Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر المؤلف : ابن أبي الأصبع / جزء 13

ألف

خاص ألف

2016-04-30


باب التكرار

وهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة لتأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد، فأما ما جاء منه للذم فكقول عبيد بن الأبرص كامل:
هلا سألت جموع كن؟ ... دة يوم ولوا أين أينا
وكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب في التهديد والوعيد مديد:
يا لبكر أنشروا لي كليباً ... يا لبكر أين أين الفرار
وأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير عزة في عمر بن عبد العزيز طويل:
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
وكقول أبي تمام خفيف:
بالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب
وأما ما جاء منه في النسيب وهو لطيف جداً لبعض المحدثين متقارب:
يقلن وقد قيل إني هجعت ... عسى أن يلم بروحي الخيال
حقيق حقيق وجدت السلو ... فقلت لهن محال محال
وقد يجيء التكرار بالأسماء المضمرات أو المبهمات، كما يجيء بالمظهرات كقول الهذلي طويل:
رفوني وقالوا يا خويلد لاترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وأما ما جاء منه للمدح منه للمدح في الكتاب العزيز فكقوله سبحانه: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " وأما ما جاء منه للتهويل والوعيد فكقوله تعالى: " الحاقة ما الحاقة " وقوله عز وجل: " القارعة ما القارعة " وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: " هيهات هيهات لما توعدون " ومما جاء في السنة من التكرار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن أم زرع: " أبو زرع وما أبو زرع " في معرض المدح.
؟

باب نفي الشيء بإيجابه

وهو أن يثبت المتكلم شيئاً في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازاً. والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقوله سبحانه وتعالى: " ... أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " فإن ظاهر هذا الكلام يقتضي نفي هذه الجوارح، وملزومه يقتضي إثبات الإلهية لمن يكون له مثل هذه الجوارح؛ وباطن الكلام يوجب نفي الإلهية عمن يكون له، فضلاً عمن لا يكون له، لأنه المراد، وكقوله سبحانه: " لا يسألون الناس إلحفاً " فإن ظاهره نفى الإلحاف في المسألة، لا نفي المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين، وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وكقوله تعالى: " ولا شفيع يطاع " فالظاهر نفى شفيع يطاع، والمراد نفي الشفيع مطلقاً.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل:
على لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
وظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازاً، وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة وتقدير المعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها؟ كما تقول ملن تريد أن تسلبه الخير: ما أقل خيرك، فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل وباطنه نفي الخير كثيره وقليله.
ومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول الزبير بن عبد المطلب يمدح عملية بن عبد الدار، وكان نديماً له طويل:
صبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره
ضعيف يحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره
وظاهر البيتين يقتضي أن للممدوح مفاقر لم تحضره إذا انتشى، وأن له أظافر تخمش وجه نديمه خمشاً خفيفاً. وباطن الكلام في الحقيقة نفي المفاقر جملة والأظافر بتة.
ومن هذا الباب قسم يوجب فيه المتكلم لنفسه شيئاً وينفيه بعينه عن غيره، أو ينفي عن موصوف ما صفة يوجبه لموصوف آخر، كقول السموءل طويل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وكقول الآخر طويل:
هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج

باب الإيداع

هذا الباب يسميه من لا يعرف اصطلاح أهل هذه الصناعة تضميناً، وكذلك يسمى الباب الذي بعده، وقد تقدم الفرق بين هذه الأبواب في باب التضمين، وشرح هذه التسمية أن يعمد الشاعر أو المتكلم إلى نصف بيت لغيره يودعه شعره سواء أكان صدراً أم عجزاً، وأما الناثر فإن أتى في نثره بنصف بيت لغيره سمى إيداعاً، وإن كان لنفسه سمى تفصيلاً، ومثال ما وقع من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " وإن أوقعت الفصاحة مثل هذا غير مقصود، وكان من الأدب ألا يذكر هذا والله أعلم.
والموهم أنه مودع في الكتاب العزيز قول امرئ القيس مجزوء الرمل:
وجفان كالجواب ... وقدور راسيات
إن صحت الرواية أنه كذلك، وإن روى التقديم والتأخير فبطل ذلك ومثال ما وقع من ذلك في النثر قول علي عليه السلام في جواب كتابه لمعاوية: " ثم زعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست بالجناية عليك، فيكون العذر إليك " .
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وهذا عجز بيت تمثل به أيضاً عبد الله بن الزبير وقد قال أهل الشام له: يا بن ذات النطاقين على سبيل المعيرة لها بذلك، نظر إلى أنها كانت خادمة لا مخدومة، على طريقة الجاهلية في مدح النساء وذمهم، فأنشد طويل:
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
لأن هذا الاسم من فخر أسماء رضي الله عنها، فإنه سماها به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخرجت له ولأبيها رضي الله عنه زاد الهجرة، فأخذ الإمام عجز هذا البيت فأودعه كلامه بعد أن وطأ له توطئة لائقة به. ملائمة له.
ومن شواهده في الشعر قول أبي نواس طويل:
تغنى وما دارت له الكأس ثالثاً ... تعزى بصبر بعد فاطمة القلب
وقد يجتمع الإيداع والتضمين في شعر واحد، كقول علي ابن الجهم في فضل الشاعرة، وبنان المغنى مجزوء الرمل:
كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا

أنشدت فضل ألا ... حييت عنا يا مدينا
عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلينا
فوقع التضمين في البيت الأول، والإيداع في البيت الثاني وكنت نظرت إلى بيت لأبي الطيب وهو طويل:
تذكرت ما بين العذيب بارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
فأودعت كل قسيم منه بيتاً من قصيدة مطلعها طويل:
أعر مقلتي إن كنت غير مرافقي ... دموعاً لتبكي فقد حي مفارق
فقد نضبت يوم الوداع مدامعي ... وشابت لتشتيت الفراق مفارقي
والبيتان منهما:
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
وإن أخذ نصف بيت لغيره، فابتدأ به وثنى عليه تتمة البيت لا غير فذلك تمليط.
وإن بنى عليه كل ما يخطر له من أبيات لتمام غرضه، فذلك توطيد، والله أعلم.

باب الاستعانة

وهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره، في شعره بعد أن يوطئ له توطئة لائقة به هنا بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته، وخصوصاً أبيات التوطئة له، وقد شرط بعض النقاد التنبيه عليه، إن لم يكن البيت مشهوراً، وبعضهم لم يشترط ذلك، وهو الصحيح، فإن أكثر ما رأينا ذلك في أشعار الناس غير منبه عليه، وأما الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمى ذلك تشهيراً، وإن كان البيت لغيره سمى استعانة، كقول علي عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقية: بينا هو يستقبلها في حياته، إذ عقد لآخر بعد وفاته سريع:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
فهذا البيت للأعشى استعان به علي عليه السلام كما ترى: ومثال الاستعانة في الشعر قول الحارثي طويل:
وقائله والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالماء منها المحاجر
وقد أبصرت حمان من بعد أنسها ... بنا وهي منا موحشات دواثر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت له والقلب مني كأنما ... ييقلبه بين الجوانح طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
فاستعان هذا الشاعر ببيتي حرقة بنت تبع، وأرشق من هذا وأخصر قول أبي نواس بسيط
حتى تغني وما تم الثلاث له ... حلو الشمائل محمود السجيات
يا ليت حظى من مالي ومن ولدي ... أني أجالس ليلى بالعشيات
ووقع لي من طريق الاستعانة أبيات هجوت بها متطبباً يهودياً طويل:
رأيت أبا الخير اليهودي ممسكا ... بقارورة كالورس راق حليبها
وقد رش منها فوق صفحة وجهه ... وقال: لقد أحيا فؤادي طيبها
فقلت له: ما هذه؟ قال: بولة ... لأسود يشفى الداء مني قضيبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها
ولا يضر تصحيف الحرف أو تحريفه من الكلام المتقدم، ليدخل في معنى الكلام المتأخر عند الاستعانة كما فعلت ببيت من الحماسة حيث قلت طويل:
إذا ما خليل صد عنك ملالة ... وأصبح من بعد الوفا وهو غادر
فلا تحتفل واستغن بالله إنه ... على أن ترى عنه غنياً لقادر
وهبه كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر
فإن هذا البيت كان نسيباً، وكان أوله وهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير التذكير حتى دخل في معناي.
والفرق بين هذا القسم من الاستعانة، وبين المواربة، أن المواربة تكون في كلام المتكلم نفسه، والاستعانة لا تكون إلا بكلام غيره، وإن ابتدأ ببيت غيره وبنى عليه فذلك تأسيس، مشتق من أس البناء، فإن هذا الشاعر يكون قد جعل بيت غيره أساساً بنى عليه شعره، والله أعلم.

باب الموازنة

وهو أن تأتي الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر متزن الكلمات، متعادل اللفظات في التسجيع والتجزئة معاً في الغالب، كقول امرئ القيس متقارب:
أفاد، وساد، وقاد، وزاد ... وشاد، وجاد، وزاد، وأفضل
وكقول الآخر متقارب:
وهوب، مهيب، رحيب الفناء ... ربيع، مرئ، رفيع الذرا

والفرق بين الموازنة والمماثلة التزام التسجيع في الموازنة، وخلو المماثلة عنه، والفرق بينها أعني الموازنة وبين التجزئة مخالفة تسجيع أجزاء التجزئة، ومشابهة تسجيع أجزاء الموازنة.

باب التذييل

وهو أن يذيل المتكلم كلامه بجملة يتحقق فيها ما قبلها من الكلام، وتلك الجملة على قسمين: قسم لا يزيد على المعنى الأول، وإنما يؤتى به للتوكيد والتحقيق.
وقسم يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر ليحقق به ما قبله.
وإما أن يكتفي بما يتضمن من زيادة المعنى والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال، ولا كذلك معنى التذييل.
ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز متضمناً القسمين معاً قوله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله " ففي هذه الآية الكريمة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: " وعداً عليه حقاً " ، فإن الكلام قد تم قبل ذلك، ثم أتى سبحانه بتلك الجملة لتحقق ما قبلها.
والآخر قوله سبحانه: " ومن أوفى بعهده من الله " ، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقيق ما تقدمه، فهو تذييل ثان للتذييل الأول وقد جاء في السنة من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك " فقوله صلى الله عليه وسلم: " ولا يهلك على الله إلا هالك " ، تذييل في غاية الحسن، خرج الكلام فيه مخرج المثل.
ومن هذا الباب في الشعر قول النابغة الذبياني طويل:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
فقوله: أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر.
وكقول بعض العرب كامل:
ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
فعجز هذا البيت كله تذييل حسن، وكلا التذييلين من بيت الأعرابي وبيت النابغة من القسم الثاني من التذييل، وهو الذي خرج الكلام فيه مخرج المثل، وتذييل النابغة من القسم الوجيز من البلاغة لاختصار لفظه، وتذييل الأعرابي من القسم البسيط منهما، وإنما بسط الكلام فيه لما تضمن معنى التذييل من المطابقة في قوله أركبه وأنزل وتذييل النابغة خال من ذلك، ولقد أحسن بعض المحدثين في هذا الباب حيث قال المتقارب:
صدقتكم الود أبغي الوصال ... وليس المكذب كالصادق
فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق
فكل من عجزي البيتين تذييل من القسم الثاني، لخروج الكلام فيهما مخرج المثل.
وأحسن من ذلك كله قول الحطيئة طويل:
نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد
فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل في غاية الحسن، لأن صدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده، وفيه مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله: يعطي ويعط، وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة، ورابطة وثيقة، مع أن العجز إذا انفرد استقل مثلاً وتذييلاً، كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت، والغرض المطلوب والتمثيل أيضاً، وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه. ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص كامل:
وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن أكرم
فعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة.
ومن بعيد التذييل قول ابن نباتة السعدي بسيط
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
فإنه لما انقضى ما أراده من المدح بقوله:
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله
ثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحساناً له وتوكيداً، وكره التكرير لا لمعنى زائد، وعلم أن لا مزيد على معناه في بابه، فأخرجه مخرج المثل حيث قال:
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل

ليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى، لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض، وفي ضمن ذلك لهج الناس بالمدح الخارج مخرج المثل، وهذا البيت وإن نظر فيه إلى قول المتنبي بسيط
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فلا يقول لشيء ليت ذلك لي
فبيت ابن نباته أفضل من بيت المتنبي، لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه، فلم يجعله في حيز من يتمنى شيئاً، وجعل قدرته وجوده أصاراً مادحة قد بلغ كل أمنيته فلم يبق له أمل: وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في قوله: دون مبلغه واستعارة في اللفظ لقوله: تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي للممدوح، جعله ابن نباتة لشاعر الممدوح من نعمته وزيادة المبالغة في المدح بكونه أخرج المدح مخرج المثل كما بينا، فهو أسير وأبقى، وإذا أنصف الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني، وهذا قد استقل به صدر بيت ابن نباتة، والذي في صدر البيت هو الذي في عجزه لأنه ملزومه، أعني بيت المتنبي، وكله في قول ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله
وعجز بيت ابن نباتة ملزوم صدره، لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل، غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه قد استأنف معنى آخر مستقلاً بجميع معنى بيت المتنبي، مع كونه زاد بأن جعل للممدوح، حسن أدب معه، وبالغ بإخراج المدح مخرج المثل، فقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه شتى، والله أعلم.
وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة، وهي باب الإيغال، والتكميل، والتمكين، والتذييل، وأنا أشير إلى الفرق بينها فأقول: الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، وهو أيضاً مما يأتي بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل وأما التمكين فيفارق هذه الأبواب مزن كونه عبارة عن استقرار القافية في مكانها، لكنها لا تزيد معنى البيت شيئاً، ومتى حذفت القافية نقص المعنى، مع كونها غير نافرة من البيت، والتكميل وإن أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال من وجهين، أحدهما: كونه يأتي في الحشو والمقاطع، والإيغال التذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو، والإيغال والتذييل لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم، والتميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض المتقدم إما تكميلاً بديعياً أو تكميلاً عروضياً، لأنه يكون بمعنى البديع كمطابقة تكمل جناساً، أو مبالغة تكمل تشبيها، أو بالفنون، والفنون عند أهل الصناعة هي ما ينتجها المتكلم من الأغراض والمقاصد كالمديح، والهجاء، والرثاء، والفخر، والوصف، وغير ذلك، والتذييل يفارق الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالاً، آخذاً في البيت من الجزء الذي هو الضرب إلى أول العجز والله أعلم.


نهاية الجزء الثالث عشر

ألف / خاص ألف/

يتبع ...
























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow