شكله ومن يكون)؟!

دمعت عينا الضابط وترقرقت دمعتين لم تهطلا لهول ما يسمع!

حتى في هذا الصرح الوحشي ثمة رحمة مؤقتة! وقلة خبرة ضابط جديد عهد بالوحشية.

قاده لأباه دون النبس ببنت شفة.



خرج الأب من سجنه غير عارفاً من هؤلاء الشابين اليافعين الذين يناديناه (أبي).

سقط نظام ظلم صدام فرجع صاحبنا السجين لوظيفته السابقة موظفاً صغيراً في أحد موانئ البصرة. يذهب لعمله يومياً على دراجته الهوائية. بقى في وظيفته المتواضعة حسب اختصاصه ووفق كفائته.



لم يطالب أن يكون مديراً عاماً لمجرد كونه سجيناً سياسياً لعقودٍ من السنين، ولم يركن لطرف الحزب الذي بسببه اودع السجن يرقاه سلماً للثراء.

لم يصعد سلم المميزات والمناصب والمجاملات على حساب وفاءه لسنين النضال التي أكلت زهرة عمره.

لم يرهن سنين الكفاح لجني العوائد والأرباح.

لم يحشر نفسه في مركزٍ ليس أهلاً له ولم يتورط في إدارةٍ ليس كفؤاً لها.

بقى موظفاً صغيراً منسياً ولكنه فخوراً كل الفخر بنفسه، فلم يبيع سنين نضاله ووفاءه لمبدأ الحرية ومقارعة الظلم ببخس مناصب معدودة أو لرهط حمايات فرعونية أو لسحر كرسي الأدارة.



لا يا سيدي فالمسألة مسألة كرامة هانت على الكثيرين. صيروا الكرامة عاراً وذلاً وفساداً.

لا يا سيدي ابق على دراجتك الهوائية تطير حراً كريماً تراقب افواج العبيد قياديين منافقين فاسدين انتهازين ذوي مناصب رفيعة.
تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ.

15-تموز-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

مجتمع الجهل المركب

27-كانون الثاني-2017

في سجن مديرية الأمن بالبصرة

21-أيار-2016

السمكة

15-تموز-2017

ترشيد الفساد

08-تموز-2017

سلمية تحرق نفسها

01-تموز-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow