Alef Logo
الآن هنا
              

ملامح شعر الثورة والحرب في سورية وآفاقه الفنّيّة المُستقبليّة / ج2

مازن أكثم سليمان

خاص ألف

2015-12-21


( 6 )

أحاولُ في السطور الآتية أن أُسجِّلَ الملامحَ الفنّية الأساسية لشعر الثورة والحرب في المرحلة الحالية في سورية بناءً على رؤية نقدية بانورامية عامّة:

1- احتشدَتْ مفردات المعجم الثوري _ الحربي الجديدة بقوة في النصوص الشعرية الراهنة، وشدَّتْ هذه النصوص برباط وثيق إلى العالم الوقائعيّ المُسَبَّق، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبية احتفاظ كُلّ شاعر أو كُلّ نصّ بقدر ما من الخصوصية الفنّية في توظيف تلك المفردات، واختلاف قدراتها الدلالية على بثِّ طاقاتٍ مجازية إيحائية خلّاقة، فضلاً عن ضرورة الإشارة إلى نأي بعض التجارب عن الاتكاء على مفردات هذا المعجم، بما لا ينفي على نحوٍ نهائي صلتها غير المُباشَرة بمُناخات الثورة والحرب.

2- حضَرَ الخطاب السياسي الجديد لعالم الثورة والحرب بتفاصيله ومَخاضاته الهائلة حضوراً واسعاً في النصوص الشعرية الراهنة عبرَ مُصطلحاتٍ ومَجازاتٍ وشِعاراتٍ وتعابيرَ وبِنىً سرديّةٍ ومُفارَقاتٍ تهكُّميّة وتراجيديّة وأسماءِ شخصياتٍ حقيقيّة وتواريخَ معينة لها دلالاتها وأحداثٍ مُختلفة، وهيَ المسألةُ التي تحتاجُ إلى تفحُّصٍ نقديّ مُتمعِّن للتمييز بينَ ما يدورُ دوراناً باهتاً حول المُطابَقات المُتمركزة على المُسَبَّقات السياسية السائدة في العالم الوقائعيّ (الثوريّ والحربيّ)، وما يفتحُ عالماً شعرياً مُختلفاً عبر توظيف عناصر الخطاب السياسي الجديد توظيفاً فنّياً مُجاوِزاً.

3- تنوَّعَتْ الأشكال الكتابية ما بين الومضة الشعرية، والنص/ المقطع الواحد، والنّص مُتعدِّد المقاطع، والشكل التقليدي الطولي لقصيدتي التفعيلة والنثر، والكتلة الطباعية الأفقية الواحدة. واستدعى كُلّ شكل جملةً من الأدوات الفنّية والآليات التقنية التي تختلفُ خصوصياتُها أيضاً على نحوٍ نسبي من شاعر إلى آخَر، ومن نصّ إلى آخَر، وهوَ الأمر الذي يتطلَّبُ تتبُّعاً نقدياً أيضاً على نحوٍ تفصيليّ.

4- سعَتْ كثير من المُحاوَلات الشعرية إلى تحرير النصوص من وطأة القيود التّجنيسية التقليدية بفتحِ هذه النّصوص فتحاً طَموحاً على المستويات السردية والدرامية والملحمية الذاتية إذا صحَّ التعبير، وذلك في ظلِّ ميلٍ جارف إلى التّقشُّف البلاغي، وقد نجحَتْ بعض المحاولات _ وليسَ جميعُها _ في تحقيق التوازن الجَمالي الذي احتفظَ قدر المُستطاع بشعرية تلك النصوص عبر مُزاوجة التقنيات السابقة بآليات شعرية مُتفاوتة في قدرتها على بثّ طاقات مجازية ورمزية، وعلى توليد فجوات انزياحية نسبية ترنو عبر توتُّرها الإيحائي إلى إزاحة الدلالة من العالم الوقائعي السابق إلى العالم الشعري الجديد.

5- احتفَتْ تجارب واسعة بتقنية المُفارَقة الشعرية على نحوٍ خاص، والتي أدّتْ في كثيرٍ من النصوص اللافتة إلى تخليق حقول مجازية ثرّة تهدفُ إلى إيقاع المتلقّي في حبائلها الإيحائية الجمالية، والقبض عليه في عالم المُفاجأة والدّهشة والانفعال.

6- اتّكأتْ مُحاوَلات كثيرة على جماليات التكرار اللفظي أو المعنوي، حيث يتولد التوتُّر الإيحائي عبر تضاد مجازي مُتطوِّر ونامٍ وصولاً إلى لحظة الذروة أو التَّعرُّف كما تُسمَّى في لغة المسرح، وهو ما تنطوي عليه في الأغلب قفلةٌ تنبثقُ عنها فضاءات الكشف الشعوري أو الرؤيوي.

7- شكَّلَتْ بعض النصوص عبر كامل بنيتها الوجودية صورة مشهدية كلية، مُحقِّقةً بذلكَ خُصوصيتها المجازية الإيحائية، ومُتجاوِزةً تلك التجارب التي تعتمدُ بكثافة على خَلْق صور جزئية ذهنية أو حسّية نامية أو مُتقطِّعة، وإن كانَ من المُمكن مُلاحظة وجود تراجُعٍ نسبي في الاتكاء على هذه الصور في عوالم النصوص.

8- بُنيَتِ الاستعارةُ في عدد كبير من النصوص اللافتة على التملُّص من علاقات المُشابَهة الذهنية التّصورية المُتعالية، وعلى الانفتاح على علاقات التفاعل القائمة على التجربة والفعل والتأثُّر والتأثير، لتنهضَ حركية الخَلْق الشعري على صراعٍ جدلي عنيف بين قوة حُضور الراهن الوقائعي، وقوة الجذب المجازي الذي يُمارسُهُ الغياب في عالم القصيدة.

9- مالَتِ العوالم الشعرية في نصوصٍ كثيرة إلى مُطابَقة الدّلالات الوقائعية المُسَبَّقة تحتَ وطأة الطغيان الصّارِخ لحدث الثورة والحرب، وهوَ ما كبحَ طاقاتها الفنية _ الجَمالية إلى حد بعيد، في حين أنَّ بعض النصوص بلغتْ آفاقاً لافتة في التوثيق الفنّي لتجارب الثورة والحرب، وما انبثقَ عنهما من آلام ومُعاناة ومُكابدات خاصة وعامة، عبر مُحاوَلة نزع ألفة الحاضر الوقائعي، والسعي إلى كشف ما هو غائبٌ ومسكوتٌ عنه وغير مُفكَّرٍ فيه بتخليق حقول مجازية فنّيّة ثرّة، فضلاً عن أنَّ نصوص قليلة تمكَّنَتْ على نحوٍ نسبيّ من إطلاق عوالمها نحو فضاءات دلالية أرحب بالميل إلى تحرير الدال قدر المُستطاع من ارتباطاته العلاماتية مع المدلول، وبمحاولة تفجير الهُوِيّة اللغوية، والالتحاق بحركية اللعب الحُرّ للعلامة، مُحتفيةً بقصدية الوجود المُنفتِح على احتمالاته الماهوية المُستقبلية على حساب قصدية الوعي المُتمركز على الدلالات الماهوية المُسَبَّقة.

10- أدّى ارتفاع وتيرة الصراع الجدَلي بين الذات والموضوع في نصوص كثيرة، إلى المُزاوَجة بين الغنائية الذاتية الخاصة، والمُناخ العام الحاضر إن برؤاه الجنائزية السوداء، أو برؤاه اليوتوبية المُتفائلة.

11- انتقلَ الرمز في بعض النصوص من حضوره بوصفه قناعاً يتعلّقُ بالحاجة الماسة إلى تمويه المعنى والدلالة في ظلّ الرِّقابة السياسية القديمة، إلى حضوره بوصفه يُمارسُ وظيفة فنية _ جمالية تهدفُ إلى بثِّ حقولٍ مجازية تخييلية ذات دلالات غنية، وهي المسألة التي تعكسُ روحاً ذاتية وجمعية بدأتْ تتحرَّر شيئاً فشيئاً من قيودها السابقة.

12- تمكَّنَتْ بعض النصوص من تخليق حقول دلالية رامزة عبر تحويل موضوعة الحرب إلى عنصر مُضمَر أو مُقنَّع، وهي النصوص التي أَصطلِحُ عليها بـِ (نصوص الحرب المُقنَّعة)، على العكس من معظم النصوص التي بقيَتْ تدور في فلك ما أَصطلِحُ عليه بـِ (نصوص الحرب الظاهِرة).

13- هيمنَ على مُناخ النصوص ما أَصطَلِحُ عليه بِـ (ليبيدو الحرب)، وهوَ يُمثِّلُ حالة شعرية شائعة في هذه المرحلة تتأسَّسُ على رغبة غريزية دفاعية في مُواجَهة العنف والخراب المادي والأخلاقي والجَمالي، وهوَ خرابٌ مُكافئ لما يدعوه فرويد بالعدم (ثاناتوس)، في حين أنَّ مُحاوَلة خَلْق عالم شعري جديد ومُغاير اتّكاءً على ليبيدو الحرب تُكافئ ما يدعوه فرويد بالحياة (أيروس)، على أن نفهم الدافعية الحياتية هُنا بمعناها الواسع الذي يهدفُ ضمنَ ما يهدفُ إليه إلى تعرية قيم العالم الوقائعي المُحيط، وخلخلة منظوماته القبيحة بتفجير ما يبدو أشبهَ بفضيحة جمالية شعرية تكشفُ كنهَ هذا القبيح إما عبر الاحتفاء الصّادِم بجمالياته نفسها، أو ببسط جماليات مُضادّة له في عوالم النصوص.

14- تحوَّلَتْ موضوعة الموت بما تنطوي عليه في ظلّ الحرب من سفكٍ للدم وقتل ودمار وقيم وجودية سلبية، إلى بؤرة دلالية مُهيمنة على مُناخات النصوص، وانفتحَتْ في تجارب كثيرة على الأفق الميتافيزيقي، باسِطةً انطلاقاً من قسوة الراهن، أو من غير معقوليته بمعنىً أدَقّ، الأسئلةَ الوجوديّة الكبرى والأصيلة في تاريخ البشرية.

15- لم يكُنْ التجريب بعيداً عن عددٍ من المُحاوَلات الشعرية القائمة تبعاً لخصوصية كُلّ مُحاوَلة، وذلكَ في ضوء صلته العميقة بالتجربة الوجودية الشخصية والعامة التي يعيشها على نحوٍ حادّ وعنيف شعراء هذه المرحلة.


( 7 )

لعلَّ مسألةَ ولادة حساسية شعرية جديدة في شعر الثورة والحرب في سورية مسألة مفهوميّة مُركَّبة كما أظنّ، ذلكَ أنَّ هذه الحساسية الجديدة المُنتظَرة والمرغوب بها لا تتولَّد بمجرّد حضور مفردات الثورة والحرب وتراكيبها ومجازاتها وسردياتها في عوالم النصوص كما يذهب البعض، إنما في مدى قدرة هذه العوالم الشعرية على مُجاوَزة المُطابَقات الوقائعيّة المُسَبَّقة بتحقيق تناصّات فنّيّة نوعيّة تنتج انزياحاتها الجديدة التي تُغنِي الحد،ث وتُضيف إليه فائضاً وجودياً _ جمالياً خاصّاً، ولا تكونُ عبئاً عليه؛ أي بوصف هذه العوالم الشعرية تمتصُّ الحدث، ثُمَّ تقترحُ أساليبَ وجودٍ مُغايرة لم تنبسطْ من قبل على هذا النّحو كما هوَ مُفترَض. وهي المسألة التي يُمكن تتبُّعها بحذر في بعض التجارب، ولا سيما إذا أسَّسنا اعتقادنا المبدئيّ بحتمية ولادة الجديد والمُغاير على أدبيات فكر الاختلاف الوجودي اللغوي.

ولذلك يُمكِنُ القول إنَّهُ إذا كانت هذه الحقبة تشير إلى انبثاق واضح وملموس لظاهرة شعرية عريضة ذات تيّارات ومرجعيات متعدِّدة كما فصَّلْتُ من قبل، وإذا كانَ لا مناصّ من الكلام بالمعنى التاريخي عن جيلٍ شعريٍّ يُوصَفُ بأنّهُ جيلُ الثورة والحرب، فإنَّ مسألةَ التّحقيب الفنّي، وتعيين الإضافات النوعية التراكُميّة أو المُؤسَّسة على قطيعة ما، ماتزالُ بحاجة إلى مزيدٍ من الجهود النقدية النصّية الأصيلة، ولا سيما في ظلِّ الكمّ الهائل الذي يُضَخُّ من الشعر ويصعبُ حصره، ففي سورية توجدُ فضلاً عن الجيوش المُتصارِعة جيوشٌ من الشعراء، والشاعرُ الواحد نفسه قد تُصَنَّفُ نصوصهُ ضمن أكثر من اتجاه أو تيار، ناهيكُم عن أنَّ المسألة في أحد أبعادِها هي مسألة وثيقة الصِّلة بنظرية النّقد، فأيُّ بحثٍ يحتفي بالبُعد الجينيالوجي لشعر هذه المرحلة عليه أن يتذكَّرَ مُطوَّلاً أنَّ الحقيقة وفقَ نيتشه تُخفي خداعَها بإظهارهِ في المجاز، فالوجودُ أساليب وكيفيات لخداع مجازي يتمُّ فيه خَلْقُ القيم وتوليدُها في فضاءٍ تفاضلي تتصارَعُ فيه القراءات والتأويلات، لذلكَ نجِدُ هايدغر يقول: "إنَّ التفسيرَ الحقّ لا يفهمُ النّص أحسنَ مما فهمَهُ صاحبه. إنهُ يفهمُهُ فهماً مُخالِفاً. بيدَ أنَّ الفهمَ المُخالِفَ ينبغي أن يتمَّ بحيثُ يُدرِكُ ذاتَ الشّيء"، وهوَ الأمرُ الذي يعني في مستوىً من مستوياته ضرورةَ أن تقبض المُقارَبةُ النقدية من جهتها أيضاً على المجهول والمسكوت عنه وغير المفكَّر فيه في العوالم النصية.

إنَّ أي حديث أصيل عن ولادة شعر مُغاير ينبغي أن يلتفتَ إلى عامليْن موضوعيين لا يُمكِنُ إغفالهما: أوّلهُما عاملٌ زماني يتعلّق بحاجة الشعر إلى "مسافة زمنية" تبعده عن الانفعالية المُباشَرة للحدث كي يستطيعَ تمثُّلَهُ فنّياً، ولا تعني المسافة الزمنية هنا مرور وقت طويل بالضرورة، وإنما تعني أيضاً قدرة الشعراء الخلّاقة على توليد مثل هذه المسافة تأويلياً وهُم ضمن الحدث نفسه، وهذا ما يتطلَّبُ نمَطاً من الدّربة الاستثنائية النادرة. العاملُ الثاني يتعلّقُ بالجانب المكاني، ذلكَ أنَّ نسبة كبيرة من الشعراء السوريين قد انتشروا خلال السنوات الأخيرة في أصقاع العالم، وباتوا يُقارِبونَ الحدثَ السوريَّ من بعد، فضلاً عن اختراق تجربة الغربة والبيئات الجديدة لعوالم قصائدهم، وهذا ما يفتح الباب واسعاً أمامَ بحثٍ مُطوَّل عن التّحوّلات الهُوِيّاتيّة في أشعارهم.


( 8 )

في بَياني الشعري الأوّل المنشور لأول مرة في موقع ألف الثقافي الإلكتروني بتاريخ (13 حزيران 2015)، والمُعنوَن بِـ (الإعلان التَّخارُجيّ)، تحدَّثْتُ عن مفهوم (الدّازِن المُتخارِج)،ويُقصَدُ بالدّازن وجودُ الموجود البشري _في_ العالم الوقائعيّ، والذي يُحقِّقُ تخارُجَهُ عبر الحركيّة القصدية الوجودية لذاتِهِ المُتّجهة مباشرةً _نحوَ_ العالم، أو المُنفتحة _في_ هذا العالم بلا أي فاصل مُتوَهَّم بينها وبينه، لتبسطَ بناءً على ذلك أساليبَ وجودها المختلفة فيه، إذ يحدثُ التفاعلُ الجدَليُّ بين الذات وعالمها بوصفه تفاعُلاً مُجاوِزاً للفصل التقليدي بين ثنائية الذات والموضوع من ناحية أُولى، وبوصفه من ناحية ثانية لا يتعيَّنُ إلا في أساليب وجود الدّازِن البصَريَة التي تسبقُ ماهيّتَها، وتنفتح باستمرار _نحوَ_ المجهول.

وقد قادَني نقلُ هذا المفهوم إلى عالم القصيدة الشعري إلى اقتراحِ فصمٍ جدَليٍّ لذات الشاعر نفسها، عبرَ التمييز _نظريّاً لا فعليَّاً_ داخلَ حركية الانبثاق الشعري بين الذات الشاعرة الموجودة _في_ العالم الوقائعي، والذات الشعرية الافتراضية الموجودة _في_ عالم القصيدة. ومعنى هذا التمييز أنَّنا أصبحنا أمامَ تأويلٍ جديد للخَلْق الإبداعي للشعر يرى أنهُ فعل تخارُجيّ جدَليّ مُتراكِب بين ذاتين، ذلكَ أنَّ الجدلَ أصبحَ يقوم وفقَ هذا المنحى بين قصدية وجود الذات الشاعرة _في_ العالم الوقائعي، وقصدية وجود الذات الشعرية الافتراضية _في_ عالم القصيدة. وهيَ آلية تتمُّ تبعاً لِـ (مُحايَثة وجوديّة تخارُجيّة) تُغنِي الذات المُبدِعة وعالمها الشعري على حدٍّ سواء أوّلاً، وتُعينُنا ثانياً على مُحاوَلة فهم تلك المنطقة الإبداعية الكثيفة والغامضة في عملية الخَلْق وتفسيرها، وتمنحُنا ثالثاً فرصة نادرة لمُعايَشة قوى الانكشاف الإبداعي بوصفها قوى تتحرَّكُ في مسافة توتُّر تولِّدُ العالمَ الشعريَّ الجديد، وتفتحُ القصيدة _نحوَ_ الغائب والمسكوت عنه والمجهول.

تقترحُ هذه الآلية بوصفها تستمدُّ بعض مرجعياتها الجوهرية من المفاهيم الشعرية ما بعدَ الحداثية من جانب، وتسعى من جانبٍ آخَر إلى مُجاوَزة تلك المفاهيم نفسها، تعديلاً جذرياً في عناصر العملية الإبداعية التقليدية للشعر، فتنقلُنا من ثلاثية (العالم _ الشاعر _ العمل اللغوي الشعري)، إلى رُباعية (الذات الشاعرة _ الوجود اللغوي في العالم الوقائعي _ الذات الشعرية الافتراضية _ الوجود اللغوي في عالم القصيدة). وهوَ تعديل ينطوي في جوهره على سعي الشاعر إلى اكتساب خبرة جمالية جديدة تهدفُ إلى مُجاوَزة تحكُّم الذات الشاعرة عبرَ ميتافيزيقا الحُضور بالعالم الشعري، بما هوَ فعل طغيان يفرضُ على هذا العالم مُسَبَّقات الوعي المركزي المُطابِق، إذ يأتي الجدل التخارُجي المُتراكِب ليُطيحَ بسيادة المُطابَقة، ويفتحَ العالم الشعري على مُمكناته الافتراضية الثرّة.

ولهذا (التأويل _ الاقتراح) بما ينطوي عليه من مُغايَرةٍ طَموحةٍ فائدة جَمّة _كما أعتقد_ في حال اختبرَ شعراء الثورة والحرب في سورية _وفي العالم العربي أيضاً_ مُمارَسَتَهُ بوصفه فعلاً وجودياً _ فنّياً يهدف إلى خَلْق عالم شعري مُتحرِّر من قبضة المُسَبَّقات السلطوية الذاتية والموضوعية في آنٍ معاً، وهيَ المسألةُ التي يُفترَضُ أن تسمحَ بالانفكاك من مأزق مُطابَقة الحدث الخارجي السياسي والاجتماعي الطاغي والمُدوّي عبر فتح عالم القصيدة الجديد على مُمكناتٍ رحبة لا بوصفهِ انعكاساً مُطابِقاً للعالم الخارجي، ولا بوصفهِ أيضاً عالماً مُنفصِلاً ومُستقلاً استقلالاً تاماً عن ذلك الخارج، إنَّما بوصفهِ ما اصطلحتُ عليه في إعلاني التَّخارُجيّ بـِ (النِّسْياق)؛ إذ إنَّ عالم النِّسْياق يهدف إلى مُجاوَزة فكرة "سُلطة المُؤلِّف" بوصفه ذاتاً "سياقيّة" وقائعيّة واعية ومُتحكِّمة بعالم النصّ تحكُّماً مُتعالياً ومُسَبَّقاً، وفي الوقت نفسه يهدف إلى مُجاوَزة فكرة "موت المُؤلِّف" بوصف النصّ بِنية "نسَقيّة" لغوية مُغلَقة، ومُكتفية بذاتها، ومُنفصلة عن المؤلِّف، ومُتعالية على الوجود في العالم، لينطوي النِّسْيَاقُ في زعمي على موقف جدَلي تراكُبي بين مفهومي السِّياق الخارجي والنَّسَق الداخلي، طامحاً إلى تجاوزهما بما هما ثنائيتان تقابليتان ميتافيزيقيتان؛ ومُمثِّلاً بناءً على هذا التأويل المُحصِّلةَ التخارُجية الحتمية والجوهرية لحركيّة الدّازِن الشعري بما هيَ حركية جدلية مُضاعَفة بينَ الذات الشاعرة الوقائعية والذات الشعرية الافتراضية، يتولَّدُ عنها خَلْقُ زيادة في الوجود لها خُصوصيتها واختلافها _في_ القصيدة، ويُمكِنُ لهذه الزيادة أن تفتَحَ شيءَ النّص غير المحدود على حساسية شعرية جديدة نرنو إليها بإلحاحٍ في هذه المرحلة بغيةَ تحقيق مُجاوَزةٍ وجودية _ جَمالية أصيلة.


( 9 )

ثمَّةَ مسألة لابُدَّ من الإشارة إليها وخوضها بكُلّ عناية وشغف عند أيّة مُحاوَلة لتلمُّس ملامح ظهور حساسية شعرية جديدة في شعر الثورة والحرب في سورية، وهذه المسألة تكمنُ في ضرورة أن يتتبَّعَ الناقدُ المُتمعِّنُ مدى الانزياح المُتحقِّق في عوالم النصوص موضوعياً وفنياً بفعل انتقال عدد كبير من الشعراء من سطوة القيود الكابحة التي كانت تُهيمن بها سلطة الخوف على مُناخات نصوصهم سابقاً، إلى تحسُّس تجربة الحرية الغنيّة والجامحة وولوج فضاءاتها الجديدة على أرواحهم! فبعدَ أن تمكَّنَ الحدَث السوري من تمزيق الاستعصاء التاريخي السياسي والاجتماعي، استطاعَ عددٌ من الشعراء أن يحطِّموا حاجزَ الخوف مُندفعينَ بخُطىً جَمالية نسبية نحوَ استنطاق ماهية التغيير الحاصِل واكتناه رُؤى المُستقبل القادم على اختلاف دلالات هذه الرؤى!

وفي ضوء بدء تسلُّل تأثيرات هذا التّحوُّل الحاسم إلى النصوص، يُمكِنُ القول من حيث المبدأ إنَّ ما يهمُّ في هذه المرحلة الزائغة هوَ أن تتجذّرَ تجارب شعر الثورة والحرب في سورية، وأن تتنقّى وتنضجَ جمالياً مع مرور الزمن وتَراكُم خبرات الدِّرْبة ومُكابَدات الفعل الفنّي، ومن المُفيد أن أتذكَّرَ في هذا السياق مقولة أندريه جيد: "لا يهمُّني أن يكونَ الشاعرُ كبيراً بقدر ما يهمُّني أن يكونَ صافياً".

إنَّ بلوغ منابع الصّفاء الشعري يَفترِضُ على نحوٍ ضمني تحقيقَ قدرٍ ما من الخُصوصيّة، وهوَ الأمرُ الذي لا ينفصلُ عن ضرورة انغماس الشعراء بمُحاولات التجريب الجادّة، فالتجريب هوَ سعيٌ دؤوبٌ إلى الانفصال والانشقاق وقتل الآباء الشعريين، ويهدفُ إلى تفجير اللغة، وكسر الأنماط الإيقاعية القديمة، وإعادة شحن المفردات المُهترئة بطاقات دلالية مُغايِرة، وحشد مفردات جديدة مُستمدّة من معجم الواقع الجديد المَعيش، واقتحام عوالم شعرية جديدة لم تُقتحَمْ من قبل. ولأنَّ صلة التجريب بالتجربة صلةٌ أصيلة كما ذكرتُ سابقاً، لهذا ينبغي على شعراء الثورة والحرب أن يعوا دقّةَ هذه المُعادلة وحساسيتها العالية، ذلكَ أنَّ الجدل التَّخارُجيّ المُضاعَف بين الذات الشاعرة الوقائعية والذات الشعرية الافتراضية بوصفه جدلاً يفتحُ عالم النِّسْياق الشعري على المُجاوَزة والاختلاف والمجهول، ينبغي أن ينطلقَ من التضاد لا من الائتلاف، فكما يقول بيكاسو إنَّ "الضِّدّ يسبق الإيجاب"، ولا سيما أنَّ "التَّعايُش السِّلمي في الفنّ عبث" حسب آراغون، وهي المسائل التي تعني أنَّ على الشاعر الثوري الجديد بوصفه دازِناً أن يعرفَ من أينَ (تُؤكَلُ الكتفُ) الوجوديّة _ الجَمالية في الشعر، وأن يقتنصَ الفرصةَ الحالية النادرة التي جذّرَتهُ بقوّة في قلب حركية التاريخ، وزوَّدَتهُ لا بتشويش الحواس بمعناه الرامبوي فحسب، وإنّما بتفجير تلك الحواس أيضاً تحت وطأة فائض العنف الناجم عن تجربة الثورة والحرب، وهدير تناقضاتها الجنوني الذي لا مثيلَ له، والذي سيُبقيهِ ريثما "يأتي عُمّالٌ رهيبونَ آخَرون؛ ويبدأونَ من الآفاق التي سقطَ هوَ أمامَها" كما يقول رامبو نفسه، _في_ الطريق الجدلي _نحوَ_ لعنة المجهول، مُلاحِقاً الجَمالَ القصِيَّ الأثير، وحالِماً بالقبضِ عليه وحبسِهِ إلى الأبد في عالم النِّسْياق الشعري الجديد، تماماً كما حبَسَ رياض الصالح الحسين ذاتَ توتُّرٍ مشهديٍّ إيحائيٍّ بالغ الإدهاش الحرّيةَ واللغةَ وحبيبتَهُ والعالمَ في صورة فوتوغرافية واحدة لا حُدود للوجود الحُرّ الزائدِ فيها:

"لقد تعبتُ من الكلام والديون والعمل

لكنِّي لم أتعَبْ من الحُرّية.

وهأنذا أحلمُ بشيءٍ واحد أو أكثر قليلاً:

أنْ تصيرَ الكلمةُ خبزاً وعنباً

طائراً وسريراً

وأنْ ألفَّ ذراعي اليُسرى حولَ كتفكِ

واليُمنى حولَ كتف العالم

وأقولَ للقمر:

صَوِّرْنا!".










































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

الكينونة عند مارتن هيدغر بينَ الحُضور والغِياب

20-أيار-2017

أساطير عموديَّة

13-أيار-2017

حفريّات الجَوّال..

22-نيسان-2017

تَداعياتُ الزَّبيب..

31-آذار-2017

نحوَ رُؤية تكامُليّة مُغايِرة لمَفهوم الثّورة

12-شباط-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow