Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

نيوتون/جانيت ونترسون ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-10-24

هذه هي حكاية توم.
هذه حكاية توم و جيرانه.
هذه حكاية توم و جيرانه و حديقة جيرانه.
هذه هي حكاية توم.
قال توم:"كل جيراني فيزيائيون كلاسيكيون. و قوانينهم في الحركة صارمة. ينهضون في السابعة صباحا و يغادرون في الثامنة إلى العمل. تتناول المرأة القهوة في العاشرة. لو رأيت شخصا في الشارع بين ١ و ٢ ظهرا في وقت الغداء، يكون الطبيب فقط، أو أنه دافن الموتى، أو غريب".
قال توم:" أنا هو الغريب".
قال توم:"ما هو القانون الأول في التيرموديناميك".
"ليس بمقدورك نقل الحرارة من البارد إلى الحار. لم أجد أي دفء عند الجيران و لذلك أتكهن أن هذا صحيح. هنا في نيوتون نحن لا نتكلم كثيرا. لأن جيراني يتكلمون طوال الوقت، و يتبادلون الشائعات، و لكنني لا أعرف شائعات، مع أنه في بعض الأوقات أنا إشاعة صغيرة".
قال توم:"و ما هو قانون التيرموديناميك الثاني؟".
"كل شيء يميل إلى حالة الإنتروبيا. و هذا يعني أن الطاقة موجودة هناك في مكان ما و لكن لأهداف نفعية تضيع. انظر إلى جيراني هنا في نيوتون و ستفهم ماذا أعني".
لدى جارتي حديقة حافلة بكل أنواع الزهور البلاستيكية. تقول:" هذا سهل. و هي رائعة". و حينما مات زوجها مددته، و لكنه وقف على قدميه، يداه على خصره، و نظر إلى السماء بتمعن.
قالت:" ما الخطب يا توم؟". كان زوجها يتقدم على طول السور مثل بطة في ميدان نيران.
" لماذا لا تتزوج؟ في أيامي لم تكن هناك صعوبة في الاقتران. نتزوج و نبحث عن أفضل ما في الزواج، و لا تحصل إشكالات".
" كيف؟".
تحركت بخطوات أسرع فأسرع و هي تجمع الثياب الداخلية من حبل الغسيل حتى طمرت بها صدرها. كانت ترغب أن أتأمله، تريد أن تثبت أنني خدعة. و في النهاية. لو أنني كذلك، هذا يعني أنه ليس هي، و لا الآخرين. لا يمكن أن يكون لديك واحد فقط من هؤلاء في البيت. دارت في أرجاء المكان، مستعدة لتقفز إلى الخلف بالاتجاه الآخر، و من كل فتحة تخرج السراويل.
" نحن سعداء لأننا طبيعيون يا توم. تلك الأيام كانت معقولة، يوجد شيء تفتخر به".
توم الأحمق. ها أنا مع نسختي الأجنبية بغلافها العادي و سروالي الشامواة. سألني قبل أن يتعجب: ( هل لديك شيء ضد ليفيس؟). كل الناس هنا يرتدون ليفيس أو الديني، أو الشينو. و الفرق الوحيد : هذه السراويل تضغط على معدتك تحت أو فوق الحزام عند الخصر.
اشتبهوا أنني مثلي جنسيا. لم أهتم. لا أهتم من أنا. أنا لست شيئا ما أصلا.
قالت لي أمي من زمن طويل، عدة مرات قبل مدة بعيدة:' ماذا ستكون حين تنضج؟".
"رجل إطفاء، رائد فضاء، جاسوس، سائق قطار، قبعة قاسية، مخترع، سائق في أعماق البحار، طبيب و ممرضة".
أسأل نفسي و أنا أنظر بالمرآة معظم الأيام:" ماذا سأكون حين أكبر".
" نفسي. أن أكون نفسي".
ومن هو ذاك يا توم؟.
في كون يعمل كالساعة تجد ابن الكوانتوم. لماذا لا تؤمن كل أم أنه بمقدور ابنها تغيير العالم؟. هذه نكتة.
هنا لا نزال نبحث عن مخلص و المئات يولدون في كل لحظة. انظر إلى ذلك، هذه الكبسولة الجديدة من الحياة، لا تهتم بخيلائك و زهوك. و لا بؤسك، بلا قلق تجاه العالم الذي اكتمل تكوينه. هل نعيد الكرة؟. ربما لو سمحنا لهم، و لكننا متأكدون أنهم ينضجون و يكبرون مثلنا تماما، و ينتابهم الخوف على شاكلتنا. لا تسمح لهم بالتعرف على الإمكانيات الدفينة فيهم. و لا تدعهم يسمعون غناء العشب. و اتركهم يعيشون ليموتوا في نيوتون، تيك، تاك، النفس الأخير.
سمعت دقات على بابي، خبأت نسختي من كامو في الثلاجة و نظرت من خلال الزجاج المتجلد. طبعا، لا يمكنني رؤية أي شيء. لا يستطيعون تنبيهك إلى ذلك حينما تضيف الزجاج المضاعف.
"توم؟ توم؟" "طق، طق".
إنها جارتي. ترنحت إلى الباب، القدم حافية. وهناك كانت، و شعرها مكوم على رأسها مثل باقة زهور عند نصب حربي. وكانت تغطي نفسها بثياب زهرية.
قالت:" أنا لا أقاطعك يا توم، أليس كذلك". قالت، و عيناها تنقبان ورائي في المطبخ.
"كنت أقرأ".
"هذا ما اعتقدته. قلت لنفسي: توم المسكين يغرق في القراءة. و هذه ليست مشاغل حقيقية. و يمكنني طلب معونة. تعلم كم من الصعب أن تكون امرأة وحدها تعتني بكل شيء. منذ وفاة زوجي الحياة معقدة يا توم".
كانت لها رائحة النساء. دافئة، معطرة، و تحرضه قليلا. و توجب علي اتخاذ الحيطة كي لا أتصرف بحماقة، دعوتها لفنجان قهوة.
كانت تبدو سعيدة، ولكنها واظبت على النظر إلى قدمي العارية و قميصي غير المرتب. لا بأس. هي تريد أن أساعدها في بيتها. هذا شيء طبيعي. ممتاز. يجب أن أكون طبيعيا و متعاونا.
"أمي هنا. هل ستساعدني في حملها إلى البيت".
" الآن؟ هل نباشر حالا؟".
" جاءت من مسافة بعيدة. و يمكنها أن ترتاح قليلا في الشاحنة. هل يمكن أن نشرب القهوة أولا؟".
لم أكن أحب جارتي و لكن لا تزال يدي ترتعش على ملعقة السكر. لقد أصبحت أشعر أنني غريب الأطوار و بلا انتماء منذ فترة، و الآن أبسط الأشياء ينتابها الشعور بالغربة.
كيف يمكن لإنسان طبيعي أن يحضر القهوة. و ماذا الذي يقلقهم مني إلى هذه الدرجة؟ فأنا نظيف. و لدي عمل.
"أخبرني ياتوم، هل الاحتفاظ بالكتب في الثلاجة سلوك حديث؟".
في روايات الجريمة ذات السعر الرخيص، غالبا نقرأ هذه العبارة " در حوله". و هذا يدفعني للضحك. وأتخيل كائنا بشريا مضحكا و تجريديا إلى هذه الدرجة، و لكن حينما وجهت لي السؤال، بدأت بالدوران. في دقيقة كنت بمواجهة المغسلة، في الدقيقة الثانية أصبحت بمواجهتها، و هي بمواجهتي، و بين يديها نسختي من كامو.
و قالت بلغة هرة مستثارة:" كنت أبحث عن الحليب فقط يا توم، من هو ألبير كاي ميو؟".
"جنتلمان فرنسي. كاتب من فرنسا. و لا أعلم كيف وصل إلى الثلاجة.".
و كررت كلماتي بتمهل كما لو أنني ذكرت لها حقيقة كونية.
" لا تعلم كيف وصل إلى الثلاجة؟".
هززت منكبي و ابتسمت و حاولت أن أنتزعه من يديها.
" إنها ثلاجة واسعة. ألا تعثر على أشياء نسيتها في ثلاجتك؟".
" كلا يا توم. أنا أخزن الجبنة في الأعلى، و تحتها البيرة و النقانق، و في الأسفل أحتفظ بفروج عطلة الأسبوع. و في أدنى رف أضع السلطات و البيض. هذه هي القاعدة عندي. و كنت أفعل نفس الشيء حينما كان زوجي على قيد الحياة و لم أغير عادتي حتى الآن".
وبدأت أنظر إليها باحترام من نوع آخر. و جاء إلى ذهني حاصد الأرواح. لقد أخذ معه زوجها من السرير و ترك لها فروج عطلة الأسبوع على الرفوف.
" أيها الموت أين لدغتك".
مالت جارتي إلى الأمام بطريقة خاصة. و كامو لا يزال بين يديها، و أراحت يديها على الطاولة. و بدت عليها علامات الود و التقارب. كانت ناعمة و أصبح بوسعي ملاحظة بدايات نهديها.
وقالت:" هل تساءلت يا توم مرة أنك بحاجة للمساعدة؟". و لفظت المساعدة بأحرف عميقة، كأنها على عتبات بيت للعبادة.
و اقتربت مني أكثر. و كشفت عن المزيد من نهديها فقلت:" لو أنك تشيرين إلى الثلاجة أي انسان يرتكب مثل هذه الأغلاط".
" سأكون صريحة معك يا توم. هل تعرف ما هي مشكلتك؟. أنت تقرأ الكثير من الأعمال الهامة. و لا أعلم بالضبط هل السيد كاي ميو من عداد العباقرة أم لا و لكن في ذلك اليوم شاهدتك في ساحة المدينة تقرأ في مذكرات بيكاسو. كان الأولاد يغادرون المدرسة و كنت تقرأ في بيكاسو. أخبرتني الآنسة فين في المكتبة أن هذا ديدنك. لا تستعير إلا كتب العباقرة. لم يكن لديها في سجلاتها إشارة واحدة أنك تقترض قصة عن عالم البحار. هذا غير صحي. و لماذا ليس هو علامة تدل على الصحة. لأنك أنت شخصيا لست عبقريا، لو كنت كذلك لبلغ شيء مسامعنا بعد كل هذا الوقت. أنت إنسان عادي مثلنا جميعا و على الناس العاديين أن يعيشوا حياة طبيعية. مثلنا جميعا. مثل كل من يعيش هنا في ترانكويل غاردينز".
و ارتدت إلى الخلف، و سحبت معها نهديها.
قلت لها:" هل علينا أن نذهب لمساعدة والدتك؟".
في الخارج تقدمت جارتي نحو شاحنة مغلقة تقف أمام بيتها. التقيت بوالدتها من عامين منصرمين و لكن لم يكن بمقدوري رؤيتها في هذه الأيام.
فتحت جارتي الأبواب الخلفية للشاحنة المأجورة و بالتأكيد كانت أمها هناك. تجلس منتصبة في مقعدها المتحرك و الذي كان بيتها و سيارتها في وقت واحد. كانت تبتسم ابتسمة مطاطية مرعوبة، و أسنانها ناصعة البياض و منتظمة كأسنان السعدان.
" لقد أدوا عملا ممتازا يا توم؟ إنها الآن أقوى من دوغ، مع أنه كان متعافيا في ذلك الوقت. أتمنى لو تستطيع أن ترى نفسها. لم تنتبه أبدا أنني أغبطها. ستفتخر بما وصلت إليه".
" هل تلك هي أسنانها الطبيعية".
" الأن يا توم هي أسنانها".
" أين ستودعينها؟".
" في الحديقة مع الزهور. فهي تعشق الزهور.
بتمهل، ببطء،حملنا الأم نحو الأسفل. و دفعنا الكرسي على الرصيف النظيف إلى البيت المغسول. كان هذا وقت قهوة المساء و تحامل الكثير من الجيران على أنفسهم ليقدموا لنا التحيات. كانوا شديدي الاحترام و اضطررنا إلى تبادل كلام فضفاض حتى عاد الرجال إلى بيوتهم. كانت جارتي تحصل على بطاقات عن كل خطوة تقوم بها حيال ترتيبات موتها. و أكدت لو أن حي نيوتون يسير كما تريد ستكون قد دفعت ٧٥ بالمائة من التكاليف يوم وفاتها.
" رأيتك تتسكع حول المقبرة يا توم. أليس هذا فألا سيئا".
ماذا تعتقد؟. هل أنا غول؟ لقد أخبرتها من قبل أن والدتي دفنت هناك و لكنها هزت رأسها و أخبرتني أن الزوجين الشابين بحاجة للأرض.
" حتى نتعلم كيف نتحدى موتنا و نمنعه يا توم. علينا أن نتعايش مع الظروف. لا مكان للموتى ما لم تتعامل معهم كديكور للزينة".
وحاولت أن أخبرها لو أننا توقفنا عن الموت، لا يمكن لكل المقابر في العالم أن توفر مساحة كافية لصعود و انفجار الكثافة السكانية. و لكنها لم تسمع. نظرت لي بعيون حالمة و هي تفكر بالثنائي المتزوج.
كانت نيوتن مزدحمة بالمتزوجين. و نحن بحاجة لشوارع باتجاه واحد لنسمح للعزاب بالمرور. أكره التسوق في نيوتن. و أكره شق طريقي بين تماسيح، كل إثنين مع بعضهما بعضا في الشارع الرئيسي. و كأن السماء حطت على الأرض.
هنا عظام الأكتاف المرنة، و الأطفال التي تهوي كالحشرات. و مخازن (اخدم نفسك) مزدحمة بصور الملكة و مولات التسوق مزدحمة ببورتريهاتها. ألا يعلمون أن الله سيء للصحة؟ تخيلي أنك زوجة و تقولين يا عزيزي، هل توفر لديك وقت لصيانة دورة المياه؟. و تصور أنك زوج و تضع خطة لتنطيف دورة المياه بعد أن تركتك زوجتك.
لماذا يتزوجون؟. هذا شيء طبيعي. رائع. إنهم يفعلونها بالطريقة التي يفعلون بها أي شيء آخر في نيوتون. تقول الساعة: تيك، تاك.
زعقت تقول:" شكرا لك يا توم". و ذلك حينما وقفت أمها قرب البطات في البركة. كانت البطات بلون الحمام الأصفر مع مناقير حمر مغردة و في البركة مياه حقيقية مع القليل من الكلور فقط للحرص. لم أدخل إلى حديقتك الجيران مسبقا. كانت هادئة. و لا خشخشة تحت الشجيرات الزاحفة. لا يوجد نباتات زاحفة لتخفي الخشخشة. و لا طيور تغرد. و أخبرتني أن الهدوء هو ميزة الضواحي في كل حال.
" لو أنك مبدع يا توم يمكنك أن تجد عملا. الصمت. الهواء. لدي كما تعلم وحدة لتنقية الهواء حين يدخل إلى الحديقة".
كان الوقت في الخريف و هناك بعض الأوراق البلاستيكية المبعثرة على المرج الصناعي. و في أسفل الحديقة، توجد سقيفة لجارتي، مصنوعة من خشب مزيف، و تحتفظ فيها بما لديها من ورود تحسبا لتبدل الفصول. و أخبرتني عدة مرات أن الحديقة تحتاج للتنويع و دائما كهف علاء الدين المكيف الهواء هو منبع لنسخ من الطبيعة الصادقة. التيوليب، الأحمر و الأبيض، يتدلى بالعكس من جذوره. و النرجس البري في باقات ملونة ناصعة مكومة مع زهور الكاميليا المفردة، بانتظار زرعها على أشجار دائمة. و لديها أيضا صف من السناجب التي تتمسك ببندق متشابه الشكل.
قلت لها:" هذه ستكون في الخارج حالا. مع الزواحف الخريفية". كان لديها نبات فرجينيا الزاحف و ينمو حتى البيت. لا يزال أخضر. و هذه نسخة ملتهبة و زاهية منه.
قلت لها:" ما لدي منه يتبدل بطبيعته من فترة".
قالت:" الوقت مبكر جدا. لا يمكنك الركون للطبيعة. لا أحب تساقط الأوراق. و هي لا تسقط حيث يجب أن تسقط. أنت لا تتحكم بالطبيعة، لماذا، فهي تتابع و تفعل ما تريد. علينا ضبط الطبيعة. و إن لم نفعل، سنحصل على البراكين و احتراق الغابات و الفيضانات و الموت و ستتناثر الجثث هنا و هناك. في كل مكان، مثل الأوراق".
مثل الأوراق. فقط كالأوراق. ألا تحبها و لو قليلا حيث تسقط؟. ألا تقلبها لترى المكتوب على الوجه الثاني؟. أحب ذلك. و أحب النص البسيط سواء أمكنك قراءته أم لا، و الذي يكون تحت قدمي و لكنه ملكي، سواء قرأته أم لا. إنها تتساقط. بالمطر و الرياح. و مع ذلك لا أحد ينحني ليحملها و يأخذها معه إلى بيته. تسقط الحياة عند قدميك فترفسها فتنزف دمها على حذائك و حينما تعود إلى البيت، تقول لك أمك " انظر لنفسك، كيف أنك مغطى بالأوراق".
أنت مغطى بالأوراق. تقشرها واحدة بإثر واحدة. و تكشف صف الخلايا التي تحتها. كل تلك المورقات. وحينما يسقط ما سقط. تتناولها و تقرأ المكتوب على قفاها. لا تترك عندك معنى. تدسها في جيبك حيث تحترق كأنها فحم. أخبرني لماذا تركوك، الواحدة بعد الأخرى، من أحببت؟. هل أعجبن بك؟ ألسن هن مثلك بحاجة إلى قلب هو كتاب بلا ورقة أخيرة؟. اقلب الأوراق.
قال توم:"الأوراق تنقلب".
دعتني للعودة من أجل العشاء كطريقة من طرق الشكر، و اعتقدت أنه يجب أن أنصرف لأن هذا هو التصرف الطبيعي الذي يقوم به الناس: يتناولون الطعام مع جيرانهم، و مع أن الجلسة مضجرة و الطعام فظيع. بحثت عن ربطة عنق و ارتديتها.
" تعال يا توم. يا لها من مفاجأة جميلة".
لا شك أنها تعني أنها مفاجأة جميلة لي. لكنه يصعب أن تكون مفاجأة لها، فقد كانت تطهو طوال المساء.
وما أن أصبحت في غرفة المائدة، علمت أنها تقصدني. أعلم ذلك لأن كل السكان في نيوتون كانوا يجلسون على مائدة العشاء، الطاولة لصق خزانة معروضات كابوديمونتي. و تمتد و تمتد.. من فتحة مسننة محفورة في جانب البيت. و تبتعد عنه نحو محطة الحافلات.
قالت جارتي:" أعتقد أنك تعرف الجميع يا توم، اجلس هنا، في مكان دوغ. أنت بطوله تقريبا". هل أنا أعرف الجميع، من الصعب أن تجزم، ما دام كل شيء بعد هذه الحفرة مفقود و ضائع.
" احمل طبقا يا توم. لدينا فروج مطبوخ مع النقانق و محشي بالبيض المسلوق. و هناك سلطة حضرتها بيدي و لدينا ما يكفي من الجبنة و البيرة في الثلاجة لو رغبت بها".
و ابتعدت من قربي، ثوبها يلتحم بها كأنها شخص غريق. لا أحد نظر لما هو فوق طبقه. كانوا يلتهمون الفروج، و كلهم بالدينيم و الشينو، يأكلون الثلاثمائة أو الأربعمائة طيرا تراها ممددة على الطاولة. و في مؤخرة كل منها نصف دستة من البيض. كنت لا أزال أفكر بتفاصيل عملية الشواء و حجم الفرن حينما بم. بم، إحدى الفروجات انفجرت. و ضربت جارتي بالبيض كانها قنابل يدوية. إحدى ذراعيها طارت و لكن لحسن حظها، ليس اليد التي تستعمل بها الشوكة. و لم يلاحظ أحد ذلك. رغبت أن أتكلم، و أردت أن أتصرف، و شرعت بالكلام، و العمل، بمجرد عودة جارتي نفسها حاملة طبقا فضيا مغطى.
قالت و الصمت يخيم على الطاولة:"هذا لك يا توم". وقفت على قدمي لأتمكن من حمل الغطاء الكبير بشيء من الكرامة. و تحته فروجة.
" هذه فروجتك يا توم".
إنها تقول الحقيقة،و من مؤخرة الفروجة تمكنت أن أرى نسخة من الغريب لألبير كامو. ليست ممزقة، و لذلك يمكنني سحبها. و حينما فتحتها لم أجد كلاما فيها على أية صفحة. الصفحات بيض.
" نود أن نساعدك يا توم". كانت عيناها مغرورقتين بالدموع. "ليس أنا فقط. كلنا. كلنا يد تمتد لمعونة توم".
و ببطء بدأت الطاولة تصفق. بسرعة و بصوت أعلى. و اهتزت الطاولة. و تدحرجت الصحون من طرف إلى آخر مثل أدوات مائدة سكرانين في قصة البحر. هذه قصة عن البحر. القبطان و الطاقم لحق بهم الجنون و أنا المسافر الوحيد. أتدحرج. أعدو من غرفة الطعام إلى المطبخ و اضرب الباب ورائي. هنا السلام. سلام صحي غير شفاف. انبطح توم على الأرض و بدأ بالبكاء.
مر الوقت. في نيوتون كلنا نعرف كيف يمر الوقت ببطء و لذلك لا يشعر أحد بالاضطراب و الفوضى. لا يعلم توم كم من الوقت مر. استيقظ من نوم مؤلم و مد قبضته من خلال الزجاج المضاعف لباب المطبخ. عاد إلى البيت و حمل معطفه الواسع و ملأ الجيوب بالكتب و كانت الكتب تشبه بعينيه الفحم المتوهج. ابتعد عن نيوتون، و لكنه نظر إلى الخلف مرة واحدة، و رأى طاولة تمتد وراء منعطف الطريق و طوال الطريق وعلى امتداد البيوت لتلتحم معها في كتلة من الأواني المتشابهة.
عالم بلا نهاية.
قال توم:" و الآن، التلال ناضجة و المياه تنهمر في حنجرتي كلما حلقت ذقني".
قالت ساعة نيوتون تيك تاك.

جانيت ونترسون Jeanette Winterson: كاتبة روائية و قاصة بريطانية. ولدت في مانشتر عام ١٩٥٩ و تم تبنيها و تربيتها في لانكشير. من أهم أعمالها (البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة)، (آلهة من حجارة) و غيرها. و القصة مترجمة من مجموعتها ( العالم و قصص أخرى).

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow