Alef Logo
ابداعات
              

الكرسي

محمد مراد أباظة

خاص ألف

2016-05-21


منذ تخرجه في الجامعة، حتى قبل أن يدخلها، كانت المناصب الحكومية العالية والتطلع إلى الامتيازات المادّية والمعنوية حلمه، والمكانة المحاطة بالأبهة المهابة هاجسه الوحيد في يومه. وتأكَّد لديه أن طريقه إلى ذلك يبدأ بتحركات تقوده إلى الظهور المناسب بالصورة المناسبة، فأدمن الانخراط في المسيرات مختلفة الأشكال والغايات التي ألفتها شوارع العاصمة وساحاتها، ساعياً بذلك إلى ترسيخ قدميه في بقعة الضوء ولفت الأنظار إليه وإثارة الاهتمام بنشاطاته.
وبعد تعيينه موظفاً في إحدى شركات القطاع العام بدأت ترتفع به درجات السلّم الوظيفي، فكان كلما شغل منصباً طمح إلى منصب أعلى، حتى أصبح مديراً عاماً للشركة.
ولتحقيق طموحاته التالية كان يجامل من هم أعلى منه مكانةً وظيفية إلى درجة التملُّق، ويمتِّن علاقاته بمختلف شرائح المسؤولين في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر والثقافة، ويُقدِّم الهدايا إلى مَن يتوسَّم فيهم تحركاً ما ممكناً لمصلحته.
لم يُفوِّت تجمّعاً، لمناسبة ما، إلا وكان في مقدّمة الموجودين متصدراً الجميع، فإن أتيحت له فرصة التحدث، انبرى يكيل المديح والإطراء لأولي الأمر ببوق الوطنية والإخلاص والغيرة والحميّة، فشغل ما مُنِح من وقت للحديث، وتجاوزه إلى وقت غيره باذلاً جهده في صراخ استعراضي لموهبته الخطابية وذخيرته اللغوية وخبرته الاختصاصية، وتجربته العملية، ووعيه السياسي وطروحاته التنموية.
لم يقنع بمنصب المدير العام، فصار يتطلع إلى حقيبة وزارية، أية حقيبة، في كل حكومة جديدة تُشكَّل، وكان يعتقد أنه جديرٌ بذلك، وواثق بأن مؤهلاته تجعله أحقّ من الكثيرين غيره بمثل ذلك المنصب، فكان في كل مناسبة التقى فيها بمسؤول، مهما كانت مستوى مسؤوليته، شنَّف أُذنيه بأسطوانته، تلميحاً أو إيحاءً أو تصريحاً بتطلُّعه ذاك، وكثيراً ما وافقه بعضهم على طرحه وأكَّد أحقيته تلك، إمّا مجاملاً للتخلُّص من ثرثرته وإلحاحه وانتهازيته ولما سببه له من الضجر، وإمّا محابياً متملِّقاً لغاية في نفسه.
لهذا اعتقد أنه أسقط الكرة بركلاته المتلاحقة في ملعب الجهات المعنية بالأمر، وصار يتوقع، في أية لحظة، اتصالاً يحقق له حلمه في كل مرة تُشكَّل فيها حكومة. فكلما دخل سكرتيره إلى مكتبه يحمل أية ورقة أسرع وجذبها من يده ليطّلع عليها آملاً أن تكون كتاب تكليفه بتلك الحقيبة، وإن رنّ الهاتف في مكتبه أثناء دوامه الرسمي، أو في بيته، انقض على جهاز الهاتف متوقعاً الخبر السعيد.
وفي الأيام التي تدور فيه إشاعة حول تشكيل وزارة جديدة بات لا يغادر مكتبه أو بيته لئلا يبتعد عن جهاز الهاتف. ففي البيت يُمضي قربه ساعات نهاره وليله، يأكل ويشرب ويغفو وهو يحدِّق به، وحين يرهقه السهر والانتظار ويغالبه النعاس يقوم بنقله إلى غرفة النوم ويضعه على كومودينة مجاورة لسريره، فإذا ما رنّ جرسه انتفض كالملسوع وتناول السماعة، ولكن سرعان ما كانت الخيبة تملؤه حين يفاجأ باتصال عادي.
لم يكن يرى في أحلامه إلا مشهد جلوسه على كرسي الوزارة، ولم يكن يشاهد في تلك الأحلام سوى الكرسي، ولم يكن يفيق من كابوسٍ ما إلا وهو يصرخ: "الكرسي".
وتشكّلت حكومات، واحدة تلو الأخرى، وهو يُشوى ببطء على جمر الانتظار في حالة الهوَس تلك، ومع توالي الخيبات أصبح عصبيّ المزاج، متوتراً، وروحه "في رأس أنفه"، كما يقال، يغضب لأتفه الأسباب، ولاسيما حين ينصحه أفراد أسرته بالتخلّي عن حلمه بالكرسي، فيملأ البيت بالصراخ، ويحطم ما يقع تحت يده من آنية زجاجية أو أثاث خشبيّ، ويمطرهم بوابل من الشتائم، ويتهمهم بالجهل والتخلُّف، وبأنهم لا يُقدِّرون إمكاناته ومؤهلاته، ولا يشجعونه على بذل الجهد لتحقيق حلمه، ويؤكِّد لهم أنه سيجلس على ذلك الكرسي ذات يوم، طال الزمن أم قصر، رغماً عن أنوفهم، وأنه يومذاك سيعاملهم بالأسلوب الذي يناسب جحودهم وتخلُّفهم وتهكُّمهم الذي ينال من أمله وطموحه.
وازداد الأمر سوءاً، فاستولى الضجر على أفراد أسرته إلى حدِّ القرف من حياتهم، وضاقوا ذرعاً به، وانزوى كل واحد منهم في غرفته، لا يخرج منها إلا للضرورة.
وبدأت صحته تتدهور، فراح ضغطه يصعد ويهبط، ونسبة السكر لديه ترتفع، وشهيته للطعام تقلّ، وحلّت القهوة والشاي والسجائر محلّ وجباته الغذائية. وتتالت إجازاته المرضية، ولم يكن يخرج من البيت إلا إلى عيادات الأطباء الذين كانوا يصفون له مختلف أنواع الأدوية ويُمطِرونه بقوائم من التوجيهات والإرشادات والنصائح التي لم يكن يأبه لها. واستمرّ بالصراخ في وجوه أبنائه وزوجته إن حاولوا إقناعه بالإقلاع عن حلمه بالكرسي الوزاري: (سترون يا أوباش كيف سيجلس أبوكم على ذلك الكرسي إن عاجلاً أو آجلاً).
وتفاقمت حالته الصحية فأصيب بأكثر من نوبة قلبية ونجا بأعجوبة، وأُسعِف مرات ومرّات، ومع ذلك استمرّ يصرخ بمن حوله بهستيرية: (سأجلس على ذلك الكرسي رغماً عن أنوفكم يا متخلِّفون).
وذات ليلة قفز أفراد العائلة من أسرّتهم بعد ما أرعبتهم صرخاته المطالبة بالكرسي، ثم عمَّ الصمت، وحين أسرعوا إلى غرفته فوجئوا به يغمغم ويئنّ، وهو شبه متخشِّب لا يستطيع تحريك رجليه وإحدى يديه، فقاموا بنقله مباشرة إلى المشفى، وكان خلال ذلك يغمغم بحروف ملتوية: (الـــ...كر....سيييي).
ورقد في جناح العناية المشددة أياماً، ثم تمت إعادته إلى البيت. وهناك، وفور استلقائه على سريره غمغم بكلمة فهموا منها ما يريد، فوضعوا جهاز الهاتف قرب سريره، وراح يحملق به، في حين تبادل الجميع النظرات وهم يهزّون رؤوسهم أسفاً. وكان بين دقائق وأخرى تصدر عنه غمغمة سرعان ما يعرفون ترجمتها.. الكرسي.
بدأ الضجر يسيطر عليه وهو شبه مقيَّد إلى سريره، فكان يغمغم مشيراً بيده السليمة إلى الباب، فيتعاون أبناؤه في حمله، لإخراجه من غرفته، ساعة إلى الصالة، وساعة إلى الشرفة، وساعة إلى الحمّام. ولم ينسَ أو يَسهُ لحظةً عن صحبة الهاتف، فكان قبل أن يحملوه يشير إلى الجهاز، فيضطرون إلى وضعه في حِجره وهم ينقلونه.
وذات صباح التقطت أذناه صوت أحد أبنائه يقول لآخر: (هَهْ.. ها هو ذا قد حصل على الكرسي أخيراً). التمعت عيناه ، بلع ريقه، حاول النهوض من سريره، وحين نظر نحو باب الغرفة رأى اثنين من أبنائه وأحدهما يدفع أمامه كرسياً متحركاً بعجلات. جحظت عيناه وأطلق شهقة مخنوقة، ثم تدلى رأسه على صدره.
تعليق



mmomiss

2016-07-10

No one can do it better than you.mmomiss http://mmomiss.imgur.com/all/

رئيس التحرير سحبان السواح

الشام عروس عروبتكم أولاد القحبة.. لا استثني أحدا منكم

22-تموز-2017

سحبان السواح

صرخ الشاعر مظفر النواب ذات يوم في وجه الأنظمة العربية قائلا: "وأما انتم فالقدس عروس عروبتكم أهلا.. القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل السيلانات إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها وسحبتم كل خناجركم و تنافختم...
المزيد من هذا الكاتب

هذا الرَّماد... وذاكَ الرَّذاذُ الجميل

31-آذار-2017

بين بين

22-كانون الأول-2016

لِهذا أَكتُبُ عنها

21-تشرين الثاني-2016

سوبر هايد بارك!!

22-تشرين الأول-2016

انفلونزا الضحك..!

15-تشرين الأول-2016

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

ترشيد الفساد

08-تموز-2017

سلمية تحرق نفسها

01-تموز-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow