Alef Logo
ابداعات
              

البلوكات التسع

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2015-10-08

وجد أدوب ( وهو تصغير من أديب) لنفسه مكاناً غير مريح في مركز الفنانين الحكومي، أمام الباب الخلفي، والذي يفضي لغرفة مستطيلة تحتوي عشرات اللوحات، ستاند أو حامل اللوحة، بورتريه غير مكتمل لزوجة أحد الفنانين، وعلب كثيرة فارغة ونصف ممتلئة من النفط والتربنتين، يطغى على روائحها المنبعثة دخان سجائر الرسامين الخمسة، من الغرفة الأمامية الصغيرة. في معترك هذا الصيف الخانق اتخذت الأحاديث مجرى آخر، ومع اشتداد قصف منطقة القابون احتدمت النقاشات والأصوات لعلعت، فهم أيضاً كسائر حال البلاد انقسموا إلى فرق، إما مع السلطة الحاكمة، أو ضدها، غير أن هناك أيضاً فئة أخرى تدعى بالرمادية أي الحيادية، كان أدوب ينتمي إليها، لأسباب خاصة. تفرطع اثنان منهم للغرفة المجاورة مع وصول الجدال إلى ذروته، والباقون للعب الشطرنج. كما أن كلاً من "مع أو ضد" سيتفرطعون قريباً، واحداً تلو الآخر، كبذور الهندباء في بلدان عديدة وقارات مختلفة، وستكتب لهم مصائر جديدة.

بدؤوا بالمغادرة تباعاً، مع حلول المساء، لحق أدوب بعيسى إلى الغرفة، حيث كان الأخير يهم لإطفاء الأضواء، وإغلاق المركز، جلس أدوب على الأريكة المغبرة ذات اللونين الخمري والأسود. لاح لعيسى جلياً عبوس وقلق أدوب، فسأله إن كان يريد كأس من الشاي مرة أخرى، فوافق.

كان أدوب في الأربعين من عمره ذي أصول أوسيتية، هاجر أجداده من القفقاس من مئة عام، وسكنوا دمشق. كان أن ولد في يوم ربيعي بقصور عقلي متوسط، كان قصير القامة، حسن التغذية، لجسده لون القصب ولشعره لون الكستناء، عيناه واسعتان وتنزلقان في نهايتهما كذيل السمكة، شفتاه منفرجتان وأسنانه متراكبة مما يعطي وجهه تعبيراً دائم الدهشة.

وبالرغم من الصفات التي ذكرناها آنفاً إلا أن عائلته استطاعت توظيفه في إحدى وزارات الدولة، في السلم الأدنى من الراتب الوظيفي، وعند مشارفة الدوام على الانتهاء كان يأخذ معه إلى المركز عدداً من الجرائد الرسمية، والتي لا يفتحها أحد في الوزارة إلا لقراءة الأبراج، أو لحل الكلمات المتقاطعة، ومع مرور الوقت راقته صحبة الرسامين، فارتاد المركز باستمرار.

"ليس من عادتك أن تبقى حتى هذا الوقت" سأله عيسى وهو يقدم له كأس الشاي " ضع سكر كما تشاء".

وضع أدوب في الكأس الشفافة الصغيرة ثلاث ملاعق من السكر، طفطف الشاي أثناء تحريكه بالملعقة المعدنية المبعجة، رفع الكأس بتوتر وشفتاه تصفقان، وارتشف من السائل الأحمر رشفات متتالية، وبعد لحظات رفع عينيه الساخطتين إلى عيسى وبوجه بريء أبله غمغم:

"جعلوا لي قبراً".

قبل أسابيع قليلة، كانت غرفة أدوب جاهزة، تم بناؤها في الطابق الأخير لمنزل عربي، غرفته الصغيرة فوق شقة أخيه، مستغلين كغيرهم أحداث البلاد وبناء طوابق وغرف ندعوها بالمخالفات، وفي الطابق الأرضي كان يعيش والديه مع شقيقته، وبما أن أدوب يعاني ما يعانيه أراد أن يضمن الأب، بعد وفاته، مكاناً يأوي أدوب، في حال انفض الإخوة جياعاً لافتراس الثروة الضئيلة.

سُعد أدوب بقرار والده، وحين جهزت الغرفة قام بترتيب أثاثها البسيط والقديم بما يتناسب مع حاجاته، وضع الخزانه على الحائط، والسرير على الحائط الآخر مقابل النافذة، في المنتصف وضع طاولة صغيرة عليها كأس شاي وابريق وسكرية في ترتيب نهائي وقد يبدو لوهلة أبدي.

بعد مرور أسبوع كان أن أدمن الاستلقاء على السرير أمام النافذة المفتوحة على مصراعيها. في حين أن اللوحات المعلقة على جدران المركز ثابتة مملة، والأحاديث المكثفة حول تشكيلاتها معقدة مضجرة، ما استطاع أن يستشعر بعقله البسيط الجمال الذي يرهقون أنفسهم في خلقه وتكوينه. غير أنه أمام النافذة استشعر الخفة في حضرة الفضاء الممدود كلسان نحو الأزل. كانت الجدران تستشف أمام طغيان الأمواج البرتقالية للضوء، والتي تنحسر مع زحف الأمواج الفضية من ضفة الغرب، وكلما اقترب العصفور الناري من عشه كانت حرارة الألوان تتبدل وتتدرج رائقة في هيولى متجددة.

كل مساء، تشتعل مصابيح المدن السماوية، يتكحل الليل، وتقطر النجوم ماء الفضة.

في زوارق البحر الأبدي للكون سقطت أحزان أدوب، علق عليها أشرعته المرتقة بذكريات الألم، وأسماء الوجع التي تدور كمسننات في أوردته حين يقذفه المارة بها، رمى على الصواري ابتساماتهم العفنة لترحل بعيداً في جوف الظلام، شقت النوارس أنسجة صدره وخرجت من خلاياه محلقة بأجنحتها البيضاء الكبيرة، زعقت بشدة في الضباب الغبش، ارتمت في الزبد النثاري، وتسلقت أغصان الموج العملاقة ليبحر كقرصان هفهاف جلجال لا وجهة له، لا مقصد، لا رسالة سوى اقتناص لآلئ هذه الجزر العذراء، واللانهائية.

عند تخوم الإنهاك اللذيذ كان يُسحب ويُقلب من الداخل إلى الخارج، فيصبح ما كان خارجاً ضئيلاً، لا قيمة له، ويصير ما كان داخلاً لامتناهياً، وكل القيمة.

ارتشف أدوب ما تبقى في كأسه من الشاي دفعة واحدة، نظر إلى عيسى وقدمه اليسرى في ارتعاش لاإرادي:

" قبل البارحة، استوقف جارنا أخي، أخبره بأني أتلصص على ابنتهم، فردم مباشرة النافذة ببلوكات تسع".

6-10-2015















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

19-آب-2017

السمكة

15-تموز-2017

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow