Alef Logo
الآن هنا
              

(في رثاء الشاعر محمَّد بشيرعاني) د .علي حافظ

خاص ألف

2016-03-26

رحيلٌ بحدِّ السِّكين

(في رثاء الشاعر محمَّد عاني)

د. علي حافظ


لم أعرفْ لماذا انقبضَ قلبي بشدةٍ وسالتْ دموعي سخيَّةً، عندما تلقيتُ نبأَ إعدامك أيُّها الشاعرُ السوريُّ الشجاع محمد عاني.. ربما شعرتُ، في تلك اللحظة القاسية من سقوط الزمن، بحدّ سِكّينهم السوداء الباردة التي قطعت رأسك الشامخَ شموخَ نخيل الفرات، فوق رقبتي؛ فمن المفروض أن أكونَ مكانك، لو بقيت هناك ولم أغادرْ في الوقت المناسب؟!

لا وقتَ مستقطعَ لدى القتلة؛ لا فرصةَ لاستعادة الأنفاس وتهدئةِ الروح قبلَ خروجها باتجاه الأبدية.. إنهم متحمّسون جداً لقتلك؛ وها هم يقِفون رتلاً طويلاً أمام عظَمتك، يحضِّرون أنفسَهم لغرز نِصال سكاكينهمُ الغبيّة في جسدك الرقيق... مصَّاصُو الدَّمِ النبيل ينتظرون بفارغِ الصبر رؤيةَ دمكَ الطاهر ينفُر بغزارة، لعلهم يحظون بقطرةٍ منه، يُحسِّنون فيها دمَهُمُ الحيوانيَّ البغيض.. إنهم يستعجلون ذبحكَ كي يتقرَّبوا من حضرة آلهتهم الفحميَّة الغريبة؛

لكنني متأكدٌ بأنكَ في تلك اللحظة الفارقة ستكون غيرَ مُكترثٍ بما يجري حولَك؛ محضّراً نفسَكَ كي تُنشدَ آخرَ قصائدك الجميلة، متغنياً بالحرية والحُب، مُمَجّداً الحياة الكريمة، فاضحاً الطغاةَ والمستبدّين والمُجرمين أينما كانوا ـ كما فعل الشاعرُ العظيم غارسيا لوركا وهو يواجه رصاصات جنود فرانكو الفاشيّين بآخر أشعاره التساؤليّة الموجَّهة إلى حبيبته:

"ما الإنسانُ دون حُريّةٍ يا ماريانا؟

قولي كيف أستطيعُ أن أحبَّكِ إذا لم أكُن حُرّاً؟

كيف أهبُكِ قلبي إذا لم يكُن مُلكِي؟"


* * *

في أيِّ زمنٍ نعيشُ يا صديقي؟ في أيِّ عهدٍ نحن؟ هل من المعقول أنَّهم كانوا بشراً يوماً ما؟ ماذا جرى لهم حتى أصبحوا خنازيرَ بذقونٍ بشرية؟ كيف حدثت تلك الطّفرة المستحيلة؟ في أيّ مختَبرات أمنيّة أنتجوا تلك النماذج الدوديّة؟

هل هم مجرمون بالفِطرة أم أنَّهم ـ مع الوقت ـ أصبحوا هكذا؟ هل هم متعطّشون دائماً للدماء منذ ولادتهم غير الشرعية، أم أنهم اعتادوا ذلك بعد عِدّة تجاربَ على الدَّم السوريّ البريء؟

أجل، لم يشبعْ هؤلاء الأوغادُ من دمنا ودموعنا وآهاتنا حتى الآن.. لا أعرف ماذا يريدون بَعدُ؟

لقد قضينا أكثرَ من أربعين عاماً لنعرف آلَ الأسد على حقيقتهم الدَّموية الطائفية الحاقدة؛ وربما سنقضي أكثرَ من ذلك حتى ندركَ حقيقةَ داعش وأخواتها الفظائعية القاتلة.. حثالات البشر ومستحاثات القرون وشُذّاذ الآفاق جَمعتْهم المخابراتُ العالمية من كل حَدبٍ وصوب، وأرسلتهم إلى سورية كي يقضوا على ثورتها، بعدما فشل الأسدُ بالقيام بذلك؛ مشكِّلين دولة الإجرام في العراق والشام.


* * *

آهٍ يا صديقَ الكلمة الموؤودة والفؤاد المجروح؛ كأنَّ البشريةَ لم تخرج من بِئر يوسُف؛ والتاريخ لم يقطع شبراً واحداً باتجاه قِمَّة تمثال الحرية.. ما زال برجُ بيزا مائلاً باتجاه الشرق، ومَوجات عبد الرحمن منيف تتكسر على شواطئِه المتوسطيّة؛ لنغرق كلنا بمُلوحتِه السوداء المُميتة.. أصبحت أرضُنا تنبت شوكاً وشَعراً بدلاً من الورد والسنابل؛ أصبحت مستنقعاتٍ لنَتانتِهم وأوساخهم... سرقوا تاريخَنا ودمَّروا مُدننا وقرانا وسَبَوا نساءَنا، معتبرين أنفسَهم أوصياءَ على الدّين والعلم والثقافة والوطن والأمة... حتى أنهم أصبحوا أوصياءَ على أرواحنا؛ بعد أن اغتصبوها.. لا بأس عندما ينزل الفرسان لمُنازلتِكَ؛ لكن عندما ينزل سفهاءُ الأقوام وأصحابُ الجنحِ وخرِّيجُوا السجون إلى منازلتك، فأنت خاسرٌ لا محال..

لقد لوَّثُوا كلَّ شيءٍ بسوادهم القَذر؛ بحيث نرى أنَّ وراءَ كلِّ قناعٍ قاتلٌ مأجور؛ لذلك لابدَّ من انسحابٍ تكتيكيّ، والبحث عن زاوية مُشمسةٍ هادئةٍ لتهذيب الفكر، وترميم الجَسد المُثخَن بالجِراح، وإخاطة القلب المُمَزق، وتنظيف الروح من الرماد...

لا يعرفون بأنهم حتى لو قتلوك فلن يستطيعوا هزيمتكَ.. كلماتُكَ باقيةٌ وتتمدَّد؛ أمَّا هم فبُغاةٌ وأشرار، وسيُهزمون عاجلاً أم آجلاً.. سيزول سوادُهم يوماً ما؛ ويبقى بياضُ حروفك مغطياً أفقَ رؤيتهمُ الرمادية، وحاجباً الضوءَ عنهم لزمنٍ طويلٍ كي يموتوا في غيظهم.


* * *

لم تمُرَّ عدةُ أشهرٍ على إعدام تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف بـ "داعش" عالمَ الآثار السوريّ الثمانينيّ التاريخ خالد الأسعد بتهمة الردة، وتعليق جُثمانه على أحدِ أعمدة تدمر ورأسه المقطوع بين قدميه؛ حتى اعتُقل الشاعر السوري محمد بشير عاني وابنه إياس في الربع الأخير من العام الماضي أثناء خروجهما من الأحياء المحاصرة في ديرالزور، واقتادهما إلى أحد معتقلاته الكثيرة المجهولة.

أبلغَ التنظيمُ أهلَ الشاعر ـ يوم الخميس العاشر من شهر آذار 2016 ـ بأنه قام بإعدامه مع ابنه بذريعةِ الرِّدة أيضاً؛ وهي التُّهمةُ الجاهزة دوماً لدى التنظيم الباغي للتخلص من معارضيه، أو الأشخاص المبدعين أصحاب الفكر غير المرغوب بوجودهم على أراضي سيطرته الغاشمة!

كذلك رفضَ التنظيمُ تسليمَ جثته لأهله، ولم يخبرْهم عن مكان دفنه، ومنعَهم من إقامة أيّ نوعٍ من أنواع العَزاء.. أيُّ حقدٍ أعمى لدى هؤلاء المُسوخ الدّمويّين!


يُذكَرُ أنَّ الشاعرَ قد رفض مغادرةَ مدينته دير الزور رُغمَ استيلاء "داعش" عليها، مفضِّلاً البقاءَ قربَ شريكةِ حياته المُصابة بالسرطان؛ لكنه فقدها بعد معاناةٍ طويلة مع مرضها العُضال. وكانَ آخر ما كتبه مرثية لها:

"يا أماني ما يخفّف عنّي أني استطعت أن أحفرَ لكِ قبراً وأن أُهيلَ الترابَ على جسدك الجميل..
بلى.. هذا ما يخفّفُ عني الآن وأنا أراقب الأجسادَ المعلقات على الأعواد بانتظار شفاعة الأمّهات كيما تترجّل.. هذا إن بقيتْ للأمّهات هذه الأيام شفاعةٌ لدى أمراء الحرب،
وبالذّعر البشريّ الذي تستطيعه روحي أفكّر بالجُثث المرميّة في المدن والمزارع والبلدات.. جثثٌ برؤوسٍ وبلا رؤوس.. من سيأبَهُ بها أكثر من القطط والكلاب الشاردة..
والحقَّ أقول لكم.. لا حقّ لحيٍّ إن ضاعت في الأرض حقوقُ الأموات!".


* * *

ولد محمد عاني عام 1960، وحصل على شهادة الهندسة الزراعية.. يُعدُّ من أبرز شعراء دير الزور، حيث صدر له ثلاثة دواوين شعرية: "رماد السيرة" ـ "دار المجد"، دمشق 1993، ديوان "وردة الفضيحة" ـ "دار علاء الدين"، دمشق 1994، ديوان "حوذي الجهات" ـ "دار المجد"، دمشق 1994.

عُرِفَ بأخلاقه وأدبه وحُسن سلوكه، وقد أثار نبأُ إعدامه مع نجْلهِ موجةَ سُخطٍ عارمةٍ داخلَ الأوساط الأدبية والثقافية الثورية السورية، مُعتبرين قَتلهُ جريمةً نكراءَ وتصرفاً جباناً بحقّ الحُرية والكرامة والإبداع الإنساني.

كان الشاعرُ من الأدباء المُمَيزين، وعضواً في اتحاد الكتاب العرب وجمعية الشعر السورية، ومن الشيوعيين القلائِل المعارضين للنظام، وأحدَ كُتّاب "موقع ألف" الإلكتروني، ومن مؤيدي الثورة السورية ضدَّ بشار الأسد؛ وهو القائل في إحدى قصائده واصفاً ما يجري في وطنه:

"نطأطئُ الرؤوسَ.. ونمضي..‏

لا ندري أين نُسقِطُ آخرَ الدّمع‏

وأين تدمعُ فينا عناقيدُ الختام..

نخالُ الحرابَ نجوماً..نقول "هنا يستريح الغريب"..‏

فلا نستدلُّ إلا على جثث الرفاق‏

نقول هنا.. بعد طعنةٍ في الظهر..‏

أو طعنتَين..‏

هنا.. بعد أن نمشي وراءَ جنازة هذي الأرض أو تلك..‏

هذا الشعبُ أو ذاك..‏

هنا يستريحُ الغريب

هنا.. بعد أن تكلَّ عصا الطاغية‏".‏

أما آخر ما كتبه فكان قصيدةً بعنوان "تغريبة الخاسر"، جاء فيها:

"لهكذا حزنٍ أسرجتني أمّي
يا عكّازَ وقتي الكفيف..

ويا مقاعدي على أرصفةِ التعبِ الطويل

هـا أنـا
أنا العاثرُ بجماجم اتّزاني

الشاغرُ إلاّ منكِ

أبحث عن صرّةٍ لملمتِ فيها أوجهي التي انسربت

لملمتِ فيها براءتي

خسائري

أنا الذي قايضَ الطمأنينة بالهزائم".


























































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ

21-كانون الثاني-2017

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

حوار فكريّ !

29-كانون الأول-2016

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

كل الفصول مهيأة لقدومك

30-تشرين الثاني-2016

الأكثر قراءة
Down Arrow