Alef Logo
ضفـاف
              

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

علا شيب الدين

خاص ألف

2015-11-19

1

مذ صُلبَت كتاباتي الثائرة في أحد الفروع "الأَمنيّة" في محافظة السويداء جنوب سوريا، في الأول من نيسان 2014، بدأ مسلسل اضطهادٍ معنويّ مدروس يطالني، وتهشيل من طرازٍ غرائبيّ عجائبيّ، فيه تعدٍّ "غامض" على حياتي الخاصة، ومطاردة حثيثة لي من مكان إلى مكان من مرتزقة ومجنَّدين لأذيّتي نفسيّاً ومحاولة تحطيم حياتي، معاقبةً لي على ما كتبتُه خلال سنواتٍ طوال من عمر الثورة السورية. ثمة امرأة حذّرتنا مرّة من أجهزة تنصّت قد تُوضَع في بيوت المعارضين للنظام عبر ضيوفٍ عملاء. ترى هل من سببٍ وجيه يجعل من كلام تلك المرأة غير وارد؟. أياً يكن، فمعاناتي هي جزء من مأساة شعب أراد الحرية، فاستُبيح.

قبل الاضطهاد المذكور كان ثمة اضطهاد من طراز خاص أيضاً، لحراكنا الثوري المدني السلمي في المحافظة نفسها. قبل هذا وذاك، ثمة ثلاث وثلاثون سنة من اضطهاد الأسَر والمجتمعات والمستأسدين، أي مذ جئتُ إلى سوريا مع أهلي وكنتُ في الرابعة، إلى أن استخرجتُ جواز سفرٍ للمرة الأولى في 2014.

تفاقمت مأساة "التهشيل" الممنهج إلى درجة كان يمضي شهران متواصلان أحياناً لا أخرج خلالهما من البيت كأنّي في معتقَلٍ حقيقيّ، ناهيك بتوقّف حياتي الشخصية بالكامل، خلال سنوات طوال منذ اندلاع الثورة، على الأصعدة كافة، وخصوصاً الدراسة في الماجستير. وهكذا إلى أن وجدتُني أقول لشقيقي أيمن الذي أحترمه وأقدِّره عالياً، قبل أيام من مغادرتي سوريا في 12 أيار 2015: "يا جنون. يا انتحار. يا سفر". "اختيرَ" الأخير طبعاً، وغادرتُ هاربةً في المقام الأول، من تاريخٍ حافلٍ بالاضطهاد إلى لبنان حيث ولدتُ. هشلتُ، حتى أني لم أفطن إلى لبنانيّةِ أمي، كنتُ فقط مريدةً الخلاص، فدخلتُ لبنان من طريق حجزٍ فندقي (بعد إجراءات اتخذتْها الحكومة اللبنانية في ما يخصّ السوريين منذ مطلع 2015، وهي معلومة حسبما أظن). دخلتُ حاملةً جواز سفر مختوماً للمرة الأولى في حياتي بتأشيرة أولى، كُتب إلى جانب الختم: "ستة أيام"، وهي المدة التي من المفترض أن أقضيها في "الفندق" (أوَلستُ سائحة!).

بعد حصولي على إقامة نظامية على سبيل "المجامَلة"، كون لا يحقّ للمرأة التي هي أمي أن تمنحني جنسيتها، رحتُ أبحث عن "فندقي" المزعوم، ووجدتُه أخيراً. كان عبارة عن غرفة متواضعة في برّ الياس بالبقاع اللبناني، وبدلاً من ستة أيام، سكنتُه ثلاثة أشهر، تجرَّعت خلالها المرارة "السياحية" ومرارة استمرار "التهشيل" نفسه الذي طالما هشّلني من قبلُ من سوريا، إذ في لبنان، كما هو معلوم، ثمة لدى النظام السوري امتدادات وتنسيقات أيضاً.

***

جئتُ إلى هذه البلاد هاربةً وعاشقة. قُتلت العاشقة فور وصولها من كل حدب وصوب، وظلّت الهاربة تهرب من كل شيء. غير أن العاشقة التي كلّما ظنّ الفريسيّون موتَها أو تيقّنوا، تتركهم يمعنون في الظنّ واليقين، ثم بغتة تقوم رافضة الموت. حقاً تقوم.

***

بعد مرور أكثر من أربعة أشهرٍ، كنتُ قد صرتُ خلالها في منطقةٍ اسمها جلالا في شتورة بلبنان، كدتُ أغرق في القهر جرّاء متابعتي "التشبيحية" من مكان إلى مكان، ومن كل الحوادث "المفتعَلة" المرافقة لها على سبيل الابتزاز الرخيص والاستفزاز اللاأخلاقي، والإذلال غير العارض. كدتُ أغرق في اليأس من كل شيء تقريباً، وخصوصاً من مسألة تقديم شيء مفيد عمليّاً وعلميّاً لأطفال سوريا اللاجئين في لبنان، ومن مسألة مواصلة دراستي الجامعية في الماجستير المكلفة ماليّاً حدّ العجز. كانت فكرة "السياحة" إياها، لا تزال تمخر عباب وجداني، فقلتُ حسناً، فلأمعن إذاً في الكذب اللئيم هذا، ولأبدأ باضطهاده، ولأكن "سائحة" فعلاً. ثم صرتُ سائحة، على "طريقتي"، وبصحبة أكواني الوحيدة. خبَّأت العالم في جيبي، وفصفصته متسلّية، وأنا سائرة كسحابةٍ من حلم، مدندنةً كلمات سيّد حجاب، التي غنّاها محمد منير، صديقي ورفيق دربي منذ الأيام الجامعية الأولى، بل قبل ذلك: "إيه يا بلاد يا غريبة عدوة ولا حبيبة/ في الليل تصحى عيونك ونجومك مش قريبة/ بلاد معرفش ناسها ولا عرفاني بيبانها/ وماليش شبر في أساسها ولا طوبة في حيطانها/ وخطاويّا غريبة/ عالم رايحة وجايّة وأنا مين وفين مكاني/ وإيه آخر الحكاية وإيه اللي رماني يا خطاويّا الغريبة".

***

ووجدتُني في غنى عن انتماءٍ قسريّ إلى "بعيدين" يسكنون الجبال ولا تسكنهم. لِمَ علينا أن ننتمي دوماً ولا يُنتمَى إلينا؟ وهل لأمثالي أصلاً، الانتماء إلى أمٍّ تفاخر بابنٍ يتولّى منصباً ديبلوماسياً لدى إحدى الدول، كونه اتصل بعائلته لكي يطمئنّ بأن لا زبالة أمام بيته، عازماً على إرسال "بعثة" من عنده لكي تزيل الزبالة من أمام بيته فقط، ولتطمر الزبالة ما بقي من البلد "مثل رِجْلِه"!

لكن حين زرتُ القرية التي عشتُ فيها سني طفولتي الأولى، قبل أن أغادرها مع أهلي إلى سوريا، هالني حجم خداع الصور، فالصورة المحفورة في ذهني لدرج البيت الذي كنّا نسكنه يوم كنتُ في الثالثة، أي صورته كدرج طويل ومستقيم مخيف سقطتُ عنه مرّة وأصيب جبيني، بدَّدتْها نهائياً صورةٌ أخرى للدرج نفسه، حين رأيتُه وأنا في السابعة والثلاثين من عمري، إذ بدا "الآن" متوسط الطول، وما من استقامة ولا خوف مرافق لها. كذا بالنسبة إلى المسافة بين البيت نفسه الذي كنا نسكنه، وبيت أولاد الجيران الذين كنا نذهب للعب عندهم، فقد ارتسمت في ذهني صورة للمسافة تلك، تجعلها طويلة جداً وشاقة ربما، لكني فوجئتُ حين زرتُ بيت الجيران أنفسهم "الآن"، بقصر المسافة، وبقرب بيت الجيران إياهم من البيت الذي كنا نسكنه. ترى أيٌّ من الصورتَين هي الحقيقة؟ صورة الصغيرة في تصوّرها العالم في أحجام ومسافات كبيرة وطويلة، أم صورة الكبيرة في تصوّرها العالم في أحجام ومسافات أصغر وأقصر؟ أعتقد أن كلتا الصورتين محقة من الموقع المشكَّلة فيه، وتنطوي على بعضٍ من "الحقيقة". أياً يكن، فإن "العودة" هنا، بعد مرور عقود طوال، هي عودة من شأنها ربما تبديد بعض من الأوهام، وقراءة الحياة وتفاصيلها مجدداً من منظور مختلف، كأن تاريخاً يُقرَأ من جديد.


***

لم أطرق باباً من أبواب "المسؤولين"، وكذا، لم أرَ ما يشدّ ويجذب في ندوات المتثاقفين، ومؤتمراتهم. ورميتُ ألف سهمٍ وسهم في اتجاه ذاك "السلام" المشبوه، الأعرج، يوم سقط عليّ بغتة في أحد مراكز ركوب الثورة "الآن" في شتورة، وما أكثرها! سُئلتُ: "أتختارين الحياة؟ أتختارين السلام؟". قلتُ والسخط يملأني: "أنا على هذه الحال أصلاً وجذراً".

"مالي ومال" قوادة السياسة وقوّاديها! "مالي ومال" حملات "سلام" قوّادة تذهب إلى الضحية لتعطيه ورقة مسمّاة زوراً وبهتاناً "رسالة" تدعوها فيها إلى أن تقول: "أختارُ الحياة... أختارُ السلام"، ولا تذهب لتعطيها إلى القاتل الأكبر!. "مالي ومال" خمسينيّة منحازة على رغم "علمانيتها" الظاهريّة، إلى طائفتها الدينية في المعنى السياسويّ النفعيّ، لا إلى سوريا. متنقِّلة بنذالة بين معارضة وموالاة. ناشطة في مجال حقوق المرأة، لكنها لا تتورّع عن المشاركة (مع المشاركين في الجريمة النكراء) في ممارسة أبشع أشكال العنف النفسي حيال امرأة حرة، ثم تذهب مصدّقةً نفسها إلى أنشطتها "النسويّة"، وإلى حيث تناقش العنف ضد النساء! "مالي ومال" كلّ التهويمات المتهافتة؟! يدعونني للانضمام. للانخراط. للانتماء. للتدجين للأدلجة للتسييس للتكتّل للتأطير للطوأفة السياسوية النفعية، وأراني عند كل دعوة أقول في سرّي: "مالي ومال" مشاريعكم الفذة!. قد يقع مثلي حين يكون حالة سمكة مثلاً، مستكينة للجة الماء وفلسفته، و"تفتقر" إلى "الشكّ الأمنيّ"، في فخّ تافه هنا أو في مصيدة تافهة هناك، لكن السمكة التي ماتت في غير الماء، لا تنفكّ تعود إليه لتحيا مجدداً. اجتمِعوا، ائتمِروا، ووقّعوا ما شئتم. ما شأني؟! كنتُ فقط أريد أن أساهم في تعليم الأطفال السوريين في المخيَّمات، فسُحِق هذا الهاجس سحقاً من أفرادٍ وجهات على السواء. ما كنتُ أعلم أن وظيفة هنا حتى لو كانت محض تطوّع، هي مثل سوريا، تحتاج إلى هوْلٍ من المخالب والأنياب والكذب والتدليس والنهش والدسائس!

(سوءُ الفهم قدَر أمثالي، وهذا ليس مدعاة للأسف. يعنيني مَن يرون في قلوبهم لا في عيونهم. ويهمّني جداً مَن لم ينوجدوا بعدُ.

وإنها لَشجاعة أن تأخذ موقفاً حيال ما لا يناسب ما تؤمن به وتحلم، حتى وأنت في أضعف حالاتك وأشدّها هشاشة. بالموقف، ربما يعرف الآخرون قيمة حضورك وأهميّته ولو بعد حين).

***

تبّاً لقَفرٍ لا يسألكَ الناس فيه إذا ما كنت محتاجاً إلى شيء، إلا أنهم يحرصون على سؤالك عن طائفتك. تباً لقفرٍ لا ينتبه الناس فيه إلى أي شيء فيك سوى إلى ترّهاتٍ من قبيل، دين وطائفة وزواج وما شابه ذلك من ضيق. تبّاً لقفرٍ حتى إلقاء تحية "صباح الخير" فيه يجب أن يخضع للغربلة والتصفية، وما من شيء يؤخذ فيه على محمل النيّة الحسنة.

أحكامٌ وتصوّرات كثيرة مسبقة حيال لبنان تحتاج إلى مراجعة نقدية منها: التبّولة. اعتناء كل اللبنانيات بالمظهر بالموضة وعمليات التجميل وما شابه اعتناء دائماً وعاماً. معرفة كل اللبنانيين باللغات الأجنبية، بل "ضلوعهم" فيها. حبّهم المبالَغ فيه للحياة، وتجاوزهم الحرب الأهلية الطويلة التي طالما عانوا ويلاتها طوال خمسة عشر عاماً.

2

ظلّت فكرة "السياحة" إياها، تمخر عباب وجداني، فقلتُ حسناً، فلأمعن إذاً في الكذب اللئيم هذا، ولأبدأ باضطهاده، ولأكن "سائحة" حقاً وفعلاً. فصرتُها. على "طريقتي" صرتُها، وحال "طريقتي" تكاد تكون الآتي: "متيقّناً متصّبراً متشمّراً... مستمطراً مستقصداً سيّاح/ متعزّزاً متحرّزاً متواضعاً... متبدّل الأشباح والأرواح". تلك أبياتٌ أحببتُ قطفَها من قصيدة لأبي نصر السرّاج، في الجزء الثاني من ديوان الحلاّج، ونشر عبَقها في سطور حياتي وبينها.

"قرَّرتُ" أن أحوّل السياحة الكاذبة إلى حقيقة أرضيّة، لكن شِعرية. فصرتُ سائحة حقاً، وبدأتُ "رحلة القصيدة". صرتُ أقتطع من مصروف الطعام والشراب، المقتطَع أصلاً، لكي أؤمِّن أجرة المواصلات (المواصلات بلبنان بتهدّ الحيل، متل كل شي)، وبروحٍ شِعرية خالصة، أروح أجوبُ البلاد الصغيرة، ملتقطة صوراً تستحق أن تُصنَّف عالمياً كنوزاً نادرة قد ترفع لبنان من بلد المفارقات القبيحة إلى بلد المفارقات الجميلة. قلتُ بيني وبيني: "من واجبنا إنقاذ ما استطعنا من قلوبنا وأرواحنا الإنسانية، جرّاء جرائم يومية وقبح لا يكلّ من نفسه ولا يملّ، فلنأخذ هذه القلوب والأرواح في "رحلة" نكون فيها أشمون مثلاً، إله الشفاء عند الفينيقيين الذي طالما اشتُهر بشفاء الأطفال، فقد نشفي خلالها بعضاً من جروح طفولاتنا الغائرة، وننعش من جديد الجمال والحلم المسلوبَين، أو نصون ما بقي منهما على الأقل".

في سبيل ذلك، سلكتُ الدروب، وصعدتُ الجبال، وضربت الكؤوس في المعابد وطرقتُ بوّابات الأساطير، وتسكعتُ في الساحات الشهيرة (تحسّرت مرّة في "ساحة الشهداء" وسط بيروت. كانت الحسرة على وجه التحديد داخل ذاك المسجد العملاق الوثير، حين نظرتُ في ثُرَيّا ضخمة معلقة في سقفٍ بالغ التعقيد في الزركشة. ثُريّا يكاد حجمها يبلغ حجم غرفة. وقفتُ آنئذ أمام فخامتها، وفكرتُ في أن ما أُنفِقَ في سبيل ثُرَيّا "معلّقة" كهذه، كان من الممكن أن يؤمّن نحو ألف فرصة عمل أو أكثر لشبابٍ كثر تائقين لفرصة كهذه. لكن يبدو أن حياتنا في هذه المجتمعات المنخورة، يجب أن تبقى "معلَّقة").


على درب الأدب

مشيتُ، قاطعةً الجبال، سالكةً الدروب الترابية المنزلقة بصمت بين أشجار البلوط والصنوبر، مُريدةً "الوصول" إلى روح شعلةٍ أدبية عند تلك النقطة. وقد كانت واحدة من أرواحٍ شِعرية رؤيوية متأمِّلة هائمة على الدروب، منها "درب بسكنتا الأدبي". إنها روح الشاعر عبد الله غانم (1895-1959). من دون أدنى تخطيط مسبق، وجدتُني في ضيافة هذا الشاعر الشخصية. استقبلَني و"عندليبه" مرحِّباً، ثم شدَّني خلفه من يدي، وأدخلني إلى غرفة مكتبه، وراح يعرّفني إلى أغراضه الحميمة: قنديل. محبرة. طاولة نرد. قلم. سبحة. لعبة أصولها هندية. كرسي وطاولة خشبيان. بُزُق مصنوع من كُتبه مُهدى إلى روحه من الفنان ناصر مخول والتجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث. كم كان فرحاناً بهديّة تجلِّل مؤلفاته بالموسيقى العذبة، لَكأنّ الكلمات تتصّير موسيقى على مهل، والموسيقى كلمات على أقلّ من مهل! ضممتُ ضيافته، كما لم تضم امرأة من قبلُ. مررتُ بأصابعي على أشيائه فاستحالت هواءً. ولمّا استحالت هواء، أخرجَني إلى فناء "داره" (مركزه الثقافي في بسكنتا)، وكصبيّ شقيّ تعمشقَ على صخرةٍ قال لي إنها مقعده الذي يحب الجلوس عليه أمام هيبة الجبال الممشوقة النازلة استدارةً وحَضناً كقدَرٍ أخضر زيتيّ، حيث الإلهام والحرية والثمالة شِعراً. جلس واضعاً رِجلاً فوق رِجل، ممسكاً بخفة عصاً رشيقة وملقياً إلى جانبه كُتيِّبَين، وراح، بعدما أشاح وجهه قليلاً صوب شجرة تين قريبة، يقول لي: "جئتُ هذا الوجود فرداً/ ولمَّا سرتُ عنه/ أمسيتُ كلَّ الوجودِ". ثم قال لي: "وتخبَّأتُ بالحياةِ من الموتِ/ فألفَيْتُها تهيئ نعشي/ وسواء عند الحياة/ مسيري ووقوفي/ فإنها بيَ تمشي.../ لم أكن ملجأً لنفسيَ من نفسي/ ففجري مطيّةٌ/ لغروبي./ أنا أَهوى الخلودَ/ لكنني أحفر قبري".

غاردتُ، وقد كنت لا أريد في ضيافة شاعرٍ سوى أن "أختبئ بالحياة من الموت". عانقَني بروحه، حمَّلني ما لم يكتب من قصائد وما لن يعرفه أحدٌ سواي راجياً من إله الحب الكوني مرافقتي وحمايتي. أكلتُ ثلاثة أكوازٍ من شجرة التين المهمَلة، لكن مشبعة بنظرات الشاعر، على رغم أنف تلك اللوحة "الوعظيّة"، وهي ترشق "السالكين" على "درب بسكنتا الأدبي" بالوصايا. منها: "عدم قطف الفاكهة دون إذن"!

شعرتُ بسعادةٍ لا توصَف حين مررتُ بعينيَّ وبكاميرا موبايلي المشترَى حديثاً، على صور أدباء رفيعين في ساحة قرية بسكنتا، شاعرةً بغبطة حيال رؤية الناس لشخصٍ يهتمّ بالأدباء لا الزعماء. "يسقط حكم الزعماء"، تلكم عبارةٌ قرأتُها مراراً على حائطِ أحد الأبنية في بيروت. أشدُّ على يد مَن كتبَها، وليسقط حُكم الزعماء فعلاً.

***

واصلتُ المسير على "درب بسكنتا الأدبي". غيرَ أنّي، وفي منتصف الطريق، تعثَّرت بما لا يمتّ إلى الأدب بصلة. أرعبَني عمق الفجوة واتساعها بين الأدب وقلة الأدب أو انعدامه! إذ جاءني أحدُهم وقد اتخذ هيئة "شبّيحٍ مُرسَل"، تدلّى من عنقه زائدٌ "عملاق" يشبه أي شيء عدا نبل المسيح ومحبته وتواضعه. سألني، فلم أشأ الإجابة عن أسئلة اعتبرتُها غشيمة. فثارت ثائرته، وصرخ: "إنتو شعب نجس"، رافعاً في وجهي سبابته، ولمّا نصحتُه بعدم التشبّه بأحد الزعماء، قال: "مش عاجبِك فلان؟!". خطفَ موبايلي من يدي، وخريطة "درب بسكنتا الأدبي". أعاد إليّ الموبايل بعد برهةٍ من شعاعِ تهديدٍ انطلق كالسهم من عينيّ. أما الخريطة الكرتونية فرماها بعيداً بعدما جعلكَها. لوهلةٍ، توقفتُ وقد شعرت بالندم حيال مجيئي إلى هذه القرية. كلّمتُني مستهجنة: "يا لِعقد النقصِ لدى الذكوريين إذ ترفضهم امرأة! أكان يستحقّ رفضي التعرّف إليه كل هذا الهيجان؟!". ثم رأيتُني أستعيد الخريطة نافضةً عنها التراب، وأكملُ المسير دونما اكتراث، لطالما ألهمَني شاعرٌ قبل قليل أن الحياة هكذا: "مشيٌ في مسيرنا ووقوفنا. في هوى الخلود وحفر القبور".

وصلتُ إلى نقطة أخرى من نقاط "درب بسكنتا الأدبي". مررتُ بسورٍ خشبيّ يطوّق خصر بيتٍ ريفيّ. إنه بيت ميخائيل نعيمة. طرقتُ الباب، فأطلّت فتاة سمراء جميلة، تعمل لدى العائلة في البيت. قالت لي إن "السيدة" نائمة، وإني لن أستطيع الدخول. كانت شمس الظهيرة على أشدّها وكنتُ أتصبّبُ عرَقاً، فرقّ قلب الفتاة لحالي، وطلبت منّي الانتظار لغرض معاودة الكَرَّة، لعلّ وعسى تسمح "السيدة" بأن أدخل غرفة مكتب الأديب العالمي الذي ليس مُلكاً لأحد. بيدَ أن الفتاة، تلك السيدة اللطيفة، خرجت ثانية وقد ازداد في عينيها بريق تعاطفٍ خجِل حيالي، لتقول لي إن "السيدة" لم تسمح بالدخول. ربّتُّ كتفها بما يفيد "لا عليكِ"، وقد كان الكلام قليلاً بيننا، بينما المعاني تكاد تحضر كلّها دفعة واحدة. صافحتُها باحترام بالغ. أسعدتْني سعادتها بهذا الاحترام، وقد كنتُ شبه متيقّنة من أنها تلك كانت المرة الأولى ربما في هذه البلاد، تكون فيها أمام أحد "ينحني" لها احترماً وتنحني هي له "احتراماً" لا خوفاً، حتى لكأنّي نسيتُ أمر أديبنا العالمي وبيته ومكتبه وما عاد الموضوع برمّته يعنيني في شيء، لصالح نبضٍ إنسانيّ حيّ معيش ومشرق، لا ينفصل على الإطلاق عن دربٍ أدبيّ أسلكُه.

***

في موازاة "درب بسكنتا الأدبي"، كان في ودّي لو أني اهتديتُ إلى مغارة أدبيّة قريبة من بيروت، لطالما شغفتُ بلحظات عشقٍ من طراز رفيع نبضَتْ فيها. المغارة هي ذاك المعبد الصغير المحفور في قلب صخرة بيضاء يتقلّب "بين عشتروت والمسيح"، الذي طالما كان جبران خليل جبران يلتقي فيه محبوبته حسبما يروي في "الأجنحة المتكسرة". يقول: "ومع أن هذا المعبد لا يبعد أكثر من نصف ميل عن طريق المركبات، فقد قلَّ من عرفه من محبّي الآثار والخرائب القديمة، فهو مثل أشياء كثيرة خطيرة في سوريا مختبئ وراء ستائر الإهمال، فكأن الإهمال قد أبقاه محجوباً عن عيون الأثريين ليجعله خلوة لنفوس المتعبين ومزاراً للمحبين المستوحشين". لَكم تشبه مغارة جبران مغارتي! ثمة رابطة وثيقة تجمع بين الحب والمغارة. كلاهما رحمٌ. عمق ورطوبة. صدى وأعجوبة. كنتُ في العشرين من عمري، حين كنتُ أهيم بلحظات مفعمة في مغارةٍ ربما لم يكتشف وجودها أحدٌ سوايَ وسواه، على الرغم من قربها من بيتٍ يُحكى أنه لرائد المسرح الغنائي العربي أبو خليل القبّاني (1833-1903)، في المزة بوسط دمشق. بيت عتيق مهجور تصفر فيه الريح. كان كلٌّ من نهر بردى وسكة القطار العتيقة يتنافسان في شأن المرور من أمام "مغارتنا" الصغيرة المائلة إلى الصفرة، وجمالها النادر المعزول. كنا نشعل الشموع هناك، وكانَ يحتفي على طريقته بسكربينتي ذات الكعب العالي المصنوعة من قش. كنتُ أحب انتعالها كثيراً وأستمتع بجمال قدمَيّ فيها. في المغارة، كنّا نهيم في فلسفتنا الوجودية الشعرية الجارفة.


وعلى درب المعابد وأساطير الأحلام

مشيتُ....

إلى هياكل بعلبك مضيتُ..

اشتريتُ لنفسي قبل أن أدخلها، علبةً صغيرة مشغولة باليد، لونها فيروزيّ ومزدانة بقطعِ مرايا صغيرة من شأنها عكس الروح كما خُيِّل إليَّ. أودعتُها خاتمي الذي أحب، وبرمشة حلم مضيتُ يملأني الشغف، إلى هياكل ألجها بخطوات فينوسيّة، يطوّق عنقي عقدٌ فيروزيّ تتخلله خيوط ذهبية. صعدتُ درَجاً رومانياً عريضاً عظيماً، وفي داخلي غصّة حيال تدمر، وأسئلة قلقة عن حال أنوثتها المهيبة الآن وهي بين أيدي أوباش ذكوريين تكفيريين ظلاميين.

على الفور، أهديتُ الأيام الستة التي دخلتُ لبنان على أساسها "سائحة"، إلى أعمدةٍ ستة، هي كل ما بقي من معبد جوبيتر على منصّته العملاقة العائدة إلى الفترة الهلنستية، الذي بُني على مراحل بدأت في عهد الأمبراطور أغسطس في مطلع القرن الميلادي الأول. وبين مخالب النسر رمز جوبتير و"الكدوسيوس" أو الصولجان رمز الإله عطارد (مركور المجنَّح)، المقبوض عليه بها، طيَّرتُ ألف فراشة ملوَّنة وفراشة. وضربتُ كؤوس الزمان مع باخوس في معبده الذي لا يزال ينبض خمراً منذ القرن الثاني الميلادي. حدّثني عن فسيفساء تجمعه وصديقه ساطير إله الغابة في جبيل في القرن الثاني – الثالث الميلادي. ثم ابتعدتُ عنه قليلاً، في اتجاه "معبدي" الفينوسيّ الدائري الأنثوي المحب المتعاون المرن المتّسع منذ القرن الثالث الميلادي.

ودّعتُ مدينة الشمس هيليوبولس، وقد استوطنتْ في منتصف وجداني ملهِمة الفلسفة كاليوب بعينيها الذاهلتَين، يحيط بها سبعة حكماء، سقراط أحدهم، وتمارس هي "دائريّتها" بأصنص الحكمة. تلك فسيفساء لطالما زيّنت غرفة الطعام في ذاك الصرح الروماني الضخم، حيث احتُفِيَ بغذاء العقل والجسم في آنٍ واحد، بوصفهما ثنائية حاضرة في كلٍّ إنسانيّ موحَّد.


أما في معبد نيحا

فقد صعدتُ إلى أعلى البرج. دُرتُ مع الأدراج الضيقة صعوداً كما يدور الدرويش الراقص. كما يطوف الحجاج حول الكعبة في مشهد رمزيّ مذهل لالتفاف البشر جميعاً حول ذات واحدة إنسانية كونيّة تجمعهم. وكما يدوّر صانعُ أوانٍ فخّاريّة ماهر صلصالَه الطينيّ. أطللتُ من أعلى البرج على ساحة معبد هائل لون حجارته تعطي انطباعاً بأنه محروق، لكن حرقاً فنّياً يشبه تظليلَ رسمٍ على ورق بقلم رصاص، يوشِّح المعبد جمالاً وجلالاً. يُصعَد إلى منصة في أعلاه عبر درجات كثيرة متراصفة رفيعة ممتدة عرضانيّاً ومحاطة بأعمدة كأنها شموع.

خُيِّل إليّ أنّي أمدّ جديلة من أعلى البرج فتتسلّقها نقاشات لطالما دارت هنا في القرن الثاني الميلادي بين وجهاء المعبد وكهنته من جهة، وبين مهندسه من جهة أخرى. نقاشات أُدخِلَت على أساسها تعديلات على مشروع بناء المعبد. نزلتُ من "برجي" بعدئذ، ودخلتُ غرفة في إحدى زوايا المعبد، بجانب الدرج المفضي إلى منصة في الأعلى. دخلتُ الغرفة المظلمة بينما روحي وعينايَ تضيئان المسالك العتيقة، ثم خرجتُ وألقيتُ تحية الوداع على كاهن المعبد الواقف في الخارج، الصامت صمت زمنٍ سرمديّ في حجَر، وغادرتُ يعتورني خشوعٌ وهيبة أمام الزمان. وما أدرانا ما الزمان! خصوصاً حين يتسكّع في بطء بين السهَر والحلم. يتردد إذاك الصدى في الحلم، فيتعمّق الزمان.


وحلمتُني في قريةٍ ولا في الأحلام

منذ نحو سبعة آلاف سنة، أنشأت جماعات من الصيادين مستقراً لها على شاطئ المتوسط، فكان هذا المستقر بمثابة قرية بدائية متمثِّلة في أكواخٍ، يُحكى أن الكثير من الأدوات والأواني وتماثيل القرابين وُجدَت فيها. يُحكى أيضاً أن جبيل عُرفت في العصور القديمة باسم جُبلا أو جُبَل، وكان يطلق على المنطقة الساحلية التي تقوم فيها اسم كنعان، غير أن الإغريق في الألف الأول قبل الميلاد ومن بعدهم الرومان، أطلقوا على الساحل اسم فينيقيا، كما أطلقوا على المدينة اسم بيبلوس. ثمة تحليلات تقول إنهم اشتقوا التسمية الأخيرة هذه، من الكلمة التي كانت تعني في لغتهم نبتة "البردي" نظراً لارتباط جبيل بتجارة البردي المستورَد من مصر.

أهوى القلوب الثريّة، لذا أشحتُ عن مدينة جبيل الحديثة، تشدّني غريزة الحلم، لكي أكون في سويداء قلبها القديم، أي في تلك القرية الأثرية التي ولا في الأحلام. كقصيدة نثرٍ تناثرت حجارة القرية الأثرية الدائرية التي يغلب على جزء كبير منها طابع أنثويّ السحر والجمال والهدوء والأناقة والعمق والعبق. القرية الواقعة على مرتفَع، ارتفعت معها أحلامي. كل ما كان يعتور النفس والروح والعقل والوجدان من قهرٍ في منفايَ، تبدَّد في لحظاتٍ من ريش، جرّاء إثارة خارقة تلقّاها خيالي.

نبتَ لروحي جناحان، حين رأيتُ من بعيد بيتاً ولا في الأحلام، نائياً ووحيداً، يصلح لعاشقَين مغمورَين بشدّة وموغلَين في الرومنطيقية. يطلّ البيت على البحر، تجاوره نخلة وحيدة مثله، ومثله تطلّ على البحر، فتشفّ من خلال الثلاثة، البيت والنخلة والبحر، شاعرية المكان. سقف البيت "جَمَلون" قرميديّ، لون جدرانه هو لون سنابل القمح، وشبابيكه وأبوابه كلّها خشبية طولانية تحتاج فقط إلى نقرٍ خفيف بأصابع عاشقة حتى تستعيد روحها.

ودّعتُ الإله باخوس، وتركتُه يسرح في فسيفسائه ويمرح على مسرحٍ رومانيّ لم يبقَ منه سوى الثلث، يعود إلى سنة 218 للميلاد، ويقوم في الأساس بين بوابة المدينة و"المعبد الكبير" و"معبد الأنصاب"، ومشيتُ في هدوء والعصرات اللذيذة تعمر قلبي مع كل خطوة أمشيها في رواق رومانيّ يفضي إلى البيت إياه. تذكرتُ وأنا أمشي في الرواق صديقيَ الفيلسوف زينون، ثم، وبأقدام مسحورة صعدتُ درج البيت، وكنتُ أتقلّب بين الانسجام الهادئ والاندفاع الذي يبعث الحرارة في نفسي، وكلّما صعدتُ درجة أكون على مقربة أكثر من ولادة النور، وهكذا حتى وجدتُني أحيط طرفَي عينيَّ بيديَّ، وأنظر إلى داخل البيت من الخارج من أحد شبابيكه. إن هي سوى لحظات، حتى تفجّرت من البيت ينابيع ضوء. أرواح مشعّة مشرقة، راحت ترحّب بي كعاشقة حالمة وشغوفة. قالت لي: أهلاً وسهلاً بكِ في بيتكِ ومطرحكِ. أهلاً بكِ في معبد "بعلة جُبَل" الذي استمرّت طقوس العبادة فيه منذ نحو 2700 ق.م. وها هو حضورك يحيي المعبد من جديد معيداً تكريم ربّة جبيل. وأنت ربّته الآن يا سيدة هذا البحر. وأنا كمثلِ جدولٍ رقراق كنتُ أصغي، وفرشتُ لاوعيي الذي هو بيتي الذي أحلم فيه، في أجمل زاويةٍ من زوايا المعبد تهتزّ فوقه بخفة ظلالٌ متسللة من شبّاك مطلّ على البحر، وراح المعبد يرتفع حول ينابيعي التي تصبّ أخيراً في "بحيرة مقدسة"، وانحشر العالم في كوخي الصغير، كأنّي أعيش في ماضي بحيرة العالم الأولى المقدسة ونبعه. وفاحت رائحة طحالب عالقة على المَراسي المنذورة، تلك التي أُودِعت المعابد لتأمين حماية إلهية للملاحة.

***

على النقيض من تفجّر ينابيع الضوء، في الجزء الأنثويّ من القرية؛ بُنيت تلك القلعة الصليبية عبر "الانتزاع"، حين سقطت جبيل بيد الصليبيين، حيث "انتزع" هؤلاء من أبنية العصور السابقة ما يساهم في بناء القلعة. وعلى النقيض من سعة الحلم ورحابته ولا محدوديته، و"استسلامه" الجسور للحياة وللطبيعة والبشر، والحب والكون؛ كان الجزء الذي يطبع القرية بصفاتٍ عسكرية، ربما يشي بالخوف المسكون في صميم القوة الظاهرية العنيفة للعسكر، يحصّن القلعة الصليبية بجدرانٍ سميكة، ويسوّرها بسور منيع، تدعمه أبراج زاوية، وبرج في وسط الجدار الشمالي زيادة في تحصين المدخل، والأبراج المسنَّنة المجهَّزة بمرامٍ للسهام. أما بوابة القلعة فمحميّة بباب خشبيّ متحرّك أفقياً، وبمقاذف (شرفة فوق الجدران أو البوابات لرمي الحجارة أو صبّ السوائل الحارقة على المهاجمين). يسود هذا أيضاً على بناء يعود إلى الفترة الفارسية (550-330 ق.م)، حين وقعت جبيل تحت النفوذ الفارسي، وقد أطلق على البناء اسم القلعة بسبب ضخامة جدرانه ومتانة بنيانه وبسبب الحصانة التي يتمتع بها وهي كلّها عناصر تدل على الصفة العسكرية (في حضرة القلاع، وعندما تكون الخواطر في عنفوان جيشانها؛ غالباً ما يسود إحساسٌ بأننا نحن أنفسنا أدواتٌ للدمار أيضاً).

أنظرْ مثلاً إلى نص مكتوب على ناووس أحيرام الذي عُثر عليه في "المدافن الملكية"، نُحِتَ عليه عرش الملك أحيرام يحيط به تمثالان لأبي الهول مجنَّحان وأمامه موكب يقوده أحد الأعيان يتقدّمون نحوه حاملين إليه القرابين. وتبدو على جانبيه نساء يلطمن رؤوسهن ويمزقن ثيابهن حزناً على الملك الفقيد. النص حسبما يُروى، يمثّل أحد أطول النصوص المكتوبة بالأبجدية الفينيقية وأقدمها، يعود ربما إلى القرن العاشر قبل الميلاد. جاء فيه: "صنع هذا الناووس أتوبعل بن أحيرام ملك جبيل لأبيه أحيرام عندما وضع الأبجدية. وإذا صعد ملك من بين الملوك أو حاكم من بين الحكام أو قائد جيش إلى جبيل وفتح هذا الناووس فليذبل صولجان ملكه وليقلب عرشه الملكي وليهرب السلام من جبيل. أما هو فلتمح كتابته "في وجه جبيل".

إلى جانب كون النص المذكور، جزءاً مهماً مما يمكن وصفه بثورة في مجال التدوين بالأبجدية الفينيقية لا سيما بعدما أخذها عنهم الإغريق ومن بعدهم الرومان. إذ كان كتَبَة جبيل قد توصلوا إلى اختراع نمط جديد من الكتابة من خلال اعتماد رمزٍ لكل صوت من الأصوات مستبعدين الأسلوب المقطعي والرموز المسمارية أو الهيروغليفية التقليدية. إلى جانب ذلك كلّه، فإن لغة الحرب واضحة في النص المذكور. كذا النزوع الذكوريّ الغريزيّ فيه، إلى السلطة والجاه والمُلك والغلبة، حتى أنّ لا ضير في أن "يهرب السلام" من البلاد إذا ما حاول أحدهم مسّ السلطة المحتكَرة أو مسّ شخوص ملوكيّة! وإذا ما نظرنا عميقاً في ما تفعله الآن الجيوش النظامية والرؤساء والملوك والحكّام والزعماء في بلادنا خراباً وتدميراً، لَربما اكتشفنا كم أن الزمان غير قادر على تعليم هؤلاء أي شيء! يبدو أن "طبيعة" الذكوريين السلطويين هي "هكذا" منذ غابر الأزمان (يعذّب قلبي التفكير في القوة المدمِّرة في كل جزء من بلادي).

***

بعد طقسٍ ولا أجمل عشتُه في ذاك البيت الذي ولا في الأحلام، وقبل أن أزور القلاع المذكورة وما شابهها من آثار تغلب عليها الصفة العسكرية، كنتُ قد جلستُ تحت شجرة وارفة في أعلى تلة صغيرة. جلستُ بلا وزرٍ معرفيّ، وبالقرب منّي انتصبت أربعة أعمدة بقُبُلاتٍ تاجيّة. أخرجتُ مرآة روحي من حقيبة كوني، وتأملتُ الملَكات الهاجعة في أعماقي. استغرقتْني النشوة، فأودعتُ في غابات الحلم، سكةَ القطار، والبئر، وبقايا البيوت والقصور، والمشكاوات والتماثيل ونوافير الماء. ابتسمتُ لتماثيل أشخاص هزليين، في محاولتها إثارة الضحك لغرض إبعاد الأرواح الشريرة المسبِّبة للعقم. كنتُ أحلمُني في القرية الأثريّة كلّها في شخصية ذاكرة قديمة جداً. كنتُ في وحدتي العميقة، "أناضل" من خلال الحلم هذا للحفاظ على وجودي.


في متحف بيروت

تماثيل ومنحوتات ومجسَّمات ونواويس كثيرة، كنتُ قد رأيتُ مواقعَها الأصلية من قبلُ في بعلبك ونيحا وجبيل وغيرها، والحق أقول إن المتعة الحقيقية هي هناك، حيث تكون الروح متاخمة للروح في مكمنها.

كأرضٍ هيلينيّة تدور حول نفسها؛ درتُ وكاميرتي حول أسطورة أخيل المحفورة على ناووس من القرن الثاني الميلادي: أخيل يظهر وهو يلبس درعه بعدما سمع طبول الحرب تُقرع، يحيط به كلٌّ من فينيكس وأوليس وأغاممنون. درتُ: بريام راكعٌ أمام أخيل يقبّل يده بعدما دفع فدية استرجاع جثة ابنه هكتور. درتُ: أخيل يصغي إلى طبول الحرب. درتُ: أخيل يفكّ جثة هكتور عن العربة. درتُ أيضاً وأيضاً: الملك بريام راكعٌ أمام أخيل متوسِّلاً إياه تسليم جثة ابنه هكتور الذي تجرّه عربة. ثم، أسدان متقابلان على جهتَي كانتاروس. ثم، أخيل حزيناً أمام سرير صاحبه باتروكل. ثم إعدام سجين من طروادة أمام أخيل. في حميمية شديدة، استرجعتُ ليالٍ ثلجية عاصفة، في الشتاء الماضي وكنتُ لا أزال في سوريا. في تلك الليالي، قرأتُ "الإلياذة" أمام مدفأة الحطب في بيتي الريفيّ النائي.

في المتحف، مررتُ بين تماثيل أجسادٍ ممشوقة لنساءٍ جميلات بأثواب رائعة منسابة برشاقة نحتيّة؛ قبل أن أدور ثانية حول ناووس الآلهة السكارى (صور، القرن الثاني الميلادي)، حيث آثرت امرأة التمدد أمام رجل تمدَّدَ خلفها في التيه، وأطفال من حولهما يلعبون ويعزفون ويمرحون ويلهون ويرقصون ويغنّون. طلبتُ من إله الحب ومن إله الروح (جبيل، القرن الثالث الميلادي) في فسيفساء قريبة من ناووس الآلهة السكارى، أن يحميا هؤلاء من الحسّاد، مستلهمةً في سبيل ذلك فسيفساء عائدة إلى العصر البيزنطي في الجناح المقابل، تقول: "الحسد شر كبير إنما حسنته/ أنه يضني أعين الحساد وقلوبهم".

درتُ أيضاً مقدِّسةً إلهة الصحة هايجيا التي من جبيل في القرن الثاني الميلادي، كأنّ التقديس لا يكون في غير الدوران أولاً، والصعود تالياً. أمعنتُ طويلاً في جرنٍ كبير أمامها، ففاض ماءً.

تذكرتُ الفراشات التي طالما طيّرتُها في معبد جوبيتر في بعلبك؛ حين نظرتُ في عينَي تمثال الإله مركور المتألمَتين المتأمّلتين المتطلّعتين إلى الأعلى بشوقِ الخلاص من قبضة مخالب النسر رمز جوبيتر.

ونظرتُ طويلاً في عيون باخوس وديونيسيوس، قبل أن أُصعقَ بوجوهنا الآن، مصمودة أمامي على رفوف في المتحف. وجوه مندهشة. مفجوعة. غاضبة. ساخطة، وعيون غائرة. محملقة. متوعِّدة. مؤنِّبة. قلقة. ملامح مكشِّرة وأخرى نائمة. صحْتُ بيني وبيني: إنها وجوهنا. إنها سوريا. حياتنا ومصائرنا!.


قلعة البحر

قلّما ركبتُ في حافلة لم تكن الأرزة في ثوبٍ أميركيّ متدلّية أسفل المرآة أمام السائق. ضقتُ ذرعاً، بأرزةٍ تجري إهانتها على نحو صفيق. اختنقتُ لاختناقها أخيراً، حين كنتُ ذاهبة إلى قلعة البحر في صيدا في الجنوب اللبناني، المدينة الساحلية التي يكتنف تاريخها القديم بعضٌ من غموضٍ غامض. كان سائق الحافلة، على جري العادة، يعلّق على المرآة أمامه الأرزة اللبنانية في ثوب أميركيّ. فقلتُ لأنبّه "المقاومين" على الطريق، إلى أنه لا يجوز لنجومٍ و"خطوطٍ حمراء" أن تحتلّ أخضر "أرزتنا". أزالها السائق فوراً، ما إن فتحتُ السيرة؛ فأعربتُ أن ما أطرحه على هيئة اعتراض هو مجرّد رأي شخصيّ لا مصادرة "حرّيات". كانت المسألة بالنسبة إليّ، على المستوى الداخلي العميق، رغبة في أن أعيش "رحلة القصيدة" من خلال إناطتها بكلّ راهنيّتها.

***

كنتُ كلّما سألتُ أحدهم عن معبدٍ، يجيبُ في هيئة استنكار، "قصدِك القلعة!". يبدو أنّ للقلعة في مجتمعاتنا المطبوعة ذكورياً مكانة خاصة، كونها ترتبط في الأذهان بالفحولة ربما أو بالقوة العسكرية النافذة. أياً يكن، لم يعنني في قلعة البحر في صيدا، كون الصليبيين مثلاً هم الذين بنوها على إحدى الجُزر الصغيرة المواجهة للمرفأ الشمالي، أو كون بنائها يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، أو غير ذلك من تفصيلات تاريخية. كنتُ فقط شغوفة في المشي الهادئ على جسرٍ حجريّ يصل القلعة بالشاطئ، أترنّم كأنّي حورية البحر على منصة عرضٍ تحيط بها من اليمين ومن الشمال عوالم فائقة الزرقة والتماوج، مسكونة بالأرجوان وبأنواع كثيرة من المحار منها "المُرّيق" بوصف هذه كلّها جوهر هذه المدينة.

غريبٌ أمر قلعة البحر هذه، كيف تنسيك الحرب، على الرغم من كونها قلعة! ألأنها في عرض البحر؟ ألأنّ الأضواء فيها، إذ تدخلها متجوّلاً متقافزاً، طالعاً نازلاً، جالساً واقفاً، متأمِّلاً حالماً ناسياً ومنتبهاً فائقاً، تحثك في حالاتها المتنوعة الخصبة على أخذ عوالمها على محمل الجد والدأب والخفاء، بوصفها فنّاً ضوئياً طبيعيّاً، قد يفضي إلى فلسفةِ ضوءٍ، شِعرية من طراز خاص؟

مع الضوء المتسلل، صارت أبراج القلعة قناديل. إن اصطدامك فجأة بشعاع ساطع مبهر متفجّر في نافذة تعلو درجاً هنا، أو في كوة في أعلى قنطرة هناك، من شأنه ربما أن يُدخل الضوء الرجراج هذا إلى الزوايا الغامضة فيك، وإن القلب المرهف ها هنا لا بد أن يتآلف وبصيص النور الذي يصارع الدياجير، فيتجلى المعنى الحقيقي لـ"الواضح الغامض". شبابيك ضوء تخاطب العين والروح دفعة واحدة في وضوح وغموض منسكبَيْن من نافذة إلى عمقٍ مظلم، لا يُغامَر فيه بكل الضوء تارة. طوراً يُستنفَد فيه الضوء كلّه.

إن النظر عميقاً في البحر من خلف قضبان شباك في تلك القلعة الصغيرة الهائمة في عرضه، وتلك البوارق الغامضة، وكل هذا المشهد المتحيّر الجليّ في آنٍ واحد؛ يوقظ في النفس جلّ معاني الحرية النابعة من داخل الفرد الإنسانيّ الذي يمكنه أن يبقى حراً روحاً وعقلاً ووجداناً وتصوّراً، حتى لو كان جسداً خلف القضبان. أما مهارة اكتشاف الذات أمام البحر، فهذا مما يمكن اعتباره بمثابة "المشاهدة" لدى المتصوفة، إذ تضيق العبارة هنا حد الصمت.


صباح الفاكهة في حمّانا

كم فرحتْ شجرة التوت المتروكة حين التهمتُ من حبّاتها الحلوة. ما ألذّها! كل الأشجار المتروكة حكتْ لي في ذاك الصباح سرّاً، حين رحتُ آكل بنهم من ثمارها المهمَلة التي طالما ترفّع ناسها وأهلها عن قطفها. قالت: لا شيء يُفرح الشجرَ أكثر من أن تثمر ويؤكل من ثمارها، والعكس يحزنها ويجعلها كئيبة، بل مفجوعة لا تدري ماذا تفعل وهي ترى بأمّ الأغصان والظلال كيف تذوي ثمارها وما من شفاه ولا لسان ولا أيادٍ. لستُ أدري إذا ما كانت الأشجار نفسها قد حكت يوماً للشاعر لامارتين السرّ نفسه حين زارها، حسبما روتْ، في ضيعتها حمّانا، لكن كل الأشجار قالت لي أنا السرّ نفسه: الكرز، التوت، الجوز. وكم استحقّ الكرز بالذات مداعبةَ أصابع الحشائش خصلات الشعر الكيرلي العالقة بها، وتقبيل الشوك للقدمين، فضلاً عن مغازلة العينين البرّاقتَين للحشائش والشوك. مع كل حبة كانت تطعمني إياها الأشجار في حب شديد، كانت تقول لي: إياكِ أن تشبعي. كُلي. كُلي بنهم. بنهم أكثر. أعرف أنك لن تستطيعي شراء ثماري حين تكون في السوق. هناك لا أعود أشعر بالفرح نفسه، وبالنشوة نفسها، حين يأكل البشر من ثماري. اسرحي وامرحي في البرية الجبلية هذه. تلذّذي وحدك مع هذه الجبال الصديقة الوحيدة مثلكِ. وأنا، أمام الليلكيّ والأصفر، ثم الأبيض والأخضر، في أعلى قمة من الغبطة، من النشوة الروحية، لم يكن لي سوى الانحناء لكحليّ البحر البعيد القصيّ، وهو يشرقني شرقاً. إن أجمل الجمال، هو ذاك الذي يقطر من المُرّ والمرارة حقاً.


3

قبل أسابيع قليلة، غاردتُ لبنان، بعدما أهديتُ مرآتي للطبيعة. لم أشأ تركها وحيدة هناك، ينظر فيها ذوو الأرواح الخشنة.


*كاتبة سورية
























































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

سحبان السواح

كثيراً ما فكَّرْتُ في موضوعِ الصَّلاةِ، وقصَّةِ مُحَمَّدَ معَ ربِّهِ وموسى، وطلبِهِ تخفيفَ الصَّلواتِ الَّتي فرضَها اللهُ على المسلمينَ في المرَّةِ الأولَى؛ وكانَتْ خمسينَ صلاةً، فلو قَبِلَ النَّبِيُّ بهذا العددِ...
المزيد من هذا الكاتب

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

دفاعاً عن المثقف الحقيقيّ ضد استبداد العاميّ

13-حزيران-2015

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow